وزير «العدل» في حكومة حمدوك لـ«الشرق الأوسط»: حرب السودان ربما تستمر لسنوات

عبد الباري قال إنه يؤيد قيام «حكومة موازية» في مناطق «قوات الدعم السريع»

نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق في حكومة عبد الله حمدوك (الشرق الأوسط)
نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق في حكومة عبد الله حمدوك (الشرق الأوسط)
TT

وزير «العدل» في حكومة حمدوك لـ«الشرق الأوسط»: حرب السودان ربما تستمر لسنوات

نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق في حكومة عبد الله حمدوك (الشرق الأوسط)
نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق في حكومة عبد الله حمدوك (الشرق الأوسط)

رأى وزير العدل السوداني السابق، الدكتور نصر الدين عبد الباري، أن تأسيس حكومة مدنية (موازية)، في المناطق الواقعة تحت سيطرة «قوات الدعم السريع»، أمر تقتضيه الضرورة الملحة لصيانة كرامة ملايين المواطنين في تلك المناطق، الذين يفتقرون إلى أساسيات الحياة، كالصحة والتعليم، ولا يملكون خياراً سوى البقاء في مناطقهم.

وقال عبد الباري وهو أحد المؤيدين البارزين لقيام حكومة موازية لحكومة بورتسودان المدعومة من الجيش، إن «معاناة الناس في مناطق (الدعم السريع)، ربما تستمر لسنوات طويلة مع استمرار الحرب التي لا تلوح في الأفق أي مؤشرات جدية على نهايتها قريباً». وأضاف: «بالنظر إلى تاريخ الحروب في السودان وآمادها الطويلة، فليس هنالك من سبب يدعو إلى التفاؤل بأن الحرب الحالية سوف تنتهي في أي وقت قريب».

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «تأسيس الحكومة ليس له علاقة بجدل الشرعية أو عدمها، لأنه لا شرعية اليوم لأحد في السودان، ولا توجد آليات متفق عليها لتحديد شرعية أي سلطة قائمة، أو سوف تقوم في المستقبل». وأكد أن صون كرامة الإنسان السوداني بتأسيس الحكومة الموازية بات أمراً ضرورياً، وينبغي أن يكون فوق الاعتبارات السياسية، أياً كانت.

وكان أعضاء في التحالف المدني الأبرز في السودان «تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية»، الذي يترأسه رئيس الوزراء المدني السابق عبد الله حمدوك، اقترحوا تشكيل «حكومة موازية» في مناطق سيطرة «قوات الدعم السريع»، مما تسبب في انقسام بين القوى المنضوية بالتنسيقية، بين مؤيد عدّها فرصة لتحقيق هدف «نزع الشرعية» من الحكومة المدعومة من الجيش في بورتسودان، ومعارض آخر عدّها انحيازاً لأحد أطراف الصراع، ومخالفة لمواثيق التحالف الذي لا يعترف بشرعية أي من طرفي الحرب.

الاعتراف بالحكومة مهم

سودانيون فرُّوا من دارفور إلى أدري في تشاد (رويترز)

وأوضح عبد الباري أن من يتبنون فكرة قيام سلطة في المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» لا يخططون لتقسيم البلاد، أو تأسيس دولة جديدة، مشيراً إلى وجود خلط عند البعض، بين مفهومي الدولة والحكومة، ومثال ذلك في ليبيا التي بقيت دولة واحدة بحكومتين، وأنه لا يرى «أي مشكلة في وجود عدة حكومات بالدولة الواحدة، ما دامت الأطراف المختلفة متمسكة بوحدة السودان».

وقال الوزير السابق، الحائز على درجة الدكتوراه من جامعة جورجتاون، الأميركية، والماجستير من جامعة هارفارد، وشارك بفاعلية في حكومتي الثورة الأولى والثانية برئاسة عبد الله حمدوك، إن «الاعتراف بالحكومة من قبل الدول الأخرى مهم، ويتم في العادة لاعتبارات سياسية، أو لمصالح مشتركة»، مشيراً إلى أهمية التعاون الدولي، «وسيكون صعباً خصوصاً في أوضاع الحرب والنزاعات».

واستدرك قائلاً: «هذا لا يعني أن الحكومة غير المعترف بها لا تستطيع أداء مهامها... المهم أن تكتسب هذه الحكومة الشرعية الداخلية، وهي اعتراف السكان بأنها تمثلهم وتمثل مصالحهم، وهو أمر قد يتحقق من الأيام الأولى. قد يزيد أو ينقص بحسب قدرة الحكومة على توفير الخدمات والعدالة والأمن لهؤلاء السكان».

وقال عبد الباري إنه لا يستطيع تحديد دول بعينها يمكن أن تعترف بالحكومة الجديدة، التي سوف تعلن في الأراضي الواقعة تحت سيطرة «قوات الدعم السريع»، ومناطق حركة «العدل والمساواة» جناح سليمان صندل، و«تجمع قوى تحرير السودان» بقيادة الطاهر حجر، وحركة تحرير السودان، المجلس الانتقالي، بقيادة الهادي إدريس. وأضاف: «مهام هذه الحكومة - كأي حكومة - هي توفير الأمن والعدالة للمواطنين، لكن قدرة أو عدم قدرة هذه الحكومة الجديدة على القيام بذلك، أمر يعتمد على حصولها على الأدوات والآليات اللازمة لتوفير الأمن وتصريف العدالة، وهو أمر مرتبط إلى حد ما بمسألة الاعتراف».

وأشار عبد الباري، وهو يعد زميلاً رفيعاً ببرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي بواشنطن، إلى أنه لم يتم تحديد سقف زمني للإعلان عن الحكومة، لكن المناقشات مستمرة حول تجويد الميثاق التأسيسي ومسودة الدستور، وبرنامج الحكومة. وفي هذا الصدد، أفاد بأن التأخير في إعلان الحكومة ليس له أي علاقة بالتطورات العسكرية الأخيرة على الأرض، وأن المناقشات المتعلقة بتشكيل الحكومة معقدة، وتحتاج إلى اتفاق أو توافق الأطراف ذات الصلة، وهي القوى السياسية والمجتمع المدني والحركات المسلحة والشخصيات المستقلة و«قوات الدعم السريع»، للتوصل إلى تفاهمات كاملة فيما بينها على الميثاق التأسيسي والدستور الحاكم للنظام السياسي الجديد في السودان.

الجيش لا يستجيب

الرئيس السوداني المعزول عمر البشير في أثناء إلقائه خطاباً بولاية جنوب دارفور سبتمبر 2017 (أ.ف.ب)

وأكد عبد الباري أن الأطراف التي تدير النقاشات في العاصمة الكينية نيروبي بشأن تشكيل الحكومة، لا تنوي أبداً الدخول في الحرب الدائرة، ولا تملك القدرة على ذلك، وعلاقتها مع «قوات الدعم السريع» مبنية على التعاون من منطلق المسؤولية الأخلاقية والوطنية، من أجل «توفير وتقديم الخدمات للمواطنين وتمثيل مصالحهم وتنظيم شؤونهم، والمساهمة في كل جهدٍ لإيقاف الحرب».

وذكر أن هذه الأطراف تواصلت مراراً وتكراراً مع قادة الجيش السوداني، لحثهم على الانخراط في مفاوضات سياسية لإنهاء الحرب، لكنهم رفضوا الاستجابة لها. وأضاف: «هذه القوى سئمت من مواقف الجيش وعدم رغبته في تحقيق السلام، ولن تقف هذه القوى مكتوفة الأيدي، بينما الناس في مناطق سيطرة (قوات الدعم السريع) بحاجة ماسة إلى التعليم والصحة، والمستندات الرسمية، وتنظيم التجارة العابرة للحدود، والخدمات الأخرى».

وأشار إلى أن منظمات دولية كثيرة تتعاون مع «قوات الدعم السريع» من أجل صيانة كرامة الإنسان. وقال إن التوازن في القوة أو الضعف قد يؤدي إلى حل سياسي للأزمة الراهنة، «لكن أي حل ينبغي أن يرتكز على معالجة الأسباب الجذرية للحروب في السودان، وعلى رأسها رغبة الجيش الجامحة في الهيمنة على السلطة والدولة». وأضاف أن أنصار الحرب في السودان يركزون على آثار الحرب، لكنهم يرفضون الحديث عن الأسباب الجذرية للحرب الحالية، التي أدت كما الحروب السودانية السابقة، إلى انتهاكات حقوق الإنسان، وقال «إنها مرفوضة ومدانة».

وتابع أن «الخطاب المطروح الآن من الجيش السوداني، وهو قائم على رفض التفاوض والإصرار على الحرب، لن يعالج أسباب الحرب، وأن وجود حكومتين سوف يخلق حالة من التوازن بين دعاة السلام ودعاة الحرب، ربما تكون مدخلاً إلى حل بعض المشكلات التي ظلت تسبب الحروب منذ الاستقلال».

وأبان أن «الحرب الكبرى»، التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023، ولا تزال مستمرة، هي بيانٌ لبلوغ أزمة السودان ذروتها، وأن ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، كانت فرصة كبيرة لسير السودان نحو تأسيس نظام حكم ديمقراطي مثالي، «لكن حدثت انتكاسة كبرى بانقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي قام به الجيش و(قوات الدعم السريع)».

فروقات بين الطرفين

«حميدتي» قال في خطاب الاستقلال إن السودان في مفترق طرق (الشرق الأوسط)

ومع تراجع «الدعم السريع» عن الانقلاب، كان قرار قادة الجيش الاستمرار فيه. وقال وزير العدل السابق، إنه بسبب رفض «قوات الدعم السريع» الاستمرار في الانقلاب والضغط الشعبي والدولي الكبير عليها، اضطرت المؤسسة العسكرية أن تقبل بعملية سياسية كان هدفها إنهاء الانقلاب وتأسيس نظام انتقالي جديد (في مارس/آذار 2023). وتابع: «خلال اجتماعاتي بالقادة العسكريين من الجيش و(قوات الدعم السريع)، كنتُ أرى فروقات بين الطرفين، فبينما كانت النخب العسكرية الممثلة للجيش تعمل على تقويض العملية السياسية، كان قادة (الدعم السريع) يفعلون كل شيء للمساهمة في إنجاحها».

وذكر الوزير السابق أن عرقلة قادة الجيش للعملية السياسية برزت بوضوح في ملف الإصلاح الأمني، وانسحابهم من ورشة الإصلاح الأمني في مارس 2023، دون أي مبررات منطقية. وقال إن قادة الجيش «ما كانوا يتصورون أن العملية السياسية يمكن أن تبلغ نهاياتها، وحينما تأكد لهم أنها سوف تبلغها، قرروا الانسحاب من الجلسة الختامية. في ذلك الوقت عرفتُ أن هذا الوضع لن يستمر، وأن الجيش كان مصمماً على ألا تكتمل العملية السياسية».

وأضاف أن الجيش كان يريد السلطة من أجل إيقاف التغيير، الذي كان يمكن أن يحدث في السودان، وأن قرار قادته الانسحاب من الورشة، التي كانت ستجيز التوصيات الأخيرة بشأن الإصلاح الأمني، بُغية تضمينها في الاتفاق النهائي، «تطابق تماماً مع القرار المعلن من قبل أنصار النظام القديم من الإسلاميين الذين كانوا يتحدثون علناً عن أنهم لن يسمحوا باكتمال العملية السياسية، وهددوا بإعلان الحرب إذا تم التوقيع على الاتفاق السياسي النهائي، مما يدل على أنه كان هناك تنسيق محكم أو تحالف بين القوى المعادية للثورة وقادة الجيش السوداني».

بناء جيش موحد هو الحل

جنود من الجيش السوداني يحتفلون بتحرير مصفاة نفط في شمال مدينة بحري يوم 25 يناير 2025 (رويترز)

وأكد عبد الباري أن الإسلاميين المعادين للتغيير، لم يكُن بمقدورهم «إيقاف قطار ثورة ديسمبر إذا كان الجيش خارج العملية السياسية». وذكر أن عداء الجيش لـ«قوات الدعم السريع» منشأه رفض الأخيرة «الاستمرار في الانقلاب، واتخاذها قراراً بالانحياز إلى المدنيين للمضي قدماً في العملية السياسية، التي كانت تهدف إلى إنهاء الانقلاب، وتأسيس انتقال جديد».

وأضاف أن «قيادة (قوات الدعم السريع) وافقت على بناء جيش وطني واحد، ودمج قواتها في الجيش، وقد تم إقرار ذلك في مسودة الدستور الانتقالي. لكن قادة الجيش لم يكن همهم دمج (قوات الدعم السريع) وغيرها من القوات الأخرى في الجيش، وإنما كان هدفهم الاستمرار في السلطة ومقاومة إصلاح المؤسسة العسكرية، وإيقاف تفكيك النظام القديم، وهو واحد من الأسباب الرئيسية التي دفعتهم إلى الانقلاب على الحكومة الانتقالية».

وقال وزير العدل السابق إنه «غير متفائل» بانتهاء الحرب بين الجيش و(قوات الدعم السريع) في وقت قريب، مشيراً إلى أن التاريخ يبين أن الحروب الداخلية غالباً لا تنتهي بالهزيمة العسكرية، وإنما بمخاطبة أسبابها الجذرية، وأن السلام الحقيقي والمستدام لن يتحقق إلا بإنهاء العنف البنيوي، الممارس من الدولة السودانية منذ تأسيسها.

وتطرق عبد الباري إلى المبادرات التي طرحت لوقف الحرب في السودان، قائلاً إن «المبادرة السعودية الأميركية في منبر جدة، كانت لها القدرة والقابلية للنجاح، لكنها انهارت بسبب انسحاب الجيش أكثر من مرة، وكذلك توقفه عن الاستمرار في المفاوضات التي جرت في المنامة، بعد التوقيع بالأحرف الأولى على ميثاق المبادئ، الذي جاء شاملاً، وعاكساً لتطلعات القوى المدنية الديمقراطية في التغيير وتأسيس نظام جديد».

وعزا الوزير السابق فشل محادثات جنيف إلى «عدم ممارسة ضغوط كافية على قادة الجيش الذين رفضوا المشاركة في المفاوضات، ولم يدفعوا أي ثمن لذلك الرفض». وقال إن «مرونة مواقف بعض المسؤولين الدوليين تجاه الجيش هو ما دفع قادته إلى التمادي في رفض المشاركة بالمفاوضات، وإن أي مبادرة مستقبلية لا تتخذ موقفاً واضحاً ضد الطرف الرافض لوقف الحرب - وهذا ما لم يتوفر في محادثات جنيف - لا يمكن أن يُكتب لها النجاح».


مقالات ذات صلة

تحذير مصري - سوداني من المساس بـ«الحقوق المائية» للبلدين

شمال افريقيا اجتماع وزيري الري المصري والسوداني في القاهرة الأربعاء (صفحة وزارة الري المصرية على «فيسبوك»)

تحذير مصري - سوداني من المساس بـ«الحقوق المائية» للبلدين

أكد وزير الري المصري، هاني سويلم، خلال لقاء نظيره السوداني عصمت قرشي عبد الله في القاهرة، الأربعاء، «حقوق بلديهما التاريخية في مياه النيل».

رحاب عليوة (القاهرة)
العالم العربي الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)

عشرات القتلى في انهيار منجم ذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل...

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)

60 قتيلاً على الأقل في انهيار منجم ذهب بالسودان

قضى مَن لا يقلون عن 60 عاملاً في انهيار منجم ذهب بولاية غرب كردفان في السودان...

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأبيض في منطقة جنوب كردفان - السودان (أ.ف.ب)

منظمة الهجرة تحذّر من انهيار نظامها للمساعدات في السودان «خلال أسابيع»

حذّرت المنظمة الدولية للهجرة الاثنين من خطر انهيار النظام الذي يمكّنها مع أكثر من مائة منظمة غير حكومية من إيصال المساعدات الإنسانية إلى السودان، «خلال أسابيع».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يستقبل المبعوث الأممي للسودان الاثنين (الخارجية المصرية)

تنسيق مصري - أممي لدعم جهود إنهاء الصراع في السودان

أكدت مصر مجدداً دعمها الثابت لوحدة السودان وسيادة وسلامة أراضيه، خلال اجتماع وزير الخارجية بدر عبد العاطي، مع مبعوث السكرتير العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هل ينهض القطاع الصحي في السودان من تحت الأنقاض؟

مدخل مجمع الإصابات والحوادث بمستشفى أم درمان (الشرق الأوسط)
مدخل مجمع الإصابات والحوادث بمستشفى أم درمان (الشرق الأوسط)
TT

هل ينهض القطاع الصحي في السودان من تحت الأنقاض؟

مدخل مجمع الإصابات والحوادث بمستشفى أم درمان (الشرق الأوسط)
مدخل مجمع الإصابات والحوادث بمستشفى أم درمان (الشرق الأوسط)

بين مستشفيات أعادت فتح أبوابها بعد تعرضها للتدمير والنهب، ومرافق لا تزال تكافح نقص الكهرباء والأجهزة والأدوية والكوادر، تظهر في السودان صورتان متناقضتان لنظام صحي أنهكه أكثر من ثلاث سنوات من الحرب الطاحنة.

ففي الخرطوم، بدأت مستشفيات مرجعية تستعيد نشاطها تدريجياً مع عودة السكان وانحسار المعارك عن أجزاء واسعة من العاصمة، بينما تبدو الصورة أكثر قتامة في دارفور وكردفان ومناطق أخرى، حيث لا يزال القتال ونقص التمويل وصعوبة الوصول إلى المرافق يحرم قطاعات واسعة من السكان من الرعاية الصحية.

وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 37 في المائة من المرافق الصحية في السودان لا تعمل، فيما يحتاج نحو 21 مليون شخص إلى خدمات طبية، وسط نقص الأدوية وارتفاع تكلفة الوصول إلى العلاج.

لكن المنظمة ترصد، في الوقت نفسه، تحسناً في بعض الولايات مع بدء جهود التعافي المبكر وإعادة تأهيل المرافق، وهي مفارقة تجعل السؤال أكثر تعقيداً: «هل بدأ النظام الصحي السوداني بالفعل في التعافي، أم أن ما يحدث هو استعادة جزئية للخدمات في المناطق التي ابتعدت عنها الحرب؟».

كوادر صحية داخل مستشفى أم درمان التعليمي (الشرق الأوسط)

مستشفيات تتعافى

في مستشفى أم درمان التعليمي، أحد أكبر المستشفيات المرجعية في العاصمة، تبدو مؤشرات العودة واضحة، ويقول مديره العام عبد المنعم علي القاسم، لـ«الشرق الأوسط»، إن المستشفى تعرض خلال الحرب لتدمير واسع طال البنية التحتية والأجهزة والمعدات وشبكات الكهرباء والكوابل والمولدات، قبل أن تبدأ في 2024 عملية تأهيل قسم الحوادث لاستقبال المرضى، بينما ظلت أجزاء أخرى من المستشفى مدمرة.

وبدعم من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية وشريكه الوطني منظمة «كفاءات»، حصل المستشفى في يوليو (تموز) 2025 على مولد كهربائي بقدرة 730 كيلوفولت/أمبير، إلى جانب معدات للعناية المكثفة والحوادث والمختبر، ضمن دعم يقول القاسم إن قيمته بلغت نحو مليون دولار.

وانعكس استقرار الكهرباء، وفق القاسم، مباشرةً على الخدمات، فتراجعت فترة انتظار نتائج الفحوصات المخبرية من أربع إلى ست ساعات إلى نحو ساعة وربع، وأُجريت نحو 500 عملية جراحية خلال الشهر الأول من الدعم، قبل أن يرتفع العدد إلى ما بين ألف و1500 عملية شهرياً، بمتوسط يومي يصل إلى ما بين 40 و50 عملية.

ويستقبل المستشفى حالياً نحو 600 مريض يومياً، فيما دخل 11 سريراً للعناية المكثفة الخدمة من أصل 15، ويجري تجهيز الأربعة المتبقية.

كما حصل المستشفى على محطة متكاملة لإنتاج الأكسجين، ودشن مركزاً للأطراف الصناعية بطاقة إنتاجية تصل إلى 50 طرفاً شهرياً خلال الوردية الواحدة، ويمكن مضاعفتها بتشغيل ورديتين.

لكن عودة النشاط لا تعني انتهاء المشكلات، فالمستشفى لا يزال، وفق مديره، يعاني نقص العنابر والحاجة إلى الوقود، إلى جانب تذبذب الكهرباء، بينما تؤدي عودة السكان إلى زيادة الضغط على المرافق التي استعادت نشاطها.

اختصاصي المختبرات الطبية الطيب يوسف (الطيب يوسف)

مبانٍ عادت... ونواقص تنتظر

الصورة نفسها تتكرر في مستشفى بحري التعليمي، الذي أُعيد إعماره وتشغيله بعد تعرضه لدمار واسع خلال الحرب، ويقول مديره العام أحمد البشير لـ«الشرق الأوسط»، إن المستشفى بسعته البالغة 640 سريراً و20 غرفة عمليات، لا يزال يحتاج إلى أجهزة ومعدات للعناية المكثفة، لرفع قدرته على استقبال الحالات على مدار الساعة، فضلاً عن مصدر احتياطي للكهرباء.

ويحتاج المستشفى كذلك إلى استكمال شبكة الصرف الصحي، وربطها بالشبكة العامة، أو توفير ناقلات للتخلص من مياه الصرف، فيما تسعى الإدارة إلى تحويل مجمع الحوادث إلى مركز للتدريب المهني المستمر لتعويض جانب من الكوادر التي فقدها المستشفى خلال الحرب.

وتكشف هذه التفاصيل عن واحدة من أبرز معضلات إعادة بناء النظام الصحي، فإصلاح المبنى وإعادة فتح أبوابه لا يعنيان بالضرورة استعادة كامل قدرته على تقديم الخدمات.

مرافقون للمرضى مستشفى أم درمان التعليمي (الشرق الأوسط)

صورة قاتمة خارج المستشفيات الكبرى

على مسافة من المستشفيات المرجعية الكبرى التي بدأت تستعيد نشاطها، يمكن أن تختلف الصورة حتى داخل ولاية الخرطوم نفسها؛ ففي «فتاشة» بغرب أم درمان، انتظرت إيمان ثلاثة أيام فيما كان ابنها يعاني حمى شديدة وسعالاً يزداد سوءاً، لأن أقرب مرفق صحي لا يقدم الخدمات التي يحتاج إليها. وقالت إيمان، في شهادة نشرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» في ديسمبر (كانون الأول) 2025، إن المركز الصحي الوحيد في المنطقة لا يملك سوى عامل صحي واحد، ولا تتوفر فيه خدمات التطعيم والتغذية والأدوية والصيدلية والمختبر. ولم تجد الأم خياراً سوى انتظار عيادة متنقلة مدعومة من «يونيسف» تزور المنطقة مرتين شهرياً. ورغم مرور الوقت على تلك الشهادة، فإن المعاناة نفسها لا تزال مستمرة لتكشف عن الفجوة الكبيرة بين عودة المستشفيات الكبيرة في قلب العاصمة وتلك التي تقع على أطراف الولاية.

المسافة تصبح أكثر وضوحاً خارج الخرطوم؛ ففي مركز الثورة الصحي بمحلية حلفا الجديدة في ولاية كسلا، تروي نور، وهي حامل بطفلها الثامن، أنها كانت تضطر في السابق إلى شراء مكملات الحديد التي يصفها الأطباء خلال الحمل، لكنها كانت أحياناً تتوقف عن تناولها لأنها لا تملك ثمنها.

أرشيفية لطفل سوداني فرّ من مدينة الفاشر مع عائلته يتلقى العلاج في مخيم بمدينة الطويلة (أ.ب)

وقالت نور في شهادة نشرتها «يونيسف» في يوليو 2025 إن توفير الأدوية مجاناً أصبح يمثل ارتياحاً كبيراً للأسرة، بعدما كانت تكلفة العلاج تَحول دون حصولها على الدواء.

وفي المركز نفسه، قالت عائشة، وهي أم حصلت على أدوية لأطفالها، إن تلقي العلاج مجاناً يمثل مساعدة كبيرة في ظل الظروف الاقتصادية التي تواجهها الأسر.

وفي ولاية النيل الأبيض، تواجه الأسر مشكلة أخرى هي المسافة، ففي يناير (كانون الثاني) 2026، وثَّقت «يونيسف» رحلة زهرة بصحبة ابنتها أمينة، البالغة تسعة أشهر، للحصول على التطعيم.

تستغرق زهرة نحو ساعتين للوصول إلى أقرب مرفق صحي من منزلها، بعدما كانت تضطر سابقاً إلى السفر إلى مدينة الجبلين بحثاً عن الخدمة.

وفي المنطقة نفسها، وصلت أم أخرى تدعى أمينة بطفلتها عائشة، البالغة عامين، بعدما أُصيبت بإسهال وقيء شديدين وأصبحت ضعيفة إلى درجة أنها لم تعد قادرة على المشي، وبعد إدخالها إلى مركز للاستقرار وتلقي العلاج والحليب العلاجي، بدأت الطفلة تستعيد قوتها.

العناية المكثفة بمستشفى بحري التعليمي (الشرق الأوسط)

الفاشر... وولادة تحت شجرة

القسوة تبلغ أقصى درجاتها في مناطق الحرب والنزوح؛ فقد روت «أماني»، وهي أم نازحة من شمال دارفور، كيف اضطرت إلى التنقل مع أسرتها هربا من القتال في الفاشر، بينما كانت في الشهور الأخيرة من الحمل.

وقالت في شهادة نشرتها «يونيسف» في أغسطس (آب) 2025، إن الأسرة مرَّت بأيام لم تجد فيها الطعام أو الماء أو من يقدم لها المساعدة، وخلال رحلة النزوح بين شارقة وطويلة بدأت آلام المخاض، ولم يكن هناك مستشفى أو عاملون صحيون في المكان.

ووضعت أماني طفلتها على جانب الطريق، تحت شجرة وفوق حصيرة صغيرة، بمساعدة والدتها وبعض السكان، وقالت إنها لم تكن تعرف في أثناء الولادة إن كانت ستعيش أم ستموت، أو ماذا سيحدث لأطفالها إن فارقت الحياة.

وبعد الولادة كانت أضعف من أن تحمل مولودتها أو تواصل الرحلة، فاضطرت إلى التوقف نحو أسبوع قبل أن تتمكن من الوصول مع أسرتها إلى طويلة.

وتجسد تجربتها الوجه الآخر تماماً للصورة التي تقدمها المستشفيات المستعيدة لنشاطها في الخرطوم، ففي مناطق الحرب لا يتعلق الأمر بجودة الخدمة أو توفر الأجهزة فحسب، وإنما بوجود مرفق صحي من الأساس.

أرشيفية للاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم في تشاد (رويترز)

خلاف حول تعريف «الانهيار»

وتقف هذه الفوارق في قلب الخلاف حول توصيف وضع القطاع، فقد حذرت منظمة «أطباء بلا حدود» من أن خفض تمويل المساعدات يدفع مزيداً من المرافق الصحية إلى الإغلاق ويحرم ملايين السودانيين من الرعاية الأساسية.

وتقول المنظمة إن خطة الاستجابة الإنسانية للسودان، البالغة 2.87 مليار دولار، لم تحصل، حتى 11 أغسطس، إلا على نحو 41 في المائة من التمويل المطلوب.

لكن وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم يرى أن تقرير «أطباء بلا حدود» يتناول بدرجة كبرى أنشطة المنظمة وظروف عملها، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يعكس وحده واقع القطاع الصحي في البلاد».

ويرفض مدير مستشفى أم درمان عبد المنعم القاسم، بدوره وصف النظام بأنه «على شفا الانهيار»، ويقول إن القطاع يعاني بالفعل نقصاً كبيراً في الموارد، لكنه بدأ يتعافى تدريجياً نتيجة جهود الدولة والمنظمات الوطنية والإقليمية والدولية.

ويتفق معه مدير مستشفى بحري أحمد البشير في القول إن «وصف الانهيار غير دقيق»، لكنه يُقرّ في الوقت نفسه بالحاجة إلى توسيع الدعم للمستشفيات المرجعية وتوفير الأجهزة والتخصصات الدقيقة.

من داخل مستشفى أم درمان التعليمي (الشرق الأوسط)

مريضة سرطان تبحث عن دواء

بالنسبة إلى المرضى، لا يقاس التعافي بعدد المستشفيات التي أُعيد فتحها وحده، وإنما بما إذا كانوا يجدون العلاج عندما يصلون إليها، ففي يوليو 2026، كانت نائلة حمد، المصابة بسرطان عنق الرحم، تتلقى العلاج الكيميائي في مستشفى الخرطوم للأورام المعروف بـ«الذرة»، بينما كانت ابنتها إيثار السر تبحث خارج المستشفى عن دواء مكمل للعلاج لم يكن متوفراً داخله.

وقالت إيثار في شهادة وثقتها وكالة «رويترز» إن الأسرة وجدت الدواء خارج المستشفى بنحو 180 ألف جنيه سوداني -أي نحو 45 دولاراً وقتها- بسعر السوق وقتها، وإن والدتها تحتاج إليه مع جرعة العلاج الكيميائي كل 21 يوماً.

ولا تتوقف التكلفة عند الدواء؛ إذ قالت إنها تدفع كذلك 40 ألف جنيه مقابل السرير الذي تتلقى عليه والدتها الجرعة، متسائلةً: كيف يمكن للأسرة تحمل هذه النفقات في ظل غياب العمل والدخل؟

أما نائلة فتقول إن الأسرة كانت في السابق تكافح لتوفير ثمن الطعام، وأصبحت الآن تكافح للحصول على الطعام والدواء معاً، بينما دُمّر منزلها واضطرت إلى الإقامة لدى الجيران.

ونقلت «رويترز» عن رئيسة الصيادلة في مستشفى الخرطوم للأورام، منى عبد الرحمن، أن بعض المرضى تأخرت جرعاتهم أسبوعين أو أكثر بعد توقف توفير بعض الأدوية مجاناً، لأنهم لم يستطيعوا شراءها على نفقتهم الخاصة.

وتنعكس الأزمة الاقتصادية كذلك على الخدمات التشخيصية. ويقول اختصاصي المختبرات الطبية الطيب يوسف، لـ«الشرق الأوسط»، إن ارتفاع سعر الدولار انعكس مباشرةً على القطاع، نظراً إلى اعتماد المختبرات على المحاليل والمستلزمات المستوردة بالعملة الصعبة.

ويضيف أن كثيراً من أصحاب المختبرات الذين عادوا إلى الخرطوم اضطروا إلى البدء «من الصفر»، بعد فقدان محالهم وأجهزتهم، ومواجهة تكاليف الصيانة والإيجارات وشراء المعدات مجدداً.

ودفعت التكلفة المرتفعة بعض أصحاب المختبرات إلى شراء الأجهزة بنظام الشراكة وتجميعها في موقع واحد، بدل امتلاك كل مختبر تجهيزاته بصورة منفردة، باعتبار ذلك حلاً مؤقتاً يساعد على استمرار تقديم الخدمات.

دواء باهظ ومصانع قيد التعافي

لا يختلف الوضع كثيراً في سوق الدواء. يقول الصيدلاني محمود النعيم لـ«الشرق الأوسط»، إن ارتفاع الأسعار وشكاوى المواطنين تفاقمت بعد الحرب، نتيجة تدمير عدد من مصانع الأدوية المحلية وتعطل سلاسل الإمداد الخارجية واعتماد الاستيراد على العملة الصعبة.

ويشير إلى أن المجلس القومي للأدوية والسموم بدأ تشجيع تسجيل أصناف وشركات دوائية جديدة، معتبراً زيادة المنافسة يمكن أن تساعد على خفض الأسعار.

وبدأ بعض المصانع في الخرطوم العودة إلى الإنتاج، وإن كانت تعمل دون طاقتها القصوى، مما يفتح الباب أمام انفراج تدريجي إذا استقر الإنتاج المحلي وسلاسل الإمداد.

طفلة سودانية تتلقى لقاحاً ضدّ الكوليرا في حملة تلقيح قامت بها وزارة الصحة في الخرطوم صيف 2026 (أ.ب)

الأوبئة... خطر لم ينتهِ بعد

وإلى جانب الدمار ونقص التمويل وغلاء العلاج، يواجه النظام الصحي خطر الأمراض الوبائية. يقول مدير مستشفى أم درمان إن معدلات الإسهالات المائية والملاريا وحمى الضنك بين الحالات التي يتعامل معها المستشفى، تراجعت، مع استمرار حملات مكافحة الأوبئة وإنشاء مركز للعزل للتعامل مع حالات الكوليرا وحمى الضنك وغيرها.

أما مدير مستشفى بحري فيقول إن الملاريا، بوصفها من الأمراض المستوطنة في السودان، لا يمكن أن تكافحها المستشفيات وحدها، وإنما يتطلب الأمر تكاملاً بين النظام الصحي الاتحادي والولايات والمحليات والمجتمعات، من التوعية والوقاية ومكافحة النواقل إلى التشخيص والعلاج.

وتظل هذه المخاطر أشد في مناطق النزوح والقتال، حيث تتزامن الأمراض وسوء التغذية مع ضعف خدمات المياه والصرف الصحي، وصعوبة الوصول إلى المرافق.

وهكذا، قد لا تقدم الصورة الراهنة قطاعاً انهار بالكامل، لكنها أيضاً ليست صورة نظام صحي تجاوز آثار الحرب؛ ففي الخرطوم، عادت مستشفيات إلى العمل، واستؤنفت العمليات الجراحية وخدمات العناية المكثفة والمختبرات، وبدأت مشاريع إعادة التأهيل وإنتاج الأكسجين، وفي كسلا والنيل الأبيض تظهر نماذج لمرافق استعادت قدرتها على تقديم خدمات مجانية أو أقرب إلى السكان.

لكن إيمان ما زالت تنتظر العيادة المتنقلة لعلاج طفلها، وزهرة تقطع ساعتين للوصول إلى مركز صحي، وأماني وضعت طفلتها تحت شجرة وهي تهرب من الحرب، فيما وصلت نائلة إلى أحد أكبر مراكز علاج السرطان في العاصمة ولم تجد الدواء الذي تحتاج إليه.


المهاجرون الإريتريون في سجون ليبيا... تعذيب وتجويع واغتصاب

مهاجرون أفارقة يتلقون الإسعافات من خفر السواحل الليبي (خفر السواحل الليبي)
مهاجرون أفارقة يتلقون الإسعافات من خفر السواحل الليبي (خفر السواحل الليبي)
TT

المهاجرون الإريتريون في سجون ليبيا... تعذيب وتجويع واغتصاب

مهاجرون أفارقة يتلقون الإسعافات من خفر السواحل الليبي (خفر السواحل الليبي)
مهاجرون أفارقة يتلقون الإسعافات من خفر السواحل الليبي (خفر السواحل الليبي)

وجد مهاجرون إريتريون كانوا يأملون في الوصول إلى أوروبا، أنفسهم محتجزين في سجن بشرق ليبيا تحت رحمة سجّانين يطالبون عائلاتهم بدفع مبالغ مالية مقابل إطلاق سراحهم، بحسب ما رواه بعضهم لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، متحدثين عن زنزانات مكتظة، وكميات غير كافية من الطعام، وعمليات اغتصاب.

يقول ديبيساي (19 عاماً) الذي غادر إريتريا الواقعة في القرن الأفريقي، ويحكمها بقبضة من حديد منذ استقلالها عام 1993 أسياس أفورقي: «في زنزانتنا يعاني الجميع تقريباً الضعف واعتلال الصحة».

ويفر الشباب الإريتري بأعداد كبيرة من بلادهم، البالغ عدد سكانها 3.5 مليون نسمة، وغالباً ما توصف بأنها «كوريا الشمالية الأفريقية» هرباً، خصوصاً من خدمة عسكرية غير محددة المدة، تعتبرها الأمم المتحدة بمثابة عبودية. وهذا حال ديبيساي، الذي طلب عدم كشف اسمه لحماية عائلته في إريتريا.

فقد انشق هذا الجندي المجند الشاب في 27 يناير (كانون الثاني) 2025، وقال إنه مشى 10 أيام برفقة مهربين، وصولاً إلى السودان، في رحلة شاقة.

خطف وتعذيب

بعد وصوله إلى ليبيا، خُطف ديبيساي وتعرض لـ«التعذيب المتكرر»، وقد جمعت والدته تسعة آلاف دولار لإطلاق سراحه، وهو مبلغ ضخم في إريتريا، التي يعيش أكثر من نصف سكانها في حالة فقر، وفقاً للبنك الأفريقي للتنمية.

وبعد دفع الفدية، باعه خاطفوه إلى «جماعة أخرى»، إلا أن عائلته التي أصبحت مثقلة بالديون لم يعد لديها مال. وبعد ثلاثة أشهر، سلمه آسروه للشرطة لعدم حصولهم على فدية.

مهاجرون أفارقة تم إنقاذهم من الغرق بعد محاولتهم الوصول سراً إلى أوروبا (إ.ب.أ)

يقول ديبيساي إن ظروف الاحتجاز «سيئة للغاية... فقد كنا نعاني جوعاً شديداً ونقصاً في ماء الشرب. يتكدس نحو 150 شخصاً في غرفة صغيرة. كما تنتشر أمراض معدية، لا سيما السل والملاريا، فيما لا تتوافر الأدوية». مضيفاً أن رجال الشرطة يضربوننا ويشتموننا (...) ولا يعاملوننا كبشر».

وتمكنت «وكالة الصحافة الفرنسية» من التحدث إلى العديد من المحتجزين، الذين يترك لهم الحراس هواتفهم ليتمكنوا من الاتصال بعائلاتهم طلباً للمساعدة، والحصول على المال.

ومنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، ساهمت حالة عدم الاستقرار في ليبيا في تعزيز الاتجار بالبشر وما يصاحبه من انتهاكات متعددة، يتعرض لها المهاجرون، لا سيما الابتزاز والاستعباد، وفقاً للأمم المتحدة.

وأفادت الأمم المتحدة أخيراً بأن «المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء يتعرضون لانتهاكات منهجية» ترتكب «بسبب الإفلات التام من العقاب» في ليبيا، حيث يحتجزون «تعسفاً» في نحو 40 «مركز احتجاز رسمياً وغير رسمي».

تواطئ أوروبي

ندد العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان بالتعاون «المشين» للاتحاد الأوروبي مع السلطتين المتنافستين في ليبيا بشأن مراقبة الهجرة، معتبرين أنه بذلك يصبح «شريكاً» في الانتهاكات «الواسعة النطاق والمنهجية»، التي ترتكب بحق المهاجرين، وسط حالة من «الإفلات من العقاب».

ومنذ سقوط القذافي، تشهد ليبيا انقساماً بين سلطتين متنافستين: الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة ومقرها طرابلس في الغرب، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وسلطة أخرى في الشرق تخضع لنفوذ المشير خليفة حفتر وأبنائه.

مهاجرون أفارقة تم اعتراضهم من قبل خفر السواحل الإسباني (إ.ب.أ)

من جهته، قال زيريسناي، البالغ 35 عاماً والمحتجز منذ ثمانية أشهر في سجن يقبع فيه، وفقاً له، نحو 700 مهاجر من إريتريا وإثيوبيا: «كل يوم، نحصل فقط على قطعة خبز في الصباح، وكمية قليلة من الأرز للغداء وكمية مماثلة للعشاء. وبعض عناصر الشرطة تطلب ما يصل إلى 4 آلاف دولار للإفراج عن سجين، لكن معظمنا لم يعد لديه المال».

وروى زيريسناي أنه في أحد الأيام، وبينما كان المهاجرون يقرعون الأبواب بقوة للمطالبة بمعالجة مرضى، دخل شرطيون «وفتحوا النار»، ما أسفر عن مقتل مهاجرَين، وإصابة العشرات تُركوا دون رعاية طبية ملائمة، وأضاف: «يمكننا سماعهم وهم يبكون ويعانون».

عمليات اغتصاب

تتعرض النساء للعنف الجنسي. ومن بين هؤلاء فيوري التي انطلقت، بعد فرارها من إريتريا إلى إثيوبيا عام 2022، في رحلة نحو أوروبا في مارس (آذار) الماضي. لكنّ المهربين في السودان سلّموا مجموعتها إلى «الرشايدة»، وهي قبيلة عربية تقطن شرق البلاد.

تقول هذه الشابة البالغة 25 عاماً، والتي أطلق سراحها لاحقاً مقابل 9500 دولار: «في إحدى الليالي، جاء رجال إلى المكان الذي كنت مستلقية فيه، وأمروني بالاغتسال ثم أجبروني على الخروج من الغرفة. وبعد ذلك، اغتصبني ثلاثة رجال».

وعند دخولها ليبيا، تم توقيفها، وخلال فترة احتجازها المستمرة منذ ثلاثة أشهر، تعرضت للاغتصاب مجدداً من جانب «حارسيَن» في السجن وحملت.

كما روت أيضاً معاناة السجينات من نقص الأدوية و«الجوع والعطش» قائلة: «خلال الأشهر الثلاثة الماضية، كانت المرة الوحيدة التي سُمح لي فيها باستنشاق الهواء هي اليوم الذي اغتصبني فيه الحارسان».

وفي تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، ندد وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسقل بـ«أعمال مؤسفة لا تتحمل مسؤوليتها سوى السلطات الليبية المعنية».

فيما لم تستجب سلطات شرق ليبيا لطلب «وكالة الصحافة الفرنسية» للتعليق.

في غضون ذلك، يظل ديبيساي متمسكاً بالأمل. ويقول: «أريد البقاء على قيد الحياة، والوصول إلى أوروبا، والحصول على تعليم، وبناء حياة أفضل وإعالة عائلتي».


ليبيا: توقيف طيارَين للاشتباه في قيادتهما طائرة خاصة «وهما في حالة سكر»

طائرات في مطار معيتيقة بالعاصمة الليبية طرابلس (رويترز- أرشيفية)
طائرات في مطار معيتيقة بالعاصمة الليبية طرابلس (رويترز- أرشيفية)
TT

ليبيا: توقيف طيارَين للاشتباه في قيادتهما طائرة خاصة «وهما في حالة سكر»

طائرات في مطار معيتيقة بالعاصمة الليبية طرابلس (رويترز- أرشيفية)
طائرات في مطار معيتيقة بالعاصمة الليبية طرابلس (رويترز- أرشيفية)

أعلنت النيابة العامة في ليبيا، الأربعاء، أنها أمرت بتوقيف طيارَين يشتبه في أنهما حلّقا بطائرة خاصة «وهما في حالة سكر»، بعد انحراف طائرتهما عن المدرج في مطار مصراتة، في واقعة لم تسفر عن ضحايا، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولم تكشف النيابة العامة هوية الطيارين، إلا أن قناة «ليبيا الأحرار» التلفزيونية الخاصة أفادت بأن قائد الطائرة ألماني ومساعده تركي.

وكانت تقارير أفادت بأن الطائرة الخاصة التي تشغّلها شركة مقرّها في تركيا انحرفت عن المدرج في مطار مصراتة أثناء هبوطها الاثنين، ثم اشتعلت فيها النيران.

وأوردت القناة التلفزيونية أن مضيفة تحمل الجنسية التركية كانت الراكب الوحيد.

رجال إطفاء يُخمدون النيران في طائرة بعد تحطمها في مطار مصراتة الدولي يوم 14 سبتمبر 2026 هذه لقطة مأخوذة من وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وقالت النيابة العامة إن المحقق واجه قائد الطائرة ومساعده «بواقع قيادتهما لها وهما في حالة سكر» و«قرّر حبس المتهمين احتياطياً».

وأشارت النيابة العامة إلى أن المتهمين شكّلا «خطراً محققاً على سلامتهما والطائرة، وخطراً محتملاً على المطار ومستعمليه، والسلامة العامة للفضاء الذي مرت به».

ولفتت إلى أن المحقق «مضى في استكمال تحقيق الحادثة وفقاً للقواعد الوطنية والدولية ذات الصلة».

وأظهرت مشاهد جرى تداولها على الإنترنت اشتعال النيران في الطائرة بكاملها، باستثناء قمرة القيادة.