رغم تشديد الرقابة الأمنية... «الهجرة السرية» ما زالت تغري شبان المغرب

بحثاً عن فرصة عمل تحسن من مستواهم الاقتصادي والاجتماعي

مهاجرون أفارقة خلال محاولة لاقتحام معبر سبتة الحدودي مع إسبانيا (إ.ب.أ)
مهاجرون أفارقة خلال محاولة لاقتحام معبر سبتة الحدودي مع إسبانيا (إ.ب.أ)
TT

رغم تشديد الرقابة الأمنية... «الهجرة السرية» ما زالت تغري شبان المغرب

مهاجرون أفارقة خلال محاولة لاقتحام معبر سبتة الحدودي مع إسبانيا (إ.ب.أ)
مهاجرون أفارقة خلال محاولة لاقتحام معبر سبتة الحدودي مع إسبانيا (إ.ب.أ)

على شاطئ البحر المتوسط في مدينة الفنيدق بباب سبتة المغربية، وفي نقطة تبعد عدة كيلومترات عن الحدود الإسبانية، يقف الشاب المغربي خالد، الذي يفكر جدياً في الهجرة بحثاً عن فرصة عمل تحسن من مستواه الاقتصادي والاجتماعي.

وينتظر خالد تحسن ظروفه المادية لشراء تذكرة سفر، وتأشيرة دخول إلى إسبانيا، لأنه يخشى أن يخاطر بحياته في هجرة غير شرعية، وقد تنتهي به إلى السجن، في ظل إجراءات أمنية مشددة تتخذها السلطات المغربية لمنع محاولات الهجرة غير الشرعية.

وخصصت السلطات المغربية دوريات بحرية لاعتراض المهاجرين غير الشرعيين وسط البحر، حيث جرى إبعادهم عبر حافلات إلى مناطق بعيدة، وإنجاز محاضر في حقهم لدى الجهات المختصة. كما شرعت السلطات الإسبانية، بتنسيق مع الجانب المغربي، في إعادة عشرات المهاجرين غير الشرعيين البالغين إلى مدينة الفنيدق خلال الأسابيع الأخيرة، بينما جرى نقل القاصرين إلى مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين.

تعزيز الحراسة في الفنيدق لمنع محاولات الهجرة السرية (إ.ب.أ)

يقول خالد: «الكثير منا يعاني معاناة اجتماعية، ليس لدينا أي بديل عن الهجرة، والكثير من المصانع أغلقت، أصبحت لدي اليوم قناعة بالهجرة، الكثير منا هاجر، وسأهاجر بحثاً عن رزق جديد مثل الكثيرين». وفي العام الماضي، أعلنت السلطات المغربية إحباط محاولات مئات الشباب المغاربة للهجرة غير الشرعية إلى إسبانيا عبر مدينة الفنيدق. ويلفت حقوقيون إلى أن محاولات الهجرة غير الشرعية لم تعد قاصرة على الأجانب القادمين من دول أخرى، خاصة في جنوب الصحراء، لكنها بدأت تنتشر بين شباب مغاربة يبحثون عن فرص أفضل للعمل والإقامة في أوروبا. وفي حديث لـ«الشرق نيوز»، رأى ياسين بليونش، عضو هيئة الإنصاف وتكافؤ الفرص ببلدية الفنيدق، أن «الإجراءات الأمنية المشددة غير كافية وحدها لمنع محاولات الهجرة غير الشرعية لدى بعض الشباب المغربي»، مطالباً بمزيد من الإجراءات لتوفير فرص العمل، وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية أمام هؤلاء الشباب لاجتثات المشكلة من مصدرها. وقال بليونش: «الوضع هنا تحصيل حاصل لهذا الإغلاق، وكذلك تحصيل حاصل للمنطقة ككل، التي كانت وفي إطار السياسات العمومية، فإنها لم تكن مستهدفة من طرف الحكومة في برامجها الاقتصادية». من جهته، أوضح محمد بن منصور، عضو بلدية وادلاو بجهة طنجة تطوان الحسيمة، أن «المشكل هو أن هناك مشكلات اجتماعية خطيرة، والسبب في ذلك هو تدفق المهاجرين من دول جنوب الصحراء، وهنا لا يجب على المغرب أن يلعب دائماً دور الدركي (الشرطي) دون مقابل من الطرف الآخر». ويعتبر المغرب نقطة عبور رئيسة للهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، نظراً لموقعه القريب في الضفة المقابلة من البحر المتوسط بالقارة الأفريقية، على بعد 13 كيلومتراً، وهو ما دفع السلطات إلى تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي، والمنظمات الدولية للحد من تدفقاتها، بالإضافة إلى توقيع اتفاقيات تهدف إلى تدريب الأجهزة الأمنية المغربية وتعزيز الرقابة على الحدود.

قوات الأمن المغربي تعتقل شاباً حاول التسلل إلى الأراضي الإسبانية بطريقة غير شرعية (إ.ب.أ)

وفي العام الماضي، أعلنت وزارة الداخلية المغربية إحباط أكثر من 78 ألف محاولة للهجرة غير الشرعية، موضحة أن 58 في المائة من المهاجرين الأجانب غير الشرعيين يتحدرون من بلدان غرب أفريقيا، و12 في المائة من الدول المغاربية، و9 في المائة من دول شرق ووسط أفريقيا.

وأوضحت، في بيان صادر في يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه تم تسجيل 14 عملية اقتحام، ومحاولة اقتحام في محيط سبتة ومليلية خلال عام 2024، شارك فيها أكثر من 4290 مهاجراً، مشيرة إلى أنه خلال العام الماضي أيضاً تم إنقاذ أكثر من 18 ألف مهاجر غير شرعي في عرض البحر، حيث تلقوا المساعدة الطبية والإيواء والتوجيه.

ودعت الحكومة المغربية إلى «مكافحة شاملة وفعالة للهجرة غير الشرعية، مع تنسيق محكم بين جميع البلدان الشريكة، خاصة من قبل بلدان غرب أفريقيا وإسبانيا، لمواجهة مشتركة لكل التحديات التي يطرحها ملف الهجرة غير الشرعية».

وقال تاج الدين الحسيني، المحامي والخبير في العلاقات الدولية: «علاقتنا مع أوروبا تدخل في إطار هذا المد والجزر في عمليات الهجرة، سواء القادمة من بلدان شمال أفريقيا، أو القادمة من بلدان جنوب الصحراء وأفريقيا الغربية»، مضيفاً أنه «إذا كان للمغرب القدرة على تسخير إمكانياته الهائلة لقمع هذه الهجرات، والحيلولة دون وصولها إلى أوروبا، فهي إمكانيات محدودة، فالمغرب أصبح فعلاً بلد استقرار، ويبقى دائماً بلد عبور، فلا يمكن بالتالي أن يمنع الجميع من الوصول إلى إسبانيا التي هي منفذ للعالم الأوروبي».

وتابع الحسيني موضحاً أن المغرب يتحمل وحده مسؤولية كبيرة في الشراكة الأمنية مع إسبانيا لمحاربة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، والجريمة المنظمة والإرهاب.

وأعلنت الحكومة الإسبانية مطلع العام الجاري عن تخصيص 2.5 مليون يورو لدعم قدرات السلطات المغربية في مجال مراقبة الحدود، ومنع تدفق المهاجرين غير الشرعيين، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر.


مقالات ذات صلة

الرئيس ترمب يشبّه تدفق المهاجرين على سبتة بـ«اجتياح»

شمال افريقيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

الرئيس ترمب يشبّه تدفق المهاجرين على سبتة بـ«اجتياح»

شبّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين من المغرب إلى جيب سبتة، الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، بـ«اجتياح».

«الشرق الأوسط» (كامب ديفيد (الولايات المتحدة))
شمال افريقيا عناصر الشرطة الإسبانية في جيب سبتة تنظِّم عودة مئات المهاجرين إلى المغرب (أ.ف.ب)

الاتحاد الأوروبي يطالب بإجراءات أشد صرامة بعد وصول 60 ألف مهاجر إلى سبتة

دعا قادة الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ إجراءات أشد صرامة بشأن الهجرة، اليوم (الجمعة)، بعد دخول عشرات الآلاف من المهاجرين جيب سبتة.

«الشرق الأوسط» (مدريد - بروكسل)
أوروبا شبان مغاربة خلال محاولتهم العبور إلى جيب سبتة (أ.ب) p-circle 00:47

سبتة ومليلية... جغرافيا محاصرة بالتاريخ وأمواج «الحلم الأوروبي» المتلاطمة

تواجه مدينتا سبتة ومليلية أزمة هجرة خانقة تعكس تداخل الجغرافيا بالتاريخ وأوهام العبور نحو أوروبا، مع تصاعد مطالب بطرد إسبانيا من «شنغن».

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز مع وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا خلال وصولهما إلى سبتة (أ.ف.ب)

سانشيز: سيادة الأراضي الإسبانية «تعرضت للانتهاك»

قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، اليوم (الجمعة)، إن «سيادة الأراضي الإسبانية تعرضت للانتهاك»، بعد دخول ما يزيد على خمسين ألف مهاجر إلى جيب سبتة.

شوقي الريس (مدريد) «الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا تعزيزات أمنية إسبانية مكثفة في شوارع سبتة لمنع تدفقات المهاجرين (أ.ف.ب)

تدفق المهاجرين إلى سبتة يفجّر أزمة إنسانية... وأخرى دبلوماسية

انفجرت على الحدود الإسبانية - المغربية أزمة تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين الذين عبروا براً إلى جيب سبتة التي تحتلها إسبانيا.

شوقي الريس (مدريد)