مؤتمر لندن للسودان... بصيص أمل في نفق «الحرب المنسية»

المشاركون في مؤتمر لندن حول السودان أثناء اجتماعهم (موقع وزارة الخارجية البريطانية)
المشاركون في مؤتمر لندن حول السودان أثناء اجتماعهم (موقع وزارة الخارجية البريطانية)
TT

مؤتمر لندن للسودان... بصيص أمل في نفق «الحرب المنسية»

المشاركون في مؤتمر لندن حول السودان أثناء اجتماعهم (موقع وزارة الخارجية البريطانية)
المشاركون في مؤتمر لندن حول السودان أثناء اجتماعهم (موقع وزارة الخارجية البريطانية)

يدخل السودان عامه الثالث في صراع دموي لا تُرى نهايته، حيث يعاني الشعب من عنف مروع ومعاناة إنسانية طاحنة، في أزمة إنسانية يصفها كثيرون بأنها الأسوأ في القرن الحادي والعشرين.

وفي محاولة لإنهاء هذا النزاع، استضافت العاصمة البريطانية لندن مؤتمراً دولياً الثلاثاء الماضي، جمع ممثلين عنها وعن فرنسا وألمانيا والاتحادين الأوروبي والأفريقي، بالإضافة إلى وزراء من 14 دولة ومندوبين عن الأمم المتحدة والجامعة العربية.

لكن المؤتمر، الذي أُحيط بتوقعات كبيرة، أثار جدلاً واسعاً حول نتائجه، بين من وصفه بـ«الفشل الدبلوماسي»، ومن رأى فيه «بصيص أمل» في نفق الحرب المنسية. وقد تفاجأ كثيرون بالصمت الإعلامي الذي أحاط بالحدث، حيث لم تُنشر تغطيات صحافية بريطانية واسعة، بل إن المنظمين استبعدوا وسائل الإعلام في اللحظات الأخيرة، ربما لتجنب الانتقادات حول عدم التوصل إلى بيان ختامي مشترك.

ديفيد لامي استضافت استضافت بلاده الثلاثاء مؤتمراً لبحث وقف حرب السودان بمشاركة 20 دولة (إكس)

مؤتمر من دون بيان... وانقسام دولي

فشل المشاركون في الاتفاق على بيان موحد، ما دفع الجهات المنظمة (بريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي) إلى إصدار بيان منفرد يعبر عن موقفهم. وقد وصف وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، الحرب بأنها «وحشية»، ودعا إلى وقفها فوراً. كما تضمن البيان دعماً للحلول السلمية، ورفضاً للتدخلات الخارجية التي تغذي الصراع، مع التأكيد على ضرورة انتقال السودان إلى حكومة مدنية منتخبة، واسعة التمثيل، يقررها الشعب السوداني، لا أطراف خارجية. كما رفض البيان أي محاولات لتقسيم السودان أو تشكيل حكومات موازية.

ونقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية عن بعض المحللين وصف المؤتمر بـ«الانتكاسة الدبلوماسية»، خصوصاً بعد عدم تحقيق أي تقدم ملموس نحو وقف إطلاق النار. ومع ذلك، رأى آخرون أن مجرد عقد المؤتمر يعد إنجازاً، كونه سلط الضوء على أزمة إنسانية طواها النسيان.

إنجازات محدودة ومساعدات إنسانية

ورغم الخلافات السياسية، سلَّط الوزير السابق لشؤون الرئاسة في السودان، خالد عمر يوسف، الضوء على النقاط الإيجابية التي تميز بها مؤتمر لندن، مؤكداً أنه نجح في تحقيق أهدافه الرئيسة المتمثلة في لفت الانتباه العالمي إلى الكارثة الإنسانية «المُهمَلة» في السودان، وتعزيز التنسيق الدولي لجهود السلام، وزيادة الدعم المالي للضحايا. وأشار يوسف إلى أن المؤتمر، وإن لم يحقق نتائج سياسية كبيرة، شكَّل منصة لإبراز معاناة الشعب السوداني، يمكن البناء عليها مستقبلاً.

وأوضح يوسف - أحد أبرز قيادات تحالف «صمود» الذي يترأسه رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك - في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن وصف المؤتمر بـ«الناجح» أو «الفاشل» بشكلٍ مطلق لا يعكس الواقع بدقة، مشدداً على أن التقييم يجب أن يرتكز على الأهداف المعلنة للمؤتمر. ورأى أن المؤتمر مثَّل فرصة حيوية لتسليط الضوء على الأزمة الإنسانية «المنسية» في السودان، التي لطالما غابت عن الاهتمام الدولي.

وزير شؤون الرئاسة السابق خالد عمر يوسف (موقعه على «إكس»)

ومن أبرز إنجازاته، بحسب يوسف، الالتزام المالي الكبير من الدول المانحة، حيث بلغت التعهدات نحو 800 مليون دولار أميركي، وهو مبلغ حاسم لتغطية الاحتياجات العاجلة، خصوصاً للنازحين والمتضررين من الحرب.

غير أن يوسف أقرَّ بأن التوقعات كانت أكبر فيما يخص التنسيق السياسي بين الدول المشاركة، الذي لم يتحقق بالكامل بسبب تباين المواقف الدولية تجاه الأزمة السودانية. ومع ذلك، عدّ أن مجرد عقد هذا الحوار الدولي يعد خطوة إيجابية، إذ إن «الانقسام الدولي حول السودان يعكس تعقيد الأزمة، لكنه في الوقت نفسه يزيد من التركيز عليها، ويُعمّق إدراك السودانيين للمخاطر التي تهدد مستقبل بلدهم».

وأكد يوسف أن التوافق الدولي لن يتحقق بين عشية وضحاها، لكن مثل هذه المؤتمرات تمثل لبناتٍ في طريق طويل نحو حل شامل، خاتماً حديثه بالقول: «مؤتمر لندن ليس نهاية المطاف، بل محطة من محطات الضغط التي يجب أن تستمر حتى يُفتح باب الأمل أمام السودانيين».

يُجسّد هذا الموقف رؤية القوى المدنية السودانية، التي ترى أن المعركة السياسية لإيقاف الحرب تتطلب صبراً واستراتيجية طويلة الأمد، بينما تبقى المساعدات الإنسانية عاملاً حاسماً لإنقاذ الأرواح على المدى القريب.

تحذيرات بريطانية

وقبل ساعات من بداية المؤتمر وجه وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي، تحذيرات أشار فيها إلى أن «عامين من الحرب الدامية دمّرا حياة الملايين، ومع ذلك لا يزال جزء كبير من العالم يتجاهل الأزمة». وأضاف أن «كلا طرفي النزاع أظهرا ازدراءً صارخًا لحياة المدنيين».وفي كلمته أمام المندوبين، حذّر لامي من أن «الكثيرين تخلوا عن السودان»، معتبرًا استمرار الصراع أمرًا لا مفر منه في ظل غياب الإرادة السياسية الحقيقية للسلام. وقال: «علينا إقناع الأطراف المتحاربة بحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ووضع السلام فوق كل الاعتبارات». وأشار إلى أن «الدول الغربية لديها قدرة محدودة على وقف القتال، بينما يتمتع الشركاء الإقليميون بنفوذ أكبر». كما شدد على أن «استقرار السودان حيوي للأمن القومي العالمي، لأن الفوضى ستؤدي إلى موجات هجرة واسعة وتفاقم عدم الاستقرار في المنطقة». وختم تصريحه بالقول: «سودان آمن ومستقر ضروري لأمننا جميعًا.. والمملكة المتحدة لن تسمح بنسيان السودان».

موقف سعودي واضح

في سياق متصل، طالبت منظمات إغاثة وحقوق إنسان المجتمع الدولي بمعاقبة الدول التي تنتهك حظر الأسلحة المفروض على السودان، مشيرة إلى تورط أطراف خارجية في إمداد المتحاربين بالعتاد العسكري.

وأكدت المملكة العربية السعودية، في هذا السياق، على أهمية وقف الدعم الخارجي لطرفي الصراع في السودان، كونه مسألة جوهرية لا بد منها لتهيئة بيئة حقيقية لوقف إطلاق النار، وفتح الطريق أمام حلٍ سياسي شامل.

نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي خلال مشاركته في مؤتمر لندن حول السودان (واس)

وقال نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، إن التدخلات الخارجية تُعقّد الأزمة وتعيق وصول المساعدات الإنسانية، مشيداً بفتح معبر «أدري» الحدودي مع تشاد. وأكد أن ما يجري في السودان لا يمس فقط أبناء شعبه، وإنما يُمثل تهديداً للاستقرار الإقليمي والأمن الوطني العربي والأفريقي، وأن «المسؤولية الجماعية تحتّم علينا مضاعفة الجهود لدعم مسار الحوار، ووقف إطلاق النار، وتوفير المساعدات الإنسانية العاجلة، والحفاظ على مؤسسات السودان من الانهيار، والحفاظ على وحدته وسلامة أراضيه ومقدراته».

هل هناك أمل؟

رغم التشاؤم السائد، يرى بعض الخبراء أن المؤتمر قد يكون بداية لتحرك دولي أكثر جدية، خصوصاً مع تصاعد الدعم الإنساني والاهتمام المتجدد بأزمة السودان. لكن السؤال يبقى: هل يمكن تحويل هذه الالتزامات المالية والخطابات السياسية إلى خطوات عملية توقف نزف الحرب؟ الإجابة ستحددها الأشهر المقبلة، بينما يستمر السودانيون في انتظار بصيص نور حقيقي في نفقهم المظلم.


مقالات ذات صلة

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

شمال افريقيا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

احتجَّت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، رسمياً على عدم دعوتها للمشارَكة في «مؤتمر برلين»، المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الحالي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نائب المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي كارل سكاو لدى لقائه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في الخرطوم الجمعة (وكالة السودان للأنباء «سونا»)

الأمم المتحدة: السودانيون يعيشون «أكبر أزمة جوع في العالم»

وصف برنامج الأغذية العالمي الأوضاع في السودان بأنها «أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم»، تواجه أكثر من 19 مليون شخص من جملة سكان البلاد، معلناً عودته إلى الخرطوم.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طالبات سودانيات حصلن على شهادة المرحلة الثانوية (مدرسة الصداقة)

المدارس المصرية تتهيأ لانعقاد «الثانوية السودانية»

يستعد عدد من المدارس المصرية لاستقبال آلاف الطلاب السودانيين الوافدين، الذين يخوضون امتحانات «الشهادة الثانوية السودانية»، بدءاً من الاثنين المقبل.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)

أهالي في شمال السودان يرفضون إيواء نازحين في مناطقهم

أثار رفض أهالي منطقة في شمال السودان لاستقبال نازحين جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث عبّر كثيرون عن رفضهم بشدة لهذا الموقف الذي وصفوه بالمتطرف.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا لقطة من فناء «دار الفتيات فاقدات السند» بأم درمان (الشرق الأوسط)

«فتيات بلا سند»... مشكلة فاقمتها الحرب في السودان

تفاقمت الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، وتأثرت بها بشدة الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة واحتياجاً، ووقع التأثير بضراوة على الفتيات «فاقدات السند».

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

مصر تطالب بـ«مسارات نظامية للهجرة» بالتعاون مع الشركاء الدوليين

وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين» الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين» الأحد (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بـ«مسارات نظامية للهجرة» بالتعاون مع الشركاء الدوليين

وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين» الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين» الأحد (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على «ضرورة تكثيف العمل على توفير مسارات نظامية للهجرة، بالتعاون مع الشركاء الدوليين». وقالت إن ذلك يتم «عبر توسيع فرص التدريب والهجرة النظامية للشباب، بما يلبي احتياجات أسواق العمل في دول المقصد، ويضمن حماية حقوق المهاجرين».

جاء ذلك خلال لقاء وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الأحد، مع رئيس «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين»، صلاح عبد الصادق، في إطار متابعة الجهود الوطنية للتعامل مع قضايا اللجوء وتعزيز التنسيق المؤسسي، فضلاً عن الاستعداد لانعقاد منتدى مراجعة الهجرة الدولية، المقرر عقده في نيويورك الشهر المقبل.

واستعرض عبد العاطي، خلال اللقاء، مخرجات الاجتماع الوزاري للدول الأفريقية الرائدة في تنفيذ أهداف «الميثاق العالمي من أجل هجرة آمنة ومنظمة ومنتظمة»، الذي استضافته القاهرة مطلع أبريل (نيسان) الحالي.

كما أعرب عن التطلع لمشاركة مصر في «منتدى مراجعة الهجرة الدولية» بنيويورك، واستعراض التقرير الوطني الطوعي الثاني، في ضوء مكانة مصر كدولة رائدة في تنفيذ الميثاق العالمي للهجرة، وتبنيها لنهج متكامل يوازن بين الأبعاد الإنسانية والتنموية للهجرة.

وشدّد وزير الخارجية المصري على «أهمية ترسيخ مفهومي تقاسم الأعباء والمسؤوليات والتضامن الدولي، وفقاً لما نصّ عليه الميثاق العالمي للهجرة واللاجئين»، مشيراً إلى «ضرورة العمل على توفير الدعم الدولي المستدام، بحيث لا يقتصر على البرامج قصيرة الأجل، بل يمتد إلى تمويل هيكلي طويل المدى يعزز من قدرة الدول على الاستمرار في تقديم الخدمات، ويدعم صمود المجتمعات المضيفة، بما يسهم في تعزيز التماسك المجتمعي».

لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، من 62 جنسية مختلفة، وهو ما يكلّف الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، الأحد، تناول اللقاء دور «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين» في تنسيق السياسات الوطنية وتعزيز التعاون مع مختلف الجهات المعنية بالدولة، لتقديم الدعم اللازم للاجئين وطالبي اللجوء في مصر، وذلك في ضوء استضافة مصر لملايين من اللاجئين والمهاجرين، الذين يعيشون في اندماج كامل بالمجتمع المصري ويتمتعون بالخدمات الأساسية دون تمييز، وذلك رغم محدودية الدعم الدولي مقارنة بحجم الأعباء المتزايدة نتيجة الأزمات الإقليمية.

فعاليات ترفيهية تقيمها «مؤسسة سوريا الغد» للإغاثة للاجئين في مصر (مؤسسة سوريا الغد للإغاثة)

وأشاد عبد العاطي بجهود «اللجنة الوطنية» في هذا الإطار، مثمناً النهج الشامل الذي تتبناه مصر لإدارة ملف الهجرة، الذي يقوم على ربط الهجرة بالتنمية ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية، من خلال تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتطوير منظومتي التعليم والتدريب وتوفير فرص العمل، إلى جانب إتاحة مسارات شرعية للهجرة وتعزيز إدارة الحدود، ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر.

وتُعدّ مصر من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، حتى تجاوزت أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء لدى مفوضية اللاجئين مليوناً و98 ألف شخص من 60 جنسية مختلفة بنهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تصدرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب، ثم السوريون بواقع 123 ألفاً و383 طلباً.


المنفي يؤكد رفض أي «مبادرات» تُطيل الانقسام الليبي

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي خلال «منتدى لمكافحة الفساد» في العاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي خلال «منتدى لمكافحة الفساد» في العاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب المنفي)
TT

المنفي يؤكد رفض أي «مبادرات» تُطيل الانقسام الليبي

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي خلال «منتدى لمكافحة الفساد» في العاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي خلال «منتدى لمكافحة الفساد» في العاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب المنفي)

تمسك رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، الأحد، برفضه لما وصفه بمبادرات «إطالة عمر الانقسام»، داعياً إلى «العودة إلى الشعب والاحتكام إلى إرادته الحرة» من خلال إجراء انتخابات تشريعية وتنفيذية جديدة.

وخلال الفترة الماضية، كثّف المنفي اتصالاته بقيادات عسكرية وسياسية في العاصمة طرابلس، مدفوعاً بخلافات متصاعدة مع رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، على خلفية مقترح أميركي يقضي بدمج الحكومتين المتنازعتين على السلطة.

وأعاد المنفي التذكير بأن ليبيا شهدت خلال السنوات الماضية «كماً كبيراً من التفاهمات، والتفاهمات المضادة، والمبادرات والاتفاقيات، والشعارات، والعناوين البراقة»، بحسب تعبيره. وقال، خلال ملتقى لـ«مكافحة الفساد» بالعاصمة الليبية طرابلس، إن كثيراً من هذه المبادرات «لم يكن موجهاً إلى حل جذور الأزمة، بل إلى إدارتها بما يضمن بقاءها، وإعادة إنتاجها في صورة جديدة، وتمديد عمر الانقسام، وتدوير النفوذ، وتقاسم الموارد، وترحيل التكلفة إلى جيب المواطن».

وألقى المنفي باللائمة على الفساد، معتبراً إياه «السبب الرئيسي في تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد»، واصفاً إياه بأنه «منظومة متكاملة» تتغذى على الانقسام السياسي وتستنزف ثروات البلاد.

وتتسق هذه التصريحات مع ما نشره المنفي عبر منصة «إكس» الأسبوع الماضي، حين أشار إلى أن الليبيين يقفون بين خياري «الدولة أو الصفقة» و«الانتخابات أو التمديد»، مؤكداً عزمه على إحداث تغيير، دون تقديم تفاصيل إضافية.

ويقضي مقترح يدعمه مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بتولي صدام حفتر رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من المنفي، مع الإبقاء على الدبيبة رئيساً لـ«الحكومة الموحدة» المرتقبة.

إحدى جلسات «الحوار المهيكل» في طرابلس يوم الاثنين الماضي (البعثة الأممية)

ولوّح المنفي، الأحد، باتخاذ «إجراء» لم يكشف عن تفاصيله، مؤكداً أنه «لن يقف عاجزاً أمام معاناة الليبيين»، مشدداً على أنه «لن يقبل بأن تتحول مؤسسات الدولة إلى هياكل تُدار فقط لحماية الفساد أو تسوية فواتير الإخفاق من قوت المواطنين ومدخراتهم وأحلام أطفالهم».

كما رحّب بحذر بتوقيع إطار المبادئ الحاكم للإنفاق العام الموحد بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» برعاية أميركية، معتبراً في بيان أن «العبرة تبقى بالتنفيذ الكامل والدقيق لما تم الاتفاق عليه»، بما يضمن انتظام تحصيل الإيرادات النفطية عبر القنوات الرسمية وفق القانون، بعيداً عن «التشوهات الناتجة عن عقود تطوير الحقول النفطية الهامشية».

عربياً، اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط أن الاتفاق الليبي بشأن الإنفاق العام «تطور إيجابي يعزز مسار التوافق بين الأطراف الليبية»، مجدداً في بيان استعداد الجامعة، عبر أجهزتها ومنظماتها المتخصصة، لدعم الجهود الوطنية الرامية إلى تنفيذ برنامج تنموي موحد.

في الأثناء، يستعد المشاركون في الحوار الليبي المهيكل لاستئناف جلسات «مسار الحوكمة»، الاثنين، وهو مسار سياسي أطلقته بعثة الأمم المتحدة ضمن «خريطة طريق» تهدف إلى معالجة الانسداد السياسي، وتوحيد المؤسسات، والتمهيد لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية.

ونقلت وسائل إعلام محلية، عن أحد المشاركين في الحوار، أن تقديم التوصيات المكتوبة المتعلقة بتهيئة البيئة الانتخابية مقرر الخميس المقبل، على أن تُعقد الجلسة العامة النهائية للحوار يومي الثالث والرابع من يونيو (حزيران) المقبل لاعتماد المخرجات النهائية.

أمنياً، التزمت السلطات الرسمية في طرابلس الصمت حيال واقعة تعرض اللواء إبراهيم الشقف، المرشح لمنصب نائب رئيس جهاز المخابرات العامة، لمحاولة اغتيال مسلحة، السبت، أمام أحد فنادق العاصمة.

إبراهيم الشقف المرشح لمنصب نائب رئيس جهاز المخابرات الليبية (متداولة)

ووفقاً للمؤسسة الليبية لحقوق الإنسان، اندلع اشتباك مسلح بين مرافقي الشقف ومهاجمين كانوا يستقلون سيارات، ما أسفر عن أضرار مادية دون وقوع إصابات بشرية. فيما أكدت مصادر محلية نجاته من الهجوم دون أذى.

وأعربت المؤسسة عن مخاوف متزايدة إزاء تدهور الوضع الأمني، معتبرة أن الحادثة تندرج ضمن «موجة متصاعدة من محاولات الاغتيال المرتبطة بالمواقف السياسية والمناصب الأمنية الحساسة»، داعية إلى فتح تحقيق شامل وجاد لكشف ملابسات الواقعة، وملاحقة الجناة وتقديمهم إلى العدالة، كما حثت وزارة الداخلية على تعزيز التدابير الأمنية لمكافحة الجريمة والجريمة المنظمة، وحماية المواطنين والمسؤولين.

وسبق للواء الشقف أن شغل منصب رئيس جهاز الأمن الداخلي، قبل ترشيحه لمنصب نائب رئيس جهاز المخابرات العامة، ضمن مساعٍ حكومية لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية في غرب البلاد التي تشهد تصاعداً ملحوظاً في أعمال العنف السياسي ومحاولات الاغتيال التي تستهدف شخصيات أمنية وعسكرية بارزة.


توحيد الجيش الليبي... هل تكون «فلينتلوك 2026» كلمة السر؟

وحدات عسكرية في غرب ليبيا قبل توجهها إلى سرت للمشاركة في مناورة «فلينتلوك» (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)
وحدات عسكرية في غرب ليبيا قبل توجهها إلى سرت للمشاركة في مناورة «فلينتلوك» (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)
TT

توحيد الجيش الليبي... هل تكون «فلينتلوك 2026» كلمة السر؟

وحدات عسكرية في غرب ليبيا قبل توجهها إلى سرت للمشاركة في مناورة «فلينتلوك» (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)
وحدات عسكرية في غرب ليبيا قبل توجهها إلى سرت للمشاركة في مناورة «فلينتلوك» (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)

مع تسارع الاستعدادات لاستضافة مدينة سرت الليبية مناورات «فلينتلوك 2026» منتصف الشهر الجاري، بمشاركة قوات من شرق البلاد وغربها، ورغم استمرار الانقسام السياسي والعسكري، بدت تصريحات لافتة صادرة عن أطراف عسكرية من الجانبين، تعكس توجهاً متنامياً لتوظيف الحدث كونه منصة للاقتراب من ملف توحيد الجيش.

وأثارت تلك الرسائل خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية تساؤلات حول ما إذا كانت المناورة التي ترعاها القوات الأميركية في «أفريقيا» قد تكتسب أبعاداً أوسع من جانبها الميداني، لتتحول إلى ما يشبه «كلمة سر» لخطوات متقدمة على طريق تشكيل جيش ليبي موحد، وهو الهدف الذي ظل غائباً عن البلاد منذ انهيار نظام العقيد الراحل معمر القذافي.

وبين خصوم الأمس في محاور القتال خلال حرب العاصمة طرابلس (2019 – 2020)، شهدت لغة الخطاب تحولاً ملحوظاً نحو مزيد من التقارب والتصالح. ففي شرق ليبيا، بدا هذا التغير واضحاً في تصريحات نائب قائد «الجيش الوطني» صدام خليفة حفتر، الذي حرص على تضمين تصريحاته عن هذه المناورات رسائل تتحدث عن «قدرة شباب ليبيا على الوحدة» و«مهنية المؤسسة العسكرية»، مشيراً إلى مشاركة عسكريين من «طرابلس والمدن الليبية كافة»، في محاولة لإبراز كسر الانقسام بين الشرق والغرب.

وكيل وزارة الدفاع في غرب ليبيا عبد السلام الزوبي وسط قادة عسكريين في مارس الماضي (وزارة الدفاع)

المغزى ذاته أعاد تأكيده شقيقه رئيس الأركان الفريق أول خالد حفتر بحديثه عن أن مناورة «فلينتلوك» تعكس حرص العسكريين على «وحدة البلاد»، بل ذهب إلى الحديث عن أن «تدريب ورفع كفاءة أبناء المؤسسة العسكرية شرقاً وغرباً وجنوباً» بمثابة «دعم حقيقي لجيش ليبيا الذي سيلتئم بعون الله ليصونها ويحميها».

في المقابل، قدّم وكيل وزارة الدفاع في غرب ليبيا، عبد السلام زوبي، قراءة رمزية للحدث، واصفاً التمرين بأنه «لقاء البنادق التي طال بها الفراق»؛ في إشارة إلى سنوات النزاع، بل وذهب إلى وصفه بأنه «تجسيد حي لإرادة توحيد المؤسسة العسكرية».

وتلقى مراقبون هذه الرسائل المتبادلة بتفاؤل، عززه اختيار سابق لسرت موقعاً للمناورات، باعتبار ما تمثله المدينة الواقعة في وسط الساحل الليبي من نقطة توازن جغرافي بين الشرق والغرب، ما يمنحها طابعاً «محايداً نسبياً» يتيح مشاركة قوات من مختلف المناطق.

قوات تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي في تدريبات استعداد لمناورة «فلينتلوك» في سرت (إعلام القيادة العامة)

كما تُقدَّم سرت في الخطاب الرسمي نموذجاً للتحول من بؤرة صراع، بعدما كانت أحد أبرز معاقل تنظيم «داعش» الذي قضت عليه عملية «البنيان المرصوص» قبل سنوات، إلى منصة للتدريب والتعاون الدولي. ففي حين يبرز خطاب قيادة الجيش في شرق البلاد المدينة بوصفها «انتصرت على الإرهاب»، يعيد مسؤولون في غرب ليبيا تقديمها باعتبارها رمزاً للالتقاء بعد سنوات من الانقسام.

لكن، ورغم هذه الرسائل، يرى عدد من الخبراء أن ما يجري لا يزال يندرج ضمن إطار «التوحيد الرمزي». وهنا قال وزير الدفاع الليبي الأسبق، اللواء محمد البرغثي، إن إجراء مناورة عسكرية في مدينة سرت بمشاركة قوات من شرق وغرب البلاد، إلى جانب عناصر من القيادة الأميركية في أفريقيا، لا يمكن اعتباره مؤشراً على توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وأوضح البرغثي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «إجراء تمرين عسكري بين قوات تتبع قائدين مختلفين، أحدهما في غرب ليبيا والآخر في شرقها، لا يعكس بأي حال صورة جيش ليبي موحد تحت قيادة واحدة». وأضاف أن «وحدة الجيش تعني وجود قيادة موحدة، وخضوع جميع التشكيلات العسكرية لإمرة رجل واحد يُعرف بالقائد العام».

واعتبر البرغثي أن ما يحدث في سرت «أقرب إلى نموذج للتعاون العسكري بين قوى مختلفة، وليس دليلاً على توحيد الجيش الليبي»، مؤكداً أن «تحقيق الوحدة العسكرية الحقيقية يتطلب أولاً توحيد القيادة والقرار العسكري».

ولا تبتعد تقديرات الوزير الليبي السابق عما سبق أن رصده باحثون ليبيون من عقبات بنيوية تعرقل هذا التوحيد، من بينها تعقيدات موروثة منذ عهد معمر القذافي، وغياب عقيدة عسكرية موحدة، فضلاً عن تباين هياكل القيادة بين شرق البلاد وغربها، حيث توجد قيادة عامة في الشرق مقابل نظام رئاسة أركان في الغرب.

رئيس أركان «الجيش الوطني» في شرق ليبيا الفريق أول خالد حفتر (إعلام القيادة العامة)

وتأتي هذه التطورات في ظل انقسام سياسي بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، التي تتبعها مجموعات مسلحة، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في بنغازي، والمدعومة من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

وتُعد مناورات «فلينتلوك»، التي انطلقت عام 2005، أكبر تدريب سنوي للقوات الخاصة في أفريقيا، وتهدف إلى تعزيز قدرات مكافحة الإرهاب وبناء الشراكات بين الدول المشاركة.

ورغم الطابع العسكري للمناورة، ترى بعض التقديرات أن «فلينتلوك 2026» تمثل محطة ذات أبعاد استراتيجية أوسع، خصوصاً مع حلول موعدها بعد أيام من اتفاق بين أطراف ليبية في الشرق والغرب على توحيد الموازنة العامة برعاية أميركية، بعد سنوات من التعثر.

وفي هذا السياق، يرى الباحث المتخصص في شؤون الأمن القومي الليبي، فيصل أبو الرايقة، أن ما يجري يعكس «مقاربة متكاملة» لإعادة التموضع الأميركي داخل ليبيا والمنطقة، ما يمنح الحدث أهمية خاصة من حيث التوقيت والدلالات.

وأوضح أن المشهد الليبي بات أقرب إلى «مسار متكامل» تتقاطع فيه الترتيبات العسكرية مع التفاهمات المالية، معتبراً أن تزامن المناورات مع الدفع نحو توحيد الميزانية يعزز هذا الاتجاه.

وبحسب تقديره، فإن هذا التوازي بين المسارين الأمني والمالي قد يشير إلى توجه عملي لإعادة تشكيل مركز القرار في البلاد، والدفع نحو توحيد الجهاز التنفيذي ضمن مظلة تجمع بين الأبعاد الأمنية والمالية.

وتشير تقديرات بحثية، بينها أوراق صادرة عن «المجلس الأطلسي»، إلى أن استضافة «فلينتلوك» في ليبيا تحمل أيضاً رسائل تتعلق بدمج البلاد ضمن منظومة أمنية غربية، بالتوازي مع موازنة النفوذ الروسي.

وبينما تعكس الخطابات المصاحبة للمناورات رغبة في الدفع نحو توحيد المؤسسة العسكرية، يبقى التحدي الرئيسي، بحسب مراقبين، في ترجمة هذه الرسائل إلى خطوات عملية تتجاوز الطابع الرمزي، نحو إعادة هيكلة فعلية للجيش الليبي تحت قيادة موحدة.