لم تكد نشوة الفوز بكأس العالم لكرة القدم تصل إلى خواتيمها حتى وقعت إسبانيا بين براثن سلسلة من الحرائق الهائلة، التي قضت على مساحات شاسعة من الغابات، ودمّرت عشرات القرى وأتلفت كميات كبيرة من المحاصيل الزراعية. وما إن تمكنّت فرق الإطفاء والمكافحة من السيطرة على النيران حتى انفجرت على الحدود الإسبانية - المغربية أزمة تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين الذين عبروا براً إلى جيب سبتة التي تحتلها إسبانيا شمال المغرب، متجاوزة بكثير قدرات الأجهزة الأمنية ومعسكرات الإيواء، بعد سقوط ما يزيد عن 19 ضحية وإصابة المئات بجراح.

وأمام جسامة هذه الأزمة وعجز الأجهزة عن احتوائها، قرر رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الذي توجّه صباح الجمعة إلى سبتة، إرسال الجيش لمؤازرة الحرس المدني والشرطة وفرق الإسعاف والتموين، التي كانت تجهد لمساعدة المهاجرين، الذين كانوا يتراكضون في كل الاتجاهات منهكين. وقد قدّرت بعض المصادر عدد الذين دخلوا المدينة بما يزيد عن 50 ألفاً، أي أكثر من نصف سكانها.
على الجانب المغربي نشر حرس الحدود عشرات المركبات المصفحة، وصهاريج مجهزة بخراطيم المياه، ومئات العناصر الذين انتظموا على ثلاثة حواجز متعاقبة لمنع المهاجرين من التدفق باتجاه إسبانيا. لكن بقيت أعداد كبيرة من هؤلاء تواصل طريقها للعبور بحراً نحو المدينة.
بعض الأوساط الإعلامية والسياسية في مدريد، خصوصاً تلك المقربة من المعارضة اليمينية، ألمحت إلى أن مثل هذا التدفق الكثيف للمهاجرين في يوم واحد ما كان ليحصل من غير وجود «تسهيلات»، أو «إيعاز» من السلطات المغربية، التي ذهب حزب «فوكس» اليميني المتطرف حد اتهامها باجتياح إسبانيا، وأن ما حدث يشكّل رد الرباط على الزيارة، التي قام بها مؤخراً رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر لطي صفحة التوتر، التي كانت سادت العلاقات بين البلدين في الفترة الأخيرة.

لكن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل آلباريس، سارع إلى نفي هذه التلميحات بشكل قاطع، وقال إنه على اتصال دائم مع نظيره المغربي، الذي تحدث إليه عدة مرات منذ بداية الأزمة «من أجل تعزيز التنسيق المكثف والمثمر بين البلدين، ومعالجة الوضع في سبتة». وأكّد الوزير الإسباني أن العلاقة مع المغرب «ممتازة»، وأنها لم تتأثر على الإطلاق بالعلاقات الجيدة مع الجزائر.
ومع انتشار صور تدفق آلاف المهاجرين غير الشرعيين إلى سبتة، سارعت حكومات أوروبية إلى اقتناص هذه الفرصة لانتقاد سياسة الهجرة، التي تتبعها حكومة سانشيز، التي أنجزت منذ شهر تقريباً معاملات تسوية أوضاع نصف مليون مهاجر يقيمون في إسبانيا، ويعملون بصورة غير شرعية. وكانت إيطاليا أولى هذه الحكومات التي استغلت هذا الوضع على بعد أشهر من حملة الانتخابات العامة، إذ صرّح وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني بأنه يحبّذ تعليق اتفاقية «شنغن» مع إسبانيا، أي وقف السماح بالعبور الحر بين البلدين من غير الخضوع لمراقبة شرطة الحدود، كما تنص عليه اتفاقية التنقل الحر بين بلدان الاتحاد الأوروبي. وقد سارع وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل آلباريس إلى الرد منتقداً تصريحات نظيره الإيطالي، ومعرباً عن أسفه لهذا الموقف الصادر عن «دولة صديقة ننتظر منها التعاون والتضامن في مثل هذه الظروف»، واستدعى السفير الإيطالي في مدريد ليعرب له عن احتجاجه على تصريحات الوزير. كما نفى آلباريس وجود أي احتمال لخروج المهاجرين، الذين دخلوا سبتة من الأراضي الإسبانية، موضحاً أن التدابير جارية لإعادتهم إلى المغرب في أقرب فرصة، وأن الكثيرين منهم بدأ فعلاً بالعودة.
من جهتها، أعلنت فنلندا، الجمعة، أنّها تؤيد طلب إيطاليا استبعاد إسبانيا من منطقة «شنغن»، بعد دخول آلاف المهاجرين غير النظاميين من المغرب إلى جيب سبتة في الأيام الأخيرة. وقالت وزيرة الداخلية الفنلندية اليمينية ماري رانتان، في منشور على منصة «إكس»: «لقد فشلت إسبانيا تماماً في حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن من التوغّلات. لا يمكن أن يستمر هذا الوضع»، مضيفة أنه «لا يمكن للدول التي لا تفي بالتزاماتها بحماية حدودها الخارجية أن تكون عضواً في (شنغن)»، داعيةً كل الدول الأوروبية إلى اتباع اقتراح رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينية المتطرفة جورجيا ميلوني.

كما أعلنت الحكومة الفرنسية، من جهتها، أنها قررت تشديد المراقبة على الحدود البرية والجوية والبحرية مع إسبانيا، تحسباً لدخول مهاجرين غير شرعيين إلى أراضيها. فيما دعا المستشار الألماني فريدريش ميرتس الجمعة المغرب إلى «إعادة المهاجرين غير النظاميين فوراً»، عقب تدفق عشرات الآلاف من المملكة إلى جيب سبتة.وقال المستشار المحافظ: «ترغب إسبانيا، بل يجب عليها، السيطرة على الوضع في سبتة بأسرع وقت ممكن. ولذلك، أرحب بنية إسبانيا عدم السماح للمهاجرين غير النظاميين بدخول البر الأوروبي».
كما انضمت الإدارة الأميركية إلى جبهة المنتقدين لسياسة الهجرة الإسبانية، إذ صرّحت الناطقة بلسان البيت الأبيض آنا كيلي قائلة: «الرئيس دونالد ترمب يحذّر أوروبا منذ فترة طويلة بعواقب السياسات اليسارية المتطرفة، كمثل تسهيل الهجرة الكثيفة، وعلى إسبانيا وغيرها من الدول التي اتبعت هذه السياسات المدمرة العودة عنها فوراً كي لا تعرّض حضارتها للفناء».
