سودان واحد بين حكومتين

مخاوف من تشظي البلاد وتطور الحرب لأهلية قد تستمر أعواماً

نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق الأبرز تأييداً لقيام حكومة موازية (الشرق الأوسط)
نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق الأبرز تأييداً لقيام حكومة موازية (الشرق الأوسط)
TT

سودان واحد بين حكومتين

نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق الأبرز تأييداً لقيام حكومة موازية (الشرق الأوسط)
نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق الأبرز تأييداً لقيام حكومة موازية (الشرق الأوسط)

أحدث الإعلان عن اقتراب موعد تشكيل حكومة مدعومة من «قوات الدعم السريع» و«موازية» للحكومة التي يترأسها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في بورتسودان، «هزة عنيفة» اجتاحت الأوساط السياسية والاجتماعية، بل و«العسكرية»، وأول ارتداداتها كان تقسيم تحالف تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدم» إلى تيارين، ما زاد من حدة المخاوف من اتساع الهوة بين أطراف البلاد، والتمهيد لإنشاء «دول متعددة» في الدولة الواحدة، مما ينذر باحتمال تقسيم السودان.

وحدد التيار الذي انقسم عن تحالف «تقدم» يوم الاثنين المقبل 17 فبراير (شباط) الجاري موعداً لإعلان «الحكومة الموازية»، وتوقيع ما سماه «الميثاق السياسي»، يعقبه إعلان تشكيل الحكومة المزمعة بمشاركة عدد من القوى السياسية من «تقدم» ومن خارجها والحركات المسلحة المنضوية تحت لواء «الجبهة الثورية».

مهام الحكومة الجديدة

وقال الناطق الرسمي باسم تحالف القوى المدنية المتحدة «قمم»، عثمان عبد الرحمن سليمان، لـ«الشرق الأوسط»، وهو تحالف من خارج «تقدم» ومقرب من «قوات الدعم السريع»، وأحد أعمدة الحكومة المرتقبة؛ إن اللجان الفنية فرغت من التفاصيل المتعلقة بصياغة وإعداد الدستور المؤقت للحكومة والميثاق السياسي وبرنامج الحكومة، وأصبحت جاهزة للتوقيع.

رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك رفض فكرة قيام حكومة موازية (رويترز)

ووفقاً لسليمان، فإن مهام الحكومة المزمعة ستتضمن حماية المدنيين، وتوفير الخدمات الأساسية، بما في ذلك الأوراق الثبوتية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية والتواصل مع الأسرة الدولية، وتحييد سلاح الطيران.

وسارعت المجموعة الرافضة للحكومة الموازية، داخل تنسيقية «تقدم» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، إلى إعلان فك ارتباطها بالمجموعة المنادية بالحكومة الموازية، وأعلنت استناداً إلى «اتفاق جنتلمان» بفض التحالف بـ«إحسان»، تأسيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة، المسمى اختصاراً بـ«صمود»، فيما لم تختر مجموعة الحكومة الموازية بعد اسماً لتحالفها.

وقالت المجموعة الجديدة «صمود»، إن تباين الرؤى داخل تحالف «تقدم» على «نزع شرعية» حكومة بورتسودان، أنتج «موقفين» استعصي الجمع بينهما، وإن الطرفين اتفقا على «فك الارتباط السياسي والتنظيمي» بين المجموعتين.

وتتمسك «صمود» بنهج «تقدم»، الذي يتمثل في العمل المدني الديمقراطي دون تشكيل حكومة، بينما ترى المجموعة الأخرى تشكيل حكومة بصفتها أداة من أدوات «نزع الشرعية» من سلطة بورتسودان.

مخاوف تمزق البلاد

ويخشى على نطاق واسع من أن يؤدي تشكيل حكومة - بالضرورة ستتشكل في مناطق سيطرة «الدعم السريع» - إلى تمزيق البلاد وتنازعها بين حكومتين إن لم تكن ستصير إلى دولتين على أسس جهوية وإثنية، ومن تطور الحرب من حرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» إلى «حرب أهلية» تعزز الانقسام الإثني والجهوي والسياسي، وقد تستمر عقوداً من الزمان.

وأدت هذه الخطوة غير المسبوقة إلى هذه الهزة وسط القوى المدنية المناهضة للحرب، لكنها أحدثت هزة عنيفة أخرى داخل طرفي الحرب وداعميهما.

ونشطت المنصات الموالية للجيش، وعلى رأسها تلك المنتمية للمعسكر «الإخواني» على وجه الخصوص، في شن حملات إعلامية ضخمة ليس ضد الحكومة التي أعلنت المشاركة في تشكيل الحكومة، بل ضد تحالف «صمود» الجديد بقيادة حمدوك، حيث ترفض تلك المنصات قيام حكومة موازية، وتجاهلت حربها ضد «الدعم السريع» والحكومة المزمعة.

الحرب شردت ملايين السودانيين بين نزوح في الداخل ولجوء في الخارج (أ.ف.ب)

وفسر مقرب من أنصار النظام السابق، طلب عدم ذكر اسمه، الحملة على التحالف الذي يترأسه حمدوك، بأن أنصار النظام يرون أنه «العدو الأساسي» للحركة الإسلامية، وهي القوى المدنية التي أسقطت حكمهم بالعمل المدني.

لا شرعية لحكومة بورتسودان

ولا يعترف القيادي في الحزب الاتحادي الديمقراطي – الأصل، إبراهيم الميرغني، وهو أحد مؤسسي مشروع الحكومة المزمعة بتسمية «حكومة موازية»، حسب إفادته لـ«الشرق الأوسط»، لأنهم لا يعترفون بوجود حكومة أخرى، ولا يسعون لـ«نزع شرعية من جهة ليست موجودة أصلاً».

وقال الميرغني إنهم يسعون لتأسيس «شرعية جديدة» مستمدة من الشعب السوداني، وتشكيل حكومة «تأسيسية» بديلة عن التي انهارت بعد الحرب، ولا ينتظرون اعترافاً خارجياً، وأضاف: «السودانيون أضاعوا وقتاً طويلاً في النظر للخارج، وهو لا يكترث لما يحدث في السودان».

وحدد الميرغني مهمة الحكومة المزمعة، في وقف الحرب، وتقديم الخدمات الأساسية، وإعادة الحقوق الدستورية «التي حرم الشعب السوداني منها»، وحفظ الأمن والسلامة، وحماية المواطنين من الانتهاكات، و«مواجهة المشروع المتطرف العنصري»، وفقاً لإفادته.

الميرغني، قال إن الحكومة المرتقبة ستسعى لإقامة علاقات دولية متوازنة مع كل دول العالم، ولا سيما دول الجوار والدول الأفريقية والعربية «إلا من أبى»، لحفظ مصالح السودان، وأضاف: «مصالح الشعب فوق كل اعتبار، ونقيم علاقتنا مع كل الدول التي تشاركنا قيم الحرية والديمقراطية والعدالة على أساسها، ولن يتحقق ذلك إلا بتأسيس دولة مكان تلك التي انهارت».

البرهان الذي يدعم حكومة بورتسودان وسط مناصريه في المدينة الواقعة على البحر الأحمر 14 يناير 2025 (أ.ف.ب)

وأوضح أن وقف الحرب من أولويات الحكومة، لإنهاء قدرة الطرف الآخر على الاستمرار في الحرب، تحت ذرائع تمثيله لشرعية الدولة، وأضاف: «هم يزعمون أنهم يمثلون الدولة، ويخططون لاستغلال اسمها، وتصنيف الآخرين بأنهم متمردون وخونة»، وتابع: «حين نؤسس شرعية الدولة الحقيقية سيفقدون كارت ابتزاز العالم باسم الدولة».

وتوقع أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعات السودانية، دكتور عبد الناصر الفكي، أن تنجح الحكومة الجديدة في وقف الحرب، بتنبيه العالم لغياب حكومة في مناطق واسعة من البلاد، وأن «ترمي حجراً» في بركة التجاهل الدولي لهذا الغياب.

وقال الفكي في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحرص على وحدة البلاد يتطلب اعترافاً متبادلاً، وتقاسماً عادلاً للسلطة والثروة، وإقامة حكم لا مركزي ناجح وجيد»، وتابع: «إذا سد فراغ غياب الوجود الحكومي وتقديم الخدمات وضبط الانفلات الأمني وحفظ الأنفس والأموال، فستكون أمام الحكومة فرصة نجاح جيدة، لأن حكومة بورتسودان غير موجودة هناك، ما يجعل من وجود حكومة حاجة أساسية».

اعتراف محلي أولاً

ورهن حصول الحكومة على اعتراف دولي بحصولها على «اعتراف محلي»، بقوله: «إذا امتلكت قدرة عالية على إعادة تنظيم وترتيب المجتمع وإشباع حاجاته، فسيعترف بها المجتمع الدولي».

واستبعد الفكي «فكرة تهديد تشكيل الحكومة لوحدة البلاد»، وقال: «أنا أنظر للمسألة من منظور تقديم الخدمات للناس، فالحكومة التي في بورتسودان تعتبر مناطق سيطرة (الدعم السريع) حواضن اجتماعية تجب معاقبتها، وهذا تعبير عن غياب أي فكر استراتيجي لإنهاء الصراع».

لكن الفكي أبدى تخوفه من تصاعد حدة النزاع وتزايد هجمات من قبل الجيش، واستخدام الطيران بكثافة في استهداف رموز الحكومة الجديدة، وقال: «سيستهدفون مناطق الحكومة الجديدة بصورة أكبر، وهذا خرق للمواثيق والأخلاق».

المتحدث السابق باسم «تقدم» جعفر حسن، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن نزع الشريعة له أدوات كثيرة ومتعددة، وإنهم يرون في قيام حكومة موازية «شرعنة» للحكومة التي تتخذ من بورتسودان عاصمة، لذلك لا يؤيدون الفكرة، وفي الوقت ذاته يحترمون خيار دعاتها.

واعتبر تشكيل حكومة إخلالاً بموقف «تقدم» الأصيل والرئيسي الممثل في عدم الانحياز لأي من طرفي الحرب، وقال: «لذلك فإن وجود حكومة في مناطق سيطرة (الدعم السريع) انحياز لأحد طرفي الحرب، وإن تنسيقية (تقدم) إذا اختارت أحدهما ستكون قد خرجت على تفويضها الرئيس، الممثل بالوقوف على مسافة واحدة من طرفي الحرب، والعمل على إيقافها».

وحذر حسن من أن يقود تشكيل حكومة لتقسيم البلاد، وأضاف: «وجود جيوش وسلطة في أراضٍ يعد تمهيداً لقيام دول متعددة في السودان»، بيد أنه حمّل سلطة بورتسودان المسؤولية عن التمهيد لقيام دول متعددة، بقوله: «هذا المسلك سلكته سلطة بورتسودان أولاً، حيث قصرت بموجبه حقوقاً سيادية على أماكن محدودة في السودان، مثل تغيير العملة وامتحانات الشهادة السودانية وغيرهما»، وقطع: «هذا الطريق يدفع الطرفين بسرعة لتقسيم السودان».


مقالات ذات صلة

مصر تبحث آليات دعم إعادة إعمار السودان

شمال افريقيا محادثات وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري مع سفير السودان في القاهرة الخميس (مجلس الوزراء المصري)

مصر تبحث آليات دعم إعادة إعمار السودان

أكد وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري أحمد رستم «استعداد الحكومة لتسخير جميع إمكاناتها لدعم بناء القدرات البشرية في السودان».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا البرهان خلال مشاركته منسوبي الشرطة في ضاحية الحاج يوسف بالخرطوم إفطارهم الرمضاني يوم الأربعاء (مجلس السيادة السوداني) p-circle 02:09

البرهان يتوعد بحسم جماعة إسلامية دعت للقتال مع إيران

توعد رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، بحسم جماعة «إخواني»، كانت قد دعت باسم من أسمتهم «المجاهدين» للقتال مع إيران.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا سودانيون يصلون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيرة في ولاية جنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)

مدينة الدلنج بجنوب كردفان تشهد قصفاً مدفعياً مكثفاً

شهدت مدينة الدلنج السودانية، بولاية جنوب كردفان، قصفاً مكثفاً قالت مصادر محلية إن «قوات الدعم السريع» استخدمت فيه المدفعية الثقيلة، والضربات الجوية.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري آبي أحمد مجتمعاً مع حميدتي وشقيقه القوني في أديس أبابا ديسمبر 2023 (إكس)

تحليل إخباري التوتر السوداني - الإثيوبي إلى الواجهة وجبهة النيل الأزرق تشتعل

ظل «التوتر» هو الحاكم للعلاقات السودانية - الإثيوبية على مدى عقود، وبلغ ذروة جديدة باتهامات بإطلاق أديس أبابا مُسيرات داعمة لـ«الدعم السريع».

أحمد يونس (كمبالا)
المشرق العربي طفل وسيدة أصيبا جرّاء هجوم بطائرة مُسيرة في الأبيض بشمال كردفان (أرشيفية-رويترز)

هجوم بطائرة مُسيرة يقطع الكهرباء عن مدينة الأُبيّض السودانية

قصفت طائرة مُسيّرة تابعة لقوات «الدعم السريع» محطة الكهرباء الرئيسية بمدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان بالسودان، في الساعات الأولى من صباح اليوم.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

مصر: وافدون مخالفون يستنفرون لتقنين أوضاعهم أو العودة بعد مطاردات أمنية

سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)
سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: وافدون مخالفون يستنفرون لتقنين أوضاعهم أو العودة بعد مطاردات أمنية

سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)
سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)

بثت الصحافية المصرية إيمان عادل، قبل أيام، مقطعاً عبر صفحتها بـ«فيسبوك» تناشد فيه الجهات الأمنية النظر إلى وضع والد نجلها، وهو سوري الجنسية، وقد حاول تجديد إقامته كما كان يفعل كل عام، لكنه صُدم بـ«الرفض الأمني»، بالتزامن مع حملات لترحيل الوافدين المخالفين، لافتة إلى أن ترحيله سيعني قطيعة بين طفل مصري وأبيه.

استغاثة الصحافية التي نتج عنها العديد من ردود الفعل المتعاطفة معها، هي جزء من محاولات آلاف الوافدين وعائلاتهم ممن يرغبون في البقاء بمصر، ويبحثون عن طريقة لتقنين أوضاعهم تجنباً للترحيل، بينما قرر آخرون العودة قبل توقيفهم، في ظل حملات أمنية لتدقيق أوراق المقيمين.

ومنذ حلول شهر رمضان، تشهد الحملات الأمنية هدوءاً نسبياً، أرجعه البعض إلى «تفاهمات» لمنح الوافدين فرصة لتقنين أوضاعهم أو الانخراط في مبادرات العودة الطوعية.

حملات موسعة

السيسي المصري يلتقي رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي أكمنة الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة. وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وكان مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية محمد الأحمد، أشار في منشور عبر موقع «إكس»، في 8 فبراير (شباط) الماضي، إلى أنه منذ مطلع عام 2026 يجرون لقاءات مكثفة مع الجانب المصري لتنسيق الجهود وتذليل العقبات التي تواجه السوريين في مصر، مضيفاً: «تقدمنا للجانب المصري بمقترحات فنية متكاملة تهدف إلى تسهيل إجراءات الإقامة على السوريين».

وخلال زيارته الأخيرة إلى مصر، في 26 فبراير (شباط) الماضي، تطرق رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، إلى ملف ترحيل الوافدين، مؤكداً خلال لقائه وفد الجالية السودانية بمصر، أنه «لا يوجد عودة قسرية للسودانيين، وأن الإقامات السياحية ما زالت متاحة لهم كما كان في السابق».

ورصدت «الشرق الأوسط» عبر جروبات الجاليات السودانية والسورية في مصر، تراجع منشورات الشكوى من توقيف الوافدين، مقابل زيادة في أخرى يستفسر أصحابها عن التأشيرات السياحية، أو الاستثمارية، أو المدى الزمني الذي يستغرقه غلق ملفاتهم بصفتهم لاجئين أو طالبي لجوء داخل «مفوضية شؤون اللاجئين في مصر» تمهيداً لعودتهم طوعياً، وكذلك أفضل الشركات التي تُسيّر رحلات للعودة.

«العودة الطوعية»

لقاء رئيس الوزراء السوداني بالجالية السودانية في القاهرة (متداولة)

ودفعت الحملات الأمنية خلال الفترة الماضية العديد من السودانيين من غير القادرين على تقنين أوضاعهم إلى اتخاذ قرار «العودة الطوعية» منتظرين استئناف رحلاتها، حسب أمين الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان إبراهيم عز الدين، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى ملاحظته هدوء الحملات منذ بداية رمضان.

وأضاف عز الدين، وقد كان واحداً ممن حضروا لقاء رئيس الوزراء السوداني، أن مجموعة من رجال الأعمال السودانيين أعلنوا خلال اللقاء تكفلهم بتكلفة العودة للسودانيين الموقوفين في القاهرة، على متن 7 طائرات وقد تزيد إلى 10، بالإضافة إلى وعود من الحكومة السودانية باستئناف رحلات العودة الطوعية البرية في أقرب وقت.

الأمر نفسه أكده القنصل السوداني في أسوان عبد القادر عبد الله، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن رحلات العودة الطوعية البرية من المتوقع أن تُستأنف عقب شهر رمضان، بينما هناك استعدادات تجري حالياً في القاهرة لتسيير 7 رحلات جوية للعودة الطوعية بتمويل من رجال أعمال سودانيين.

وكان مشروع «العودة الطوعية» الذي تقوم عليه منظومة الدفاعات السودانية أسهم في زيادة أعداد العائدين بشكل لافت خلال الفترة الماضية، وقُدرت أعدادهم في الفترة بين مطلع 2024 وحتى نهاية العام الماضي بأكثر من 400 ألف شخص.

وأضاف القنصل السوداني: «حملات تدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين شهدت هدوءاً ملحوظاً في محافظات جنوب الصعيد منذ بداية رمضان».

من جانبه، قال مصدر أمني مصري، طلب عدم ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهدوء النسبي حالياً في حملات تدقيق مخالفي الإقامة مقارنة بالشهرين الماضيين لا يعني التراجع عنها، مضيفاً: «تخفيفها يرجع إلى وجود أولويات أمنية أكثر إلحاحاً الفترة الحالية، خصوصاً مع الأوضاع الإقليمية في المنطقة».


الصومال يعتمد دستوراً دائماً... فرصة للاستقرار أم خلافات جديدة مع المعارضة؟

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال يعتمد دستوراً دائماً... فرصة للاستقرار أم خلافات جديدة مع المعارضة؟

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

استكمل الصومال دستوره المؤقت بعد 14 عاماً ليعتمد دستوراً دائماً، والذي يعد أحد أبرز بنود الخلاف بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة، خاصة ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي وصلاحيات الولايات.

ودعا الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، المعارضة عقب اعتماد الدستور بالبرلمان، لاحترام نتائج التصويت النيابي.

تلك الخطوة يراها خبير في الشؤون الصومالية، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنها لن تنهي الخلافات بين الحكومة والمعارضين، ولكنها قد تفتح باباً للحوار، مع عدم استبعاد أن تحدث تعديلات مستقبلية حال استمرت الأزمة السياسية.

وكان استكمال الدستور المؤقت الذي أقر في 1 أغسطس (آب) 2012، أحد مطالب المعارضة منذ اندلاع أزمة سياسية في البلاد في 2025، وذلك ضمن خلافات أخرى تضمنت رفض الانتخابات المباشرة المرتقبة هذا العام.

دعوة رئاسية للمعارضة

وصادق أعضاء مجلسي الشعب والشيوخ للبرلمان الفيدرالي، الأربعاء، بـ«أغلبية ساحقة على استكمال صياغة دستور البلاد، وصوت لصالح المصادقة على دستور البلاد 222 من أعضاء مجلسي البرلمان الفيدرالي»، وفق وكالة الأنباء الصومالية.

وحضر أعمال الجلسة المشتركة التي ترأسها رئيس مجلس الشعب شيخ آدم محمد نور، 186 من نواب مجلس الشعب، و36 من أعضاء مجلس الشيوخ.

والخميس، قال الرئيس حسن شيخ محمود، إن الصومال تجاوز رسمياً مرحلة الدستور المؤقت، بعد إتمام اعتماد دستور البلاد بشكل كامل بشفافية، في البرلمان. بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية (صونا).

ووصف شيخ محمود دستور 2012 بأنه كان حجر زاوية في إعادة بناء الدولة، لكنه أثّر على السياسة والاقتصاد وأداء مؤسسات الدولة، حيث شهدت البلاد خلافات حول توزيع الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية، وصعوبات في تطوير منظومة القضاء والمالية العامة.

أعضاء من مجلسي الشعب والشيوخ للبرلمان الفيدرالي بالصومال خلال جلسة استكمال صياغة دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن «اعتماد دستور الصومال يفتح نقاشاً واسعاً حول ما إذا كان خطوة نحو الاستقرار السياسي أم سبباً لمزيد من الخلاف مع المعارضة، خاصة أن الخلافات حول الدستور في الصومال ليست جديدة، لكنها تعكس صراعاً سياسياً حول شكل الدولة وتقاسم السلطة بين الحكومة الفيدرالية والولايات».

ويعول بري على أهمية أن «يتم إدارة هذه الخلافات عبر الحوار والتوافق، وإلا فقد تتحول إلى أزمات سياسية حادة بين الحكومة والمعارضة، أو حتى بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات»، مستدركاً: «لكن في المقابل، وجود دستور واضح يمكن أن يكون آلية لتنظيم الخلافات بدلاً من أن تتحول إلى صراعات مفتوحة».

وخاطب الرئيس الصومالي، في كلمته، السياسيين المعارضين الذين أعربوا عن مخاوفهم من آلية مراجعة الدستور، داعياً إياهم إلى احترام النتائج والحفاظ على الدستور الجديد، مؤكداً أن أي تعديلات مستقبلية ستتم من خلال الإجراءات الدستورية المعتمدة.

وشدد حسن شيخ محمود على أن أي نزاعات سياسية مستقبلية سيتم حلها وفقاً للأطر الدستورية، بدلاً من اللجوء إلى اتفاقات سياسية خارج الدستور، مؤكداً أن الدستور هو اتفاق اجتماعي يحدد صلاحيات السياسيين ويضع قواعد إدارة الدولة.

وتجدر الإشارة إلى أن ولايتي غوبالاند وبونتلاند الإقليميتين وقيادات سياسية بارزة عارضت التعديلات الدستورية التي قالت إنها لم تتم بطريقة قانونية، معلنة مقاطعتها للدستور المعدل الذي صادق عليه البرلمان الفيدرالي، بحسب ما نقله موقع «الصومال الجديد».

مرجعية لحل الخلافات السياسية

ويرى المحلل في الشأن الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن الرئيس الصومالي عندما يؤكد أن أي نزاعات سياسية سيتم حلها وفق الأطر الدستورية، فهو يبعث بعدة رسائل سياسية، منها تأكيد أن الدستور هو المرجعية العليا لحل الخلافات السياسية، والدعوة إلى العمل داخل المؤسسات بدل اللجوء إلى التصعيد السياسي أو الإعلامي، ومحاولة إظهار أن الحكومة تسعى إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون.

لكن المعارضة قد ترى أن بعض التعديلات أو خطوات اعتماد الدستور تمت دون توافق كافٍ، خاصة في بندي نظام الحكم وصلاحيات الولايات، وهو ما يثير الجدل، وفق تقدير بري.

ويعتقد بري «أنه من الطبيعي أن يستمر النقاش حوله، ومستقبل الدستور يعتمد على عدة عوامل، منها مدى تحقيق توافق وطني بين الحكومة والمعارضة والولايات، وقدرة الطبقة السياسية على إدارة الخلافات عبر الحوار».

لذلك من الممكن أن يشهد الدستور تعديلات جديدة في المستقبل، خاصة إذا استمرت المعارضة في الاعتراض على بعض مواده أو طريقة اعتماده، وفق بري.

ومر الصومال الذي شهد حروباً أهلية عديدة، بعدة دساتير؛ أولها في 1960 وأقر شعبياً في 1961، بجانب وثيقة دستورية في 1979، قبل أن تنهار الدولة في سنة 1991، وتدخل في صراعات أهلية، أدت لظهور الميثاق الانتقالي عام 2000 والذي كان بمثابة لبنة لجمهورية ثالثة تلت الحكومات المدنية (بين 1960 و1969)، والعسكرية (بين 1969 و1991)، ووضع ميثاق انتقالي ثان في 2004 عقب مؤتمر مصالحة في كينيا، ووضع دستور مؤقت عام 2012.


مصر تبحث آليات دعم إعادة إعمار السودان

محادثات وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري مع سفير السودان في القاهرة الخميس (مجلس الوزراء المصري)
محادثات وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري مع سفير السودان في القاهرة الخميس (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر تبحث آليات دعم إعادة إعمار السودان

محادثات وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري مع سفير السودان في القاهرة الخميس (مجلس الوزراء المصري)
محادثات وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري مع سفير السودان في القاهرة الخميس (مجلس الوزراء المصري)

في إطار تعزيز التعاون في المجالات التنموية، تبحث مصر آليات دعم إعادة إعمار السودان. وأكد وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري، أحمد رستم «استعداد الحكومة لتسخير جميع إمكاناتها لدعم بناء القدرات البشرية في السودان، لا سيما في مجالات التخطيط التنموي».

جاء ذلك خلال محادثات مع سفير السودان في القاهرة، عماد الدين مصطفى عدوي، الخميس، تناولت سبل نقل الخبرات المصرية في التخطيط والإصلاح الاقتصادي للسودان، «تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بدعم جهود التعافي المبكر، وإعادة الإعمار في السودان الشقيق».

وتم التوافق على «إعداد دراسة متكاملة لإعادة إعمار السودان لتكون وثيقة مرجعية تُطرح للنقاش مع مؤسسات التمويل الدولية».

وأكدت مصر والسودان في نهاية فبراير (شباط) الماضي «التزامهما بتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، ودعم جهود إعادة الإعمار في السودان، بوصفها أولويةً وطنيةً، واستحقاقاً عاجلاً لتحقيق الاستقرار المستدام»، حسب بيان الحكومة المصرية.

وقال السيسي خلال زيارة رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس للقاهرة، الشهر الماضي، إن «مصر تبذل جهوداً على المستويين الإقليمي والدولي بهدف إنهاء الحرب، ورفع المعاناة الإنسانية عن السودانيين».

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري»، الخميس، أشار الوزير رستم إلى الدور الذي يضطلع به «معهد التخطيط القومي» في تقديم الدعم الفني، وإعداد برامج التدريب المتخصصة، فضلاً عن إسهامات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في تطوير المنظومات الإحصائية، وبناء قواعد بيانات حديثة ودقيقة، إلى جانب دور «المعهد القومي للحوكمة» في ترسيخ مبادئ الشفافية، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، بما يعزز من فاعلية السياسات العامة وجودة تنفيذها.

واستعرض تجربة المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» بوصفها نموذجاً متكاملاً للتنمية الريفية المستدامة، يقوم على رؤية شاملة تربط بين تطوير البنية الأساسية، وتحسين مستوى الخدمات، وتعزيز التمكين الاقتصادي والاجتماعي للأسر الأكثر احتياجاً، وأشار إلى «استعداد وزارة التخطيط لنقل هذه الخبرة إلى الجانب السوداني من خلال توفير دليل عمل شامل يتناول المراحل المختلفة لتطوير وتنفيذ المبادرة، بدءاً من آليات التخطيط التشاركي، مروراً بالتنفيذ، وصولاً إلى المتابعة والتقييم الميداني».

الاستفادة من الخبرات المصرية

السيسي خلال استقباله رئيس وزراء السودان كامل إدريس في القاهرة (الرئاسة المصرية)

من جانبه، أكد السفير السوداني تطلع بلاده للاستفادة من الخبرات المصرية في التخطيط الاقتصادي والتنمية الاجتماعية بصفتهما ركيزتين للاستقرار، والتعرف على تجربة إنشاء العاصمة الجديدة ومراحل تخطيطها، في ضوء توجه الحكومة السودانية لإنشاء مركز إداري جديد.

وطلب السودان الاستعانة بالخبرة المصرية في إقامة «عاصمة إدارية جديدة» له، وقال رئيس الوزراء السوداني عقب زيارته للقاهرة نهاية الشهر الماضي، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إنه «ناقش مع الرئيس السيسي تحسين أوضاع السودانيين المقيمين في مصر، وإنشاء مدينة إدارية جديدة في السودان».

ودشّنت الحكومة المصرية «العاصمة الجديدة» (شرق القاهرة)، التي أعلنت عنها في مؤتمر اقتصادي عُقد في مارس (آذار) 2015، لتكون مقراً سياسياً وإدارياً للدولة، ونقلت الوزارات والمؤسسات الحكومية مقارها إلى المدينة الجديدة، كما تضم المدينة «حياً دبلوماسياً» لنقل مقار السفارات الأجنبية.

صياغة السياسات التخطيطية

رئيسا وزراء مصر والسودان خلال محادثات بالقاهرة في نهاية الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وتحدث السفير عدوي، الخميس، عن رغبة السودان في الاستفادة من التجربة المصرية في مجال صياغة السياسات التخطيطية والتنموية، وتعزيز منظومة العمل الإحصائي، وإجراء المسوحات والتعدادات، بصفتها إحدى الأدوات الأساسية في بناء خطط تنموية دقيقة تستند إلى بيانات موثوقة، إضافة إلى التعاون في مجالات التدريب وبناء القدرات للكوادر السودانية العاملة في قطاعات التخطيط.

وأصدرت الرئاسة المصرية، في منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بياناً حذرت فيه من «تجاوز خطوطٍ حمراء في السودان بوصفها تمس مباشرة الأمن القومي المصري»، وتضمنت تلك الخطوط «الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم السماح بانفصال أي جزء منه».

وحسب بيان «مجلس الوزراء المصري» اتفق رستم وعدوي على «تكثيف التنسيق الفني خلال الأسابيع المقبلة، عبر عقد ورش عمل مشتركة لمراجعة مؤشرات أداء الإطار القائم للتعاون، وتقييم ما تحقق من نتائج على أرض الواقع، تمهيداً لوضع الأسس التنفيذية للمرحلة الجديدة من الشراكة مع الأمم المتحدة، بما يضمن تحويل التطلعات الاستراتيجية إلى مشروعات ذات أثر اجتماعي واقتصادي واسع النطاق».