«هجرة الأطباء» تُثير الجدل في مصر مجدداً بعد حديث عن استقالات عديدة

رئيس الوزراء المصري في جولة تفقدية للمجمع الطبي بمحافظة السويس في وقت سابق (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري في جولة تفقدية للمجمع الطبي بمحافظة السويس في وقت سابق (مجلس الوزراء المصري)
TT

«هجرة الأطباء» تُثير الجدل في مصر مجدداً بعد حديث عن استقالات عديدة

رئيس الوزراء المصري في جولة تفقدية للمجمع الطبي بمحافظة السويس في وقت سابق (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري في جولة تفقدية للمجمع الطبي بمحافظة السويس في وقت سابق (مجلس الوزراء المصري)

أثار إعلان رسمي عن خلو عدد كبير من وظائف الأطباء بمستشفيات جامعة الإسكندرية في مصر حالة من الجدل، بعد حديث عن استقالة أصحاب تلك الوظائف بسبب «تردي الأوضاع ورغبتهم في السفر إلى الخارج ضمن ما يُعْرف بـ(هجرة الأطباء)».

وكانت مستشفيات جامعة الإسكندرية أعلنت عن خلو 117 وظيفة من الوظائف الإكلينيكية للأطباء المقيمين في مستشفيات جامعة الإسكندرية ومعهد البحوث الطبية بالجامعة.

وبحسب بيان رسمي لإدارة مستشفيات جامعة الإسكندرية، تقرر انعقاد جلسة تكميلية علنية في 26 أبريل (نيسان) الحالي بكلية الطب للأطباء خريجي كلية الطب دور أكتوبر (تشرين الأول) 2022، ودور أبريل 2023، وأسنان 2021 الذين سبق لهم أن أبدوا رغبتهم أن يكونوا في قائمة الاحتياطي، في الاجتماع الذي عُقد يوم 14 سبتمبر (أيلول) الماضي، للاختيار من تلك الوظائف حسب الترتيب والمجموع التراكمي المطلق لنفس الدفعة، وذلك طبقاً لقرار وزاري ينظم اللائحة الأساسية للأطباء المقيمين.

وتنوعت الوظائف المعلن عنها بين الوظائف الإكلينيكية كالتخدير، ووظائف الجراحة العامة وجراحة الأطفال والجهاز الهضمي والكبد والأنف والأذن والحنجرة والأسنان وجراحة المخ والأعصاب وطب النساء والتوليد ووظائف أخرى تغطي مختلف التخصصات الطبية تقريباً.

وقد تم تداول هذا الإعلان على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي في مصر، وفسره البعض على أنه جاء بعد «موجة استقالات للأطباء حديثي التخرج بسبب سوء أوضاع عملهم وتكليفهم، وجعلهم يعملون ساعات طويلة دون أدنى حقوق؛ ما دفعهم للرغبة في الهجرة للخارج».

لكن رئيس جامعة الإسكندرية، الدكتور عبد العزيز قنصوة قال لـ«الشرق الأوسط» إن «البعض تداول إعلان مستشفيات جامعة الإسكندرية بشكل مغلوط وبعيد عن الحقيقة بغرض إثارة البلبلة». وأوضح أن «الوظائف المعلن عنها لم يكن مُعيَّناً فيها أحد واستقال، لكنها وظائف تخلو بشكل طبيعي لأسباب مختلفة مثل الاعتذار أو السفر أو الانتقال أو غيره، وهي تخص من يتم اختيارهم لاستكمال الدراسات العليا أي المعيدين، ومن ثم يتم الاختيار من الخريجين التالين لهم لشغل هذه الأماكن».

ونوه بأن «هذا الأمر يتم بشكل روتيني ضمن الخطة الخمسية للجامعات في مصر عموماً بشأن تعيين المعيدين»، مشدداً «على عدم وجود أي أزمة أو نقص كوادر طبية في مستشفيات جامعة الإسكندرية أو كلية الطب أو المراكز البحثية التابعة لها».

وزير الصحة المصري خلال زيارة سابقة لإحدى المنشآت الطبية (وزارة الصحة المصرية)

وأرسل رئيس الجامعة توضيحاً لـ«الشرق الأوسط» تضمن أنه «يتم انعقاد جلسة أساسية لاختيار الوظائف في سبتمبر سنوياً، كما يتم انعقاد جلسة تكميلية في أبريل التالي، وتكون الجلسة التكميلية في التخصصات المختلفة التي خلت لأي سبب من الأسباب، إما أن تكون من الوظائف المتبقية من الجلسة الأساسية، أو بسبب تنازل بعض الأطباء عن وظيفتهم والعودة إلى مستشفيات وزارة الصحة للالتحاق بإحدى نيابات وزارة الصحة في التخصص الذي يرغب فيه».

وفي مصر مستشفيات ومنشآت طبية حكومية تتبع وزارة الصحة ومستشفيات ومنشآت طبية جامعية تتبع كليات الطب، وتشرف عليها وزارة التعليم العالي. وتجدر الإشارة إلى أن مستشفيات جامعة الإسكندرية أعلنت في سبتمبر الماضي عن حاجتها لأكثر من 350 طبيباً، وتم بالفعل تسكينهم في وظائفهم في الجلسة الأساسية.

نقيب أطباء الإسكندرية، عبد المنعم فوزي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «مسألة خلو وظائف في تخصصات مختلفة بعد تسكينها في الجلسة الأساسية السنوية، أمر معتاد ويحدث من سنوات بعيدة في مستشفيات كلية الطب على مستوى ربوع البلاد، ويتم عمل الجلسات التكميلية لتسكين الوظائف التي خلت». فوزي أوضح أن هذا «لا يعبِّر عن عزوف الأطباء عن العمل بمستشفيات مصر كما يصوره البعض، لكن قد يختار الطبيب تخصصاً في الجلسة الأساسية، ثم يتفاجأ بأن تخصصاً ما لا يرغبه أو صعب عليه فيعتذر وينتقل لتخصص آخر وهكذا».

جانب من العمل داخل أحد المستشفيات في مصر (وزارة الصحة المصرية)

لكن عضو مجلس نقابة أطباء القاهرة، يحيى دوير قال لـ«الشرق الأوسط» إن «خلو هذا العدد الضخم من الوظائف مرة واحدة في مستشفيات جامعة الإسكندرية يدل على وجود أزمة بالقطع».

وأوضح دوير أن «الوظائف المعلن عنها تعدُّ المرغوبةَ لدى خريجي الطب لأنها للمعيدين الذين ينضمون لهيئة التدريس بكليات الطب، وهذه يتقاتل عليها الخريجون، ومعنى خلوها دون توضيح إذا كان السبب هو الانتقال لتخصصات أخرى أو الاستقالة والسفر، فهذا يشير لوجود مشكلة ما». وشدد دوير على أنه «لو كان الأمر متعلقاً بانتقال الأطباء لتخصصات أخرى أو حتى لمستشفيات وزارة الصحة أو مستشفيات خاصة داخل مصر فلا مشكلة، لكن كل المؤشرات خلال السنوات الماضية تشير لرغبة حديثي التخرج من كليات الطب في السفر للخارج لأسباب مختلفة أهمها تدني الأجور؛ ما جعل البلاد تعاني مما يمكن وصفه بالتصحر الطبي».

وبحسب آخر رصد صادر عن «الجهاز المركزي للإحصاء» في مصر، فقد انخفض عدد الأطباء بالبلاد إلى 97.4 ألف طبيب في عام 2022، مقابل 100.7 ألف طبيب في 2021، بانخفاض بلغت نسبته 3.3 في المائة.

وتفيد الأرقام بأن «مصر لديها طبيب لكل 1162 شخصاً»، بينما المعدل العالمي، طبقاً لمنظمة الصحة العالمية، هو طبيب لكل 434 شخصاً.

وشهدت السنوات الماضية هجرة العديد من الأطباء إلى خارج مصر، بقصد العمل والاستقرار في أوروبا أو أميركا، وكذلك بعض الدول العربية خاصة الخليجية، بحسب نقابة الأطباء المصرية.


مقالات ذات صلة

قفزات «الإيجار الجديد» تُعمّق معاناة أسر مصرية

شمال افريقيا بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)

قفزات «الإيجار الجديد» تُعمّق معاناة أسر مصرية

بعد ثلاثة شهور سيكون على الثلاثينية سارة أحمد جمع أغراضها تمهيداً للانتقال من الشقة التي تسكنها حالياً في شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة)

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي (الخارجية المصرية)

محادثات مصرية مستمرة في واشنطن لدعم التهدئة وتعزيز الشراكة

تتواصل محادثات وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في واشنطن، حول ملفات عديدة بينها تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتوترات المنطقة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال تفقد أحد منافذ بيع السلع الشهر الماضي (وزارة التموين)

مصر: صعود الدولار يرفع الأسعار لكن انخفاضه لا يعني هبوطها

جدد تراجع جديد للعملة الأميركية أمام الجنيه المصري التساؤلات بشأن تأثيرات ذلك على أسعار السلع كافة في البلاد

عصام فضل (القاهرة )
الاقتصاد كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)

صندوق النقد الدولي لا يناقش زيادة برنامج القروض لمصر

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، الأربعاء، إن الصندوق لا يناقش حالياً زيادة برنامج القروض المقدم لمصر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

أزمة في مصر بسبب دعم الوافدين

يواجه الوافدون أزمة مزدوجة في مصر، مع انحسار الدعم الذي تقدمه «مفوضية اللاجئين»، وتلويحها أخيراً بالتوقف الكامل عن تقديم المساعدات المالية للأسر المستحقة.

أحمد جمال (القاهرة)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.


حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية من أجل إنهاء الحرب في السودان التي دخلت، الأربعاء، عامها الرابع، فإنه لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على وجود رغبة لدى أطرافها للتوصل إلى حل سلمي متفاوض عليه لإيقاف القتال، وسط أزمة إنسانية تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم.

ومنذ تفجرت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في صبيحة 15 أبريل (نيسان) 2023، راهن كل طرف على توجيه ضربات سريعة خاطفة للخصم، لا تتجاوز مدتها أياماً، أو بضعة أسابيع على الأكثر، لحسم المعركة، والقضاء على الطرف الآخر. لكن البلاد تقترب الآن أكثر فأكثر من سيناريو الانقسام إلى دولتين بعد عام من إعلان حكومة موازية في مناطق سيطرة «الدعم السريع» في غرب البلاد.

وُصفت الحرب المتصاعدة في السودان على مدى ثلاث سنوات دونما انقطاع بأنها الأكثر «عنفاً ودموية» في تاريخ حروب المدن؛ وحسب تقارير أممية موثقة، فإن المدنيين الأبرياء كانوا ولا يزالون أكبر ضحية لهذا النزاع، إذ دفعوا أثماناً باهظة جرَّاءه.

مساعي الوساطة

وبعد أسابيع قليلة على اندلاع الحرب، استضافت مدينة جدة، بمبادرة سعودية-أميركية، محادثات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مايو (أيار) أفضت إلى توقيع ما عُرف بـ«إعلان جدة الإنساني»، ونص على حماية المدنيين، والمرافق الخاصة، والعامة، والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية، لكن الطرفين لم يلتزما بما اتُفق عليه.

نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمية (أرشيفية - رويترز)

كما فشلت لاحقاً جولة ثانية عقدت في جدة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، بيد أنها واجهت تعنتاً من طرفي الصراع، وانسحب على أثرها «الجيش السوداني» من المفاوضات، ما دفع الوساطة السعودية-الأميركية إلى تعليقها، ولاحقته الاتهامات بعدم الجدية في وقف الحرب.

ولم يقف القتال عند العاصمة الخرطوم، بل تمدد لولايات جديدة لم تكن جزءاً من الحرب. وخلال الأشهر الستة الأولى، دخلت «قوات الدعم السريع» ولايتي الجزيرة، والنيل الأبيض في وسط البلاد، في وقت كان الجيش يتراجع عسكرياً قبل أن يستعيد زمام المبادرة على الأرض بعد أكثر من عام، ويسترد تلك الولايات في يناير (كانون الثاني) 2024.

مآسٍ وأوضاع إنسانية قاسية

أسفرت الحرب عن عشرات آلاف القتلى. وفي حين لم تتّضح الحصيلة الفعلية للصراع، تفيد تقديرات بأنها قد تصل إلى «150 ألفاً»، كما أدت إلى نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان، أو لجوئهم إلى البلدان المجاورة، بحسب أرقام الأمم المتحدة.

وعاش السودانيون طوال السنوات الثلاث الماضية أوضاعاً إنسانية قاسية جراء انتقال الحرب إلى أنحاء واسعة من البلاد، واستمروا في النزوح دون توقف مع وصول الحرب إلى إقليمي دارفور، وكردفان بغرب البلاد، وتشير التقارير الأممية إلى أن نحو 33 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي العام الماضي، تمكنت «قوات الدعم السريع» من السيطرة الكاملة على إقليم دارفور بعد سقوط مدينة الفاشر عاصمة شمال الإقليم، وتمددت في أجزاء واسعة من ولايات غرب وجنوب كردفان وسط غرب، بينما تواصل قواتها التقدم في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

وأدت الحرب إلى أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بـ«أسوأ كارثة نزوح في العالم»، كما أفرزت حالة من الاستقطاب القبلي والإثني الحاد، أثارت مخاوف من تحولها إلى حرب أهلية.

سودانية تنتظر هي وأطفال للحصول على الماء في مخيم للنازحين بشرق تشاد يوم الثامن من أبريل 2026 (د.ب.أ)

وتشدد كل المبادرات الإقليمية والدولية، وأحدثها خريطة طريق رسمتها الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان، داعية أطراف القتال إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تتطور إلى وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية انتقال شاملة وشفافة تستغرق تسعة أشهر، وتنتهي بتشكيل حكومة مدنية لا تخضع لسيطرة أي طرف مسلح.

ورغم الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية بفرض عقوبات مشددة على قادة عسكريين، ومؤسسات تابعة للجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فإنها لم تجد استجابة من الطرفين للدخول في مفاوضات.

«حرب متوحشة»

ومنذ وقت باكر، سعت القوى المدنية والسياسية في تحالف «قوى الحرية والتغيير» سابقاً، (تحالف «صمود» حالياً)، للتواصل مع قيادات الجيش و«الدعم السريع» من أجل الوصول إلى وقف الحرب، وتجنب تمددها في كل البلاد.

وفي ذكرى اندلاع الحرب، قال «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة»، المعروف اختصاراً بـ«صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك: «إن إصرار قيادات الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع) على مواصلة هذه الحرب المتوحشة، والعبث بأرواح وممتلكات السودانيين خلَّف أسوأ وأكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم».

وأكد التحالف، في بيان على «فيسبوك»، الحاجة الملحة لوقف فوري للحرب، والأعمال العدائية دون قيد، أو شرط، لتيسير وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 33 مليون شخص، أي نحو ثلث سكان البلاد، يعانون نقصاً حاداً في الغذاء.

وحذر التحالف من استمرار عسكرة الفضاء المدني الذي قال إنه تسبب في انقسام مجتمعي حاد في كل أنحاء البلاد، مشدداً على أنه لا وجود لحل عسكري للنزاع الذي طال أمده.