«إسرائيل الكبرى» تشعل غضباً عربياً

انتقادات على مواقع التواصل لحديث نتنياهو عن «المهمة التاريخية»

فلسطينيون يتفقدون الدمار الذي خلفته غارة إسرائيلية استهدفت حي الزيتون جنوب مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون الدمار الذي خلفته غارة إسرائيلية استهدفت حي الزيتون جنوب مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«إسرائيل الكبرى» تشعل غضباً عربياً

فلسطينيون يتفقدون الدمار الذي خلفته غارة إسرائيلية استهدفت حي الزيتون جنوب مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون الدمار الذي خلفته غارة إسرائيلية استهدفت حي الزيتون جنوب مدينة غزة (أ.ف.ب)

أشعل حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو عن كونه في «مهمة تاريخيّة وروحية»، مرتبطة بـ«إسرائيل الكبرى»، غضباً عربياً وانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، في وقت عدها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، محاولة لـ«مغازلة الداخل الإسرائيلي»، مطالبين بتحرك عربي للرد عليها، «بوصفها جزءاً من مساعي نتنياهو لإعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط».

وأشار نتنياهو، في حديثه لقناة «i24» الإسرائيلية، إلى «الحلم الإسرائيلي» بوصفه «مهمة أجيال» يُسلمها جيل إلى جيل، وقال إنه «يشعر بأنه في مهمة روحية وتاريخية من أجل الشعب اليهودي»، وفقاً لما نشرته صحيفة «ذا تايمز أوف إسرائيل».

وأهداه المحاور شارون جال (وهو نائب يميني سابق)، علبة بها تميمة تحمل خريطة «إسرائيل الكبرى». وقال مازحاً: «لا أهديها لك، فلا أريد توريطك (بسبب قضية الهدايا التي تلاحقه) بل هذه هدية لزوجتك سارة».

وعندما سُئل عمّا إذا كان يشعر بارتباط «بهذه الرؤية» لـ«إسرائيل الكبرى»، أجاب نتنياهو: «بالتأكيد»، ولم تظهر صورة الهدية على الشاشة، وفقاً للحوار الذي شاركه نتنياهو عبر حسابه على منصة «إكس».

ومصطلح «إسرائيل الكبرى» استخدم من قبل بعد حرب الأيام الستة في يونيو (حزيران) 1967 للإشارة إلى إسرائيل ومناطق القدس الشرقية والضفة الغربية، وقطاع غزة، وشبه جزيرة سيناء في مصر، ومرتفعات الجولان.

وسعت «الشرق الأوسط» إلى الحصول على تعليق رسمي من مصر بشأن تصريحات نتنياهو، لكن لم يتسن لها ذلك.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي تصريحات نتنياهو، محذرين من خطورتها، ومطالبين بالتنبه لـ«أطماع إسرائيل التوسعية» في المنطقة.

وتساءل الأمين العام لـ«حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية»، مصطفى البرغوثي، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، عن موقف الدول العربية إزاء هذه التصريحات.

بينما عدها الإعلامي المصري، نشأت الديهي، بمثابة «انتحار» من جانب نتنياهو، وقال عبر حسابه على منصة «إكس» إن تصريحات نتنياهو «حول ما يسمى بإسرائيل الكبرى ستكون بمثابة الرمح الذي يخترق عنقه ليكون عبرة لمن يعتبر».

ووصف الخبير في شؤون الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، تصريحات نتنياهو بأنها «الأجرأ على الإطلاق». وقال، عبر حسابه على منصة «إكس»: «تعكس طموحاً استراتيجياً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وتوسيع النفوذ الإسرائيلي».

وتسببت تلك التصريحات في غضب على مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما مع ذكر مصر والأردن بأنهما جزء من «إسرائيل الكبرى»، رغم أن نتنياهو لم يذكر في الحوار صراحة اسم أي دولة. وتساءل المدون المصري، لؤي الخطيب عبر حسابه على منصة «إكس»: «هل سمعت نتنياهو يقول إنه يريد ضم مصر والأردن لإسرائيل الكبرى؟»، وقال: «إجرام نتنياهو وتطرفه ليسا محل نقاش، لكنه لم يتجرأ ليقول مثل هذا الكلام على مصر».

الإعلامي وعضو مجلس النواب المصري مصطفى بكري، وصف تصريحات نتنياهو بأنها «خطيرة وتكشف النقاب عن المخطط الحقيقي لإسرائيل، التي تستهدف المنطقة بأسرها». وقال: «نتنياهو يعلن العداء... وعلينا الاستعداد للمرحلة المقبلة لدرء خطر مخطط حقيقي»، مشدداً على أن «مصر مستعدة لمواجهة كل من يحاول المساس بأمنها القومي».

وعد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن تصريحات نتنياهو «كلاماً جاداً يستلزم رداً جاداً». وقال إن «نتنياهو يخاطب الداخل الإسرائيلي الحالم بدولة كبرى، ويحاول تنفيذ مخططه السابق بإعادة صياغة خريطة الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن «نتنياهو يفعل ذلك تحت مظلة دعم أميركي، ما يتطلب موقفاً عربياً موحداً لمواجهة هذه المخططات».

وسبق أن تحدث نتنياهو عن رغبته في «إعادة صياغة خريطة الشرق الأوسط». وفي سبتمبر (أيلول) 2023 ألقى كلمة أمام اجتماع الدورة الـ78 للجمعية العامة للأمم المتحدة، رفع خلالها خريطة للشرق الأوسط لم تظهر فيها الضفة الغربية أو قطاع غزة. والعام الماضي وأمام الأمم المتحدة أيضاً، أعاد نتنياهو رفع الخريطة نفسها مع خريطة أخرى، وقارن بينهما، عادّاً أن الأولى تمثل «النعيم»، والثانية تمثل «اللعنة»، وفي الخريطتين لم يكن هناك وجود لغرة أو الضفة.

فلسطينية تبكي قرب جثمان قريب لها قُتل في غارة إسرائيلية على شاطئ غزة (أ.ف.ب)

الكاتب والمحلل السياسي الأردني، الدكتور عبد الحكيم القرالة، أكد أن تصريحات نتنياهو «تعكس حقيقة اليمين الإسرائيلي المتطرف وأطماعه الاستيطانية والأجندات التي يسعى إلى تحقيقها وعلى رأسها تصفية القضية الفلسطينية». وأضاف أن «نتنياهو يغازل عبر هذه التصريحات الداخل الإسرائيلي المؤمن بحلم إسرائيل الكبرى».

وأشار إلى أهمية توقيت حديث نتنياهو عن «إسرائيل الكبرى»، في ظل «تنديد دولي بحرب الإبادة والتجويع في قطاع غزة». وقال: «نتنياهو يحاول التغطية على جرائمه وجعلها جزءاً من حلم ومهمة تاريخيّة، إضافة إلى أنه يسعى إلى عرقلة الجهود الدولية للاعتراف بدولة فلسطين».

واتفق معه الأكاديمي المصري المختص بالشؤون الاستراتيجية والأمن الإقليمي، العميد خالد عكاشة، مشيراً إلى أن «نتنياهو يستهدف الداخل الإسرائيلي، ويسعى إلى تسويق نفسه أمام الولايات المتحدة بوصفه يخوض معركة مصيرية تمس عقيدة الدولة، ما يضفي مشروعية على الحرب ويربطها بأصل المشروع الصهيوني».

​أطفال فلسطينيون خلال اصطفافهم في وقت سابق لتلقي وجبة ساخنة بنقطة توزيع طعام بالنصيرات (أ.ف.ب)

وقال عكاشة إن «هذه التصريحات تأتي في ظل احتجاجات في الداخل الإسرائيلي، ورفض لخطة احتلال قطاع غزة، ناهيك عن التنديد الدولي بتجويع سكان القطاع، وإعلان عدد من الدول عزمها الاعتراف بدولة فلسطين».

وأشار، إلى أن «نتنياهو يقوم بتحركات استباقية لإجهاض التفاعلات الدولية المرتقبة مع فلسطين في الأمم المتحدة»، لكنه أكد في الوقت نفسه، أن «نتنياهو لم ولن ينجح في تحقيق طموحاته التوسعية».

وأدانت الأمانة العامة للجامعة العربية تصريحات نتنياهو وعدتّها «استباحة لسيادة دول عربية، ومحاولة لتقويض الأمن والاستقرار في المنطقة».

وأكدت في بيان أن «هذه التصريحات تمثل تهديداً خطيراً للأمن القومي العربي، وتحدياً سافراً للقانون الدولي، ومبادئ الشرعية الدولية». كما أنها «تعكس نيات توسعية وعدوانية لا يمكن القبول بها أو التسامح معها، وتكشف العقلية المتطرفة الغارقة في أوهام استعمارية».

 


مقالات ذات صلة

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

المشرق العربي جنود إسرائيليون يمشطون أحد شوارع بلدة كفر عقب في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في قرية شرق مدينة رام الله، في ظل تصاعد العنف في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

أفادت مصادر بأن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من 17 مليار دولار سبق التعهد بها لغزة، مما يحول دون المضي قدماً في خطة دونالد ترمب لمستقبل القطاع المدمر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

بعد إقرار إسرائيل قانون الإعدام... خوف وغضب يتجاذبان أهالي المعتقلين الفلسطينيين

في رام الله وسط الضفة الغربية، اعتصم أهالي معتقلين فلسطينيين وممثلون للفصائل الفلسطينية ورجال دين ونشطاء أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)

السيسي وبوتين يشددان على ضرورة احتواء التصعيد الراهن

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «روسيا بما لها من وزن وقدرات على المستوى الدولي قادرة على التأثير في اتجاه وقف الحرب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب) p-circle

إدانات فلسطينية وعربية ودولية لإقرار الكنيست «قانون إعدام الأسرى»

أدانت فصائل فلسطينية ومسؤولون في السلطة الفلسطينية ودولية عربية وألمانيا والاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إقرار الكنيست قانوناً يجيز إعدام الأسرى.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

مصر تطالب بـ«مسارات نظامية للهجرة» بالتعاون مع الشركاء الدوليين

وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين» الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين» الأحد (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بـ«مسارات نظامية للهجرة» بالتعاون مع الشركاء الدوليين

وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين» الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين» الأحد (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على «ضرورة تكثيف العمل على توفير مسارات نظامية للهجرة، بالتعاون مع الشركاء الدوليين». وقالت إن ذلك يتم «عبر توسيع فرص التدريب والهجرة النظامية للشباب، بما يلبي احتياجات أسواق العمل في دول المقصد، ويضمن حماية حقوق المهاجرين».

جاء ذلك خلال لقاء وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الأحد، مع رئيس «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين»، صلاح عبد الصادق، في إطار متابعة الجهود الوطنية للتعامل مع قضايا اللجوء وتعزيز التنسيق المؤسسي، فضلاً عن الاستعداد لانعقاد منتدى مراجعة الهجرة الدولية، المقرر عقده في نيويورك الشهر المقبل.

واستعرض عبد العاطي، خلال اللقاء، مخرجات الاجتماع الوزاري للدول الأفريقية الرائدة في تنفيذ أهداف «الميثاق العالمي من أجل هجرة آمنة ومنظمة ومنتظمة»، الذي استضافته القاهرة مطلع أبريل (نيسان) الحالي.

كما أعرب عن التطلع لمشاركة مصر في «منتدى مراجعة الهجرة الدولية» بنيويورك، واستعراض التقرير الوطني الطوعي الثاني، في ضوء مكانة مصر كدولة رائدة في تنفيذ الميثاق العالمي للهجرة، وتبنيها لنهج متكامل يوازن بين الأبعاد الإنسانية والتنموية للهجرة.

وشدّد وزير الخارجية المصري على «أهمية ترسيخ مفهومي تقاسم الأعباء والمسؤوليات والتضامن الدولي، وفقاً لما نصّ عليه الميثاق العالمي للهجرة واللاجئين»، مشيراً إلى «ضرورة العمل على توفير الدعم الدولي المستدام، بحيث لا يقتصر على البرامج قصيرة الأجل، بل يمتد إلى تمويل هيكلي طويل المدى يعزز من قدرة الدول على الاستمرار في تقديم الخدمات، ويدعم صمود المجتمعات المضيفة، بما يسهم في تعزيز التماسك المجتمعي».

لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، من 62 جنسية مختلفة، وهو ما يكلّف الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، الأحد، تناول اللقاء دور «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين» في تنسيق السياسات الوطنية وتعزيز التعاون مع مختلف الجهات المعنية بالدولة، لتقديم الدعم اللازم للاجئين وطالبي اللجوء في مصر، وذلك في ضوء استضافة مصر لملايين من اللاجئين والمهاجرين، الذين يعيشون في اندماج كامل بالمجتمع المصري ويتمتعون بالخدمات الأساسية دون تمييز، وذلك رغم محدودية الدعم الدولي مقارنة بحجم الأعباء المتزايدة نتيجة الأزمات الإقليمية.

فعاليات ترفيهية تقيمها «مؤسسة سوريا الغد» للإغاثة للاجئين في مصر (مؤسسة سوريا الغد للإغاثة)

وأشاد عبد العاطي بجهود «اللجنة الوطنية» في هذا الإطار، مثمناً النهج الشامل الذي تتبناه مصر لإدارة ملف الهجرة، الذي يقوم على ربط الهجرة بالتنمية ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية، من خلال تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتطوير منظومتي التعليم والتدريب وتوفير فرص العمل، إلى جانب إتاحة مسارات شرعية للهجرة وتعزيز إدارة الحدود، ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر.

وتُعدّ مصر من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، حتى تجاوزت أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء لدى مفوضية اللاجئين مليوناً و98 ألف شخص من 60 جنسية مختلفة بنهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تصدرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب، ثم السوريون بواقع 123 ألفاً و383 طلباً.


المنفي يؤكد رفض أي «مبادرات» تُطيل الانقسام الليبي

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي خلال «منتدى لمكافحة الفساد» في العاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي خلال «منتدى لمكافحة الفساد» في العاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب المنفي)
TT

المنفي يؤكد رفض أي «مبادرات» تُطيل الانقسام الليبي

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي خلال «منتدى لمكافحة الفساد» في العاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي خلال «منتدى لمكافحة الفساد» في العاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب المنفي)

تمسك رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، الأحد، برفضه لما وصفه بمبادرات «إطالة عمر الانقسام»، داعياً إلى «العودة إلى الشعب والاحتكام إلى إرادته الحرة» من خلال إجراء انتخابات تشريعية وتنفيذية جديدة.

وخلال الفترة الماضية، كثّف المنفي اتصالاته بقيادات عسكرية وسياسية في العاصمة طرابلس، مدفوعاً بخلافات متصاعدة مع رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، على خلفية مقترح أميركي يقضي بدمج الحكومتين المتنازعتين على السلطة.

وأعاد المنفي التذكير بأن ليبيا شهدت خلال السنوات الماضية «كماً كبيراً من التفاهمات، والتفاهمات المضادة، والمبادرات والاتفاقيات، والشعارات، والعناوين البراقة»، بحسب تعبيره. وقال، خلال ملتقى لـ«مكافحة الفساد» بالعاصمة الليبية طرابلس، إن كثيراً من هذه المبادرات «لم يكن موجهاً إلى حل جذور الأزمة، بل إلى إدارتها بما يضمن بقاءها، وإعادة إنتاجها في صورة جديدة، وتمديد عمر الانقسام، وتدوير النفوذ، وتقاسم الموارد، وترحيل التكلفة إلى جيب المواطن».

وألقى المنفي باللائمة على الفساد، معتبراً إياه «السبب الرئيسي في تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد»، واصفاً إياه بأنه «منظومة متكاملة» تتغذى على الانقسام السياسي وتستنزف ثروات البلاد.

وتتسق هذه التصريحات مع ما نشره المنفي عبر منصة «إكس» الأسبوع الماضي، حين أشار إلى أن الليبيين يقفون بين خياري «الدولة أو الصفقة» و«الانتخابات أو التمديد»، مؤكداً عزمه على إحداث تغيير، دون تقديم تفاصيل إضافية.

ويقضي مقترح يدعمه مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بتولي صدام حفتر رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من المنفي، مع الإبقاء على الدبيبة رئيساً لـ«الحكومة الموحدة» المرتقبة.

إحدى جلسات «الحوار المهيكل» في طرابلس يوم الاثنين الماضي (البعثة الأممية)

ولوّح المنفي، الأحد، باتخاذ «إجراء» لم يكشف عن تفاصيله، مؤكداً أنه «لن يقف عاجزاً أمام معاناة الليبيين»، مشدداً على أنه «لن يقبل بأن تتحول مؤسسات الدولة إلى هياكل تُدار فقط لحماية الفساد أو تسوية فواتير الإخفاق من قوت المواطنين ومدخراتهم وأحلام أطفالهم».

كما رحّب بحذر بتوقيع إطار المبادئ الحاكم للإنفاق العام الموحد بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» برعاية أميركية، معتبراً في بيان أن «العبرة تبقى بالتنفيذ الكامل والدقيق لما تم الاتفاق عليه»، بما يضمن انتظام تحصيل الإيرادات النفطية عبر القنوات الرسمية وفق القانون، بعيداً عن «التشوهات الناتجة عن عقود تطوير الحقول النفطية الهامشية».

عربياً، اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط أن الاتفاق الليبي بشأن الإنفاق العام «تطور إيجابي يعزز مسار التوافق بين الأطراف الليبية»، مجدداً في بيان استعداد الجامعة، عبر أجهزتها ومنظماتها المتخصصة، لدعم الجهود الوطنية الرامية إلى تنفيذ برنامج تنموي موحد.

في الأثناء، يستعد المشاركون في الحوار الليبي المهيكل لاستئناف جلسات «مسار الحوكمة»، الاثنين، وهو مسار سياسي أطلقته بعثة الأمم المتحدة ضمن «خريطة طريق» تهدف إلى معالجة الانسداد السياسي، وتوحيد المؤسسات، والتمهيد لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية.

ونقلت وسائل إعلام محلية، عن أحد المشاركين في الحوار، أن تقديم التوصيات المكتوبة المتعلقة بتهيئة البيئة الانتخابية مقرر الخميس المقبل، على أن تُعقد الجلسة العامة النهائية للحوار يومي الثالث والرابع من يونيو (حزيران) المقبل لاعتماد المخرجات النهائية.

أمنياً، التزمت السلطات الرسمية في طرابلس الصمت حيال واقعة تعرض اللواء إبراهيم الشقف، المرشح لمنصب نائب رئيس جهاز المخابرات العامة، لمحاولة اغتيال مسلحة، السبت، أمام أحد فنادق العاصمة.

إبراهيم الشقف المرشح لمنصب نائب رئيس جهاز المخابرات الليبية (متداولة)

ووفقاً للمؤسسة الليبية لحقوق الإنسان، اندلع اشتباك مسلح بين مرافقي الشقف ومهاجمين كانوا يستقلون سيارات، ما أسفر عن أضرار مادية دون وقوع إصابات بشرية. فيما أكدت مصادر محلية نجاته من الهجوم دون أذى.

وأعربت المؤسسة عن مخاوف متزايدة إزاء تدهور الوضع الأمني، معتبرة أن الحادثة تندرج ضمن «موجة متصاعدة من محاولات الاغتيال المرتبطة بالمواقف السياسية والمناصب الأمنية الحساسة»، داعية إلى فتح تحقيق شامل وجاد لكشف ملابسات الواقعة، وملاحقة الجناة وتقديمهم إلى العدالة، كما حثت وزارة الداخلية على تعزيز التدابير الأمنية لمكافحة الجريمة والجريمة المنظمة، وحماية المواطنين والمسؤولين.

وسبق للواء الشقف أن شغل منصب رئيس جهاز الأمن الداخلي، قبل ترشيحه لمنصب نائب رئيس جهاز المخابرات العامة، ضمن مساعٍ حكومية لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية في غرب البلاد التي تشهد تصاعداً ملحوظاً في أعمال العنف السياسي ومحاولات الاغتيال التي تستهدف شخصيات أمنية وعسكرية بارزة.


توحيد الجيش الليبي... هل تكون «فلينتلوك 2026» كلمة السر؟

وحدات عسكرية في غرب ليبيا قبل توجهها إلى سرت للمشاركة في مناورة «فلينتلوك» (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)
وحدات عسكرية في غرب ليبيا قبل توجهها إلى سرت للمشاركة في مناورة «فلينتلوك» (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)
TT

توحيد الجيش الليبي... هل تكون «فلينتلوك 2026» كلمة السر؟

وحدات عسكرية في غرب ليبيا قبل توجهها إلى سرت للمشاركة في مناورة «فلينتلوك» (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)
وحدات عسكرية في غرب ليبيا قبل توجهها إلى سرت للمشاركة في مناورة «فلينتلوك» (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)

مع تسارع الاستعدادات لاستضافة مدينة سرت الليبية مناورات «فلينتلوك 2026» منتصف الشهر الجاري، بمشاركة قوات من شرق البلاد وغربها، ورغم استمرار الانقسام السياسي والعسكري، بدت تصريحات لافتة صادرة عن أطراف عسكرية من الجانبين، تعكس توجهاً متنامياً لتوظيف الحدث كونه منصة للاقتراب من ملف توحيد الجيش.

وأثارت تلك الرسائل خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية تساؤلات حول ما إذا كانت المناورة التي ترعاها القوات الأميركية في «أفريقيا» قد تكتسب أبعاداً أوسع من جانبها الميداني، لتتحول إلى ما يشبه «كلمة سر» لخطوات متقدمة على طريق تشكيل جيش ليبي موحد، وهو الهدف الذي ظل غائباً عن البلاد منذ انهيار نظام العقيد الراحل معمر القذافي.

وبين خصوم الأمس في محاور القتال خلال حرب العاصمة طرابلس (2019 – 2020)، شهدت لغة الخطاب تحولاً ملحوظاً نحو مزيد من التقارب والتصالح. ففي شرق ليبيا، بدا هذا التغير واضحاً في تصريحات نائب قائد «الجيش الوطني» صدام خليفة حفتر، الذي حرص على تضمين تصريحاته عن هذه المناورات رسائل تتحدث عن «قدرة شباب ليبيا على الوحدة» و«مهنية المؤسسة العسكرية»، مشيراً إلى مشاركة عسكريين من «طرابلس والمدن الليبية كافة»، في محاولة لإبراز كسر الانقسام بين الشرق والغرب.

وكيل وزارة الدفاع في غرب ليبيا عبد السلام الزوبي وسط قادة عسكريين في مارس الماضي (وزارة الدفاع)

المغزى ذاته أعاد تأكيده شقيقه رئيس الأركان الفريق أول خالد حفتر بحديثه عن أن مناورة «فلينتلوك» تعكس حرص العسكريين على «وحدة البلاد»، بل ذهب إلى الحديث عن أن «تدريب ورفع كفاءة أبناء المؤسسة العسكرية شرقاً وغرباً وجنوباً» بمثابة «دعم حقيقي لجيش ليبيا الذي سيلتئم بعون الله ليصونها ويحميها».

في المقابل، قدّم وكيل وزارة الدفاع في غرب ليبيا، عبد السلام زوبي، قراءة رمزية للحدث، واصفاً التمرين بأنه «لقاء البنادق التي طال بها الفراق»؛ في إشارة إلى سنوات النزاع، بل وذهب إلى وصفه بأنه «تجسيد حي لإرادة توحيد المؤسسة العسكرية».

وتلقى مراقبون هذه الرسائل المتبادلة بتفاؤل، عززه اختيار سابق لسرت موقعاً للمناورات، باعتبار ما تمثله المدينة الواقعة في وسط الساحل الليبي من نقطة توازن جغرافي بين الشرق والغرب، ما يمنحها طابعاً «محايداً نسبياً» يتيح مشاركة قوات من مختلف المناطق.

قوات تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي في تدريبات استعداد لمناورة «فلينتلوك» في سرت (إعلام القيادة العامة)

كما تُقدَّم سرت في الخطاب الرسمي نموذجاً للتحول من بؤرة صراع، بعدما كانت أحد أبرز معاقل تنظيم «داعش» الذي قضت عليه عملية «البنيان المرصوص» قبل سنوات، إلى منصة للتدريب والتعاون الدولي. ففي حين يبرز خطاب قيادة الجيش في شرق البلاد المدينة بوصفها «انتصرت على الإرهاب»، يعيد مسؤولون في غرب ليبيا تقديمها باعتبارها رمزاً للالتقاء بعد سنوات من الانقسام.

لكن، ورغم هذه الرسائل، يرى عدد من الخبراء أن ما يجري لا يزال يندرج ضمن إطار «التوحيد الرمزي». وهنا قال وزير الدفاع الليبي الأسبق، اللواء محمد البرغثي، إن إجراء مناورة عسكرية في مدينة سرت بمشاركة قوات من شرق وغرب البلاد، إلى جانب عناصر من القيادة الأميركية في أفريقيا، لا يمكن اعتباره مؤشراً على توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وأوضح البرغثي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «إجراء تمرين عسكري بين قوات تتبع قائدين مختلفين، أحدهما في غرب ليبيا والآخر في شرقها، لا يعكس بأي حال صورة جيش ليبي موحد تحت قيادة واحدة». وأضاف أن «وحدة الجيش تعني وجود قيادة موحدة، وخضوع جميع التشكيلات العسكرية لإمرة رجل واحد يُعرف بالقائد العام».

واعتبر البرغثي أن ما يحدث في سرت «أقرب إلى نموذج للتعاون العسكري بين قوى مختلفة، وليس دليلاً على توحيد الجيش الليبي»، مؤكداً أن «تحقيق الوحدة العسكرية الحقيقية يتطلب أولاً توحيد القيادة والقرار العسكري».

ولا تبتعد تقديرات الوزير الليبي السابق عما سبق أن رصده باحثون ليبيون من عقبات بنيوية تعرقل هذا التوحيد، من بينها تعقيدات موروثة منذ عهد معمر القذافي، وغياب عقيدة عسكرية موحدة، فضلاً عن تباين هياكل القيادة بين شرق البلاد وغربها، حيث توجد قيادة عامة في الشرق مقابل نظام رئاسة أركان في الغرب.

رئيس أركان «الجيش الوطني» في شرق ليبيا الفريق أول خالد حفتر (إعلام القيادة العامة)

وتأتي هذه التطورات في ظل انقسام سياسي بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، التي تتبعها مجموعات مسلحة، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في بنغازي، والمدعومة من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

وتُعد مناورات «فلينتلوك»، التي انطلقت عام 2005، أكبر تدريب سنوي للقوات الخاصة في أفريقيا، وتهدف إلى تعزيز قدرات مكافحة الإرهاب وبناء الشراكات بين الدول المشاركة.

ورغم الطابع العسكري للمناورة، ترى بعض التقديرات أن «فلينتلوك 2026» تمثل محطة ذات أبعاد استراتيجية أوسع، خصوصاً مع حلول موعدها بعد أيام من اتفاق بين أطراف ليبية في الشرق والغرب على توحيد الموازنة العامة برعاية أميركية، بعد سنوات من التعثر.

وفي هذا السياق، يرى الباحث المتخصص في شؤون الأمن القومي الليبي، فيصل أبو الرايقة، أن ما يجري يعكس «مقاربة متكاملة» لإعادة التموضع الأميركي داخل ليبيا والمنطقة، ما يمنح الحدث أهمية خاصة من حيث التوقيت والدلالات.

وأوضح أن المشهد الليبي بات أقرب إلى «مسار متكامل» تتقاطع فيه الترتيبات العسكرية مع التفاهمات المالية، معتبراً أن تزامن المناورات مع الدفع نحو توحيد الميزانية يعزز هذا الاتجاه.

وبحسب تقديره، فإن هذا التوازي بين المسارين الأمني والمالي قد يشير إلى توجه عملي لإعادة تشكيل مركز القرار في البلاد، والدفع نحو توحيد الجهاز التنفيذي ضمن مظلة تجمع بين الأبعاد الأمنية والمالية.

وتشير تقديرات بحثية، بينها أوراق صادرة عن «المجلس الأطلسي»، إلى أن استضافة «فلينتلوك» في ليبيا تحمل أيضاً رسائل تتعلق بدمج البلاد ضمن منظومة أمنية غربية، بالتوازي مع موازنة النفوذ الروسي.

وبينما تعكس الخطابات المصاحبة للمناورات رغبة في الدفع نحو توحيد المؤسسة العسكرية، يبقى التحدي الرئيسي، بحسب مراقبين، في ترجمة هذه الرسائل إلى خطوات عملية تتجاوز الطابع الرمزي، نحو إعادة هيكلة فعلية للجيش الليبي تحت قيادة موحدة.