سودان واحد بين حكومتين

مخاوف من تشظي البلاد وتطور الحرب لأهلية قد تستمر أعواماً

نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق الأبرز تأييداً لقيام حكومة موازية (الشرق الأوسط)
نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق الأبرز تأييداً لقيام حكومة موازية (الشرق الأوسط)
TT

سودان واحد بين حكومتين

نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق الأبرز تأييداً لقيام حكومة موازية (الشرق الأوسط)
نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق الأبرز تأييداً لقيام حكومة موازية (الشرق الأوسط)

أحدث الإعلان عن اقتراب موعد تشكيل حكومة مدعومة من «قوات الدعم السريع» و«موازية» للحكومة التي يترأسها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في بورتسودان، «هزة عنيفة» اجتاحت الأوساط السياسية والاجتماعية، بل و«العسكرية»، وأول ارتداداتها كان تقسيم تحالف تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدم» إلى تيارين، ما زاد من حدة المخاوف من اتساع الهوة بين أطراف البلاد، والتمهيد لإنشاء «دول متعددة» في الدولة الواحدة، مما ينذر باحتمال تقسيم السودان.

وحدد التيار الذي انقسم عن تحالف «تقدم» يوم الاثنين المقبل 17 فبراير (شباط) الجاري موعداً لإعلان «الحكومة الموازية»، وتوقيع ما سماه «الميثاق السياسي»، يعقبه إعلان تشكيل الحكومة المزمعة بمشاركة عدد من القوى السياسية من «تقدم» ومن خارجها والحركات المسلحة المنضوية تحت لواء «الجبهة الثورية».

مهام الحكومة الجديدة

وقال الناطق الرسمي باسم تحالف القوى المدنية المتحدة «قمم»، عثمان عبد الرحمن سليمان، لـ«الشرق الأوسط»، وهو تحالف من خارج «تقدم» ومقرب من «قوات الدعم السريع»، وأحد أعمدة الحكومة المرتقبة؛ إن اللجان الفنية فرغت من التفاصيل المتعلقة بصياغة وإعداد الدستور المؤقت للحكومة والميثاق السياسي وبرنامج الحكومة، وأصبحت جاهزة للتوقيع.

رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك رفض فكرة قيام حكومة موازية (رويترز)

ووفقاً لسليمان، فإن مهام الحكومة المزمعة ستتضمن حماية المدنيين، وتوفير الخدمات الأساسية، بما في ذلك الأوراق الثبوتية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية والتواصل مع الأسرة الدولية، وتحييد سلاح الطيران.

وسارعت المجموعة الرافضة للحكومة الموازية، داخل تنسيقية «تقدم» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، إلى إعلان فك ارتباطها بالمجموعة المنادية بالحكومة الموازية، وأعلنت استناداً إلى «اتفاق جنتلمان» بفض التحالف بـ«إحسان»، تأسيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة، المسمى اختصاراً بـ«صمود»، فيما لم تختر مجموعة الحكومة الموازية بعد اسماً لتحالفها.

وقالت المجموعة الجديدة «صمود»، إن تباين الرؤى داخل تحالف «تقدم» على «نزع شرعية» حكومة بورتسودان، أنتج «موقفين» استعصي الجمع بينهما، وإن الطرفين اتفقا على «فك الارتباط السياسي والتنظيمي» بين المجموعتين.

وتتمسك «صمود» بنهج «تقدم»، الذي يتمثل في العمل المدني الديمقراطي دون تشكيل حكومة، بينما ترى المجموعة الأخرى تشكيل حكومة بصفتها أداة من أدوات «نزع الشرعية» من سلطة بورتسودان.

مخاوف تمزق البلاد

ويخشى على نطاق واسع من أن يؤدي تشكيل حكومة - بالضرورة ستتشكل في مناطق سيطرة «الدعم السريع» - إلى تمزيق البلاد وتنازعها بين حكومتين إن لم تكن ستصير إلى دولتين على أسس جهوية وإثنية، ومن تطور الحرب من حرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» إلى «حرب أهلية» تعزز الانقسام الإثني والجهوي والسياسي، وقد تستمر عقوداً من الزمان.

وأدت هذه الخطوة غير المسبوقة إلى هذه الهزة وسط القوى المدنية المناهضة للحرب، لكنها أحدثت هزة عنيفة أخرى داخل طرفي الحرب وداعميهما.

ونشطت المنصات الموالية للجيش، وعلى رأسها تلك المنتمية للمعسكر «الإخواني» على وجه الخصوص، في شن حملات إعلامية ضخمة ليس ضد الحكومة التي أعلنت المشاركة في تشكيل الحكومة، بل ضد تحالف «صمود» الجديد بقيادة حمدوك، حيث ترفض تلك المنصات قيام حكومة موازية، وتجاهلت حربها ضد «الدعم السريع» والحكومة المزمعة.

الحرب شردت ملايين السودانيين بين نزوح في الداخل ولجوء في الخارج (أ.ف.ب)

وفسر مقرب من أنصار النظام السابق، طلب عدم ذكر اسمه، الحملة على التحالف الذي يترأسه حمدوك، بأن أنصار النظام يرون أنه «العدو الأساسي» للحركة الإسلامية، وهي القوى المدنية التي أسقطت حكمهم بالعمل المدني.

لا شرعية لحكومة بورتسودان

ولا يعترف القيادي في الحزب الاتحادي الديمقراطي – الأصل، إبراهيم الميرغني، وهو أحد مؤسسي مشروع الحكومة المزمعة بتسمية «حكومة موازية»، حسب إفادته لـ«الشرق الأوسط»، لأنهم لا يعترفون بوجود حكومة أخرى، ولا يسعون لـ«نزع شرعية من جهة ليست موجودة أصلاً».

وقال الميرغني إنهم يسعون لتأسيس «شرعية جديدة» مستمدة من الشعب السوداني، وتشكيل حكومة «تأسيسية» بديلة عن التي انهارت بعد الحرب، ولا ينتظرون اعترافاً خارجياً، وأضاف: «السودانيون أضاعوا وقتاً طويلاً في النظر للخارج، وهو لا يكترث لما يحدث في السودان».

وحدد الميرغني مهمة الحكومة المزمعة، في وقف الحرب، وتقديم الخدمات الأساسية، وإعادة الحقوق الدستورية «التي حرم الشعب السوداني منها»، وحفظ الأمن والسلامة، وحماية المواطنين من الانتهاكات، و«مواجهة المشروع المتطرف العنصري»، وفقاً لإفادته.

الميرغني، قال إن الحكومة المرتقبة ستسعى لإقامة علاقات دولية متوازنة مع كل دول العالم، ولا سيما دول الجوار والدول الأفريقية والعربية «إلا من أبى»، لحفظ مصالح السودان، وأضاف: «مصالح الشعب فوق كل اعتبار، ونقيم علاقتنا مع كل الدول التي تشاركنا قيم الحرية والديمقراطية والعدالة على أساسها، ولن يتحقق ذلك إلا بتأسيس دولة مكان تلك التي انهارت».

البرهان الذي يدعم حكومة بورتسودان وسط مناصريه في المدينة الواقعة على البحر الأحمر 14 يناير 2025 (أ.ف.ب)

وأوضح أن وقف الحرب من أولويات الحكومة، لإنهاء قدرة الطرف الآخر على الاستمرار في الحرب، تحت ذرائع تمثيله لشرعية الدولة، وأضاف: «هم يزعمون أنهم يمثلون الدولة، ويخططون لاستغلال اسمها، وتصنيف الآخرين بأنهم متمردون وخونة»، وتابع: «حين نؤسس شرعية الدولة الحقيقية سيفقدون كارت ابتزاز العالم باسم الدولة».

وتوقع أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعات السودانية، دكتور عبد الناصر الفكي، أن تنجح الحكومة الجديدة في وقف الحرب، بتنبيه العالم لغياب حكومة في مناطق واسعة من البلاد، وأن «ترمي حجراً» في بركة التجاهل الدولي لهذا الغياب.

وقال الفكي في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحرص على وحدة البلاد يتطلب اعترافاً متبادلاً، وتقاسماً عادلاً للسلطة والثروة، وإقامة حكم لا مركزي ناجح وجيد»، وتابع: «إذا سد فراغ غياب الوجود الحكومي وتقديم الخدمات وضبط الانفلات الأمني وحفظ الأنفس والأموال، فستكون أمام الحكومة فرصة نجاح جيدة، لأن حكومة بورتسودان غير موجودة هناك، ما يجعل من وجود حكومة حاجة أساسية».

اعتراف محلي أولاً

ورهن حصول الحكومة على اعتراف دولي بحصولها على «اعتراف محلي»، بقوله: «إذا امتلكت قدرة عالية على إعادة تنظيم وترتيب المجتمع وإشباع حاجاته، فسيعترف بها المجتمع الدولي».

واستبعد الفكي «فكرة تهديد تشكيل الحكومة لوحدة البلاد»، وقال: «أنا أنظر للمسألة من منظور تقديم الخدمات للناس، فالحكومة التي في بورتسودان تعتبر مناطق سيطرة (الدعم السريع) حواضن اجتماعية تجب معاقبتها، وهذا تعبير عن غياب أي فكر استراتيجي لإنهاء الصراع».

لكن الفكي أبدى تخوفه من تصاعد حدة النزاع وتزايد هجمات من قبل الجيش، واستخدام الطيران بكثافة في استهداف رموز الحكومة الجديدة، وقال: «سيستهدفون مناطق الحكومة الجديدة بصورة أكبر، وهذا خرق للمواثيق والأخلاق».

المتحدث السابق باسم «تقدم» جعفر حسن، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن نزع الشريعة له أدوات كثيرة ومتعددة، وإنهم يرون في قيام حكومة موازية «شرعنة» للحكومة التي تتخذ من بورتسودان عاصمة، لذلك لا يؤيدون الفكرة، وفي الوقت ذاته يحترمون خيار دعاتها.

واعتبر تشكيل حكومة إخلالاً بموقف «تقدم» الأصيل والرئيسي الممثل في عدم الانحياز لأي من طرفي الحرب، وقال: «لذلك فإن وجود حكومة في مناطق سيطرة (الدعم السريع) انحياز لأحد طرفي الحرب، وإن تنسيقية (تقدم) إذا اختارت أحدهما ستكون قد خرجت على تفويضها الرئيس، الممثل بالوقوف على مسافة واحدة من طرفي الحرب، والعمل على إيقافها».

وحذر حسن من أن يقود تشكيل حكومة لتقسيم البلاد، وأضاف: «وجود جيوش وسلطة في أراضٍ يعد تمهيداً لقيام دول متعددة في السودان»، بيد أنه حمّل سلطة بورتسودان المسؤولية عن التمهيد لقيام دول متعددة، بقوله: «هذا المسلك سلكته سلطة بورتسودان أولاً، حيث قصرت بموجبه حقوقاً سيادية على أماكن محدودة في السودان، مثل تغيير العملة وامتحانات الشهادة السودانية وغيرهما»، وقطع: «هذا الطريق يدفع الطرفين بسرعة لتقسيم السودان».


مقالات ذات صلة

النظام الصحي في السودان من الدمار إلى محاولات التعافي

خاص واجهة الطوارئ بمستشفى الخرطوم بحري (الشرق الأوسط)

النظام الصحي في السودان من الدمار إلى محاولات التعافي

يواجه النظام الصحي في السودان ضغوطاً غير مسبوقة ونقصاً حاداً في الخدمات الطبية، في وقت تشهد فيه البلاد محاولات للتعافي

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
العالم العربي البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية) play-circle 00:48

مجلسا السيادة والوزراء في السودان يعقدان اجتماعاً مشتركاً في الخرطوم برئاسة البرهان

عقد مجلسا السيادة والوزراء بالسودان اجتماعاً مشتركاً اليوم الأربعاء في العاصمة الخرطوم، برئاسة عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
الولايات المتحدة​ القوني دقلو شقيق قائد «قوات الدعم السريع» خلال مشاركته في مؤتمر بجنوب أفريقيا (إكس)

تساؤلات حول زيارة شقيق حميدتي إلى واشنطن رغم العقوبات

طالب مشرعان ديمقراطيان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتقديم معلومات حيال زيارة القوني حمدان دقلو إلى واشنطن في أكتوبر رغم وجود عقوبات أميركية عليه.

رنا أبتر (واشنطن)
المشرق العربي أرشيفية لحمدوك (يمين) وهو يصافح «حميدتي» في أديس أبابا (موقع «إكس»)

محاكمات غيابية ضد «حميدتي» و«حمدوك» بتهم تصل إلى الإعدام

بدأت في بورتسودان محاكمة غيابية، ضد قائد «قوات الدعم السريع» حميدتي، وشقيقه عبد الرحيم، ورئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، بدعاوى جنائية تصل عقوبتها للإعدام.

أحمد يونس (كمبالا) وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عبد الرحيم دقلو نائب قائد «قوات الدعم السريع» (وسط) خلال اجتماعات لإطلاق «تحالف تأسيس» بنيروبي في فبراير الماضي (أ.ب)

«تأسيس» ينفي اتهامات «الجنائية الدولية» ويطالب بتحقيق دولي

نفى تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) الموالي لقوات الدعم السريع الاتهامات التي وجهتها له نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، ووصفها بأنها «عارية من الصحة

أحمد يونس (كمبالا)

«حركة الشباب» تشن هجوماً على جزيرة استراتيجية في الصومال

عناصر من «حركة الشباب» (أ.ف.ب - أرشيفية)
عناصر من «حركة الشباب» (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

«حركة الشباب» تشن هجوماً على جزيرة استراتيجية في الصومال

عناصر من «حركة الشباب» (أ.ف.ب - أرشيفية)
عناصر من «حركة الشباب» (أ.ف.ب - أرشيفية)

هاجمت عناصر من «حركة الشباب» جزيرة استراتيجية في جنوب الصومال، الأربعاء، واشتبكوا مع وحدات عسكرية متمركزة في منطقة جوبالاند، التي تتمتّع بشبه حكم ذاتي، وفق ما أفادت عدّة مصادر.

منذ نحو عقدين، تقاتل «حركة الشباب» المرتبطة بـ«تنظيم القاعدة» قوّات الجمهورية الصومالية.

وأعلنت سلطات جوبالاند عن صدّ الهجوم، غير أن الحركة قالت إنها احتلّت قاعدة عسكرية في جزيرة كوداي، كانت تشكّل في ما مضى منطلقاً لعملياتها.

وأخبر أحد الوجهاء في مدينة كيسمايو الساحلية «وكالة الصحافة الفرنسية» أنه أُبلغ بأن المسلّحين «حاصروا الجزيرة بعد اقتحام القاعدة العسكرية على تخوم بلدة» كوداي، مشيراً إلى أنه «ما زال من الصعب معرفة تفاصيل ما حدث في الوقت الراهن».

وقال إن عدّة قوارب أرسلت من كيسمايو لمساعدة الجنود، لكن شبكة الاتصالات تعطّلت في الجزيرة بعيد توجيه القوّات في جوبالاند نداء استغاثة.

وجاء في بيان صادر عن سلطات جوبالاند أن «قوّات الأمن ألحقت خسائر كبيرة بالعدوّ، ودمّرت عدّة مركبات عسكرية استخدمت في الهجوم».

أما «حركة الشباب»، فأعلنت أن مقاتليها «نجحوا في السيطرة الكاملة على 3 قواعد عسكرية داخل الجزيرة وخارجها».

وحرّرت جزيرة كوداي، التي تقع على بعد نحو 130 كيلومتراً جنوب غربي كيسمايو، من قبضة «حركة الشباب» مطلع عام 2015، في سياق عملية للجيش الوطني الصومالي، بالتعاون مع قوّات الدفاع الكينية.


ترمب يسعى لعقد لقاء بين زعيمي مصر وإثيوبيا بشأن «سد النهضة»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يسعى لعقد لقاء بين زعيمي مصر وإثيوبيا بشأن «سد النهضة»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الأربعاء)، إن لدى الولايات المتحدة «علاقة رائعة وقوية» مع مصر. وكشف أنه سيحاول عقد لقاء بين زعيمي مصر وإثيوبيا للوصول إلى اتفاق بشأن «سد النهضة»، وذلك خلال لقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا.

تقدير كبير للشراكة المصرية الأميركية

وحضر الاجتماع بدر عبد العاطي وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين في الخارج، واللواء حسن رشاد رئيس جهاز المخابرات العامة. ومن الجانب الأميركي وزير الخارجية ماركو روبيو، وستيف ويتكوف المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط، حسبما أفاد المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي.

وكشف ترمب في الاجتماع أنه سيحاول عقد لقاء بين زعيمي مصر وإثيوبيا للوصول إلى اتفاق بشأن «سد النهضة».

وأعرب الرئيس الأميركي عن تقديره الكبير للشراكة الممتدة بين البلدين في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، مشيداً بالدور الذي يضطلع به السيسي في تحقيق التنمية والاستقرار السياسي والأمني في مصر، وكذلك في دعم السلم والاستقرار الإقليميين.

من جهته، أكّد السيسي على حرص مصر على الارتقاء بالعلاقات المصرية - الأميركية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، معرباً عن تطلع مصر لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري من خلال عقد الدورة الثانية من المنتدى الاقتصادي المصري الأميركي خلال عام 2026.

خلال اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

ترحيب بإنشاء «مجلس السلام»

ورحّب السيسي بمبادرة ترمب بإنشاء «مجلس السلام» والدور المنوط بالمجلس للسعي لتحقيق السلام وتسوية النزاعات المختلفة، معرباً عن دعمه لتلك المبادرة.

وثمّن «الدور المحوري» الذي قام به ترمب لوقف الحرب في قطاع غزة وبدء تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، مشيراً إلى الإعلان عن تشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة القطاع، ومؤكداً استعداد مصر لبذل كل الجهود اللازمة لضمان التنفيذ الكامل للاتفاق. كما شدد على أهمية البدء الفوري في جهود التعافي المبكر تمهيداً لإعادة إعمار القطاع، مع التأكيد على ضرورة زيادة المساعدات الإنسانية في ظل الظروف القاسية التي يمر بها الشعب الفلسطيني.

وأشار المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية إلى أن المباحثات تناولت الجهود المشتركة لإنهاء الحرب في السودان في إطار عمل الرباعية، حيث رحّب السيسي بالجهود الأميركية في هذا الصدد، مؤكداً أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة وتكثيف الجهود الدولية لإنهاء معاناة الشعب السوداني.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا 21 يناير 2026 (رويترز)

قضية مياه النيل

وثمّن السيسي اهتمام ترمب بقضية مياه النيل باعتبارها قضية وجودية ومحورية بالنسبة لمصر، مؤكداً أن رعاية الرئيس الأميركي لجهود تسوية هذه الأزمة الممتدة سوف تفتح آفاقاً جديدة نحو انفراجة مرتقبة. كما شدد السيسي على حرص مصر على إقامة آليات تعاون مع دول حوض النيل بما يحقق المصالح المشتركة وفقاً لقواعد القانون الدولي، خاصة أن حجم المياه والأمطار الذي يرِد إلى دول حوض النيل وفير ويكفي احتياجات واستخدامات تلك الدول إذا أُحسن استغلاله.

وتناول اللقاء كذلك التطورات في لبنان، حيث أكد السيسي على أهمية الدور الأميركي في وقف الاعتداءات والانتهاكات على سيادة لبنان، بما يمكّن مؤسسات الدولة من القيام بواجباتها وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية.

كانت إثيوبيا قد افتتحت في سبتمبر (أيلول) «سد النهضة» الضخم على نهر النيل، الذي بدأت تشييده في 2011، وهو مشروع بلغت تكلفته مليارات الدولارات، وتعتبره مصر تهديداً لحقوقها التاريخية في مياه أطول أنهار أفريقيا.

وأرسل ترمب خطاباً رسمياً إلى السيسي، الجمعة، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية، في حين رأى خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» أن «أزمة السد تُشكِّل أهميةً استراتيجيةً لواشنطن، في ظل مخاوف من تحول النزاع إلى أزمة دولية مفتوحة».

ونشر ترمب، الجمعة، على منصة «تروث سوشيال» رسالةً قال إنه وجّهها إلى السيسي، أعرب فيها عن أمله في ألا يؤدي الخلاف القائم حول «سد النهضة» إلى صراع عسكري كبير بين مصر وإثيوبيا، مؤكداً أن ⁠الولايات المتحدة ‌مستعدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا؛ للمساعدة في حل مسألة تقاسم ⁠مياه نهر النيل.

وتضمَّنت الرسالة إشادة بالرئيس المصري، ودوره في التوصُّل لاتفاق بين «حماس» وإسرائيل، وكذلك دوره في إدارة التحديات الأمنية والإنسانية في مصر والمنطقة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.


مصر: جدل متصاعد حول «خفض الدَّين» يستبق «خطة حكومية» مرتقبة

رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي خلال ترؤسه اجتماعاً لمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)
رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي خلال ترؤسه اجتماعاً لمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر: جدل متصاعد حول «خفض الدَّين» يستبق «خطة حكومية» مرتقبة

رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي خلال ترؤسه اجتماعاً لمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)
رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي خلال ترؤسه اجتماعاً لمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

تصاعدت حدة الجدل في مصر بشأن «خفض الدين العام»، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت خطة الحكومة المنتظر إعلانها قريباً في هذا الصدد تتضمن بيعاً لأصول الدولة في سبيل تخفيف أعباء خدمة الدين عن كاهل الدولة والمواطن.

ومنذ إعلان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الشهر الماضي، عن «عزم الحكومة خفض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 عاماً»، تبارت وسائل إعلام محلية لمحاولة الكشف عن ملامح خطة الحكومة لتخفيض الدين، سواء عبر بيع أصول وأراض مملوكة للدولة أو مبادلة الدين بأسهم في شركات ذات كيان قانوني.

لكن الحكومة لم تعلن رسمياً حتى الآن عن تفاصيل الخطة، وقال المتحدث باسم مجلس الوزراء محمد الحمصاني، في تصريحات متلفزة مساء الأحد، إن «العمل لا يزال جارياً على بعض التفاصيل الفنية الخاصة بخطة تخفيض الدين؛ تمهيداً للإعلان عنها رسمياً خلال الفترة القريبة المقبلة». وأكد أن جميع الإجراءات التي سيتم الإعلان عنها «ستكون متوافقة مع أحدث المعايير والسياسات المالية الدولية»، دون تحديد موعد بعينه لإعلان الخطة.

«تجفيف منابع الدَّين»

ووسط التكتم الحكومي على التفاصيل، بدأ تداول مقترحات وأفكار كثيرة، من بينها مقترح «المقايضة الكبرى» الذي طرحه رجل الأعمال المصري حسن هيكل، وأثار انتقادات اقتصادية على المستوى المحلي، مروراً بـ«مبادلة الديون» أو حتى «بيع الأصول».

ولم يُبدِ عضو مجلس النواب المصري محمد فؤاد تفاؤلاً بإمكانية تحقيق مستهدف الحكومة في خفض الدين عبر صفقات استثمارية، مؤكداً في منشور عبر حسابه على منصة «إكس» أن «الحل في معالجة أصل المرض وليس آثاره»، في إشارة لضرورة الحد من الاقتراض.

بدوره، قال الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة إنه «لا يوجد شيء في علم الاقتصاد يسمى خفض الدين بين ليلة وضحاها»، لكنه أوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك حلولاً وبدائل للتعامل مع حجم الدين الضخم الذي يرهق الدولة»، لافتاً إلى لقاء حضره مع وزير المالية المصري أحمد كجوك، ضمن عدد من خبراء الاقتصاد، تضمن مقترحات «للحد من الاقتراض وتحسين القدرات المالية للبلاد، وضم الاقتصاد الموازي إلى الاقتصاد الرسمي».

وأضاف: «الحديث عن بيع الأصول هو استباق للأحداث، فأي أصول مهما بلغت قيمتها لن تحد من قيمة الدين وإن كانت خطوة لسد العجز المتراكم»؛ لكنه أشار إلى «إمكانية اعتماد استراتيجية مبادلة الديون واستبدال الودائع بواسطة استثمارات»، مشدداً على «ضرورة تحسين الإنتاج، وتعزيز موارد الدولة المالية».

وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في حين ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

من جانبه، لا يرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع سبباً للتكهنات والتساؤلات بشأن خطة الحكومة لخفض الدين العام، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن رئيس الوزراء شرح رؤية الحكومة في مقال، و«كل ما تحدث عنه أمور تم العمل ببعضها بالفعل ولا تتضمن إجراءات جديدة»، موضحاً أن هناك إجراءات من بينها «إطالة أمد الدين، وتنويع مصادره، وتحسين خدمة سداده، كما أنه وفقاً لاتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي، فإن أي صفقة كبيرة يتم توجيه جزء من عائداتها لخفض الدين».

وأضاف: «الأهم من خفض الدين هو تجفيف منابع الدين، عبر تقليص دور الدولة في الاقتصاد، وتعزيز الاستثمارات ودور القطاع الخاص».

أين يكمن الحل؟

وحاول مدبولي توضيح المسألة عبر مقال نشره الشهر الماضي على صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»، قال فيه إن «قضية الدَّيْن العام وخدمة الدَّيْن في مصر لم تعد مجرد أرقام تُتداول في تقارير اقتصادية، بل أصبحت سؤالاً مشروعاً لدى المواطنين عن القدرة على الاستمرار وحدود الاحتمال في ظل ضغوط معيشية كبيرة».

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)

وأشار إلى أن الدولة تمكنت في عام واحد من سداد دين خارجي صافٍ بنحو 3.4 مليار دولار، رغم بقاء الرصيد الكلي مرتفعاً بفعل تراكمات سابقة، إضافة إلى تحويل التزامات قائمة بقيمة 11 مليار دولار إلى استثمار مباشر طويل الأجل، لافتاً إلى استخدام «أدوات غير تقليدية لإدارة الدّيْن، من بينها آلية مبادلة الديون».

لكن المقال التوضيحي لم يُنه الجدل والتكهنات، رغم وجود مسار واضح لخفض الدين عرضته «السردية الوطنية للاقتصاد المصري» التي تم إعلانها في الآونة الأخيرة، والتي توقعت الاستمرار في خفض نسبة الدين العام من الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 75 في المائة بحلول العام المالي 2028 - 2029، بعد مؤشرات سابقة أعلن عنها رئيس الوزراء كشفت أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل عامين إلى نحو 84 في المائة حالياً.

وقال المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية، محمود محيي الدين، في تصريحات متلفزة الأسبوع الماضي: «لا يوجد في علم الاقتصاد آليات غير مسبوقة أو صفقات تنقذ اقتصاد الدين».

وأشار إلى أن حل أزمة الدين «يكمن في السيطرة على حجم المديونية وتطوير الموارد والناتج المحلي والصادرات». وأضاف: «تقليل أعباء الدين يتطلب تعزيز دور القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات المباشرة ليكون ذلك بديلاً وحيداً للاقتراض».