نتنياهو يجاهر بحلم «إسرائيل الكبرى»

تنديدات رسمية وغضب عربي واسع

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث في مؤتمر صحافي 10 أغسطس 2025 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث في مؤتمر صحافي 10 أغسطس 2025 (رويترز)
TT

نتنياهو يجاهر بحلم «إسرائيل الكبرى»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث في مؤتمر صحافي 10 أغسطس 2025 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث في مؤتمر صحافي 10 أغسطس 2025 (رويترز)

أشعل حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن كونه في «مهمة تاريخيّة وروحية» مرتبطة بـ«إسرائيل الكبرى»، غضباً عربياً واسعاً، وأدان الأردن تصريحاته واستنكرتها قطر وانطلق سيل انتقادات من مواطنين عرب على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأدان الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي، الأربعاء، تصريحات نتنياهو، عادّاً ذلك «انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، واعتداء سافراً على سيادة الدول ووحدة أراضيها». وأضاف في بيان أن «مثل هذه التصريحات والمخططات الخطيرة تشكل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وتكشف بوضوح عن النهج الخطير الذي تنتهجه قوات سلطات الاحتلال».

التصريحات عدَّها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» محاولة لـ«مغازلة الداخل الإسرائيلي»، مطالبين بتحرك عربي للرد عليها، «باعتبارها جزءاً من مساعي نتنياهو لإعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط».

وأدان كل من الأردن وقطر، الأربعاء، تصريحات نتنياهو التي قال فيها إنه متعلّق بما تسمى «رؤية إسرائيل الكبرى»، بوصفها «تصعيداً استفزازياً خطيراً، وتهديداً لسيادة الدول، ومخالفةً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وأكد الناطق الرسمي باسم الوزارة، السفير الدكتور سفيان القضاة، «رفض المملكة المطلق لهذه التصريحات التحريضية»، مشدداً على أن «هذه الأوهام العبثية التي تعكسها تصريحات المسؤولين الإسرائيليين لن تنال من الأردن والدول العربية ولا تنتقص من الحقوق المشروعة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني».

وأضاف: «هذه التصريحات والممارسات تعكس الوضع المأزوم للحكومة الإسرائيلية وتتزامن مع عزلتها دولياً في ظل استمرار عدوانها على غزة والضفة الغربية المحتلتين».

وقال القضاة: «هذه الادعاءات والأوهام التي يتبناها متطرفو الحكومة الإسرائيلية ويروجون لها تشجع على استمرار دوامات العنف والصراع، وبما يتطلب موقفاً دولياً واضحاً بإدانتها والتحذير من عواقبها الوخيمة على أمن المنطقة واستقرارها ومحاسبة مطلقيها». وشدد على «ضرورة تحرك المجتمع الدولي فوراً لوقف جميع الإجراءات والتصريحات التحريضية الإسرائيلية المهدّدة لاستقرار المنطقة والأمن والسلم الدوليين».

من جهتها، أعربت قطر عن إدانتها واستنكارها لتصريحات نتنياهو، وعدَّت في بيان أصدرته وزارة الخارجية أن هذا «امتداد لنهج الاحتلال القائم على الغطرسة وتأجيج الأزمات والصراعات والتعدي السافر على سيادة الدول والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

كما أكدت أن «الادعاءات الإسرائيلية الزائفة والتصريحات التحريضية لن تنتقص من الحقوق المشروعة للدول والشعوب العربية»، مشددةً على ضرورة تضامن المجتمع الدولي «لمواجهة هذه الاستفزازات التي تعرّض المنطقة لمزيد من العنف والفوضى».

ماذا قال؟

كان نتنياهو قد تحدَّث لقناة «i24» الإسرائيلية، عن «الحلم الإسرائيلي» بوصفه «مهمة أجيال» يُسلمها جيل إلى جيل، وكيف أنه يشعر بأنه في مهمة «روحية وتاريخية» من أجل الشعب اليهودي.

وهنا أهداه المذيع شارون جال، وهو نائب يميني سابق، علبة بها تميمة تحمل خريطة «إسرائيل الكبرى» وقال له: «لا أهديها لك، فلا أريد توريطك (بسبب قضية الهدايا التي تلاحقه) بل هذه هدية لزوجتك سارة»، وفقاً لما ذكرته صحيفة «ذا تايمز أوف إسرائيل».

ولم تظهر صورة الهدية على الشاشة، وفقاً للحوار الذي شاركه نتنياهو عبر حسابه على منصة «إكس».

ومصطلح «إسرائيل الكبرى» استخدم من قبل بعد حرب الأيام الستة في يونيو (حزيران) 1967 للإشارة إلى إسرائيل ومناطق القدس الشرقية والضفة الغربية، وقطاع غزة، وشبه جزيرة سيناء في مصر، ومرتفعات الجولان.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي تصريحات نتنياهو، محذرين من خطورتها، ومطالبين بالتنبه لـ«أطماع إسرائيل التوسعية» في المنطقة.

سيل انتقادات وتحذيرات

وتساءل الأمين العام لـ«حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية»، مصطفى البرغوثي، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، عن موقف الدول العربية إزاء هذه التصريحات، بينما عدَّها الإعلامي المصري، نشأت الديهي، بمثابة «انتحار» من جانب نتنياهو.

وقال الديهي عبر حسابه على منصة «إكس» إن تصريحات نتنياهو «حول ما يسمى بإسرائيل الكبرى ستكون بمثابة الرمح الذي يخترق عنقه ليكون عبرة لمن يعتبر».

ووصف الخبير في شؤون الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، تصريحات نتنياهو بأنها «الأجرأ على الإطلاق». وقال، عبر حسابه على «إكس» إنها «تعكس طموحاً استراتيجياً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وتوسيع النفوذ الإسرائيلي».

الإعلامي وعضو مجلس النواب المصري مصطفى بكري، وصف تصريحات نتنياهو بأنها «خطيرة وتكشف النقاب عن المخطط الحقيقي لإسرائيل، التي تستهدف المنطقة بأسرها».

وقال: «نتنياهو يعلن العداء... وعلينا الاستعداد للمرحلة المقبلة لدرء خطر مخطط حقيقي»، مشدداً على أن «مصر مستعدة لمواجهة كل من يحاول المساس بأمنها القومي».

وعدَّ مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن تصريحات نتنياهو «كلاماً جاداً يستلزم رداً جاداً».

وقال: «نتنياهو يخاطب الداخل الإسرائيلي الحالم بدولة كبرى، ويحاول تنفيذ مخططه السابق بإعادة صياغة خريطة الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن «نتنياهو يفعل ذلك تحت مظلة دعم أميركي، ما يتطلب موقفاً عربياً موحداً لمواجهة هذه المخططات».

وسبق أن تحدث نتنياهو عن رغبته في «إعادة صياغة خريطة الشرق الأوسط». وفي سبتمبر (أيلول) 2023 ألقى كلمة أمام اجتماع الدورة الـ78 للجمعية العامة للأمم المتحدة، رفع خلالها خريطة للشرق الأوسط لم تظهر فيها الضفة الغربية أو قطاع غزة.

والعام الماضي وأمام الأمم المتحدة أيضاً، أعاد نتنياهو رفع الخريطة نفسها مع خريطة أخرى، وقارن بينهما، عادّاً أن الأولى تمثل «النعيم»، والثانية تمثل «اللعنة»، وفي الخريطتين لم يكن هناك وجود لغرة أو الضفة.

الكاتب والمحلل السياسي الأردني، الدكتور عبد الحكيم القرالة، أكد أن تصريحات نتنياهو «تعكس حقيقة اليمين الإسرائيلي المتطرف وأطماعه الاستيطانية والأجندات التي يسعى إلى تحقيقها وعلى رأسها تصفية القضية الفلسطينية».

وأضاف: «نتنياهو يغازل عبر هذه التصريحات الداخل الإسرائيلي المؤمن بحلم إسرائيل الكبرى». وأشار إلى أهمية توقيت حديث نتنياهو عن «إسرائيل الكبرى»، في ظل «تنديد دولي بحرب الإبادة والتجويع في قطاع غزة».

وقال: «نتنياهو يحاول التغطية على جرائمه وجعلها جزءاً من حلم ومهمة تاريخيّة، إضافة إلى أنه يسعى إلى عرقلة الجهود الدولية للاعتراف بدولة فلسطين».

واتفق معه الأكاديمي المصري المختص بالشؤون الاستراتيجية والأمن الإقليمي، العميد خالد عكاشة، مشيراً إلى أن «نتنياهو يستهدف الداخل الإسرائيلي، ويسعى إلى تسويق نفسه أمام الولايات المتحدة بوصفه يخوض معركة مصيرية تمس عقيدة الدولة، ما يضفي مشروعية على الحرب ويربطها بأصل المشروع الصهيوني». ​


مقالات ذات صلة

ثلثا الإسرائيليين يخشون تكرار هجوم 7 أكتوبر

شؤون إقليمية صورة تجمع نتنياهو وزوجته سارة في مركز انتخابي لحزب «الليكود» بالقدس يوم 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

ثلثا الإسرائيليين يخشون تكرار هجوم 7 أكتوبر

استغل نتنياهو حادث طائرة «فلاي دبي» حتى الرمق الأخير في دعايته الانتخابية، وكان من أكثر المستفيدين منه.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو: أي جهة متورطة في حادثة طائرة «فلاي دبي» ستدفع «ثمناً باهظاً»

حذّر رئيس الوزراء الإسرائيلي، الجمعة، من أن أي جهة يثبت ضلوعها في حادثة طائرة «فلاي دبي» ستدفع «ثمناً باهظاً جداً»، من دون تقديم أدلة تشير إلى مسؤولية أي دولة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية طائرة من طراز «بوينغ 737 - 8 ماكس» تابعة لشركة «فلاي دبي» (رويترز)

السعودية تكشف ملابسات حادثة «فلاي دبي»

أكدت «الداخلية السعودية» بأن التحقيقات الأولية لحادثة «فلاي دبي»، التي قامت بها الجهات المختصة في البلاد بمشاركة فريق أمني من الإمارات، أشارت إلى وقوع اعتداء.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شؤون إقليمية طائرة بديلة تنقل ركاب رحلة «فلاي دبي» التي هبطت بشكل طارئ في السعودية تحلّق فوق مطار بن غوريون قرب تل أبيب (رويترز) p-circle

ماذا لو دخلت طائرة «فلاي دبي» مخطوفة إلى إسرائيل؟

لا تزال تفاصيل حادثة «فلاي دبي» قيد التحقيق لكن تبين أن الجيش الإسرائيلي تدرب على سيناريوهات في حالات شبيهة، بينها تفجيرها جواً حتى لو كان في الطائرة إسرائيليون

نظير مجلي (تل أبيب)
شمال افريقيا نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)

«الجيش الوطني الليبي» ينفي لقاء صدام حفتر ونتنياهو

نفى مصدر عسكري مسؤول في «الجيش الوطني الليبي» صحة ما تردد عن لقاء نائب القائد العام للجيش صدام حفتر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخراً في أبوظبي.

علاء حموده (القاهرة)

ناقلة نفط خام تتعرض لضربة بمقذوف مجهول قبالة سواحل عُمان

أرشيفية لسفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان (رويترز)
أرشيفية لسفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان (رويترز)
TT

ناقلة نفط خام تتعرض لضربة بمقذوف مجهول قبالة سواحل عُمان

أرشيفية لسفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان (رويترز)
أرشيفية لسفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان (رويترز)

​قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، صباح ال​يوم ‌(السبت)، ⁠إن ​ربان ناقلة نفط ⁠خام أفاد بتعرضها لضربة بمقذوف ⁠غير ‌معروف على ‌بعد ​أربعة أميال ‌بحرية ‌من شرق سلطنة عمان.

وذكرت الهيئة ‌أن جميع أفراد الطاقم ⁠بخير، ⁠وأنه لم يتم الإبلاغ عن أي أثر بيئي في الوقت ​الراهن.


واشنطن وطهران تقتربان من مواجهة جديدة

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق  الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

واشنطن وطهران تقتربان من مواجهة جديدة

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق  الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

في ظل تعثر المساعي الدبلوماسية، تقترب واشنطن وطهران من مواجهة عسكرية جديدة، في حين تتصاعد نبرة التصريحات والتهديدات، فضلاً عن التمسك بمواقف متشددة من الطرفين، ومواصلة تعرض السفن إلى استهدافات في مضيق هرمز.

وأشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً في الفترة الأخيرة إلى أنه سيضرب إيران بـ«قوة شديدة» إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع إدارته، مرجحاً أن يتم ذلك بعد انتخابات الكونغرس النصفية الشهر المقبل أو ربما قبلها. كما حثّ ترمب طهران على اتخاذ «القرار الصائب» قبل فوات الأوان، مضيفاً أنه لا يعرف «مع مَن يتعامل في إيران». في المقابل، ردت طهران بقولها إن قواتها المسلحة مستعدة لـ«حرب استنزاف» أو «عملية خاطفة»، إذا استأنفت واشنطن مهاجمتها.

وفي ظل هذا التصعيد، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنها تلقت تقريراً من طرف ثالث يفيد بإصابة الناقلة بمقذوف مجهول أثناء عبورها مضيق هرمز؛ ما أدى إلى نشوب حريق في السفينة. وكثّفت إيران في الفترة الأخيرة هجماتها على السفن التجارية العابرة للمضيق؛ إذ أطلقت أسبوعياً نحو 30 هجوماً بالطائرات المسيَّرة و10 هجمات بصواريخ مضادة للسفن، وفق بيانات سرية لمسؤول أمني غربي نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز».

وأضاف المسؤول أن 4 سفن تجارية على الأقل أصيبت بهجمات إيرانية خلال الأيام العشرة الماضية، في حين تشير تقارير البحرية البريطانية إلى إصابة 13 سفينة على الأقل، معظمها ناقلات نفط، بمقذوفات أو حطامها، منذ 10 سبتمبر (أيلول).


استهداف السفن يفاقم التوتر بين واشنطن وطهران

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

استهداف السفن يفاقم التوتر بين واشنطن وطهران

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تقترب واشنطن وطهران من مواجهة عسكرية جديدة في ظل تعثر المساعي الدبلوماسية، بينما تتصاعد نبرة التصريحات والتهديدات، فضلاً عن التمسك بمواقف متشددة من الطرفين، ومواصلة تعرض السفن لاستهدافات في مضيق هرمز.

وأشار الرئيس الأميركي، مراراً في الفترة الأخيرة، إلى أنه سيضرب إيران بـ«قوة شديدة» إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع إدارته، مرجحاً أن يتم ذلك بعد انتخابات الكونغرس النصفية، الشهر المقبل، أو ربما قبلها، كما حث ترمب طهران على اتخاذ «القرار الصائب» قبل فوات الأوان، مضيفاً أنه لا يعرف «مع من يتعامل في إيران».

وفي المقابل، ردت طهران بقولها إن قواتها المسلحة مستعدة لـ«حرب استنزاف» أو «عملية خاطفة»، إذا استأنفت واشنطن مهاجمتها.

وفي ظل هذا التصعيد، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنها تلقت تقريراً من طرف ثالث يفيد بإصابة الناقلة بمقذوف مجهول في أثناء عبورها مضيق هرمز. وتعرّضت الناقلة، يوم الجمعة، لهجوم في أثناء خروجها من مضيق هرمز؛ ما تسبب في حريق على متنها أُخمد لاحقاً لتواصل رحلتها، وفق ما أفادت به هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية. وقالت الهيئة إن الربّان أفاد بتعرّض الناقلة «لضربة بمقذوف غير محدد في أثناء إبحارها خارجة من المضيق؛ ما أدى إلى نشوب حريق صغير، وانقطاع التيار الكهربائي على متنها». وأوضحت الهيئة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن «الحريق أُخمد، والسفينة تواصل رحلتها». وأوضحت الهيئة أن الناقلة، التي لم تفصح عن اسمها أو العلم الذي ترفعه، واصلت رحلتها بعد السيطرة على الحريق.

وكثّفت إيران في الفترة الأخيرة هجماتها على السفن التجارية العابرة للمضيق؛ إذ أطلقت أسبوعياً نحو 30 هجوماً بالطائرات المسيّرة، و10 هجمات بصواريخ مضادة للسفن، وفق بيانات سرية لمسؤول أمني غربي نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية.

وأضاف المسؤول أن 4 سفن تجارية على الأقل أصيبت بهجمات إيرانية خلال الأيام العشرة الماضية، بينما تشير تقارير البحرية البريطانية إلى إصابة 13 سفينة على الأقل، معظمها ناقلات نفط، بمقذوفات أو حطامها، منذ 10 سبتمبر (أيلول) الماضي.

تكثيف العقوبات الأميركية

وبالتوازي مع التهديدات العسكرية، وسّعت واشنطن نطاق ضغوطها الاقتصادية على طهران، بإعلان وزارة الخزانة الأميركية، الخميس، فرض عقوبات جديدة على قطاعي السكك الحديدية والسيارات في إيران، إلى جانب شركات وموردين أجانب يتعاملون معهما، في أحدث خطوات حملة تستهدف تقليص الموارد المالية المتاحة للحكومة الإيرانية.

وتندرج العقوبات ضمن عملية «الإقصاء الاقتصادي» التي أعلنتها وزارة الخزانة في 24 أغسطس (آب) الماضي، بهدف حرمان طهران من الإيرادات التي تقول واشنطن إنها تُستخدم في تمويل الحرب، وتطوير الصواريخ، وتنفيذ الهجمات الإلكترونية، ودعم «الحرس الثوري» الإيراني.

وتستهدف الإجراءات الجديدة قطاعات اكتسبت أهمية متزايدة بالنسبة إلى إيران، في ظل الحصار البحري الأميركي الذي أدى إلى تعطيل شحنات النفط عبر مضيق هرمز، ودفع طهران إلى زيادة اعتمادها على شبكات النقل البرية لنقل النفط والأسمدة والمواد الكيميائية وسلع أخرى.

وشملت العقوبات شركتي «إيران خودرو» و«سايبا» لصناعة السيارات، اللتين قالت وزارة الخزانة إنهما تستحوذان على أكثر من 90 في المائة من سوق السيارات المحلية، فضلاً عن شركة السكك الحديدية الإيرانية المملوكة للدولة، وشركة «قطارات رجا» لنقل الركاب، وشركة «راه آهن حمل ونقل»، التي وصفتها الوزارة بأنها من كبرى شركات شحن البضائع الخاصة في البلاد.

كما طالت العقوبات شركات أجنبية في إندونيسيا وتركيا، تتهمها واشنطن بتزويد قطاع السيارات الإيراني بالإمدادات اللازمة لاستمرار نشاطه.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الإجراءات الجديدة «تستهدف بصورة مباشرة الجهات التي تساعد إيران»، وتمهد الطريق أمام الولايات المتحدة وشركائها لاستنزاف إيرادات النظام الإيراني بصورة نهائية.

وتعكس العقوبات توجهاً أميركياً نحو توسيع نطاق الحصار الاقتصادي، بحيث لا يقتصر على تعطيل الصادرات البحرية، بل يمتد إلى شبكات النقل والتجارة والإمداد داخل إيران وخارجها.

لكن هذه الاستراتيجية تثير مخاوف من انعكاساتها على الأوضاع المعيشية للإيرانيين، في ظل اتساع نطاق القطاعات المستهدفة وتأثيرها المحتمل على النشاط الاقتصادي، وفرص العمل وتكاليف النقل والإنتاج.

منصة «إيه 7» الروسية

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

وفي إطار مساعيها لتضييق الخناق على شبكات التمويل التي تتهمها بمساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات، فرضت وزارة الخزانة الأميركية إجراءات جديدة على منصة «إيه 7» الروسية للتحويلات المالية، متهمة إياها بتسهيل معاملات مالية مرتبطة بإيران، وإخفاء مدفوعات تخص قطاعات وأفراداً خاضعين للعقوبات.

وقالت الوزارة، الخميس، إنها تحظر التعاملات مع المنصة ووكلائها، ووصفتها بأنها «منظمة إجرامية كبيرة عابرة للحدود»، مشيرة إلى أن الإجراءات الجديدة توسّع نطاق العقوبات السابقة لتشمل الشبكة المرتبطة بها بالكامل.

وتأسست «إيه 7»، عام 2024، على يد بنك «بي إس بي» الروسي، الذي يركز على قطاع الدفاع، وسرعان ما أصبحت من أبرز الجهات العاملة في سوق المدفوعات الدولية في روسيا، في وقت تسعى فيه موسكو إلى تطوير أنظمة مالية بديلة عن المنظومة الغربية، بالاعتماد على وسائل تشمل العملات المشفرة والذهب والعملات غير الغربية، وبالتعاون مع شركاء تجاريين رئيسيين، من بينهم الصين والهند.

ورفضت المنصة، في بيان صدر، الجمعة، الاتهامات الأميركية، نافية أي صلات لها بإيران أو منظمات إرهابية، ومؤكدة أنها توفر خدمات تسوية المدفوعات للسوق الروسية، التي قالت إنها تخضع لإجراءات تقييدية غير قانونية، وأضافت أنها تقدم خدماتها لدعم عمليات الاستيراد والتصدير المشروعة، المتعلقة بالسلع الاستهلاكية والمواد الأولية.

في المقابل، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن المنصة أنشأت شبكة عالمية من الشركات التابعة بهدف إخفاء المدفوعات المرتبطة بقطاعات وأشخاص خاضعين للعقوبات، وإظهارها على أنها معاملات تجارية اعتيادية، مضيفة أن إيران و«الحرس الثوري» استفادا من هذه الشبكة.

مقترح عراقجي

عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

وفي موازاة التصعيد العسكري والاقتصادي، برزت مؤشرات على تحرك دبلوماسي إيراني لاحتواء الضغوط؛ إذ أفادت مصادر مطلعة لوكالة «بلومبرغ» بأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اقترح، خلال لقاءاته في نيويورك، السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إلى المنشآت النووية التي تعرضت للقصف خلال الحرب، مقابل تخفيف العقوبات الأميركية.

وبحسب المصادر، فإن المقترح قد يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها طهران، ورغبتها في التوصل إلى تفاهم يخفف وطأة العقوبات، وإن لم يقدم عراقجي، خلال لقاءاته، تفاصيل موسعة بشأن الوضع الاقتصادي الإيراني، أو طبيعة التنازلات التي قد تكون بلاده مستعدة لتقديمها.

ويأتي المقترح في وقت لا تزال فيه الملفات النووية والعقوبات والأمن الإقليمي تشكل أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران، وسط شكوك أميركية بشأن فرص التوصل إلى اتفاق قابل للاستمرار.

وبينما تواصل واشنطن الجمع بين التهديد باستخدام القوة، وتشديد العقوبات، تسعى طهران إلى إظهار استعدادها للمواجهة العسكرية، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام تفاهمات دبلوماسية قد تتيح تخفيف الضغوط الاقتصادية، غير أن استمرار استهداف السفن في مضيق هرمز، وتباعد مواقف الطرفين بشأن الملفات الأمنية والنووية، يبقيان احتمالات التصعيد قائمة، ويجعلان المسار الذي ستتخذه المواجهة مرهوناً بمدى استعداد الجانبين لتقديم تنازلات تحول دون تجدد العمليات العسكرية.