سودان واحد بين حكومتين

مخاوف من تشظي البلاد وتطور الحرب لأهلية قد تستمر أعواماً

نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق الأبرز تأييداً لقيام حكومة موازية (الشرق الأوسط)
نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق الأبرز تأييداً لقيام حكومة موازية (الشرق الأوسط)
TT

سودان واحد بين حكومتين

نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق الأبرز تأييداً لقيام حكومة موازية (الشرق الأوسط)
نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق الأبرز تأييداً لقيام حكومة موازية (الشرق الأوسط)

أحدث الإعلان عن اقتراب موعد تشكيل حكومة مدعومة من «قوات الدعم السريع» و«موازية» للحكومة التي يترأسها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في بورتسودان، «هزة عنيفة» اجتاحت الأوساط السياسية والاجتماعية، بل و«العسكرية»، وأول ارتداداتها كان تقسيم تحالف تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدم» إلى تيارين، ما زاد من حدة المخاوف من اتساع الهوة بين أطراف البلاد، والتمهيد لإنشاء «دول متعددة» في الدولة الواحدة، مما ينذر باحتمال تقسيم السودان.

وحدد التيار الذي انقسم عن تحالف «تقدم» يوم الاثنين المقبل 17 فبراير (شباط) الجاري موعداً لإعلان «الحكومة الموازية»، وتوقيع ما سماه «الميثاق السياسي»، يعقبه إعلان تشكيل الحكومة المزمعة بمشاركة عدد من القوى السياسية من «تقدم» ومن خارجها والحركات المسلحة المنضوية تحت لواء «الجبهة الثورية».

مهام الحكومة الجديدة

وقال الناطق الرسمي باسم تحالف القوى المدنية المتحدة «قمم»، عثمان عبد الرحمن سليمان، لـ«الشرق الأوسط»، وهو تحالف من خارج «تقدم» ومقرب من «قوات الدعم السريع»، وأحد أعمدة الحكومة المرتقبة؛ إن اللجان الفنية فرغت من التفاصيل المتعلقة بصياغة وإعداد الدستور المؤقت للحكومة والميثاق السياسي وبرنامج الحكومة، وأصبحت جاهزة للتوقيع.

رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك رفض فكرة قيام حكومة موازية (رويترز)

ووفقاً لسليمان، فإن مهام الحكومة المزمعة ستتضمن حماية المدنيين، وتوفير الخدمات الأساسية، بما في ذلك الأوراق الثبوتية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية والتواصل مع الأسرة الدولية، وتحييد سلاح الطيران.

وسارعت المجموعة الرافضة للحكومة الموازية، داخل تنسيقية «تقدم» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، إلى إعلان فك ارتباطها بالمجموعة المنادية بالحكومة الموازية، وأعلنت استناداً إلى «اتفاق جنتلمان» بفض التحالف بـ«إحسان»، تأسيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة، المسمى اختصاراً بـ«صمود»، فيما لم تختر مجموعة الحكومة الموازية بعد اسماً لتحالفها.

وقالت المجموعة الجديدة «صمود»، إن تباين الرؤى داخل تحالف «تقدم» على «نزع شرعية» حكومة بورتسودان، أنتج «موقفين» استعصي الجمع بينهما، وإن الطرفين اتفقا على «فك الارتباط السياسي والتنظيمي» بين المجموعتين.

وتتمسك «صمود» بنهج «تقدم»، الذي يتمثل في العمل المدني الديمقراطي دون تشكيل حكومة، بينما ترى المجموعة الأخرى تشكيل حكومة بصفتها أداة من أدوات «نزع الشرعية» من سلطة بورتسودان.

مخاوف تمزق البلاد

ويخشى على نطاق واسع من أن يؤدي تشكيل حكومة - بالضرورة ستتشكل في مناطق سيطرة «الدعم السريع» - إلى تمزيق البلاد وتنازعها بين حكومتين إن لم تكن ستصير إلى دولتين على أسس جهوية وإثنية، ومن تطور الحرب من حرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» إلى «حرب أهلية» تعزز الانقسام الإثني والجهوي والسياسي، وقد تستمر عقوداً من الزمان.

وأدت هذه الخطوة غير المسبوقة إلى هذه الهزة وسط القوى المدنية المناهضة للحرب، لكنها أحدثت هزة عنيفة أخرى داخل طرفي الحرب وداعميهما.

ونشطت المنصات الموالية للجيش، وعلى رأسها تلك المنتمية للمعسكر «الإخواني» على وجه الخصوص، في شن حملات إعلامية ضخمة ليس ضد الحكومة التي أعلنت المشاركة في تشكيل الحكومة، بل ضد تحالف «صمود» الجديد بقيادة حمدوك، حيث ترفض تلك المنصات قيام حكومة موازية، وتجاهلت حربها ضد «الدعم السريع» والحكومة المزمعة.

الحرب شردت ملايين السودانيين بين نزوح في الداخل ولجوء في الخارج (أ.ف.ب)

وفسر مقرب من أنصار النظام السابق، طلب عدم ذكر اسمه، الحملة على التحالف الذي يترأسه حمدوك، بأن أنصار النظام يرون أنه «العدو الأساسي» للحركة الإسلامية، وهي القوى المدنية التي أسقطت حكمهم بالعمل المدني.

لا شرعية لحكومة بورتسودان

ولا يعترف القيادي في الحزب الاتحادي الديمقراطي – الأصل، إبراهيم الميرغني، وهو أحد مؤسسي مشروع الحكومة المزمعة بتسمية «حكومة موازية»، حسب إفادته لـ«الشرق الأوسط»، لأنهم لا يعترفون بوجود حكومة أخرى، ولا يسعون لـ«نزع شرعية من جهة ليست موجودة أصلاً».

وقال الميرغني إنهم يسعون لتأسيس «شرعية جديدة» مستمدة من الشعب السوداني، وتشكيل حكومة «تأسيسية» بديلة عن التي انهارت بعد الحرب، ولا ينتظرون اعترافاً خارجياً، وأضاف: «السودانيون أضاعوا وقتاً طويلاً في النظر للخارج، وهو لا يكترث لما يحدث في السودان».

وحدد الميرغني مهمة الحكومة المزمعة، في وقف الحرب، وتقديم الخدمات الأساسية، وإعادة الحقوق الدستورية «التي حرم الشعب السوداني منها»، وحفظ الأمن والسلامة، وحماية المواطنين من الانتهاكات، و«مواجهة المشروع المتطرف العنصري»، وفقاً لإفادته.

الميرغني، قال إن الحكومة المرتقبة ستسعى لإقامة علاقات دولية متوازنة مع كل دول العالم، ولا سيما دول الجوار والدول الأفريقية والعربية «إلا من أبى»، لحفظ مصالح السودان، وأضاف: «مصالح الشعب فوق كل اعتبار، ونقيم علاقتنا مع كل الدول التي تشاركنا قيم الحرية والديمقراطية والعدالة على أساسها، ولن يتحقق ذلك إلا بتأسيس دولة مكان تلك التي انهارت».

البرهان الذي يدعم حكومة بورتسودان وسط مناصريه في المدينة الواقعة على البحر الأحمر 14 يناير 2025 (أ.ف.ب)

وأوضح أن وقف الحرب من أولويات الحكومة، لإنهاء قدرة الطرف الآخر على الاستمرار في الحرب، تحت ذرائع تمثيله لشرعية الدولة، وأضاف: «هم يزعمون أنهم يمثلون الدولة، ويخططون لاستغلال اسمها، وتصنيف الآخرين بأنهم متمردون وخونة»، وتابع: «حين نؤسس شرعية الدولة الحقيقية سيفقدون كارت ابتزاز العالم باسم الدولة».

وتوقع أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعات السودانية، دكتور عبد الناصر الفكي، أن تنجح الحكومة الجديدة في وقف الحرب، بتنبيه العالم لغياب حكومة في مناطق واسعة من البلاد، وأن «ترمي حجراً» في بركة التجاهل الدولي لهذا الغياب.

وقال الفكي في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحرص على وحدة البلاد يتطلب اعترافاً متبادلاً، وتقاسماً عادلاً للسلطة والثروة، وإقامة حكم لا مركزي ناجح وجيد»، وتابع: «إذا سد فراغ غياب الوجود الحكومي وتقديم الخدمات وضبط الانفلات الأمني وحفظ الأنفس والأموال، فستكون أمام الحكومة فرصة نجاح جيدة، لأن حكومة بورتسودان غير موجودة هناك، ما يجعل من وجود حكومة حاجة أساسية».

اعتراف محلي أولاً

ورهن حصول الحكومة على اعتراف دولي بحصولها على «اعتراف محلي»، بقوله: «إذا امتلكت قدرة عالية على إعادة تنظيم وترتيب المجتمع وإشباع حاجاته، فسيعترف بها المجتمع الدولي».

واستبعد الفكي «فكرة تهديد تشكيل الحكومة لوحدة البلاد»، وقال: «أنا أنظر للمسألة من منظور تقديم الخدمات للناس، فالحكومة التي في بورتسودان تعتبر مناطق سيطرة (الدعم السريع) حواضن اجتماعية تجب معاقبتها، وهذا تعبير عن غياب أي فكر استراتيجي لإنهاء الصراع».

لكن الفكي أبدى تخوفه من تصاعد حدة النزاع وتزايد هجمات من قبل الجيش، واستخدام الطيران بكثافة في استهداف رموز الحكومة الجديدة، وقال: «سيستهدفون مناطق الحكومة الجديدة بصورة أكبر، وهذا خرق للمواثيق والأخلاق».

المتحدث السابق باسم «تقدم» جعفر حسن، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن نزع الشريعة له أدوات كثيرة ومتعددة، وإنهم يرون في قيام حكومة موازية «شرعنة» للحكومة التي تتخذ من بورتسودان عاصمة، لذلك لا يؤيدون الفكرة، وفي الوقت ذاته يحترمون خيار دعاتها.

واعتبر تشكيل حكومة إخلالاً بموقف «تقدم» الأصيل والرئيسي الممثل في عدم الانحياز لأي من طرفي الحرب، وقال: «لذلك فإن وجود حكومة في مناطق سيطرة (الدعم السريع) انحياز لأحد طرفي الحرب، وإن تنسيقية (تقدم) إذا اختارت أحدهما ستكون قد خرجت على تفويضها الرئيس، الممثل بالوقوف على مسافة واحدة من طرفي الحرب، والعمل على إيقافها».

وحذر حسن من أن يقود تشكيل حكومة لتقسيم البلاد، وأضاف: «وجود جيوش وسلطة في أراضٍ يعد تمهيداً لقيام دول متعددة في السودان»، بيد أنه حمّل سلطة بورتسودان المسؤولية عن التمهيد لقيام دول متعددة، بقوله: «هذا المسلك سلكته سلطة بورتسودان أولاً، حيث قصرت بموجبه حقوقاً سيادية على أماكن محدودة في السودان، مثل تغيير العملة وامتحانات الشهادة السودانية وغيرهما»، وقطع: «هذا الطريق يدفع الطرفين بسرعة لتقسيم السودان».


مقالات ذات صلة

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

بحث رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، الجهود الرامية لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

أعلنت الحكومة المصرية، استعدادها لتقنين أوضاع المدارس السودانية على أراضيها، بعد أزمة إغلاقها منذ عدة أشهر، وسط شكاوى متكررة من الجالية السودانية بالقاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا «الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

أعلنت «قوات الدعم السريع» في ولاية النيل الأزرق السيطرة على محلية الكرمك الاستراتيجية قرب الحدود مع إثيوبيا.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا سودانية تتلقى العلاج فى أحد مستشفيات أم درمان (رويترز)

مقتل أكثر من 500 مدني بضربات بمسيّرات في السودان هذا العام

أعلنت الأمم المتحدة أنَّ أكثر من 500 مدني قُتلوا بضربات نُفِّذت بمسيّرات في السودان بين يناير (كانون الثاني) ومنتصف مارس (آذار)، قضى معظمهم في منطقة كردفان.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
TT

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية وكالة الصحافة الفرنسية، اليوم (الخميس).

واستهدفت إحدى الغارتين الأربعاء سوقاً في مدينة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، وفق ما ذكر عامل صحي في المستشفى المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتسببت غارة أخرى، الأربعاء، أيضاً باشتعال النيران في شاحنة كانت على طريق في شمال كردفان. وأفاد مصدر طبي في مستشفى مدينة الرهد المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية بوصول 6 جثث إلى المستشفى، 3 منها متفحمة، بالإضافة إلى 10 جرحى، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤولية الهجوم.


البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني»، التي أعلنت عنها الرئاسة نهاية العام الماضي، وعرضتها على الأحزاب مطلع العام الحالي بغرض الموافقة. وحاز المسعى على ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (75 في المائة)، الذي يتكون من 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني»، و176 عضواً في «مجلس الأمة».

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة تعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد قدم عرضاً عن هذا التعديل أمام مكتب غرفتي البرلمان، أمس الثلاثاء، مؤكداً أن المراجعة «تمس جوهر تنظيم السلطات»، لا سيما وظيفة رئيس الجمهورية والبرلمان، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى «السلطة المستقلة للانتخابات».

وعزت الحكومة هذه التعديلات، وفق ما ذكره وزير العدل، إلى «نقائص كشفت عنها الممارسة الدستورية على مدار خمس سنوات»، أي منذ إقرار دستور 2020، عادَة أنها «مجرد تحسينات تقنية تهدف لتطوير أداء المؤسسات». وبكلام آخر، ترى الحكومة أن هذه التعديلات لا تستدعي استفتاء شعبياً لأنها «تقنية» ولا تمس «الثوابت».

أعضاء مكتب غرفتي البرلمان مع وزير العدل خلال عرض التعديلات الدستورية (البرلمان)

فيما يخص منصب رئاسة الجمهورية، نص التعديل المقترح على المادة 87 بضرورة حيازة المترشح لـ«مستوى تعليمي» باعتباره شرطاً أساسياً؛ نظراً لتعاظم مسؤوليات المنصب، والحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة في ملفات معقدة، دون أن يحدد النص الدرجة العلمية المطلوبة بدقة. كما سيتعزز دور الرئيس بصلاحية استدعاء «الهيئة الناخبة» لانتخابات محلية مسبقة بموجب تعديل المادة 91، وهو ما يهدف لسد ثغرة دستورية، كانت تحصر هذه الصلاحية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فقط.

كما اتجه المشروع نحو «دسترة» الممارسة التاريخية المتعلقة بأداء القسم، حيث سيؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام البرلمان بغرفتيه في الأسبوع الذي يلي انتخابه، وبحضور كبار مسؤولي الدولة، على أن يتلو نص القسم الرئيس الأول لـ«المحكمة العليا».

أما على مستوى البرلمان، فقد شهدت أحكام «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) تغييرات جوهرية، حيث اقترحت الحكومة مراجعة معيار التمثيل، الذي يمنح مقعدين لكل محافظة حالياً (58 محافظة)، ليصبح مقعداً واحداً أو اثنين بناء على الحجم الديموغرافي لكل محافظة، وذلك لتجاوز الفوارق السكانية الكبيرة، حسب معدي نص التعديل.

كما رُفعت عهدة رئيس «مجلس الأمة» إلى ست سنوات، بدلاً من ثلاث لـ«ضمان استمرارية المؤسسات». ويشار إلى أن شاغل هذا المنصب، هو الرجل الثاني في الدولة، بحسب الدستور.

مدير الديوان بالرئاسة أثناء عرض التعديل الدستوري التقني في 25 يناير الماضي (الرئاسة)

وفي سياق العلاقة بين غرفتي البرلمان، أتاح تعديل المادة 145 للحكومة طلب الفصل النهائي من إحدى الغرفتين في حال استمرار خلاف تشريعي بينهما، وهو إجراء يهدف لتسريع المسار التشريعي وتفادي حالة الانسداد، حسب المبررات التي وردت في نص التعديل «التقني».

وعلى صعيد السلطة القضائية، شملت المراجعة تشكيلة «المجلس الأعلى للقضاء» (الهيئة المشرفة على المسار المهني للقضاة)، حيث تقرر إلغاء التمثيل النقابي للقضاة لـ«تجنب تضارب المصالح بين العمل النقابي ومهام المجلس الدستورية». كما خرج رئيس «مجلس حقوق الإنسان» (هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية) من التشكيلة مقابل إدراج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني).

عودة «الداخلية» إلى مفاصل العملية الانتخابية

تحت غطاء «البحث عن الفعالية»، يُحدث تعديل الدستور تحولاً كبيراً في تنظيم الانتخابات في الجزائر. فبينما تحتفظ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رسمياً بمهام الرقابة وإعلان النتائج، فإنها تُجرد من عنصر أساسي في عملها، وهو التحضير المادي واللوجيستي. هذه المهمة، التي تشمل تسيير الموارد البشرية والتقنية ميدانياً، تُعاد رسمياً إلى وزارة الداخلية، وهو ما عده مراقبون تراجعاً عن مكسب ديمقراطي جاء به «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير في سياق رفض ترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة عام 2019.

وتُبرر مذكرة أسباب هذا الخيار بـ«الرغبة في تمكين سلطة الانتخابات من تخفيف الأعباء الثقيلة للتركيز على دورها الرقابي». غير أن المراقبين ذاتهم يرون أن عودة الجهاز الإداري، ممثلاً في وزارة الداخلية والجماعات المحلية، إلى مفاصل العملية الانتخابية تُنهي مرحلة من الاستقلالية الكاملة لهذه الهيئة، وتعيد وضع السلطة التنفيذية في قلب المنظومة الانتخابية.

وشاركت معظم الأحزاب في «استشارة» نظمتها الرئاسة حول وثيقة التعديلات، ووافقت عليها رغم بعض التحفظات عليها. وأبرز هذه التحفظات صدرت عن الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي يملك ثلاثة أعضاء في الغرفة البرلمانية العليا، ومن دون أي تمثيل في الغرفة السفلى (المجلس الشعبي الوطني)، و«حزب العمال» الغائب عن الغرفتين.

وزير العدل أثناء عرض التعديل الدستوري على مكتب غرفتي البرلمان (البرلمان)

وأكد قياديون في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، أن كتلتها البرلمانية قررت رفع الأيدي لصالح وثيقة التعديل «رغم عدم اقتناعنا بها بشكل كامل».

ومن البداية أظهرت الأحزاب الموالية للرئيس والمهيمنة على البرلمان دعمها للخطوة، وهي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني».

وبعكس هذا «الإجماع»، حذر عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، من تداعيات المراجعة الدستورية على المسار الديمقراطي، عادّا أنها «تمهد لاستعادة النظام الرئاسي المطلق». وانتقد معزوز بشدة توسيع صلاحيات الرئيس لتشمل حل المجالس المحلية مسبقاً، وتعديل هيكلة «مجلس الأمة»، مؤكداً أن الأمر يتعلَق بـ«خطوات تهدف إلى إحكام القبضة على آليات الخلافة المؤسساتية».

كما ندد الحزب، الذي لم يشارك في الاستشارة بخصوص تعديل الدستور، بما وصفه بـ«غياب النقاش العمومي»، وبـ«توجه البرلمان لتبني نص المشروع دون تمحيص»، محذراً من أن «تحويل أدوار السلطة المضادة إلى وظائف شكلية يهدد جوهر التوازن المؤسساتي في البلاد».


تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
TT

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

بحث رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في العاصمة الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب في البلاد، في وقت تتصاعد فيه التطورات الميدانية في عدد من الأقاليم.

وجدَّد هافيستو، الذي يزور السودان في أول مهمة رسمية له منذ تعيينه، التزام الأمم المتحدة بدعم المساعي الهادفة إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، والعمل على إيجاد حل سلمي دائم للنزاع، مؤكداً أن زيارته تمثل فرصة مهمة للاستماع المباشر إلى رؤى مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين الرئيسيين في البلاد.

وشدَّد المبعوث الأممي على أهمية تبني خيار الحوار وخفض التصعيد بوصفهما مدخلاً أساسياً نحو وقف شامل للأعمال العدائية، إلى جانب ضرورة إعطاء الأولوية لحماية المدنيين، واتخاذ تدابير لبناء ثقة تهيئ الظروف لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية. وأكَّد أن الأمم المتحدة «لا تزال منخرطة بشكل كامل مع الجهات المعنية كافة» لتعزيز السلام والاستقرار، وتقديم المساعدات الإنسانية في مختلف أنحاء السودان، مشدِّداً على حرص مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة على وحدة السودان وسلامة أراضيه. وأضاف أن المنظمة الدولية «تقف بحزم مع الشعب السوداني»، وتواصل العمل مع شركائها الدوليين لدعم الخطوات الجادة لإنهاء القتال، ورسم مسار نحو سلام دائم يتحقق عبر حوار شامل وحقيقي.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» الحليفة للجيش (رويترز)

وخلال زيارته، التقى هافيستو بوزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، واستمع منه إلى شرح مفصل حول الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في البلاد في ظل استمرار النزاع. وأكَّد إبراهيم رفض الحكومة السودانية لأي «حلول جاهزة» قد يقدمها المجتمع الدولي، مشدداً على أن مشاركة جميع الفاعلين تمثل خطوة أساسية لبناء رؤية واضحة وتحديد نقطة انطلاق لعملية السلام. واتفق الجانبان على أهمية دمج القوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة وفق أسس قانونية واضحة، بما يمنع وجود أي قوى موازية خارج إطار الدولة، مؤكدين أن تحقيق السلام في السودان يتطلب نهجاً تراكمياً قائماً على خطوات عملية قابلة للتنفيذ، تمهّد لعملية سياسية شاملة ومستدامة.

تطورات ميدانية

في موازاة ذلك، أكَّد حاكم إقليم النيل الأزرق، أحمد العمدة، استقرار الأوضاع الأمنية في الولاية الواقعة جنوب شرقي السودان على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، وذلك في أول تعليق رسمي له عقب سقوط مدينة الكرمك الاستراتيجية قرب عاصمة الإقليم الدمازين. وقال العمدة، في تصريحات صحافية من مكتبه في الدمازين، إن القوات المسلحة السودانية تواصل العمل على بسط سيطرتها على المحافظات المتاخمة لدولتي جنوب السودان وإثيوبيا، مشيراً إلى استمرار العمليات العسكرية لتأمين الشريط الحدودي.

اشتعال جبهة النيل الأزرق (الشرق الأوسط)

ودعا المواطنين إلى عدم الالتفات لما وصفه بـ«الشائعات» التي تروج لها «غرف إعلامية» عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف زعزعة الأمن والاستقرار، مؤكداً أن «الجيش الوطني خط أحمر» باعتباره الضامن لوحدة النسيج الاجتماعي في إقليم النيل الأزرق، ووقوفه في وجه ما وصفها بـ«المؤامرات» التي تستهدف البلاد.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتواتر فيه الأنباء عن تقدم ميداني متسارع لقوات تحالف «تأسيس»، بقيادة «قوات الدعم السريع»، نحو مدينة باو جنوب غربي الدمازين، بعد إعلانها، الثلاثاء، إكمال سيطرتها على مدينة الكرمك الواقعة على الحدود مع إثيوبيا. وأفادت تقارير محلية بفرار مئات الأسر من الكرمك باتجاه الدمازين والمناطق المحيطة بها، في حين قالت حكومة الولاية إنها قامت بإجلاء أعداد كبيرة من المواطنين إلى مناطق آمنة قبل دخول القوات إلى المدينة. وتداولت منصات إعلامية موالية لـ«قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو عبر موقع «فيسبوك»، تظهر مجموعة من المسلحين يزعمون اختراق الدفاعات الأمامية للجيش السوداني في محيط الكرمك.

في المقابل، نفت السلطات المحلية في محافظة باو، بشكل قاطع، صحة هذه الأنباء، مؤكدة في بيان نشر عبر «فيسبوك» استقرار الأوضاع الأمنية في جميع أنحاء المحافظة، وعدم وجود أي تهديدات عسكرية في محيط المدينة، ومشدِّدة على أن ما يتم تداوله «أخبار كاذبة».

وفي تطور ميداني منفصل، أسفرت غارة بطائرة مسيَّرة مجهولة، صباح الأربعاء، عن مقتل ستة أشخاص على الأقل في بلدة التومات جنوب محلية الرهد بولاية شمال كردفان، وذلك إثر استهداف شاحنة نقل مدنية، بحسب ما أفاد به شهود عيان، الذين أشاروا أيضاً إلى إصابة عدد من الركاب. من جهتها، اتهمت «قوات الدعم السريع» الجيش السوداني بقصف سوق في بلدة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين. وقالت، في بيان نشر عبر منصة «تلغرام»، إن هذا الهجوم يأتي بعد أيام من قصف مواقع مدنية، من بينها مستشفى الضعين في شرق دارفور، ومناطق أخرى في إقليم كردفان، مشيرة إلى أن تلك الهجمات أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين في مواقع خالية من أي وجود عسكري. ولم يصدر تعليق فوري من الجيش السوداني بشأن هذه الاتهامات.