التوتر السوداني - الإثيوبي إلى الواجهة وجبهة النيل الأزرق تشتعل

اتهامات سودانية بإطلاق مُسيرات لـ«الدعم السريع» من أراضٍ إثيوبية

آبي أحمد مجتمعاً مع حميدتي وشقيقه القوني في أديس أبابا ديسمبر 2023 (إكس)
آبي أحمد مجتمعاً مع حميدتي وشقيقه القوني في أديس أبابا ديسمبر 2023 (إكس)
TT

التوتر السوداني - الإثيوبي إلى الواجهة وجبهة النيل الأزرق تشتعل

آبي أحمد مجتمعاً مع حميدتي وشقيقه القوني في أديس أبابا ديسمبر 2023 (إكس)
آبي أحمد مجتمعاً مع حميدتي وشقيقه القوني في أديس أبابا ديسمبر 2023 (إكس)

على امتداد عقود طويلة، ظلّ التوتر السمة الغالبة على العلاقات بين السودان وإثيوبيا، متغذّياً على جملة من الملفات الشائكة والمعقّدة، في مقدمتها النزاع الحدودي التاريخي حول إقليم الفشقة السوداني، وقضايا مياه النيل، والتداعيات السياسية والأمنية المرتبطة بسدّ النهضة الإثيوبي. ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل امتد ليشمل تبادلاً مستمراً للاتهامات بين الجانبين بشأن التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم حركات ومعارضات مسلحة.

وخلال الشهر الماضي، بلغ هذا التوتر مستوى غير مسبوق، قبل أن يطفو إلى السطح بشكل علني مع مطلع الشهر الحالي، عقب اتهام وزارة الخارجية السودانية لإثيوبيا، بصورة رسمية، بالسماح باستخدام أراضيها كمنصات لانطلاق طائرات مسيّرة قتالية تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، استهدفت مدناً وبلدات داخل الأراضي السودانية.

وترى دوائر نافذة داخل السلطة السودانية في بورتسودان أن تراكمات سياسية وأمنية معقّدة دفعت بإثيوبيا إلى التحول إلى ما يشبه «حلقة» ضمن حلقات الحرب السودانية، وساحة خلفية يُعتقد أنها تُستخدم لانطلاق المسيّرات، وتدريب المقاتلين، إضافة إلى كونها منصة لاحتضان لقاءات وتحركات سياسية وُصفت بالمثيرة للجدل.

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهِر معسكراً به مئات الخيام في إثيوبيا في إطار اتهامات بتدريب عناصر لـ«الدعم السريع» (رويترز)

وفي بيان صدر يوم الاثنين، أكدت وزارة الخارجية السودانية أن إثيوبيا سمحت باستخدام أراضيها لإطلاق طائرات من دون طيار تابعة لـ«قوات الدعم السريع» لاستهداف العمق السوداني، ووجّهت تحذيراً شديد اللهجة، معتبرة أن ذلك يشكّل «عدواناً صريحاً» وانتهاكاً مباشراً لسيادة السودان. ويمثل هذا الاتهام تصعيداً جديداً في مسار التوتر المتصاعد بين البلدين، منذ أحداث منطقة الفشقة الحدودية، والصدام العسكري الذي وقع في يونيو (حزيران) 2022 بين الجيش السوداني وقوات شبه نظامية موالية للجيش الإثيوبي.

خلافات تاريخية

لطالما كانت العلاقات بين السودان وإثيوبيا، وعلى مدى ما يقارب ثلاثة عقود، محكومة بتراكمات أمنية وسياسية شديدة الحساسية، تعود جذورها إلى محطات مفصلية شكّلت أساساً دائماً للشك وانعدام الثقة بين الجانبين. ويُعدّ أبرز هذه المحطات محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في يونيو (حزيران) 1995، عقب وصوله مباشرة إلى أديس أبابا للمشاركة في قمة أفريقية، وهي الحادثة التي أطلقت مرحلة جديدة من التوترات الإقليمية، وكان السودان وإثيوبيا في قلب تداعياتها السياسية والأمنية.

وفي السياق الراهن، تصاعد غضب السلطة السودانية في بورتسودان عقب استقبال إثيوبيا لقائد «قوات الدعم السريع» في ديسمبر (كانون الأول) 2023، وهي خطوة اعتُبرت حينها تجاوزاً للحياد المفترض، ورسالة سياسية سلبية في ظل الحرب الدائرة داخل السودان. ولم يلبث هذا الغضب أن تضاعف مع استضافة أديس أبابا، في يناير (كانون الثاني) 2024، لاجتماعات ضمّت «قوات الدعم السريع» و«تحالف القوى المدنية الديمقراطية» (تقدم)، وتوقيع رئيس الوزراء السوداني السابق رئيس التحالف عبد الله حمدوك مع قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الوثيقة التي عُرفت بـ«إعلان أديس أبابا».

كما زادت حدة التوتر مع احتضان العاصمة الإثيوبية سلسلة من الأنشطة واللقاءات السياسية والمدنية ذات الصلة بالصراع السوداني، وهو ما رأت فيه دوائر رسمية سودانية انحيازاً غير معلن، وتدخلاً مباشراً في مسار الأزمة الداخلية.

البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)

وفي هذا السياق المشحون، جاءت إثارة «ملف المسيّرات» في هذا التوقيت لتعيد إلى الواجهة الشكوك القديمة والاتهامات المتجددة لأديس أبابا بالتدخل في الشأن السوداني، ومدّ يد العون لـ«قوات الدعم السريع»، سواء بشكل مباشر أو عبر توفير بيئة لوجيستية وأمنية مساندة. ومنذ وقت مبكر من العام الماضي، تداول نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي معلومات غير موثقة المصدر عن وجود معسكرات تدريب لـ«قوات الدعم السريع» داخل الأراضي الإثيوبية، وهي روايات ظلت في إطار التداول غير الرسمي إلى أن اكتسبت بعداً جديداً مع تقارير إعلامية دولية.

وفي هذا الإطار، نشرت وكالة رويترز في 10 فبراير (شباط) الماضي، تحقيقاً أفادت فيه بأن إثيوبيا تستضيف معسكرات لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«قوات الدعم السريع» في مناطق قريبة من الحدود مع السودان. واستند التحقيق إلى مصادر متعددة، شملت تحليلاً لصور أقمار اصطناعية أظهرت بنية تحتية عسكرية واسعة، تضم تجهيزات وخياماً، وتحركات مكثفة للآليات، وعمليات نقل منتظمة لجنود. ورغم خطورة هذه الاتهامات، لم يصدر عن إثيوبيا نفي رسمي مباشر. غير أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ألمح، في تصريحات غير مباشرة، إلى وجود مشروع «تعدين» كبير في المنطقة الحدودية، وهو تفسير رأى فيه بعض المراقبين محاولة لتبرير الحراك الكثيف للآليات والأفراد في المناطق المتاخمة للحدود السودانية، دون أن ينجح ذلك في تبديد الشكوك المتصاعدة لدى الخرطوم.

اشتعال النيل الأزرق

بالتوازي مع التصعيد السياسي والدبلوماسي بين الخرطوم وأديس أبابا، عادت رقعة القتال للاشتعال في ولاية النيل الأزرق، الولاية الحدودية التي تحاذي إثيوبيا وجنوب السودان، بعد فترة من الخمود النسبي استمرت لعدة أشهر. وسرعان ما تحولت الولاية مجدداً إلى واحدة من أهم جبهات المواجهة في الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع».

وشهدت مناطق متفرقة من الولاية اشتباكات عنيفة تبادل خلالها الجيش وحلفاؤه من جهة، و«الدعم السريع» وحلفاؤه من جهة أخرى، السيطرة والنفوذ، في تطور لافت نقل الإقليم من كونه محوراً قتالياً «خاملاً» إلى مركز عمليات «نشط». وتركزت أعنف المواجهات على وجه الخصوص في محيط الكرمك، حيث اكتسبت هذه المناطق أهمية استراتيجية مضاعفة بفعل قربها الجغرافي من الحدود الإثيوبية.

وإذا ما ثبتت صحة الاتهامات التي أوردتها وزارة الخارجية السودانية بشأن استخدام الأراضي الإثيوبية كنقاط انطلاق للمُسيرات، فإن هذا العامل الجغرافي من شأنه أن يُحدث تحولاً نوعياً في معادلة الصراع. فالقرب بين ولاية النيل الأزرق والحدود الإثيوبية من شأنه أن «يُقصِّر» بشكل كبير خطوط إمداد «قوات الدعم السريع»، بعدما كانت تعتمد في السابق على إمدادات قادمة من أقصى غرب السودان، وكانت المُسيرات تقطع آلاف الكيلومترات لتنفيذ هجماتها. أما في الوضع الجديد، فإن خطوط الإمداد ستكون أقصر وأكثر سرعة ومرونة، ما يمنح «الدعم السريع» - نظرياً - أفضلية لوجيستية في هذا المسرح القتالي.

الأدلة والقرائن

ويعكس الاتهام السوداني المباشر لإثيوبيا، وفق مراقبين، انتقال العلاقة بين البلدين إلى مرحلة باتت تُدار فيها السياسة بأدوات أمنية صِرفة، مع تزايد النظر إلى الملف الأمني باعتباره امتداداً لصراعات قديمة، كامنة ومتجددة في آن واحد. فكما دعمت أديس أبابا، تاريخياً، فصائل من المعارضة السودانية المسلحة في فترات مختلفة، فإن الخرطوم بدورها لم تكن بعيدة عن دعم معارضات إثيوبية، تارة في سياق الصراع الإقليمي مع إريتريا، وتارة أخرى عبر مساندة قوى داخلية إثيوبية معارضة للحكومات المتعاقبة في أديس أبابا.

وفي هذا الإطار، يرى الناشط السياسي محمد موسى أن الاتهام السوداني، رغم صراحته وحدّته، يفتقر إلى العناصر الفنية التي تحوّله من موقف سياسي إلى ملف قانوني قابل للمساءلة. ويقول موسى: «على الرغم من وضوح الاتهام، فإن بيان وزارة الخارجية السودانية، بصيغته المنشورة، لا يتضمن تفاصيل تقنية تتعلق بعدد المُسيرات، أو مساراتها، أو مواقع سقوط حطامها، أو أي معطيات فنية أخرى، ما يجعل الاتهام أقرب إلى تصعيد سياسي منه إلى قضية قابلة للتدويل أو التحقيق الدولي». ويضيف: «حتى تحقيق (رويترز)، رغم أهميته الإعلامية، اعتمد على مصادر وصور أقمار اصطناعية لا ترقى إلى مستوى الأدلة القاطعة. يمكن النظر إليها باعتبارها قرائن إعلامية، لكنها تظل بحاجة إلى إثبات رسمي موثق».


مقالات ذات صلة

حصار الأُبيّض يهدد بسقوطها في يد «الدعم السريع»

شمال افريقيا ممثل الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم أحمد صالح يرحب باللاجئين السودانيين لدى وصوله إلى موقع أورا في إثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب) p-circle

حصار الأُبيّض يهدد بسقوطها في يد «الدعم السريع»

أظهرت تقارير حديثة رصدتها الأمم المتحدة تعزيزات عسكرية كبيرة لـ«قوات الدعم السريع» قرب مدينة الأُبيض، كبرى مدن كردفان، ما قد يشير إلى هجوم بري وشيك على المدينة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا سودانيات يصطففن لتلقي المساعدات في مخيم العفاد للنازحين ببلدة الضبّة شمال السودان... نوفمبر الماضي (أ.ف.ب) p-circle

مجلس الأمن يحذر من «فظائع وشيكة» في الأبيّض السودانية

أعرب مجلس الأمن الدولي، السبت، عن قلقه البالغ «حيال خطر وشيك (لارتكاب) فظائع واسعة النطاق» في مدينة الأُبَيِّض السودانية الكبيرة.

«الشرق الأوسط» (الأمم المتحدة (الولايات المتحدة))
شمال افريقيا جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

رغم الدعوات التي وجّهتها الأمم المتحدة ودول غربية لـ«قوات الدعم السريع» لوقف هجومها المزمع على مدينة الأبيض، غرقت المدينة في الظلام بسبب هجوم بالمسيرات.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

فارس النور لـ«الشرق الأوسط»: أصطف مع دعاة «لا للحرب»

القيادي المستقيل من «حميدتي» فارس النور قال إن السودان لا يزال يمتلك فرصة حقيقية للمضي نحو إنهاء الحرب... ودعا لاستلهام الحكمة الخليجية

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري البرهان مجتمعاً مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

تحليل إخباري الانشقاقات تهز «الدعم السريع» وتهدد تماسك تحالفه «تأسيس»

أعاد إعلان القيادي البارز في «قوات الدعم السريع» فارس النور، استقالته من جميع مناصبه في القوات الجدل بشأن ظاهرة الانشقاقات ومدى تأثيرها.

أحمد يونس (كمبالا)

مقتل فرنسيين اثنين في تحطم طائرة صغيرة شمال المغرب

مطار الشريف الإدريسي بالحسيمة شمال المغرب (أرشيفية)
مطار الشريف الإدريسي بالحسيمة شمال المغرب (أرشيفية)
TT

مقتل فرنسيين اثنين في تحطم طائرة صغيرة شمال المغرب

مطار الشريف الإدريسي بالحسيمة شمال المغرب (أرشيفية)
مطار الشريف الإدريسي بالحسيمة شمال المغرب (أرشيفية)

لقي مواطنان فرنسيان مصرعهما بعد تحطم طائرة خاصة صغيرة كانا على متنها مساء الأحد شمال المغرب، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية.

وقال موقع «لو360»، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، إن الطائرة قدمت من مدينة مونبلييه الفرنسية وكانت في طريقها إلى مطار تيط مليل قرب الدارالبيضاء، على أن تتوقف في مطار الشريف الإدريسي بالحسيمة شمال المغرب.

لكن الطائرة تحطمت بعيد إقلاعها بالقرب من السياج المحيط بمطار الشريف الإدريسي.

وأوضح الموقع أن الحادث أودى بحياة ربان الطائرة وسيدة كانت برفقته، وكلاهما يحملان الجنسية الفرنسية.

وأكد المصدر وفاة فرنسيين في الحادث، لكن دون إعطاء تفاصيل.


المعارضة الصومالية تطرح مقترحاً لحل أزمة الانتخابات

رئيس الصومال خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات تشاور بشأن الأزمة السياسية (وكالة الأنباء الصومالية)
رئيس الصومال خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات تشاور بشأن الأزمة السياسية (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

المعارضة الصومالية تطرح مقترحاً لحل أزمة الانتخابات

رئيس الصومال خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات تشاور بشأن الأزمة السياسية (وكالة الأنباء الصومالية)
رئيس الصومال خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات تشاور بشأن الأزمة السياسية (وكالة الأنباء الصومالية)

طرحت المعارضة الصومالية، مع تصاعد أزمتها مع رئيس البلاد حسن شيخ محمود، مقترحاً يتضمن مقاربة للقبول بالانتخابات المباشرة شريطة أن تراعي النظام القبلي المعروف بـ«نظام 4.5».

ذلك المقترح الذي لم يعلق عليه الرئيس بعد، قد يكون حلاً مبدئياً كونه قائماً على قاعدة الانتخابات المباشرة كأساس للاقتراع، بحسب ما يراه خبير في الشؤون الصومالية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، متوقعاً أن «يُبدي الرئيس مرونة».

ونظام العشائر الأربع الكبرى، وهي هوية ودارود ورحنوين ودِر، والمعروف بـ«نظام 4.5»، يُعد العمود الفقري للحياة السياسية والاجتماعية في البلاد، وانبثق من مؤتمر عرتا للسلام عام 2000، وبموجبه قُسِّم البرلمان على أسس عشائرية لضمان تقاسم السلطة.

ويشير مصطلح «نظام 4.5» إلى نظام المحاصصة القبلية في تقاسم المناصب السيادية، حيث يجري توزيع المقاعد على القبائل الأربع الرئيسية، في حين يُمنح «نصف مقعد» للمجموعات العرقية الصغيرة، أي نصف حصة تمثيلية مقارنة بكل قبيلة.

وأعلن تحالف المعارضة الرئيسي دعمه لنموذج الانتخابات المباشرة الانتقالية بوصفه سبيلاً نحو حل النزاعات واستعادة الثقة في عملية الانتخابات، حسب ما نقلته وكالة الأنباء الألمانية الأحد.

وقال التحالف في بيان إن القرار «يعكس روح التوافق والالتزام بالمصلحة الوطنية، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل وفي الوقت المناسب حول الإطار الانتخابي المستقبلي».

وأفادت وسائل إعلام صومالية بأن المعارضة طرحت مقترحاً جديداً يهدف إلى إجراء الانتخابات المباشرة على مستوى البلاد، مع الإبقاء على نظام تقاسم السلطة بين القبائل.

وبموجب النموذج المقترح، ستُنظم المقاعد البرلمانية من خلال وحدات انتخابية قائمة على الدوائر، حيث يرتبط الناخبون والمرشحون المؤهلون بدوائرهم الانتخابية القبلية.

ويرى الخبير في الشؤون الصومالية، عبد الكامل أبشر، أن «المقترح يعني بدء تقارب جزئي في الرؤية حول نوعية الانتخابات بين الحكومة والمعارضة»، مؤكداً أنه «لا يعني بالضرورة وجود اتفاق سياسي كامل أو مصالحة شاملة بين الطرفين، بل قد يكون خطوة أولى نحو مفاوضات أوسع حول شكل النظام الانتخابي المقبل».

وأضاف: «الحكومة الفيدرالية كانت تدفع منذ فترة باتجاه توسيع المشاركة الشعبية والانتقال من النظام غير المباشر إلى النظام الانتخابي المباشر على أسس حزبية حيث يأتي المرشحون عبر أحزاب، بينما يشير المقترح من المعارضة إلى قبول الانتخابات المباشرة على أساس المحاصصة العشائرية 4.5 بما يعني أن تدخل العشائر مكان الأحزاب».

وأشار إلى أن المقترح جاء من طرف واحد فقط، وهو طرف المعارضة، وليس من خلال مشاورات بين الجانبين.

ومضى قائلاً: «على الرغم من أن المقترح لم يوضح إجراءاته الفنية، لكنه إذا كان يقوم على انتخابات مباشرة مع الحفاظ على صيغة 4.5 كإطار لضمان التوازن القبلي والسياسي، فقد يكون أكثر واقعية من الانتقال الفوري إلى نظام (شخص واحد، صوت واحد) على مستوى البلاد في ظل التحديات الأمنية والإدارية».

ويشير المقترح إلى تقارب نسبي بين الحكومة والمعارضة؛ إلا أن صدوره من طرف واحد يعني أن الخلاف السياسي لم يُحسم بعد، وفق أبشر الذي أكد أن التهدئة الحقيقية تتطلب قبولاً أو تفاوضاً بين الحكومة والمعارضة حول تفاصيل النظام الانتخابي، وليس مجرد طرح مبادرة من أحد الأطراف.

مسؤول صومالي خلال الإدلاء بصوته في انتخابات المجالس المحلية المباشرة في ديسمبر الماضي (وكالة الأنباء الصومالية)

ويأتي المقترح بعد نحو أسبوعين من تبادل إطلاق النار في مقديشو بين قوات الحكومة وفصائل مسلحة متحالفة مع المعارضة، ألحق أضراراً بممتلكات وأجبر عدداً من المدنيين على الفرار، على خلفية الخلافات السياسية، بحسب ما نقلته «رويترز».

وفي نهاية الشهر الماضي، أعلن «مجلس الإنقاذ المعارض» في الصومال عدم الاعتراف بشرعية الرئيس بعد انتهاء مدته الدستورية، داعياً لاحتجاجات أسبوعية في مقديشو كل خميس، بدءاً من 4 يونيو (حزيران)، حتى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن الانتخابات، التي تجري عبر التصويت المباشر لأول مرة منذ عقود، وهو المسار الذي تتحفظ عليه المعارضة بدعم من ولايتي جوبالاند وبونتلاند.

ويتوقع أبشر أن يبدي الرئيس مرونة، طالما قبلت المعارضة بمبدأ إقامة انتخابات مباشرة، متوقعاً أن تأخذ الأمور مزيداً من المشاورات، مما يعني إمكانية قبول المعارضة بتمديد فترة الرئيس مع تشكيل حكومة انتقالية على قاعدة إجراء انتخابات مباشرة أياً كانت تفاصيلها اللاحقة.


برلمانيون مصريون يشترطون «ضمانات حكومية» قبل إعادة هيكلة الدعم

جلسة سابقة لمجلس النواب في مارس الماضي (صفحة المجلس على فيسبوك)
جلسة سابقة لمجلس النواب في مارس الماضي (صفحة المجلس على فيسبوك)
TT

برلمانيون مصريون يشترطون «ضمانات حكومية» قبل إعادة هيكلة الدعم

جلسة سابقة لمجلس النواب في مارس الماضي (صفحة المجلس على فيسبوك)
جلسة سابقة لمجلس النواب في مارس الماضي (صفحة المجلس على فيسبوك)

اشترط أعضاء في مجلس النواب المصري «ضمانات حكومية» قبل اعتماد «الدعم النقدي» بديلاً عن «العيني» المخصّص للسلع التموينية.

ومهدت الحكومة خلال الأيام الماضية لمقترح التحول إلى «الدعم النقدي»، وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، مطلع الشهر الحالي، إن «منظومة الدعم النقدي سيبدأ تطبيقها مع أول العام المالي المقبل، الذي يبدأ في يوليو (تموز) من العام». وأضاف أن «النظام المقترح يعتمد على تقسيم المستحقين للدعم إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي».

وناقشت «اللجنة الاقتصادية» بمجلس النواب، الأحد، 12 طلب إحاطة بشأن «معايير الاستبعاد من منظومة الدعم ووقف بطاقات التموين، وضوابط التحول للدعم النقدي».

وعزا النواب طلباتهم إلى «حالة من القلق بشأن تأثير التحول إلى الدعم النقدي على ملايين الأسر محدودة الدخل في ظل استمرار موجات التضخم وارتفاع أسعار الغذاء والسلع الأساسية».

وقال عضو مجلس النواب محمد فؤاد، أحد مقدمي طلبات الإحاطة: «الدعم النقدي قطعاً أكثر كفاءة؛ لكن الأزمة تكمن في التفاصيل».

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»: «يجب ألا تعتمد الآلية المقترحة للتحول من الدعم العيني إلى النقدي على متوسطات عامة للتضخم فقط، وهو ما قد لا يعكس صورة دقيقة عن نمط الإنفاق الفعلي للأسر منخفضة الدخل».

ويوضح: «الاعتماد على متوسطات عامة قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في القوة الشرائية للمستفيدين رغم استمر صرف الدعم».

واستطرد قائلاً: «يجب على الدولة وضع معايير استبعاد أو استحقاق مقترحة، فمثلاً ملكية السيارات أو وجود سجل تجاري أو غيرها من المؤشرات قد لا تعكس بدقة الحالة الاقتصادية للأسرة». وتابع: «ينبغي إقرار معايير استحقاق معلنة، مع إنشاء نظام رسمي للتظلمات يسمح بتصحيح الأخطاء وإعادة تقييم الحالات بصورة دورية».

جانب من اجتماع «اللجنة الاقتصادية» بمجلس النواب الأحد (النائب محمد فؤاد)

وتُطبق الحكومة منذ عقود منظومة البطاقات التموينية لدعم السلع الأساسية بهدف خفض أعباء المعيشة عن «الفئات الأولى بالرعاية». ويستفيد نحو 68 مليون مواطن من هذه المنظومة، وفق وزارة التموين.

وشدد النائب فؤاد على «ضرورة التركيز على البحث عن غير المستحقين واستبعادهم؛ لأن الخطأ في استبعاد أسرة مستحقة قد تكون آثاره الاجتماعية والاقتصادية أكثر خطورة من إدراج أسرة غير مستحقة بصورة مؤقتة».

وأوصى الحكومة بتحديد جهة قيادية واحدة مسؤولة عن التنسيق والإشراف على البرنامج، وتطبيقه على مراحل تبدأ بمشروعات تجريبية محدودة النطاق قبل التوسع الكامل، فضلاً عن إخضاع البرنامج لمراجعة، وتقييم مستقل بصورة دورية لضمان الشفافية، وتحسين الأداء باستمرار.

مصير رغيف الخبز

وتضمنت طلبات إحاطة النواب تساؤلات حول مصير دعم «رغيف الخبز الشعبي» ومعايير احتساب قيمته ووزنه في منظومة الدعم الجديدة.

ويستفيد من «الخبز المدعم أو الشعبي» نحو 70 مليون مواطن وفقاً لآخر تقديرات حكومية في عام 2022. ورفعت الحكومة سعره قبل عامين للمرة الأولى منذ 3 عقود، ومنذ ذلك الحين تُثبت سعره بعشرين قرشاً. وتوفر الدولة حالياً حصة يومية تبلغ 5 أرغفة لكل فرد مسجل على البطاقة التموينية.

وتداولت مواقع إخبارية محلية خلال الأيام الماضية تصريحات لمسؤولين حكوميين عن «حذف مواطنين من منظومة الدعم التمويني».

طلبات إحاطة النواب تضمنت الأحد تساؤلات حول مصير دعم «رغيف الخبز الشعبي» (شعبة المخابز بالقاهرة)

وشددت عضو مجلس النواب، إيرين سعيد، على ضرورة أن تقدم الحكومة ضمانات قبل إعادة هيكلة الدعم «حتى يكون التحول أمراً صحياً للحكومة وللخزانة العامة للدولة بشكل عام وللمواطن بشكل خاص».

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «كثير من المصريين أرهقهم الوضع الاقتصادي، وبعض الملفات رُفع عنها الدعم بنسب معينة. وضعف حوكمة بعض الملفات جعل غير المستحق يحصل على الدعم والمستحق لا يحصل؛ لذا فإن الحديث بشكل عام في منطقة الدعم أصبح أمراً حساساً جداً لدى المصريين وأعضاء مجلس النواب».

ولدى النائبة تخوف من التحول من الدعم العيني إلى النقدي، مشيرة إلى «عدم وضوح آلية التطبيق». وقالت: «مهم جداً أن يواكب الدعم انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع سعر المستلزمات الغذائية الاستراتيجية من فترة لأخرى مع كل موجة اقتصادية مختلفة أو مع أي حرب محتملة في المنطقة؛ لأن هذه التوترات تؤثر بقوة على السلع المفترض أن يوجَّه الدعم لها».

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي يوم الخميس الماضي (صفحة المجلس على فيسبوك)

وطالبت بضرورة عرض أي تصور متكامل لإصلاح منظومة الدعم على مجلس النواب قبل التطبيق «من أجل طمأنة الشارع والبرلمان».

«نظام لائق»

ويستبعد الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، أن تقدم الحكومة أي ضمانات قبل إعادة هيكلة الدعم، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هناك حالة غموض حول من سيتم استبعادهم في المنظومة الجديدة».

ويضيف: «المطلوب هو تطبيق نظام لائق سواء عيني أو نقدي، فمثلاً عندما تريد الحكومة تطبيق الدعم السلعي أو النقدي تضيف لبطاقة المواطن التموينية مبلغاً مالياً، ويكون له الحق حينها في شراء السلع من أي متجر، ولا يتم إجباره على أماكن معينة تبيع السلع بأكثر من ثمنها مع ضعف جودتها».

ووفق تصريحات سابقة لوزير التموين، شريف فاروق، فإن الحكومة لا تتجه إلى تقليص الدعم التمويني، لكنه أشار إلى أن المنظومة الحالية «ليست على المستوى المُرضي للمواطن، حيث لا يصل الدعم للمستحقين، ورُصد عدد من البطاقات التموينية التي تركها أصحابها لآخرين للحصول على السلع التموينية دون وجه حق».