تدفق المهاجرين إلى سبتة يفجّر أزمة إنسانية... وأخرى دبلوماسية

إيطاليا وفنلندا تدعوان لاستبعاد إسبانيا من «شنغن»... وفرنسا لتشديد المراقبة على الحدود

تعزيزات أمنية إسبانية مكثفة في شوارع سبتة لمنع تدفقات المهاجرين (أ.ف.ب)
تعزيزات أمنية إسبانية مكثفة في شوارع سبتة لمنع تدفقات المهاجرين (أ.ف.ب)
TT

تدفق المهاجرين إلى سبتة يفجّر أزمة إنسانية... وأخرى دبلوماسية

تعزيزات أمنية إسبانية مكثفة في شوارع سبتة لمنع تدفقات المهاجرين (أ.ف.ب)
تعزيزات أمنية إسبانية مكثفة في شوارع سبتة لمنع تدفقات المهاجرين (أ.ف.ب)

لم تكد نشوة الفوز بكأس العالم لكرة القدم تصل إلى خواتيمها حتى وقعت إسبانيا بين براثن سلسلة من الحرائق الهائلة، التي قضت على مساحات شاسعة من الغابات، ودمّرت عشرات القرى وأتلفت كميات كبيرة من المحاصيل الزراعية. وما إن تمكنّت فرق الإطفاء والمكافحة من السيطرة على النيران حتى انفجرت على الحدود الإسبانية - المغربية أزمة تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين الذين عبروا براً إلى جيب سبتة التي تحتلها إسبانيا شمال المغرب، متجاوزة بكثير قدرات الأجهزة الأمنية ومعسكرات الإيواء، بعد سقوط ما يزيد عن 19 ضحية وإصابة المئات بجراح.

رئيس الحكومة الإسبانية خلال وصوله إلى سبتة لاحتواء أزمة تدفق المهاجرين (رويترز)

وأمام جسامة هذه الأزمة وعجز الأجهزة عن احتوائها، قرر رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الذي توجّه صباح الجمعة إلى سبتة، إرسال الجيش لمؤازرة الحرس المدني والشرطة وفرق الإسعاف والتموين، التي كانت تجهد لمساعدة المهاجرين، الذين كانوا يتراكضون في كل الاتجاهات منهكين. وقد قدّرت بعض المصادر عدد الذين دخلوا المدينة بما يزيد عن 50 ألفاً، أي أكثر من نصف سكانها.

على الجانب المغربي نشر حرس الحدود عشرات المركبات المصفحة، وصهاريج مجهزة بخراطيم المياه، ومئات العناصر الذين انتظموا على ثلاثة حواجز متعاقبة لمنع المهاجرين من التدفق باتجاه إسبانيا. لكن بقيت أعداد كبيرة من هؤلاء تواصل طريقها للعبور بحراً نحو المدينة.

بعض الأوساط الإعلامية والسياسية في مدريد، خصوصاً تلك المقربة من المعارضة اليمينية، ألمحت إلى أن مثل هذا التدفق الكثيف للمهاجرين في يوم واحد ما كان ليحصل من غير وجود «تسهيلات»، أو «إيعاز» من السلطات المغربية، التي ذهب حزب «فوكس» اليميني المتطرف حد اتهامها باجتياح إسبانيا، وأن ما حدث يشكّل رد الرباط على الزيارة، التي قام بها مؤخراً رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر لطي صفحة التوتر، التي كانت سادت العلاقات بين البلدين في الفترة الأخيرة.

عناصر الأمن المغربي انتشرت بكثافة لوقف محاولات للعبور لجيب سبتة (أ.ب)

لكن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل آلباريس، سارع إلى نفي هذه التلميحات بشكل قاطع، وقال إنه على اتصال دائم مع نظيره المغربي، الذي تحدث إليه عدة مرات منذ بداية الأزمة «من أجل تعزيز التنسيق المكثف والمثمر بين البلدين، ومعالجة الوضع في سبتة». وأكّد الوزير الإسباني أن العلاقة مع المغرب «ممتازة»، وأنها لم تتأثر على الإطلاق بالعلاقات الجيدة مع الجزائر.

ومع انتشار صور تدفق آلاف المهاجرين غير الشرعيين إلى سبتة، سارعت حكومات أوروبية إلى اقتناص هذه الفرصة لانتقاد سياسة الهجرة، التي تتبعها حكومة سانشيز، التي أنجزت منذ شهر تقريباً معاملات تسوية أوضاع نصف مليون مهاجر يقيمون في إسبانيا، ويعملون بصورة غير شرعية. وكانت إيطاليا أولى هذه الحكومات التي استغلت هذا الوضع على بعد أشهر من حملة الانتخابات العامة، إذ صرّح وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني بأنه يحبّذ تعليق اتفاقية «شنغن» مع إسبانيا، أي وقف السماح بالعبور الحر بين البلدين من غير الخضوع لمراقبة شرطة الحدود، كما تنص عليه اتفاقية التنقل الحر بين بلدان الاتحاد الأوروبي. وقد سارع وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل آلباريس إلى الرد منتقداً تصريحات نظيره الإيطالي، ومعرباً عن أسفه لهذا الموقف الصادر عن «دولة صديقة ننتظر منها التعاون والتضامن في مثل هذه الظروف»، واستدعى السفير الإيطالي في مدريد ليعرب له عن احتجاجه على تصريحات الوزير. كما نفى آلباريس وجود أي احتمال لخروج المهاجرين، الذين دخلوا سبتة من الأراضي الإسبانية، موضحاً أن التدابير جارية لإعادتهم إلى المغرب في أقرب فرصة، وأن الكثيرين منهم بدأ فعلاً بالعودة.

من جهتها، أعلنت فنلندا، الجمعة، أنّها تؤيد طلب إيطاليا استبعاد إسبانيا من منطقة «شنغن»، بعد دخول آلاف المهاجرين غير النظاميين من المغرب إلى جيب سبتة في الأيام الأخيرة. وقالت وزيرة الداخلية الفنلندية اليمينية ماري رانتان، في منشور على منصة «إكس»: «لقد فشلت إسبانيا تماماً في حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن من التوغّلات. لا يمكن أن يستمر هذا الوضع»، مضيفة أنه «لا يمكن للدول التي لا تفي بالتزاماتها بحماية حدودها الخارجية أن تكون عضواً في (شنغن)»، داعيةً كل الدول الأوروبية إلى اتباع اقتراح رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينية المتطرفة جورجيا ميلوني.

شبان مغاربة خلال محاولتهم العبور إلى جيب سبتة (إ.ب.أ)

كما أعلنت الحكومة الفرنسية، من جهتها، أنها قررت تشديد المراقبة على الحدود البرية والجوية والبحرية مع إسبانيا، تحسباً لدخول مهاجرين غير شرعيين إلى أراضيها. فيما دعا المستشار الألماني فريدريش ميرتس الجمعة المغرب إلى «إعادة المهاجرين غير النظاميين فوراً»، عقب تدفق عشرات الآلاف من المملكة إلى جيب سبتة.وقال المستشار المحافظ: «ترغب إسبانيا، بل يجب عليها، السيطرة على الوضع في سبتة بأسرع وقت ممكن. ولذلك، أرحب بنية إسبانيا عدم السماح للمهاجرين غير النظاميين بدخول البر الأوروبي».

كما انضمت الإدارة الأميركية إلى جبهة المنتقدين لسياسة الهجرة الإسبانية، إذ صرّحت الناطقة بلسان البيت الأبيض آنا كيلي قائلة: «الرئيس دونالد ترمب يحذّر أوروبا منذ فترة طويلة بعواقب السياسات اليسارية المتطرفة، كمثل تسهيل الهجرة الكثيفة، وعلى إسبانيا وغيرها من الدول التي اتبعت هذه السياسات المدمرة العودة عنها فوراً كي لا تعرّض حضارتها للفناء».


مقالات ذات صلة

«يونيسف» تندد بأوضاع مئات القاصرين في سبتة

شمال افريقيا بسبب امتلاء مراكز الإيواء يضطر مئات المهاجرين للمبيت في العراء (أ.ب)

«يونيسف» تندد بأوضاع مئات القاصرين في سبتة

حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من الظروف التي يعيش فيها مئات القاصرين، الذين دخلوا بطريقة غير شرعية إلى جيب سبتة.

شمال افريقيا مهاجرون تمكنوا من دخول سبتة بطريقة سرية في انتظار دورهم للحصول على طعام (د.ب.أ)

المغرب: حقوقيون يطالبون بـ«إغاثة سريعة» للعالقين في سبتة

طالبت «المنظمة المغربية لحقوق الإنسان»، بحماية الحق في الحياة، وصون كرامة المهاجرين، وحماية الأطفال والقاصرين.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

السلطات المغربية توقف عشرات المهاجرين قرب سبتة

أوقفت السلطات المغربية السبت عشرات المهاجرين غير النظاميين معظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء، في غابة قريبة من المعبر الحدودي مع جيب سبتة المحتلة.

«الشرق الأوسط» (الفنيدق)
شمال افريقيا مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

يرى باحثون أن موجة الهجرة إلى جيب سبتة لا تنبع فقط من عوز وبطالة بل تنطلق من تراجع للثقة بالمستقبل لدى طبقات أخرى.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا إسبانيا عززت وجود الشرطة والجيش في ‌جيب سبتة تحسباً لمحاولة اختراق جماعي آخر للحدود السبت (إ.ب.أ)

إسبانيا تستنفر قواتها تخوفاً من اقتحام جديد لسبتة من قبل المهاجرين

عززت إسبانيا وجود الشرطة والجيش في ‌جيب سبتة بشمال أفريقيا، وذلك في ظل انتشار رسائل على مواقع التواصل الاجتماعي تحث المهاجرين على محاولة اختراق جماعي آخر للحدود

«الشرق الأوسط» (سبتة)

ليبيا: لجنة «4+4» توقّع بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق النهائي

الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه (غيتي)
الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه (غيتي)
TT

ليبيا: لجنة «4+4» توقّع بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق النهائي

الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه (غيتي)
الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه (غيتي)

قالت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إن أعضاء اللجنة المصغرة «4+4» عقدوا اجتماعاً، الخميس، في العاصمة التونسية، ناقشوا خلاله إنجاز الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق التي تيسرها الأمم المتحدة. وبحسب وكالة الأنباء الألمانية، فقد أفادت البعثة عبر موقعها الرسمي، الخميس، بأن المجتمعين وقّعوا خلال اللقاء، الذي يسرته الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه، بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق النهائي، واتفقوا على اللقاء مجدداً داخل ليبيا قبل نهاية الشهر الحالي، بهدف وضع الترتيبات المتعلقة بتنفيذ الاتفاق والإعلان عنه رسمياً.

وبعد تعثر اتفاق مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على قوانين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتعثرة منذ 2021؛ لجأت البعثة إلى تشكيل لجنة مصغرة مكونة من عضوين عن كل مجلس، بالإضافة إلى عضوين اختارتهما حكومة طرابلس، ومثلهما من الأعضاء اختارتهما قيادة القوات المسلحة في بنغازي. وكُلفت اللجنة بتغيير هيكل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتسمية رئيس جديد لها، وصياغة قوانين الانتخابات المختلف حولها بين شرق البلاد وغربها. وفي السابع من يوليو (تموز) الماضي أعلنت البعثة استكمال اللجنة مناقشة كل القضايا العالقة، والاتفاق على تكليف فريق عمل من بين أعضائها لتولي صياغة الاتفاق النهائي، إلا أن اللجنة لم تتمكن من إنهاء أعمالها، والتوقيع على محاضر اتفاقاتها السابقة كما كان مقرراً في منتصف يوليو (تموز) الماضي، دون أن تفصح البعثة، أو أعضاء اللجنة، عن أسباب التأخير، أو أن تقوم بنشر القوانين الانتخابية المتفق عليها.

يُذكر أن الليبيين فشلوا في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية كانت مقررة في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021، وذلك بسبب خلاف بين شرق البلاد وغربها على قوانين انتخاب الرئيس، ونظراً لترشح شخصيات وُصفت بالجدلية. ومنذ عام 2014 تعاني ليبيا من انقسام سياسي تظهر صورته في وجود جسمين تشريعيين (مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة)، وحكومتين في طرابلس وبنغازي، ورئاستين لأركان الجيش.


الحكومة المصرية تتمسك بـ«الدعم النقدي» رغم المخاوف

من تجمع لمواطنين بالجيزة عند أحد مكاتب التموين (الشرق الأوسط)
من تجمع لمواطنين بالجيزة عند أحد مكاتب التموين (الشرق الأوسط)
TT

الحكومة المصرية تتمسك بـ«الدعم النقدي» رغم المخاوف

من تجمع لمواطنين بالجيزة عند أحد مكاتب التموين (الشرق الأوسط)
من تجمع لمواطنين بالجيزة عند أحد مكاتب التموين (الشرق الأوسط)

تمضي الحكومة المصرية في اتجاهها لتطبيق منظومة «الدعم النقدي» بديلاً عن «العيني»، وإلى توسيع «السلع» التي يمكن للمستفيدين الحصول عليها عبر البطاقات التموينية لتشمل اللحوم الحمراء والدواجن، في خطوة تثير مخاوف بشأن آليات التطبيق.

وبدا تمسك الحكومة بهذا المسار واضحاً في تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، خلال اجتماع حكومي، الأربعاء، إذ أكد أن «تطوير آلية الدعم النقدي يمثل أحد مسارات تحديث منظومة الدعم».

واستشهد بتجارب دولية أخذت بهذا النهج بصورة كاملة أو تدريجية، فهي «وسيلة لتعزيز العدالة الاجتماعية ومنح المواطن مساحة أوسع لاختيار احتياجاته وفقاً لأولوياته».

غير أن الانتقال إلى المنظومة الجديدة يثير مخاوف لدى قطاعات من المصريين، وفق عضو مجلس النواب أحمد فرغلي، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «التغيير المرتقب يمس نحو 64 مليون مستفيد من منظومة السلع التموينية، يحصل كل منهم حالياً على دعم شهري قدره 50 جنيهاً يمكن إنفاقه على قائمة محددة من السلع في المنافذ المعتمدة، لكن لا تزال القيمة التي سيحصل عليها المستفيد في النظام النقدي الجديد غير محسومة بصورة نهائية».

إلا أن رئيس شعبة البقالة بـ«غرفة الجيزة التجارية» هشام الدجوي قدَّر في تصريحات إعلامية أن «البطاقة التموينية المكونة من أربعة أفراد قد تحصل على نحو 1300 جنيه شهرياً (الدولار يساوي 50.9 جنيه) ويمكن استخدامها في شراء مجموعة أوسع من السلع بينها اللحوم الحمراء والخضراوات والسلع التموينية».

ومع استمرار الغموض بشأن التفاصيل النهائية للمنظومة، تعتزم الحكومة إطلاق حملة إعلامية لتعريف المواطنين بآليات الدعم النقدي وأهدافه، والإجابة عن تساؤلاتهم بشأن طريقة الاستفادة منه، إلى جانب توضيح المزايا التي ترى الحكومة أنها ستترتب على تطبيقه، وفقاً لما أعلنته في بيان رسمي أخيراً.

وتستند الحكومة في دفاعها عن «التحول» إلى ما تعده أوجه قصور في نظام الدعم العيني القائم، بينها محدودية الخيارات أمام المستفيدين، وما يرتبط بالمنظومة من نسب فقدان وتسرب.

كان وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق، قد أشار أخيراً، إلى أن النظام الجديد سيمنح المواطن «القيمة الفعلية للسلع» المخصصة له بما يتيح له قدراً أكبر من حرية الاختيار وفق احتياجات أسرته».

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع مع عدد من الوزراء الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

ورغم إقراره بمزايا «الدعم النقدي» من حيث منح المواطن مبلغاً يتيح له اختيار السلع التي يحتاج إليها، لا يؤيد وزير التموين الأسبق جودة عبد الخالق، الانتقال إلى هذا النظام، محذراً من أن «توقيته قد يفاقم مشكلات قائمة بدلاً من معالجتها».

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن من أبرز المخاوف «وجود مواطنين يحملون بطاقات تموينية ولا يستحقون الدعم، في مقابل آخرين يستحقونه ولا يحملون بطاقات»، معتبراً أن «معالجة هذه الاختلالات ينبغي أن تسبق الانتقال إلى منظومة الدعم الجديدة».

ويحذر عبد الخالق من أن«استمرار التضخم وتراجع القوة الشرائية للجنيه قد يجعلان القيمة النقدية للدعم أقل قدرة على حماية الفئات الأكثر احتياجاً مقارنةً بالدعم العيني، وذلك في ظل غياب آليات واضحة وفعالة لضبط الأسواق والأسعار»، كما أعرب عن مخاوفه من أن «يؤدي الانتقال غير المنضبط، إلى إفادة التجار والوسطاء على حساب المواطن محدود الدخل».

وارتفعت معدلات التضخم بمصر إلى 14.9 في المائة خلال يوليو (تموز) الماضي مقابل 14.3 في المائة في يونيو (حزيران) الماضي، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء».

ووفق مراقبين «لا يمثل الحديث عن الدعم النقدي توجهاً مستحدثاً في السياسة الاقتصادية المصرية؛ إذ تعود الإرهاصات الأولى لفكرة التحول من الدعم العيني إلى النقدي إلى عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، قبل أن يتبلور النقاش حول المنظومة بصورة أكثر وضوحاً في يوليو 2024 عندما ناقشت الحكومة آليات التحول، وكلفت (الحوار الوطني المصري) بوضع تصور للمقترح».

غير أن الانتقال من طرح الفكرة إلى تطبيقها على نطاق واسع، ظل محل دراسة، ولم تعلن الحكومة حتى منتصف 2026 موعداً نهائياً لتطبيق المنظومة بصورة شاملة، في وقت واصلت تأكيدها أن التحول سيكون تدريجياً.

مكتب تموين بمنطقة المنيل في القاهرة (الشرق الأوسط)

ومنتصف الشهر الماضي، جددت الحكومة تمسكها بهذا المسار في البيان المالي لموازنة العام المالي الجديد، الذي قدمه وزير المالية أحمد كجوك، إلى مجلس النواب، متحدثةً عن «مواصلة التحول التدريجي إلى الدعم النقدي، مع استمرار تخصيص موارد كبيرة لمنظومة الدعم وبرامج الحماية الاجتماعية».

وأعلنت الحكومة، الأربعاء، اتساع قائمة السلع التي يمكن الحصول عليها من خلال الدعم لتتجاوز السلع الأساسية المتداولة حالياً مثل الزيت والسكر والمكرونة، لتشمل اللحوم الحمراء واللبن والعدس والبيض والدواجن، بما يعكس توجهاً نحو منح الأسرة مساحة كبرى في تحديد أولويات إنفاق قيمة الدعم».

لكن إدراج اللحوم الحمراء والدواجن تحديداً يثير تساؤلات اقتصادية في ظل ارتفاع أسعارهما وتذبذبها، وهو ما دفع رئيس «المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية» رشاد عبده إلى الاستغراب من «طرح تقديم دعم مالي مخصص لشراء سلع تسجل أسعارها مستويات مرتفعة»، متسائلاً عن مدى قدرة القيمة النقدية المحددة للدعم والتي لم تزل غير معلنة رسمياً، على مواكبة تحركات الأسعار وحماية المستفيدين من تآكل قدرتهم الشرائية.

Your Premium trial has ended


قلق مصري من تأثر واردات القمح بسبب «اضطرابات البحر الأسود»

صوامع للقمح في دلتا مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
صوامع للقمح في دلتا مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

قلق مصري من تأثر واردات القمح بسبب «اضطرابات البحر الأسود»

صوامع للقمح في دلتا مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
صوامع للقمح في دلتا مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

تثير الاضطرابات التي تشهدها منطقة «البحر الأسود» مخاوف مصرية من تأثر واردات القمح من روسيا وأوكرانيا بسبب تعطل بعض الشحنات.

وبينما قال بعض الخبراء إن «نقص الإمدادات يؤثر على القطاع الخاص، وإن بعض المستوردين يتجهون للبحث عن مصادر أخرى للاستيراد»، قلل مسؤول في وزارة الزراعة من تأثير الأزمة على المستوى القريب بفضل مشتريات الحكومة القياسية من القمح المحلي.

وقفزت واردات مصر من القمح خلال النصف الأول من العام الحالي، بنحو 48 في المائة لتسجل 7.7 مليون طن بعد قرار رفع الاحتياطي الاستراتيجي من السلع الأساسية إلى ما يكفي 9 أشهر من الاستهلاك بدلاً من 6 أشهر، في حين تعد القاهرة من أكبر مستوردي القمح حول العالم مع استيراد نحو 12 مليون طن سنوياً لتلبية الطلب المحلي.

ومع تصاعد الهجمات الروسية - الأوكرانية على السفن والموانئ في منطقة البحر الأسود، تزايدت المخاوف في سوق القمح العالمية من نقص الإمدادات وارتفاع تكلفة الاستيراد. ووفق تقرير لوكالة «رويترز»، فإن «العقود الآجلة القياسية للقمح في بورصة شيكاغو ارتفعت بأكثر من 17 في المائة منذ بداية يوليو (تموز) الماضي».

وتزداد أهمية الأزمة بالنسبة لمصر، وذلك أن روسيا وأوكرانيا استحوذتا على أكثر من 82 في المائة من واردات البلاد من القمح خلال النصف الأول من 2026.

مسؤولون يتابعون محصول القمح المحلي بمصر (صفحة وزارة الزراعة على فيسبوك)

ونقلت «رويترز» أخيراً «مخاوف متعاملين في القطاع الخاص المصري من تزايد الضغوط على المستوردين بسبب نقص الإمدادات»، وأشارت إلى «اتجاه بعض المستوردين للبحث عن مصادر بديلة».

وبحسب عضو «غرفة صناعة الحبوب» بـ«اتحاد الصناعات المصرية»، رجب شحاتة، «تنطلق مخاوف المستوردين المصريين من القطاع الخاص بشكل أساسي بسبب أسعار القمح عالمياً». ويقول إن «الإشكالية التي تسببها الاضطرابات بمنطقة البحر الأسود وغيرها من الممرات، تؤثر على سلاسل الإمداد وارتفاع تكلفة الاستيراد من الخارج».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «بعض المستوردين المصريين يتجهون للبحث عن مصادر أخرى للاستيراد مثل فرنسا والولايات المتحدة»، غير أنه أشار إلى أن «هذه الواجهات تورد القمح بأسعار أعلى من القمح الروسي والأوكراني».

وحسب «رويترز»، تعرضت سفينة كان من المقرر أن تحمل حبوباً إلى مصر لهجوم، الأسبوع الماضي، في أثناء اقترابها من ميناء نوفوروسيسك الروسي.

سيارات لنقل القمح من الصوامع في دلتا مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وقلل مصدر مسؤول في وزارة الزراعة المصرية من تأثير اضطرابات البحر الأسود على واردات القمح لمصر، وقال إن «الحكومة تتجه لتقليل فاتورة الاستيراد بعد ارتفاع نسب الإنتاج المحلي هذا العام»، إلى جانب «تأمين احتياطي استراتيجي يكفي لأكثر من 6 أشهر». وأشار إلى أنه «لا توجد أي مخاوف على المستوى القريب».

وبلغت نسبة الزيادة في إنتاج القمح المحلي بمصر مقارنة بالعام الماضي، نحو 20 في المائة بواقع 4.72 مليون طن هذا العام، بعدما ورَّد المزارعون في 2025 نحو 3.93 مليون طن فقط وفق البيانات الصادرة عن وزارة الزراعة.

وأكد المصدر لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يوجد أي تأثير على شحنات القمح الواردة حتى الآن»، مضيفاً أن «علاقات القاهرة جيدة بروسيا وأوكرانيا، وتحتفظ بتبادلات تجارية معهما طوال السنوات الأخيرة»، منوهاً إلى أن «الاحتياطي الآمن من القمح والحبوب يخفف الضغوط على الحكومة بسبب الاضطرابات الإقليمية والدولية».