وزير «العدل» في حكومة حمدوك لـ«الشرق الأوسط»: حرب السودان ربما تستمر لسنوات

عبد الباري قال إنه يؤيد قيام «حكومة موازية» في مناطق «قوات الدعم السريع»

نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق في حكومة عبد الله حمدوك (الشرق الأوسط)
نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق في حكومة عبد الله حمدوك (الشرق الأوسط)
TT

وزير «العدل» في حكومة حمدوك لـ«الشرق الأوسط»: حرب السودان ربما تستمر لسنوات

نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق في حكومة عبد الله حمدوك (الشرق الأوسط)
نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق في حكومة عبد الله حمدوك (الشرق الأوسط)

رأى وزير العدل السوداني السابق، الدكتور نصر الدين عبد الباري، أن تأسيس حكومة مدنية (موازية)، في المناطق الواقعة تحت سيطرة «قوات الدعم السريع»، أمر تقتضيه الضرورة الملحة لصيانة كرامة ملايين المواطنين في تلك المناطق، الذين يفتقرون إلى أساسيات الحياة، كالصحة والتعليم، ولا يملكون خياراً سوى البقاء في مناطقهم.

وقال عبد الباري وهو أحد المؤيدين البارزين لقيام حكومة موازية لحكومة بورتسودان المدعومة من الجيش، إن «معاناة الناس في مناطق (الدعم السريع)، ربما تستمر لسنوات طويلة مع استمرار الحرب التي لا تلوح في الأفق أي مؤشرات جدية على نهايتها قريباً». وأضاف: «بالنظر إلى تاريخ الحروب في السودان وآمادها الطويلة، فليس هنالك من سبب يدعو إلى التفاؤل بأن الحرب الحالية سوف تنتهي في أي وقت قريب».

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «تأسيس الحكومة ليس له علاقة بجدل الشرعية أو عدمها، لأنه لا شرعية اليوم لأحد في السودان، ولا توجد آليات متفق عليها لتحديد شرعية أي سلطة قائمة، أو سوف تقوم في المستقبل». وأكد أن صون كرامة الإنسان السوداني بتأسيس الحكومة الموازية بات أمراً ضرورياً، وينبغي أن يكون فوق الاعتبارات السياسية، أياً كانت.

وكان أعضاء في التحالف المدني الأبرز في السودان «تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية»، الذي يترأسه رئيس الوزراء المدني السابق عبد الله حمدوك، اقترحوا تشكيل «حكومة موازية» في مناطق سيطرة «قوات الدعم السريع»، مما تسبب في انقسام بين القوى المنضوية بالتنسيقية، بين مؤيد عدّها فرصة لتحقيق هدف «نزع الشرعية» من الحكومة المدعومة من الجيش في بورتسودان، ومعارض آخر عدّها انحيازاً لأحد أطراف الصراع، ومخالفة لمواثيق التحالف الذي لا يعترف بشرعية أي من طرفي الحرب.

الاعتراف بالحكومة مهم

سودانيون فرُّوا من دارفور إلى أدري في تشاد (رويترز)

وأوضح عبد الباري أن من يتبنون فكرة قيام سلطة في المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» لا يخططون لتقسيم البلاد، أو تأسيس دولة جديدة، مشيراً إلى وجود خلط عند البعض، بين مفهومي الدولة والحكومة، ومثال ذلك في ليبيا التي بقيت دولة واحدة بحكومتين، وأنه لا يرى «أي مشكلة في وجود عدة حكومات بالدولة الواحدة، ما دامت الأطراف المختلفة متمسكة بوحدة السودان».

وقال الوزير السابق، الحائز على درجة الدكتوراه من جامعة جورجتاون، الأميركية، والماجستير من جامعة هارفارد، وشارك بفاعلية في حكومتي الثورة الأولى والثانية برئاسة عبد الله حمدوك، إن «الاعتراف بالحكومة من قبل الدول الأخرى مهم، ويتم في العادة لاعتبارات سياسية، أو لمصالح مشتركة»، مشيراً إلى أهمية التعاون الدولي، «وسيكون صعباً خصوصاً في أوضاع الحرب والنزاعات».

واستدرك قائلاً: «هذا لا يعني أن الحكومة غير المعترف بها لا تستطيع أداء مهامها... المهم أن تكتسب هذه الحكومة الشرعية الداخلية، وهي اعتراف السكان بأنها تمثلهم وتمثل مصالحهم، وهو أمر قد يتحقق من الأيام الأولى. قد يزيد أو ينقص بحسب قدرة الحكومة على توفير الخدمات والعدالة والأمن لهؤلاء السكان».

وقال عبد الباري إنه لا يستطيع تحديد دول بعينها يمكن أن تعترف بالحكومة الجديدة، التي سوف تعلن في الأراضي الواقعة تحت سيطرة «قوات الدعم السريع»، ومناطق حركة «العدل والمساواة» جناح سليمان صندل، و«تجمع قوى تحرير السودان» بقيادة الطاهر حجر، وحركة تحرير السودان، المجلس الانتقالي، بقيادة الهادي إدريس. وأضاف: «مهام هذه الحكومة - كأي حكومة - هي توفير الأمن والعدالة للمواطنين، لكن قدرة أو عدم قدرة هذه الحكومة الجديدة على القيام بذلك، أمر يعتمد على حصولها على الأدوات والآليات اللازمة لتوفير الأمن وتصريف العدالة، وهو أمر مرتبط إلى حد ما بمسألة الاعتراف».

وأشار عبد الباري، وهو يعد زميلاً رفيعاً ببرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي بواشنطن، إلى أنه لم يتم تحديد سقف زمني للإعلان عن الحكومة، لكن المناقشات مستمرة حول تجويد الميثاق التأسيسي ومسودة الدستور، وبرنامج الحكومة. وفي هذا الصدد، أفاد بأن التأخير في إعلان الحكومة ليس له أي علاقة بالتطورات العسكرية الأخيرة على الأرض، وأن المناقشات المتعلقة بتشكيل الحكومة معقدة، وتحتاج إلى اتفاق أو توافق الأطراف ذات الصلة، وهي القوى السياسية والمجتمع المدني والحركات المسلحة والشخصيات المستقلة و«قوات الدعم السريع»، للتوصل إلى تفاهمات كاملة فيما بينها على الميثاق التأسيسي والدستور الحاكم للنظام السياسي الجديد في السودان.

الجيش لا يستجيب

الرئيس السوداني المعزول عمر البشير في أثناء إلقائه خطاباً بولاية جنوب دارفور سبتمبر 2017 (أ.ف.ب)

وأكد عبد الباري أن الأطراف التي تدير النقاشات في العاصمة الكينية نيروبي بشأن تشكيل الحكومة، لا تنوي أبداً الدخول في الحرب الدائرة، ولا تملك القدرة على ذلك، وعلاقتها مع «قوات الدعم السريع» مبنية على التعاون من منطلق المسؤولية الأخلاقية والوطنية، من أجل «توفير وتقديم الخدمات للمواطنين وتمثيل مصالحهم وتنظيم شؤونهم، والمساهمة في كل جهدٍ لإيقاف الحرب».

وذكر أن هذه الأطراف تواصلت مراراً وتكراراً مع قادة الجيش السوداني، لحثهم على الانخراط في مفاوضات سياسية لإنهاء الحرب، لكنهم رفضوا الاستجابة لها. وأضاف: «هذه القوى سئمت من مواقف الجيش وعدم رغبته في تحقيق السلام، ولن تقف هذه القوى مكتوفة الأيدي، بينما الناس في مناطق سيطرة (قوات الدعم السريع) بحاجة ماسة إلى التعليم والصحة، والمستندات الرسمية، وتنظيم التجارة العابرة للحدود، والخدمات الأخرى».

وأشار إلى أن منظمات دولية كثيرة تتعاون مع «قوات الدعم السريع» من أجل صيانة كرامة الإنسان. وقال إن التوازن في القوة أو الضعف قد يؤدي إلى حل سياسي للأزمة الراهنة، «لكن أي حل ينبغي أن يرتكز على معالجة الأسباب الجذرية للحروب في السودان، وعلى رأسها رغبة الجيش الجامحة في الهيمنة على السلطة والدولة». وأضاف أن أنصار الحرب في السودان يركزون على آثار الحرب، لكنهم يرفضون الحديث عن الأسباب الجذرية للحرب الحالية، التي أدت كما الحروب السودانية السابقة، إلى انتهاكات حقوق الإنسان، وقال «إنها مرفوضة ومدانة».

وتابع أن «الخطاب المطروح الآن من الجيش السوداني، وهو قائم على رفض التفاوض والإصرار على الحرب، لن يعالج أسباب الحرب، وأن وجود حكومتين سوف يخلق حالة من التوازن بين دعاة السلام ودعاة الحرب، ربما تكون مدخلاً إلى حل بعض المشكلات التي ظلت تسبب الحروب منذ الاستقلال».

وأبان أن «الحرب الكبرى»، التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023، ولا تزال مستمرة، هي بيانٌ لبلوغ أزمة السودان ذروتها، وأن ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، كانت فرصة كبيرة لسير السودان نحو تأسيس نظام حكم ديمقراطي مثالي، «لكن حدثت انتكاسة كبرى بانقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي قام به الجيش و(قوات الدعم السريع)».

فروقات بين الطرفين

«حميدتي» قال في خطاب الاستقلال إن السودان في مفترق طرق (الشرق الأوسط)

ومع تراجع «الدعم السريع» عن الانقلاب، كان قرار قادة الجيش الاستمرار فيه. وقال وزير العدل السابق، إنه بسبب رفض «قوات الدعم السريع» الاستمرار في الانقلاب والضغط الشعبي والدولي الكبير عليها، اضطرت المؤسسة العسكرية أن تقبل بعملية سياسية كان هدفها إنهاء الانقلاب وتأسيس نظام انتقالي جديد (في مارس/آذار 2023). وتابع: «خلال اجتماعاتي بالقادة العسكريين من الجيش و(قوات الدعم السريع)، كنتُ أرى فروقات بين الطرفين، فبينما كانت النخب العسكرية الممثلة للجيش تعمل على تقويض العملية السياسية، كان قادة (الدعم السريع) يفعلون كل شيء للمساهمة في إنجاحها».

وذكر الوزير السابق أن عرقلة قادة الجيش للعملية السياسية برزت بوضوح في ملف الإصلاح الأمني، وانسحابهم من ورشة الإصلاح الأمني في مارس 2023، دون أي مبررات منطقية. وقال إن قادة الجيش «ما كانوا يتصورون أن العملية السياسية يمكن أن تبلغ نهاياتها، وحينما تأكد لهم أنها سوف تبلغها، قرروا الانسحاب من الجلسة الختامية. في ذلك الوقت عرفتُ أن هذا الوضع لن يستمر، وأن الجيش كان مصمماً على ألا تكتمل العملية السياسية».

وأضاف أن الجيش كان يريد السلطة من أجل إيقاف التغيير، الذي كان يمكن أن يحدث في السودان، وأن قرار قادته الانسحاب من الورشة، التي كانت ستجيز التوصيات الأخيرة بشأن الإصلاح الأمني، بُغية تضمينها في الاتفاق النهائي، «تطابق تماماً مع القرار المعلن من قبل أنصار النظام القديم من الإسلاميين الذين كانوا يتحدثون علناً عن أنهم لن يسمحوا باكتمال العملية السياسية، وهددوا بإعلان الحرب إذا تم التوقيع على الاتفاق السياسي النهائي، مما يدل على أنه كان هناك تنسيق محكم أو تحالف بين القوى المعادية للثورة وقادة الجيش السوداني».

بناء جيش موحد هو الحل

جنود من الجيش السوداني يحتفلون بتحرير مصفاة نفط في شمال مدينة بحري يوم 25 يناير 2025 (رويترز)

وأكد عبد الباري أن الإسلاميين المعادين للتغيير، لم يكُن بمقدورهم «إيقاف قطار ثورة ديسمبر إذا كان الجيش خارج العملية السياسية». وذكر أن عداء الجيش لـ«قوات الدعم السريع» منشأه رفض الأخيرة «الاستمرار في الانقلاب، واتخاذها قراراً بالانحياز إلى المدنيين للمضي قدماً في العملية السياسية، التي كانت تهدف إلى إنهاء الانقلاب، وتأسيس انتقال جديد».

وأضاف أن «قيادة (قوات الدعم السريع) وافقت على بناء جيش وطني واحد، ودمج قواتها في الجيش، وقد تم إقرار ذلك في مسودة الدستور الانتقالي. لكن قادة الجيش لم يكن همهم دمج (قوات الدعم السريع) وغيرها من القوات الأخرى في الجيش، وإنما كان هدفهم الاستمرار في السلطة ومقاومة إصلاح المؤسسة العسكرية، وإيقاف تفكيك النظام القديم، وهو واحد من الأسباب الرئيسية التي دفعتهم إلى الانقلاب على الحكومة الانتقالية».

وقال وزير العدل السابق إنه «غير متفائل» بانتهاء الحرب بين الجيش و(قوات الدعم السريع) في وقت قريب، مشيراً إلى أن التاريخ يبين أن الحروب الداخلية غالباً لا تنتهي بالهزيمة العسكرية، وإنما بمخاطبة أسبابها الجذرية، وأن السلام الحقيقي والمستدام لن يتحقق إلا بإنهاء العنف البنيوي، الممارس من الدولة السودانية منذ تأسيسها.

وتطرق عبد الباري إلى المبادرات التي طرحت لوقف الحرب في السودان، قائلاً إن «المبادرة السعودية الأميركية في منبر جدة، كانت لها القدرة والقابلية للنجاح، لكنها انهارت بسبب انسحاب الجيش أكثر من مرة، وكذلك توقفه عن الاستمرار في المفاوضات التي جرت في المنامة، بعد التوقيع بالأحرف الأولى على ميثاق المبادئ، الذي جاء شاملاً، وعاكساً لتطلعات القوى المدنية الديمقراطية في التغيير وتأسيس نظام جديد».

وعزا الوزير السابق فشل محادثات جنيف إلى «عدم ممارسة ضغوط كافية على قادة الجيش الذين رفضوا المشاركة في المفاوضات، ولم يدفعوا أي ثمن لذلك الرفض». وقال إن «مرونة مواقف بعض المسؤولين الدوليين تجاه الجيش هو ما دفع قادته إلى التمادي في رفض المشاركة بالمفاوضات، وإن أي مبادرة مستقبلية لا تتخذ موقفاً واضحاً ضد الطرف الرافض لوقف الحرب - وهذا ما لم يتوفر في محادثات جنيف - لا يمكن أن يُكتب لها النجاح».


مقالات ذات صلة

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

خاص يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

بعد سنوات من النزاع المُسلح الذي خلّف دماراً كبيراً بالسودان، لم يتأثر به سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم، بل امتد التأثير إلى البيئة بشكل مخيف.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
تحليل إخباري حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)

تحليل إخباري بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

لاذت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان، بصمت مطبق إزاء قرار الولايات المتحدة تصنيفها «منظمة إرهابية»... فما الأسباب وما الحلول؟

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

استنكرت وزارة الخارجية السودانية تصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش المسؤولية عن جريمة قصف مستشفى «الضعين» بدارفور واتهمته بالانحياز لـ«الدعم السريع».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في السودان جراء ضربات بمسيّرات

قُتل 28 مدنياً جرّاء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

بعد سنوات من النزاع المسلح الذي خلّف دماراً واسعاً في البنية التحتية بالسودان، لم يكن سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم مَن دفعوا الثمن، بل امتدت الأضرار لتطال النظام البيئي الهشَّ للمدينة، حيث تلوَّثت الموارد الطبيعية، وتراكمت النفايات، وتدهور الهواء والتربة، مع تراجع ملحوظ في الغطاء النباتي ونفوق أعداد كبيرة من الحيوانات.

وأدى القتال العنيف والقصف العشوائي إلى تدمير منشآت صناعية وشبكات الصرف الصحي، فضلاً عن تسرُّب الوقود؛ ما تسبَّب في مستويات مرتفعة من التلوث داخل المدينة. كما تضرَّرت الحدائق العامة والمساحات الخضراء، وتحوَّلت بعض المناطق إلى مكبات نفايات عشوائية؛ نتيجة انهيار خدمات النظافة.

في ظلِّ هذه الظروف، فرَّت الحيوانات من بيئاتها الطبيعية، بينما نفقت أخرى بسبب نقص الغذاء والماء والمأوى. كذلك واجهت الطيور المهاجرة، التي كانت تتخذ من ضفاف النيل محطةً موسميةً، بيئةً أكثر قسوةً وتلوثاً وأقل أماناً.

حريق في إحدى مساحات الخرطوم التي كانت خضراء (الشرق الأوسط)

في عام 2024، شهدت مصفاة الجيلي شمال الخرطوم حريقاً هائلاً أدى إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات والجسيمات الدقيقة؛ ما شَّكل خطراً مباشراً على صحة الإنسان والحيوان، وأسهم في تدهور جودة الهواء. كما تسبَّب الحريق في إطلاق غازات مرتبطة بظاهرة الاحتباس الحراري، إضافة إلى تلوث التربة والمياه، مُهدِّداً التوازن البيئي في المنطقة. ولم تسلم الأشجار المعمرة في شارع النيل من تداعيات الحرب، إذ جرى قطع أعداد كبيرة منها، رغم ما كانت تُمثِّله من قيمة جمالية وبيئية، ودورها في تلطيف المناخ المحلي وتحسين جودة الحياة، ما يجعل فقدانها خسارة مزدوجة، بيئية وبصرية.

ورغم حجم الدمار، فإنَّ خبراء يرون أن التعافي البيئي يظلُّ ممكناً، شريطة تبني نهج «إعادة البناء الأخضر»، الذي يدمج بين إعادة الإعمار وحماية البيئة، ويستثمر المرحلة الحالية لإعادة تخطيط المدينة بصورة أكثر استدامة، عبر توسيع المساحات الخضراء والاعتماد على مصادر طاقة نظيفة وآمنة.

مصفاة «الجيلي» للبترول بعد استهدافها في وقت سابق مما أسهم في تردي البيئة نتيجة الغازات السامة المنبعثة منها (إكس)

وأكدت الأمين العام لـ«المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية» بولاية الخرطوم، غادة حسين العوض، أنَّ الحرب خلَّفت أضراراً بيئية جسيمة، شملت تلوث المياه والهواء والتربة، وتدمير منشآت حيوية، من بينها مصفاة الجيلي، إلى جانب نهب وتخريب الموارد الطبيعية والبنية التحتية، وفقدان المختبر البيئي المرجعي. وأوضحت أن خطة استراتيجية عشرية للفترة 2026 - 2036، يجري إعدادها لإعادة الإعمار، مع التركيز على قطاع النظافة الذي فقد نحو 90 في المائة من آلياته، إلى جانب تنفيذ خطة متكاملة لإدارة النفايات؛ تشمل تأهيل المرافق البيئية، ومعالجة النفايات الطبية، وإعادة تأهيل المناطق الصناعية، وتعويض الغطاء النباتي. كما أشارت إلى إطلاق مبادرات للتشجير وتأهيل الشوارع باستخدام الطاقة الشمسية، وإعادة تأهيل المشاتل، ضمن خطة واسعة لإعادة تشجير العاصمة وتعزيز الاستدامة البيئية.

دراسة أممية لرصد الأضرار

وفي السياق ذاته، أجرى برنامج الأمم المتحدة للبيئة في السودان دراسةً ميدانيةً عقب اندلاع الحرب في 2023؛ لتقييم الآثار البيئية في ولايتَي الخرطوم والجزيرة، حيث اعتمدت في مرحلتها الأولى على صور الأقمار الاصطناعية لرصد التغيُّرات في الغطاء النباتي والتربة، وقياس مستويات التلوث في الهواء والمياه، وتقييم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

ومع تحسُّن الأوضاع الأمنية، انتقلت الفرق إلى العمل الميداني، حيث زارت المناطق الأكثر تضرراً، وأجرت مشاورات مع الجهات الحكومية والمجتمعات المحلية، ما أظهر تدهوراً كبيراً في الغابات؛ نتيجة القطع الجائر واستخدام الأخشاب وقوداً، إلى جانب تلوث ملحوظ في المياه، في حين سجَّلت الانبعاثات انخفاضاً مؤقتاً؛ بسبب توقف الأنشطة الصناعية وحركة النقل.

مساحات شاسعة في الخرطوم أصبحت قاحلة بعد أن كانت خضراء في أوقات سابقة (الشرق الأوسط)

وأشار البرنامج إلى إطلاق مبادرة تحت شعار «معاً من أجل بيئة متعافية ومجتمعات مستقرة»، تهدف إلى تعزيز الشراكات لدعم التعافي البيئي، عادّاً أنَّ المرحلة الحالية تمثل فرصةً لمعالجة اختلالات إدارة النفايات والبنية التحتية، رغم التحديات المرتبطة بمخلفات الحرب.

من جهته، يرى أستاذ الغابات والموارد الطبيعية، طلعت دفع الله، أنَّ تعافي النظام البيئي ممكن، لكنه يتطلَّب وقتاً طويلاً وجهوداً متواصلة، نظراً لحجم الدمار الذي طال قطاعات حيوية، مثل الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، إلى جانب تراكم النفايات والأنقاض ومخاطر المخلفات المُتفجِّرة. وأوضح أن التعافي البيئي للخرطوم يرتبط بتعافي السودان كله، مشيراً إلى أن تركيز المساعدات الدولية على الجوانب الإنسانية جاء على حساب البرامج البيئية والتنموية طويلة الأجل، ما يجعل التعافي مشروطاً بوقف الحرب، وإزالة مخلفات القتال، واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تشغيل المؤسسات البيئية، ضمن رؤية متكاملة تربط بين الغابات والمياه والمراعي والحياة البرية.

ما تبقَّى من الأشجار المعمرة في الخرطوم (الشرق الأوسط)

بدوره، أكد الخبير البيئي، ساري نقد، أنَّ التعافي البيئي يقوم على مسارَين متكاملَين، أولهما التعافي الطبيعي الذي يحدث تدريجياً مع تراجع الضغوط البشرية، وثانيهما التدخل المنظم، الذي يسرّع استعادة التوازن البيئي عبر إعادة التشجير، ومعالجة التربة والمياه، وإزالة المخلفات، وتنظيم استغلال الموارد، مع تفعيل الرقابة البيئية.

ورغم حجم الأضرار، فإنَّ الخبراء يجمعون على أنَّ الخرطوم لا تزال قابلةً للتعافي، وأن الاستثمار في البيئة خلال هذه المرحلة يمثل ركيزةً أساسيةً لتحقيق الاستقرار، واستعادة الحياة الطبيعية، وبناء مستقبل أكثر استدامة وأماناً للأجيال المقبلة.


الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)

أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو قوة اجتماعية وسياسية بارزة في تونس تشهد حالياً أزمةً داخليةً وتوترات مع الحكومة، اليوم (السبت)، تعيين رئيس جديد له إثر انعقاد مؤتمره الوطني. وتولى صلاح الدين السالمي نائب الأمين العام السابق، منصب الأمين العام للاتحاد خلفاً لنور الدين الطبوبي، الذي قاد الاتحاد منذ عام 2017.

وكان الاتحاد قد فاز مناصفةً بجائزة «نوبل للسلام» عام 2015، لدوره في التحوُّل الديمقراطي في تونس بعد ثورة 2010-2011.

وانتُخب السالمي من جانب اللجنة التنفيذية الجديدة، التي شُكِّلت في المؤتمر الذي عُقد في الفترة من 25 إلى 27 من مارس (آذار) الحالي في المنستير على الساحل الشرقي للبلاد. وواجه الطبوبي معارضةً شديدةً من فئة من المنضوين داخل الاتحاد، أخذت عليه ما عدّته افتقاراً في الشفافية في إدارته، وأدت هذه الأزمة إلى تقديم الطبوبي استقالته في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قبل أن يتراجع عنها بعد شهر.

وفي افتتاح المؤتمر، تظاهرت مجموعة من المعارضين؛ احتجاجاً على انعقاده. الأربعاء، أقرَّ نور الدين الطبوبي بالصعوبات التي تواجه الاتحاد، قائلاً إن الاتحاد العام التونسي للشغل يمرُّ بأزمة عابرة لكنه سيظلُّ «قوياً شامخاً كالجبل».

وإضافة إلى التوترات الداخلية، يتعرَّض الاتحاد لضغوط من الحكومة. فقد دافع الرئيس قيس سعيد، الذي دعمه الاتحاد بشروط عام 2021، عن المتظاهرين الذين طالبوا برحيل قادته. وفي أوائل مارس الحالي، ندَّد الاتحاد بقرار حكومي يهدِّد الاقتطاعات التلقائية من رواتب الأعضاء، عادّاً إياها تهديداً وجودياً لتمويله. تأسس الاتحاد عام 1946، وكان ركيزة أساسية في الاحتجاجات ضد الاستعمار الفرنسي (1881 - 1956).


مصر: مدبولي يلوّح بإجراءات استثنائية «تدريجية» حال استمرار حرب إيران

مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)
مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: مدبولي يلوّح بإجراءات استثنائية «تدريجية» حال استمرار حرب إيران

مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)
مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)

لوَّح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، بـ«اتخاذ إجراءات استثنائية (تدريجية) حال استمرار حرب إيران». وقال في تصريحات، السبت، إنه «حال استمرار الأزمة لفترة أطول سنضطر للجوء إلى مستوى آخر من القرارات الأكثر شدة من أجل تحقيق ترشيد أكبر لإنفاقنا». وأوضح أن «هذا التدرج يهدف لمنح مساحة للاستمرار بالمنوال الحالي لأطول فترة ممكنة، على أمل توقف الحرب الإيرانية وعودة الأمور لطبيعتها».

بينما بعثت الحكومة برسائل طمأنة جديدة للمواطنين بشأن «توافر السلع في الأسواق رغم التحديات الراهنة». وأكدت أنها «تتبع (سياسة التدرج) في اتخاذ القرارات؛ لضمان عدم تحميل المواطن أعباء إضافية أو تغيير نمط الحياة المعتاد قدر الإمكان».

جاء حديث مدبولي خلال مؤتمر صحافي استعرض فيه مستجدات الموقف الراهن جراء الحرب الإقليمية وتداعياتها على العالم ومصر.

وأوضح رئيس مجلس الوزراء أنَّ «قرار (الإغلاق المبكر) للمحال العامة والمقاهي وقاعات الأفراج والمولات التجارية، كان ضرورياً في ظلِّ الوضع الحالي لخفض فاتورة الاستهلاك»، لافتاً إلى أن «جدوى القرار لا تقتصر على استهلاك الطاقة الكهربائية فحسب؛ بل يمتد ليشمل تقليل حركة المركبات التي يستخدمها المواطنون للذهاب لهذه الأماكن، مما يسهم بشكل مباشر في خفض فاتورة استهلاك الوقود للدولة».

واستثنت الحكومة، الجمعة، المحال العامة والمنشآت السياحية في محافظتَي جنوب سيناء، وأسوان، ومدينة الأقصر، ومدينتَي الغردقة ومرسى علم بمحافظة البحر الأحمر، إلى جانب محال عامة والمنشآت السياحية على النيل في القاهرة والجيزة من قرار «الإغلاق المبكر».

وتؤكد حرصها على ضمان تقديم تجربة سياحية متكاملة وآمنة ومتميزة لجميع زائري المقصد المصري، بما يعكس المكانة الرائدة التي تحتلها مصر بوصفها إحدى أهم الوجهات السياحية على مستوى العالم.

وحقَّقت مصر أرقاماً قياسية في استقبال السائحين من الخارج، ووصل عدد السائحين العام الماضي، 2025، إلى أكثر من 19 مليون سائح، بمعدل نمو يصل إلى 21 في المائة مقارنة بالعام السابق، 2024. وتستهدف استراتيجية وزارة السياحة والآثار المصرية الوصول بعدد السائحين إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2031.

رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي السبت (مجلس الوزراء المصري)

كما تُطبِّق الحكومة المصرية «خطة ترشيد» تشمل «خفض إضاءة الأعمدة في الشوارع، وإيقاف إنارة الإعلانات على الطرق العامة، وغلق الحي الحكومي في العاصمة الإدارية (شرق القاهرة) بالكامل في تمام الساعة السادسة مساءً؛ وذلك لتخفيف الضغوط على المواد البترولية المُستخدَمة في توليد الطاقة؛ تجنباً لحدوث انقطاعات في التيار الكهربائي».

وشدَّد مدبولي على أنَّ الحكومة بدأت بنفسها في تنفيذ إجراءات حازمة لخفض فاتورة استهلاك السولار والبنزين، حيث تمَّ الإعلان عن «الإبطاء الكامل للمشروعات الكبرى الجاري تنفيذها وكثيفة الاستهلاك للسولار والبنزين» لمدة شهرين على الأقل، وكذا التوجيه الفوري بخصم وتخفيض مخصصات الوقود للسيارات والمركبات الحكومية بنسبة 30 في المائة.

وتحدَّث مدبولي، كذلك خلال المؤتمر الصحافي، السبت، عن الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها أسعار الطاقة والوقود عالمياً خلال الفترة الأخيرة، موضحاً أن «الحكومة تتابع من كثب تطورات الأسواق الدولية». وأشار إلى أنَّ «الزيادات الأخيرة في الأسعار تمَّ احتسابها على أساس سعر إغلاق برميل البترول عند مستوى 105 دولارات، في حين سجَّلت الأسعار العالمية، الجمعة، نحو 112 دولاراً للبرميل عند الإغلاق، مما يعني ارتفاعاً مباشراً في تكلفة المنتجات».

وبحسب مدبولي فإنَّ الحكومة تضع في اعتبارها احتمال استمرار الحرب لبضعة أشهر، لذلك تجري نقاشات مستفيضة لاتخاذ إجراءات تضمن تخفيض فاتورة الوقود والاستهلاك دون المساس بحركة الاقتصاد وقوته.

مصطفى مدبولي استعرض السبت مستجدات الموقف الراهن جراء الحرب الإقليمية (مجلس الوزراء المصري)

أيضاً أعلن رئيس مجلس الوزراء أنه تمَّ التوافق على بدء تفعيل «منظومة العمل عن بُعد»، يوم الأحد من كل أسبوع، اعتباراً من أول أبريل (نيسان) المقبل ولمدة شهر. وقال: «إن المنظومة ستُطبَّق على المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، مع استثناء عدد من المنشآت الحيوية»، موضحاً أنه «تمَّ التوافق على عدم تطبيق منظومة العمل عن بُعد في المدارس والجامعات؛ نظراً لأن الفترة المتبقية من العام الدراسي قصيرة وتُقدَّر بنحو شهر ونصف الشهر، ولتجنب أي تأثير سلبي على العملية التعليمية في هذه المرحلة».

ووفق مدبولي فإنَّ الدولة المصرية تعيش مرحلةً مغايرةً تماماً لما شهدته خلال عامَي 2023 و2024. ويفسر: «إننا (اليوم) في وضع مختلف كلياً عمّا واجهناه سابقاً؛ حيث كانت هناك أزمة حادة في العملة الصعبة أدت لتعذُّر تدبير المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، أما (اليوم) فإن تأكيدات (اتحاد الغرف التجارية) و(اتحاد الصناعات) تشير إلى توافر مخزون من المواد الخام والمستلزمات يكفي لأشهر عدة مقبلة».

كما تحدَّث مدبولي عن الجهود الحثيثة التي تبذلها الدولة المصرية لإيقاف الحرب الإيرانية، مؤكداً أن «مصر لا تتوانى عن بذل جميع الجهود الدبلوماسية الممكنة في سبيل إيقاف هذه الحرب».

وسلَّط الضوءَ على الجولة «شديدة الأهمية» التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي لدول الخليج العربي، والتي شملت المملكة العربية السعودية، والإمارات، وقطر، والبحرين، مؤكداً أن «هدف هذه الزيارات كان نقل دعم مصر الكامل - قيادة وحكومة وشعباً - للأشقاء في دول الخليج، ومساندتهم الكاملة في هذه الحرب، مع التعبير عن رفض مصر التام للاعتداءات التي تتم على هذه الدول»، والتأكيد على أن «أمن مصر يبدأ من أمن دول الخليج العربي».