لم يكن وصول المصري محمد صلاح إلى تركيا تمهيداً لانضمامه إلى طرابزون سبور مجرد محطة أخيرة في رحلة انتقال لاعب كبير، بل تحول إلى مشهد جماهيري يعكس ثقافة كروية رسختها الأندية التركية على مدى سنوات، حتى أصبح استقبال النجوم حدثاً لا يقل أهمية عن الإعلان الرسمي عن التعاقد نفسه.
فما إن أعلن طرابزون سبور بدء المفاوضات النهائية مع قائد منتخب مصر، حتى بدأت الجماهير تتوافد إلى أماكن وصوله، في مشهد تكرر كثيراً مع نجوم عالميين سبقوه إلى الملاعب التركية. فبالنسبة لأنصار الأندية هناك، لا تبدأ العلاقة مع اللاعب عند أول مباراة، وإنما منذ اللحظة التي تطأ فيها قدماه أرض البلاد.
وصل صلاح أولاً إلى إسطنبول، حيث كان في انتظاره مئات المشجعين الذين أحاطوا بسيارته، ورددوا اسمه، بينما رافقته مواكب من السيارات والدراجات النارية وسط إطلاق الأبواق ورفع الأعلام. ولم يكتف النجم المصري بتحية الجماهير، بل شاركها الهتافات، في مشهد عكس اندماجه السريع مع الحماس الذي أحاط به، وفقا لشبكة The Athltic.

وعندما انتقل إلى مدينة طرابزون، كان المشهد أكثر صخباً. ورغم مطالبة النادي جماهيره بتجنب استخدام الشعلات النارية والمحافظة على النظام، فإن الاستقبال جاء على النقيض تماماً، حيث أضاءت الألعاب النارية محيط المطار، وارتفعت الأهازيج، قبل أن يرتدي صلاح القميص رقم عشرة ويقود الهتافات مع أنصار ناديه الجديد استعداداً لحفل تقديمه الرسمي.

ورغم أن انتقال صلاح يعد من أكبر صفقات الدوري التركي في السنوات الأخيرة، فإن ما حدث معه ليس استثناءً، بل امتداد لتقليد اعتادت عليه الجماهير التركية مع كل اسم كبير يقرر خوض التجربة في بلادها.
فعندما وصل الإيفواري ديدييه دروغبا إلى غلطة سراي في مطلع عام 2013، بعد أشهر قليلة من قيادته تشيلسي للفوز بدوري أبطال أوروبا، احتشدت آلاف الجماهير في المطار، ثم امتلأت مدرجات ملعب النادي خلال حفل تقديمه، في رسالة واضحة بأن التعاقد مع نجم عالمي يعد مناسبة جماهيرية بحد ذاته.

وتكرر المشهد مع الهولندي روبن فان بيرسي عند انتقاله من مانشستر يونايتد إلى فنربخشة في صيف 2015، حيث وجد نفسه وسط ممر بشري من المشجعين الذين لم تمنعهم الحواجز الأمنية من الاقتراب منه. وبعدها قال اللاعب إنه شاهد كثيراً من الأمور خلال مسيرته، لكنه لم ير استقبالاً يشبه ما عاشه في إسطنبول.
وفي عام 2024، انتظر مشجعو غلطة سراي ساعات طويلة حتى ساعات الفجر لاستقبال النيجيري فيكتور أوسيمين، رغم تأخر وصول طائرته. ولم يكتفوا بالأهازيج، بل حملوا لافتات ضخمة تصور المهاجم جالساً على عرش مرتدياً تاجاً، قبل أن ترافقه مواكب الجماهير إلى المستشفى لإجراء الفحص الطبي وسط الشعلات والورود.
ولا تقتصر هذه الاحتفالات على المهاجمين أو صناع الأهداف. فحتى الحارس الكاميروني أندريه أونانا حظي باستقبال صاخب عند انتقاله إلى طرابزون سبور العام الماضي، واضطر خلال الاحتفالات إلى تغطية وجهه بسبب كثافة دخان الشعلات، قبل أن يشارك الجماهير الغناء والهتافات.
كما امتدت الظاهرة إلى المدربين، إذ تحول وصول البرتغالي جوزيه مورينيو إلى فنربخشة في صيف 2024 إلى احتفال جماهيري ضخم، بدأ في المطار وانتهى داخل ملعب النادي الذي امتلأت مدرجاته بالكامل خلال حفل تقديم استمر نحو ساعة.

ويرى متابعون أن أحد أسباب هذه المشاهد يعود إلى أسلوب الأندية التركية في إدارة صفقاتها، إذ تعلن في كثير من الأحيان عن التوصل إلى اتفاق أو بدء المفاوضات قبل اكتمال جميع الإجراءات الرسمية، وهو ما يمنح الجماهير وقتاً كافياً للتجمع في المطارات والاستعداد لاستقبال اللاعبين.
وتحولت هذه الاستقبالات مع مرور السنوات إلى جزء من الهوية التسويقية للأندية، إذ لا تقتصر فائدتها على رفع معنويات الجماهير، بل تمنح الصفقة انتشاراً عالمياً عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وتجعل اسم النادي حاضراً في النقاش الرياضي حتى قبل أن يخوض اللاعب أول تدريب.

غير أن لهذه الاحتفالات وجهاً آخر، إذ ترفع سقف التوقعات حول اللاعب منذ اللحظة الأولى. فالاستقبال الذي يشبه استقبال الأبطال يضع القادم الجديد تحت ضغط كبير لتقديم الإضافة سريعاً، وهو ما يجعل العلاقة بين الجماهير والنجوم تبدأ بدرجة عالية من الحماس، لكنها لا تلبث أن تتحول إلى مطالبات بتحقيق النتائج.
ومن بين القصص الأكثر غرابة في تاريخ الانتقالات التركية، ما رواه المهاجم الإنجليزي داريوس فاسيل بعد انتقاله إلى أنقرة غوجو عام 2009. فقد وصف الاستقبال الذي حظي به بأنه يشبه استقبال زعيم عالمي، قبل أن يفاجأ لاحقاً بطقس تقليدي للنادي تمثل في ذبح ماعز قبل انطلاق الموسم الجديد، وكتب في سيرته الذاتية أنه شعر بأن الماعز نظر إليه مباشرة قبل تنفيذ الطقس، في واحدة من أكثر الروايات غرابة في كرة القدم التركية.
وبين صلاح اليوم، ودروغبا وفان بيرسي وأوسيمين ومورينيو من قبله، تبدو الرسالة واحدة؛ ففي تركيا لا يقتصر الانتقال على توقيع عقد أو اجتياز فحص طبي، بل يتحول إلى احتفال شعبي واسع، يجعل لحظة الوصول حدثاً لا يقل إثارة عن أول هدف أو أول لقب قد يحققه النجم بقميص ناديه الجديد.
