حرب السودان... هل اقتربت لحظة التسوية؟

الإنهاك العسكري والمجاعة والضغوط الدولية تدفع أطراف الصراع نحو لحظة مفصلية

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

حرب السودان... هل اقتربت لحظة التسوية؟

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، يبدو السودان أمام لحظة مختلفة سياسياً وإنسانياً. ليس لأن المعارك توقفت، أو لأن أحد طرفي الصراع حسم المواجهة عسكرياً، بل لأن تكلفة استمرار الحرب أصبحت تتجاوز قدرة الجميع على الاحتمال؛ داخلياً وإقليمياً ودولياً.

ومع تصاعد الضغوط الدولية، والتحركات الإقليمية المكثفة، والانهيار الإنساني المتسارع، تتكرر الأسئلة ذاتها في الأوساط السياسية والإعلامية: هل اقتربت الحرب من لحظة التسوية؟ أم أن السودان الموبوء بالحروب يتجه نحو صراع طويل يشبه حروبه السابقة؟

التاريخ السوداني لا يقدم إجابات مطمئنة، فمعظم الحروب الكبرى في البلاد امتدت لعقود؛ الحرب الأهلية الأولى في الجنوب استمرت 17 عاماً (1955 - 1972)، والثانية 22 عاماً (1983 - 2005)، بينما استمرت حرب دارفور نحو 17 عاماً (2003 - 2020) وجميعها حُسِمت بالعودة إلى الحوار والتفاهم والسلام. لذلك يضع السودانيون قلوبهم بين أيديهم خشية أن تتحول الحرب الحالية إلى فصل جديد من تلك الحروب الطويلة والمفتوحة.

لكن ثمة من يرى أن هذه الحرب تختلف عن سابقاتها.

فمنذ اندلاع المواجهات بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، في أبريل (نيسان) 2023، راهن الطرفان على حسم عسكري سريع. غير أن دخول الحرب عامها الرابع كشف بوضوح حدود هذا الرهان؛ فالمعارك التي تمددت من الخرطوم إلى بورتسودان، ودارفور وكردفان ثم النيل الأزرق، لم تنتج انتصاراً حاسماً لأي طرف، لكنها دفعت البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومع تعقّد المشهد الميداني، بدأ المجتمع الدولي ينظر إلى الحرب السودانية باعتبارها تهديداً يتجاوز حدود السودان نفسه؛ فالتوترات المتصاعدة في البحر الأحمر، ومخاوف اتساع الفوضى في القرن الأفريقي، وتزايد موجات النزوح والهجرة غير الشرعية، كلها عوامل دفعت العواصم الغربية والإقليمية إلى تكثيف الضغوط من أجل الوصول إلى تسوية سياسية.

وفي هذا السياق، شكّل مؤتمر برلين الأخير محطة مهمة، بعدما أجمعت عشرات الدول والمنظمات الدولية على أن الأزمة السودانية «لا يمكن حسمها عسكرياً»، وأكدت دعمها الواضح لمسار تفاوضي شامل. كما كثفت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تحركاتهما الدبلوماسية للدفع نحو وقف إطلاق النار؛ خصوصاً مع تزايد المخاوف من اتساع دائرة الفوضى في المنطقة.

المشاركون في مؤتمر برلين لمناقشة الأزمة الإنسانية في السودان منتصف أبريل الماضي (إكس)

ومن أبرز المؤشرات على هذا التحول، تصريحات مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الذي أكد أنه «لا وجود لحل عسكري للنزاع في السودان»، مشيراً إلى وجود «إجماع دولي» لدفع الأطراف نحو التفاوض ووقف إطلاق النار. كما تحدث عن جهود أميركية لدعم هدنات إنسانية تمهّد لوقف دائم للقتال.

صحيح أن هذا التحول الدولي لا يعني بالضرورة أن التسوية أصبحت وشيكة، لكنه يكشف عن قناعة متزايدة لدى القوى المؤثرة بأن استمرار الحرب قد يقود إلى انهيار الدولة السودانية بالكامل، وهو سيناريو تخشاه قوى إقليمية ودولية عديدة، خاصة دول الجوار.

وشهدت الأشهر الأخيرة حراكاً إقليمياً أكثر نشاطاً مقارنة بالسنوات الأولى للحرب، حين وُصفت بأنها «الحرب المنسية»؛ فهناك تنسيق متزايد بين الاتحاد الأفريقي، ومنظمة «إيغاد»، وجامعة الدول العربية، إلى جانب تحركات خليجية ومصرية وأفريقية تهدف إلى منع تفكك السودان أو تحوله إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.

وتدرك هذه الأطراف أن استمرار الحرب لن يهدد السودان وحده، بل سيؤثر مباشرة على أمن البحر الأحمر، وحركة التجارة الدولية، واستقرار دول الجوار، بما يجعل التوصل إلى تسوية سياسية ضرورة إقليمية، وليس مجرد مطلب سوداني داخلي.

في الداخل السوداني، ورغم أن الجيش السوداني لا يزال متمسكاً بخطاب استمرار العمليات العسكرية، أبقى الباب موارباً أمام الحلول السياسية. ففي تصريحات بدت ذات دلالات سياسية، قال البرهان، أخيراً، إن «أي شخص وصل إلى قناعة ووضع السلاح، فإن حضن الوطن مفتوح له»، وهي رسالة فسّرها مراقبون باعتبارها محاولة لفتح الباب أمام تسويات محتملة أو تشجيع انشقاقات داخل «قوات الدعم السريع»، عبر تقديم ضمانات ضمنية للراغبين في العودة والانخراط في ترتيبات جديدة.

ومع ذلك، يواصل البرهان التأكيد في أكثر من مناسبة بأن الجيش «ماضٍ في استعادة الدولة ومؤسساتها»، في مؤشر يعكس تمسك المؤسسة العسكرية بسقفها السياسي والعسكري في أي مفاوضات مقبلة، وهو ما يشير إلى أن الطريق نحو تسوية شاملة لا يزال محفوفاً بتعقيدات كبيرة، رغم تزايد الضغوط لإنهاء الحرب.

ضغوط إنسانية

لكن العامل الأكثر ضغطاً على جميع الأطراف ربما لم يعد عسكرياً أو سياسياً، بل إنسانيّ. فقد حذّرت الأمم المتحدة ومنظمات الغذاء الدولية من أن السودان يواجه حالياً واحدة من أكبر أزمات الجوع في العالم. ووفق تقرير «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)» الصادر في مايو (أيار) 2026. يعاني نحو 20 مليون سوداني مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يواجه عشرات الآلاف خطر المجاعة، مع وجود مناطق عدة مهددة بكارثة إنسانية إذا استمرت الحرب.

وقالت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، سيندي ماكين، إن «الجوع وسوء التغذية يهددان حياة الملايين»، داعية إلى تحرك عاجل لمنع تحوّل الأزمة إلى «مأساة كبرى».

أما المديرة التنفيذية لـ«اليونيسف»، كاثرين راسل، فقد وصفت الوضع الإنساني بأنه بلغ مرحلة مأساوية، مشيرة إلى أن أطفالاً يصلون إلى المرافق الصحية «وهم أضعف من أن يبكوا».

المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي سيندي ماكين حذرت من «كارثة إنسانية كبرى» في السودان (رويترز)

وفي الأوساط السودانية، بدأت تتسع دائرة الأصوات الداعية إلى إنهاء الحرب، رغم استمرار الانقسام حول شكل التسوية الممكنة. ويرى بعض المحللين المقربين من الجيش أن تراجع التأييد الشعبي لاستمرار الحرب لا يعني بالضرورة قبول بقاء «قوات الدعم السريع» كقوة موازية للدولة، ما يجعل أي تسوية مستقبلية مرتبطة بإعادة بناء مؤسسة عسكرية موحدة.

كما يرى مراقبون أن تصاعد الضغوط الدولية، إلى جانب الإنهاك العسكري والتدهور الإنساني، قد يدفع الأطراف المتحاربة إلى قبول تسوية سياسية خلال المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، قال الأمين السياسي لحزب المؤتمر السوداني، شريف محمد عثمان، إنه «لا حل عسكرياً ولا سلام دون قيادة مدنية حقيقية»، في إشارة إلى أن إنهاء الحرب يتطلب تسوية شاملة تعيد بناء الدولة ومؤسساتها.

اقرأ أيضاً

ويرى مراقبون آخرون أن المشهد السوداني يقف حالياً عند نقطة توازن معقدة بين احتمالات السلام واستمرار الحرب. ويقول المحلل السياسي محمد لطيف إن المعطيات الدولية والضغوط الخارجية ومعاناة المواطنين تجعل السلام «أقرب من أي وقت مضى»، لكنه يشير في المقابل إلى أن استمرار فتح جبهات جديدة للقتال، وتعقيدات المشهد الإقليمي لا تزال تدفع نحو إطالة أمد الصراع، ما يبقي كل الاحتمالات مفتوحة.

ومن زاوية أمنية واستراتيجية، يرى الخبير العسكري العميد الدكتور جمال الشهيد أن السودان يقف أمام مفترق طرق بالغ الخطورة، بين تسوية سياسية تفرضها حالة الإنهاك العسكري والضغوط الدولية، والانزلاق إلى نموذج «الحرب الممتدة»؛ حيث لا يتمكن أي طرف من تحقيق حسم كامل، بينما تتآكل مؤسسات الدولة تدريجياً تحت وطأة الاستنزاف العسكري والاقتصادي والإنساني.

ويحذر الشهيد من أن عامل الزمن لم يعد في صالح السودان، وأن كل يوم إضافي من الحرب يضاعف تكلفة السلام مستقبلاً.

ورغم كل هذه المؤشرات، فإن الأسئلة الكبرى لا تزال مفتوحة: هل وصلت الحرب فعلاً إلى مرحلة الإنهاك التي تسبق التسويات؟ أم أن السودان لا يزال في بداية صراع طويل لم تتشكل ملامح نهايته بعد؟


مقالات ذات صلة

مشروع قانون أميركي لشراكة زراعية وتعدينية مع السودان

شمال افريقيا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هو من يقرر ساعة الصفر لانطلاق المبادرة (رويترز)

مشروع قانون أميركي لشراكة زراعية وتعدينية مع السودان

طرح عضو في مجلس النواب الأميركي مشروع قانون لإقامة شراكة اقتصادية بين الولايات المتحدة والسودان، تقوم على تبادل الموارد المعدنية السودانية بالتكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا معبر أرقين البري الرابط بين مصر والسودان (أ.ف.ب)

مقتل سائقَين مصريين في الخرطوم يدفع آخرين إلى العزوف عن السفر

يحاول السائق المصري سامي لطفي (40 عاماً) على مدار الساعة، أن يصل إلى زميله وشريكه الموجود حالياً في السودان، لنقل شحنة تجارية، دون فائدة.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (أرشيفية - وكالة الأنباء السودانية)

البرهان يبعث برسالة إلى ترمب يؤكد فيها التزامه بتحقيق السلام

بعث رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، برسالة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الخميس، يؤكد فيها التزامه بتحقيق السلام.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا جنود من الجيش السوداني بمطار الخرطوم الدولي في 3 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

السودان: تباطؤ العمليات العسكرية والغارات على الجبهات

يعزى تراجع المعارك إلى أن الطرفين المتحاربين في السودان يكثفان الحشود العسكرية على الأرض، استعداداً لمرحلة جديدة من المعارك.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تقرير إخباري مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)

تقرير إخباري عمال اليومية في مهب ريح الحرب بالسودان

في الخرطوم التي تحاول استعادة إيقاع الحياة بعد سنوات الحرب لا تزال أبواب كثيرة مغلقة أمام العمال الذين كانوا يعتمدون على ما يكسبونه نهاية كل يوم

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

مصر تستدعي القائم بالأعمال الكولومبي للاحتجاج على افتتاح «سفارة في القدس»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
TT

مصر تستدعي القائم بالأعمال الكولومبي للاحتجاج على افتتاح «سفارة في القدس»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)

استدعت مصر القائم بالأعمال الكولومبي في القاهرة للاحتجاج على افتتاح سفارة لكولومبيا في القدس. وأفاد مصدر مصري مطلع، الجمعة، بأن وزارة الخارجية استدعت القائم بالأعمال الكولومبي في القاهرة، للإعراب عن احتجاج مصر الشديد ورفضها القاطع لافتتاح كولومبيا سفارة لها في القدس المحتلة، باعتبار ذلك «خطوة أحادية غير مقبولة، تتعارض مع الوضع القانوني والتاريخي القائم للمدينة، ومخالفة صريحة لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة».

وأكد المصدر، وفق ما أوردته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية المصرية، الجمعة، أن «هذا الإجراء يُعد باطلاً ولاغياً، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأوضح المصدر المطلع أنه «جرى التأكيد خلال الاستدعاء على أن مثل هذه الخطوات غير المسؤولة ستكون لها تداعيات سلبية على الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، ومن شأنها تأجيج التوترات».

كما شدد على «ضرورة احترام الوضع القانوني والتاريخي للقدس المحتلة، والامتناع عن اتخاذ أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بفرص تحقيق السلام على أساس (حل الدولتين)».

وكان وزراء خارجية المملكة العربية السعودية، ومصر، وفلسطين، وتركيا، وجيبوتي، ولبنان، وليبيا، واليمن، وقطر، والأردن، والصومال، وماليزيا، وإندونيسيا، والكويت، والجزائر، وسلطنة عُمان، وسوريا، والسودان، وباكستان، وجنوب أفريقيا، قد أعربوا عن رفضهم القاطع لقيام كولومبيا بافتتاح سفارتها في القدس. وعدّوها «خطوة تتعارض مع قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، وتقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق سلام عادل ودائم قائم على حل الدولتين».

عائلة وضعت خيمتها فوق أنقاض منزلها الذي دمرته غارة إسرائيلية في غزة (أ.ب)

وأعاد الوزراء، في بيان مشترك، الجمعة، تأكيد أن «أي إجراء أو قرار يهدف إلى تغيير الوضع القانوني أو التاريخي للقدس المحتلة، أو الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، هو باطل ولاغٍ، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني. ويتماشى هذا الموقف مع قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة، ولا سيما قراري مجلس الأمن رقم (476) لعام 1980 ورقم (478) لعام 1980، اللذين يرفضان محاولات تغيير طابع القدس أو وضعها، ويدعوان الدول إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من المدينة التي تُعدّ جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967».

كما دعا وزراء الخارجية، في بيانهم، الحكومة الكولومبية إلى «إعادة النظر في هذا القرار والتراجع عنه، والوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، والامتناع عن اتخاذ تدابير تمس بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقّه في إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة تكون القدس الشرقية عاصمة لها».


تثبيت أسعار المحروقات ينعش آمال الشارع المصري في «تهدئة الأسواق»

تثبيت أسعار الوقود يمنح فرصة لاستقرار الأسعار في مصر (وزارة التموين المصرية)
تثبيت أسعار الوقود يمنح فرصة لاستقرار الأسعار في مصر (وزارة التموين المصرية)
TT

تثبيت أسعار المحروقات ينعش آمال الشارع المصري في «تهدئة الأسواق»

تثبيت أسعار الوقود يمنح فرصة لاستقرار الأسعار في مصر (وزارة التموين المصرية)
تثبيت أسعار الوقود يمنح فرصة لاستقرار الأسعار في مصر (وزارة التموين المصرية)

أنعش قرار تثبيت أسعار المحروقات آمال الشارع المصري في «تهدئة الأسواق». وفي رأي خبراء، فإن القرار «جنّب الأسواق ارتفاعات كانت ستلحق بغالبية السلع مثلما يحصل حينما تُقدم الحكومة على اتخاذ قرارات تتعلق بدعم الوقود»، وذلك وسط تأكيدات حكومية بتوفير كميات من السلع الأساسية لمنع الاحتكار.

وقررت «لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية» تثبيت أسعار الوقود دون تغيير خلال اجتماعها، الخميس، لمراجعة المحددات الخاصة بآليات التسعير التلقائي، وذلك رغم ارتفاع أسعار النفط عالمياً.

وقالت وزارة البترول إن «اللجنة راجعت محددات آلية التسعير التلقائي، وأهمها التغيّرات في سعر الصرف وسعر برميل خام برنت خلال الربع الممتد من شهر يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) الماضي، مقارنةً بالربع السابق. وقررت فى ضوء تلك المحددات الإبقاء على أسعار المنتجات البترولية دون تعديل أو تغيير».

وفي رأي الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس، فإن قرار تثبيت سعر الوقود جنّب السوق ارتفاعات كانت مرتقبة لأسعار العديد من السلع، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «القرار سيؤدي إلى تهدئة الأسواق مؤقتاً»، مؤكداً أن «الحكومة لجأت هذه المرة إلى استراتيجية امتصاص الأزمات».

وأشار النحاس إلى أن «قرار تثبيت أسعار الوقود يحمل في خلفياته أبعاداً سياسية واقتصادية؛ فعلى الجانب السياسي تعاملت الحكومة بحكمة، واقتصادياً كانت قد لجأت إلى (التحوط)؛ إذ سبق أن تعاقدت مع كل من ليبيا والعراق على شراء كمية كبيرة من البترول بسعر 85 دولاراً للبرميل، قبل أن يصل السعر في الوقت الحالي إلى نحو 105 دولارات» (الدولار يساوي أكثر من 53 جنيهاً مصرياً).

وزير التموين شريف فاروق يؤكد استمرار الحكومة في توفير السلع المخفّضة (وزارة التموين المصرية)

وبهدف تهدئة الأسواق وضبط الأسعار، تواصل الحكومة ضخ كميات من السلع الأساسية بأسعار مخفّضة عبر المنافذ الرسمية، ضمن مبادرة انطلقت في سبتمبر الماضي، وتستمر حتى مارس (آذار) 2027، بحسب بيان لوزارة التموين.

وأكد وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق استمرار التنسيق مع الجهات المعنية، لضمان «توافر السلع المطروحة وانتظام ضخها في المنافذ المشاركة بمختلف المحافظات، بما يلبي احتياجات المواطنين». وأشار في إفادة رسمية، الجمعة، إلى أن «الوزارة تواصل تنفيذ مبادرة خفض أسعار السلع، من خلال طرح مجموعة متنوعة من السلع الأساسية والغذائية والاستهلاكية بأسعار مخفّضة عبر 284 منفذاً، في إطار جهود زيادة المعروض، وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، وتعزيز استقرار الأسواق».

وجاء قرار تثبيت أسعار الوقود عقب فترة ترقب عاشها المصريون منذ الشهر الماضي، وتخوفات من زيادة جديدة في أسعاره وسط تقارير دولية أشارت إلى رفع الأسعار خلال شهرَي سبتمبر الماضي وأكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وعبّر الأربعيني صبحي يوسف (الذي يعيش في حي حلوان جنوب القاهرة، ويعمل في شركة حكومية بحي مدينة نصر شرق القاهرة) عن ارتياحه لعدم تحريك سعر الوقود، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن تكلفة الانتقالات من منزله إلى العمل مرتفعة، وفي حال حدوث زيادة جديدة كان سيواجه مشكلات جمّة لم يكن يعرف كيف سيتعامل معها.

وفي رأي الخمسينية سلوى عبد الله (وهي ربة منزل تعيش في حي عابدين وسط القاهرة)، فإن «قرار عدم زيادة سعر الوقود جنّب الناس موجة غلاء كبيرة»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لو كانت الحكومة رفعت سعر الوقود كنت سأنزل السوق في اليوم التالي لأجد ارتفاع أسعار كل السلع والخضراوات وغيرها».

سلع مخفّضة تطرحها وزارة التموين المصرية للحفاظ على استقرار الأسعار (وزارة التموين المصرية)

وقال البنك المركزي المصري، الأحد الماضي، إن معدل التضخم الأساسي السنوي في مصر تراجع إلى 14.1 في المائة في سبتمبر من 14.9 في المائة في أغسطس (آب) الماضي. ويستبعد التضخم الأساسي السلع شديدة التذبذب مثل الأغذية، في حين أن التضخم العام يشمل جميع السلع.

وهو ما برز في إفادة «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» السبت الماضي؛ إذ أكد أن أسعار الطعام والمشروبات ارتفعت 3.2 في المائة، والفاكهة 2.6 في المائة، واللحوم والدواجن 2.5 في المائة خلال شهر سبتمبر.


حراك سياسي واقتصادي مصري - سوري متصاعد يعيد تنشيط العلاقات

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوري على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في يونيو الماضي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوري على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في يونيو الماضي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
TT

حراك سياسي واقتصادي مصري - سوري متصاعد يعيد تنشيط العلاقات

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوري على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في يونيو الماضي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوري على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في يونيو الماضي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

في حين تشهد العلاقات المصرية - السورية حراكاً سياسياً اقتصادياً خلال الفترة الحالية، أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية السفير نادر زكي لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة لديها نية للتفاهم مع دمشق حول الموضوعات العالقة للانطلاق نحو شراكة أقوى مستقبلاً بين البلدين».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الجمعة، وزير المالية السوري محمد يسر برنية، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في بانكوك.

وبحسب بيان لـ«الخارجية المصرية»، فقد بحث الوزيران سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مجالات التعاون الاقتصادي والمالي وغيرهما، وأكدا «عمق الروابط الأخوية والتاريخية التي تجمع الشعبين الشقيقين».

كما تضمن بيان «الخارجية»، أن الوزير عبد العاطي «أشاد بنجاح الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى سوريا». وأشار إلى أنه «يجري حالياً التحضير لزيارة عبد العاطي إلى دمشق خلال الفترة المقبلة». والتي ستكون الأولى لمسؤول مصري رفيع المستوى منذ وصول الرئيس أحمد الشرع للحكم قبل نحو عامين، وسط «تنامي العلاقات بين البلدين وطموح سوري للتطبيع الكامل مع القاهرة»، بحسب مراقبين.

وقال السفير زكي، الجمعة، إن «التقارب أمر طبيعي بين البلدين، والعلاقات الشعبية بين مصر وسوريا قوية وتاريخية، وأثبتت صلابتها خلال الأزمات. ومن المهم أننا نعمل على تحقيق تطلعات الشعبين في مزيد من التعاون، وتعزيز العلاقات الثنائية».

وأشار إلى زيارة وفد اقتصادي مصري لدمشق، منذ مدة وجيزة، «حيث تم الإعلان خلالها، عن إطلاق (مجلس الأعمال المصري - السوري). كما أن وزير الخارجية يعتزم زيارة دمشق خلال الفترة المقبلة، ونعمل حالياً على الترتيب الجيد لهذه الزيارة حتى تخرج بالنتائج المرجوة. وهذا يعني وجود نية لدينا للتفاهم حول الموضوعات العالقة؛ ما يمهد لشراكة أقوى مستقبلاً بين البلدين».

بدر عبد العاطي أشاد الجمعة بنجاح الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى سوريا (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

ومنذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.

وتدريجياً، تطورت العلاقات بين مصر وسوريا، في إطار تعاون اقتصادي بين الجانبين، ضمن توجه دمشق نحو إعادة بناء اقتصادها، وتعزيز شراكاتها الإقليمية. واستضافت العاصمة السورية منتصف الشهر الماضي، الاجتماع الأول «لمجلس الأعمال السوري - المصري».

والتقى أحمد الشرع، وزير الخارجية المصري خلال اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع عدد من قادة المنطقة في نيويورك، سبتمبر (أيلول) الماضي، كما زار وفد حكومي مصري دمشق برئاسة مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون العربية السفير إيهاب فهمي لتعزيز مسارات التعاون المشتركة.

وفي رأي المحلل السياسي السوري عبد الحميد توفيق، فإن «بداية التقارب الاقتصادي بين البلدين أولاً أمر طبيعي جداً، خصوصاً أنه لا يخفى على أحد وجود تباينات سياسية بين السلطتين في مصر وسوريا، حيث تحفظت القاهرة على بعض الأمور، وعملت دمشق على تحقيق مطالب القاهرة مثل الاستجابة لتغيير المرشح لممثل بعثة سوريا لدى مصر».

ويتابع: «لكن لا شك أن هناك مسائل لم يتم حلها بعد، مثل وجود بعض الشخصيات في السلطة السورية الجديدة تتحفظ عليها مصر، إلا أنه على ما يبدو، توجد نية جادة لدى الطرفين للتفاهم والتقارب، خصوصاً في ظل الأوضاع التي تعيشها المنطقة وحاجتهما لبعضهما البعض، ولذلك يتم النفاذ إلى بعضهما البعض عبر شرايين الاقتصاد والأمور الأخرى لحين حل الخلافات السياسية».

يحيى دياب سلم أوراق اعتماده قائماً بأعمال السفير السوري بالقاهرة في يوليو الماضي (السفارة السورية لدى مصر)

ويقول توفيق لـ«الشرق الأوسط»: «في حال تمت زيارة وزير الخارجية المصري إلى دمشق، فإن الحضور الدبلوماسي المصري إلى سوريا وليس العكس يعني أن هناك صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين قد بدأت، وأن المطالب المصرية تجري الاستجابة لها، وأن هناك إرادة لتفعيل التعاون بين الطرفين بشكل أوسع وأعمق في مختلف المجالات».