مؤتمر لندن للسودان... بصيص أمل في نفق «الحرب المنسية»

المشاركون في مؤتمر لندن حول السودان أثناء اجتماعهم (موقع وزارة الخارجية البريطانية)
المشاركون في مؤتمر لندن حول السودان أثناء اجتماعهم (موقع وزارة الخارجية البريطانية)
TT

مؤتمر لندن للسودان... بصيص أمل في نفق «الحرب المنسية»

المشاركون في مؤتمر لندن حول السودان أثناء اجتماعهم (موقع وزارة الخارجية البريطانية)
المشاركون في مؤتمر لندن حول السودان أثناء اجتماعهم (موقع وزارة الخارجية البريطانية)

يدخل السودان عامه الثالث في صراع دموي لا تُرى نهايته، حيث يعاني الشعب من عنف مروع ومعاناة إنسانية طاحنة، في أزمة إنسانية يصفها كثيرون بأنها الأسوأ في القرن الحادي والعشرين.

وفي محاولة لإنهاء هذا النزاع، استضافت العاصمة البريطانية لندن مؤتمراً دولياً الثلاثاء الماضي، جمع ممثلين عنها وعن فرنسا وألمانيا والاتحادين الأوروبي والأفريقي، بالإضافة إلى وزراء من 14 دولة ومندوبين عن الأمم المتحدة والجامعة العربية.

لكن المؤتمر، الذي أُحيط بتوقعات كبيرة، أثار جدلاً واسعاً حول نتائجه، بين من وصفه بـ«الفشل الدبلوماسي»، ومن رأى فيه «بصيص أمل» في نفق الحرب المنسية. وقد تفاجأ كثيرون بالصمت الإعلامي الذي أحاط بالحدث، حيث لم تُنشر تغطيات صحافية بريطانية واسعة، بل إن المنظمين استبعدوا وسائل الإعلام في اللحظات الأخيرة، ربما لتجنب الانتقادات حول عدم التوصل إلى بيان ختامي مشترك.

ديفيد لامي استضافت استضافت بلاده الثلاثاء مؤتمراً لبحث وقف حرب السودان بمشاركة 20 دولة (إكس)

مؤتمر من دون بيان... وانقسام دولي

فشل المشاركون في الاتفاق على بيان موحد، ما دفع الجهات المنظمة (بريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي) إلى إصدار بيان منفرد يعبر عن موقفهم. وقد وصف وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، الحرب بأنها «وحشية»، ودعا إلى وقفها فوراً. كما تضمن البيان دعماً للحلول السلمية، ورفضاً للتدخلات الخارجية التي تغذي الصراع، مع التأكيد على ضرورة انتقال السودان إلى حكومة مدنية منتخبة، واسعة التمثيل، يقررها الشعب السوداني، لا أطراف خارجية. كما رفض البيان أي محاولات لتقسيم السودان أو تشكيل حكومات موازية.

ونقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية عن بعض المحللين وصف المؤتمر بـ«الانتكاسة الدبلوماسية»، خصوصاً بعد عدم تحقيق أي تقدم ملموس نحو وقف إطلاق النار. ومع ذلك، رأى آخرون أن مجرد عقد المؤتمر يعد إنجازاً، كونه سلط الضوء على أزمة إنسانية طواها النسيان.

إنجازات محدودة ومساعدات إنسانية

ورغم الخلافات السياسية، سلَّط الوزير السابق لشؤون الرئاسة في السودان، خالد عمر يوسف، الضوء على النقاط الإيجابية التي تميز بها مؤتمر لندن، مؤكداً أنه نجح في تحقيق أهدافه الرئيسة المتمثلة في لفت الانتباه العالمي إلى الكارثة الإنسانية «المُهمَلة» في السودان، وتعزيز التنسيق الدولي لجهود السلام، وزيادة الدعم المالي للضحايا. وأشار يوسف إلى أن المؤتمر، وإن لم يحقق نتائج سياسية كبيرة، شكَّل منصة لإبراز معاناة الشعب السوداني، يمكن البناء عليها مستقبلاً.

وأوضح يوسف - أحد أبرز قيادات تحالف «صمود» الذي يترأسه رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك - في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن وصف المؤتمر بـ«الناجح» أو «الفاشل» بشكلٍ مطلق لا يعكس الواقع بدقة، مشدداً على أن التقييم يجب أن يرتكز على الأهداف المعلنة للمؤتمر. ورأى أن المؤتمر مثَّل فرصة حيوية لتسليط الضوء على الأزمة الإنسانية «المنسية» في السودان، التي لطالما غابت عن الاهتمام الدولي.

وزير شؤون الرئاسة السابق خالد عمر يوسف (موقعه على «إكس»)

ومن أبرز إنجازاته، بحسب يوسف، الالتزام المالي الكبير من الدول المانحة، حيث بلغت التعهدات نحو 800 مليون دولار أميركي، وهو مبلغ حاسم لتغطية الاحتياجات العاجلة، خصوصاً للنازحين والمتضررين من الحرب.

غير أن يوسف أقرَّ بأن التوقعات كانت أكبر فيما يخص التنسيق السياسي بين الدول المشاركة، الذي لم يتحقق بالكامل بسبب تباين المواقف الدولية تجاه الأزمة السودانية. ومع ذلك، عدّ أن مجرد عقد هذا الحوار الدولي يعد خطوة إيجابية، إذ إن «الانقسام الدولي حول السودان يعكس تعقيد الأزمة، لكنه في الوقت نفسه يزيد من التركيز عليها، ويُعمّق إدراك السودانيين للمخاطر التي تهدد مستقبل بلدهم».

وأكد يوسف أن التوافق الدولي لن يتحقق بين عشية وضحاها، لكن مثل هذه المؤتمرات تمثل لبناتٍ في طريق طويل نحو حل شامل، خاتماً حديثه بالقول: «مؤتمر لندن ليس نهاية المطاف، بل محطة من محطات الضغط التي يجب أن تستمر حتى يُفتح باب الأمل أمام السودانيين».

يُجسّد هذا الموقف رؤية القوى المدنية السودانية، التي ترى أن المعركة السياسية لإيقاف الحرب تتطلب صبراً واستراتيجية طويلة الأمد، بينما تبقى المساعدات الإنسانية عاملاً حاسماً لإنقاذ الأرواح على المدى القريب.

تحذيرات بريطانية

وقبل ساعات من بداية المؤتمر وجه وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي، تحذيرات أشار فيها إلى أن «عامين من الحرب الدامية دمّرا حياة الملايين، ومع ذلك لا يزال جزء كبير من العالم يتجاهل الأزمة». وأضاف أن «كلا طرفي النزاع أظهرا ازدراءً صارخًا لحياة المدنيين».وفي كلمته أمام المندوبين، حذّر لامي من أن «الكثيرين تخلوا عن السودان»، معتبرًا استمرار الصراع أمرًا لا مفر منه في ظل غياب الإرادة السياسية الحقيقية للسلام. وقال: «علينا إقناع الأطراف المتحاربة بحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ووضع السلام فوق كل الاعتبارات». وأشار إلى أن «الدول الغربية لديها قدرة محدودة على وقف القتال، بينما يتمتع الشركاء الإقليميون بنفوذ أكبر». كما شدد على أن «استقرار السودان حيوي للأمن القومي العالمي، لأن الفوضى ستؤدي إلى موجات هجرة واسعة وتفاقم عدم الاستقرار في المنطقة». وختم تصريحه بالقول: «سودان آمن ومستقر ضروري لأمننا جميعًا.. والمملكة المتحدة لن تسمح بنسيان السودان».

موقف سعودي واضح

في سياق متصل، طالبت منظمات إغاثة وحقوق إنسان المجتمع الدولي بمعاقبة الدول التي تنتهك حظر الأسلحة المفروض على السودان، مشيرة إلى تورط أطراف خارجية في إمداد المتحاربين بالعتاد العسكري.

وأكدت المملكة العربية السعودية، في هذا السياق، على أهمية وقف الدعم الخارجي لطرفي الصراع في السودان، كونه مسألة جوهرية لا بد منها لتهيئة بيئة حقيقية لوقف إطلاق النار، وفتح الطريق أمام حلٍ سياسي شامل.

نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي خلال مشاركته في مؤتمر لندن حول السودان (واس)

وقال نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، إن التدخلات الخارجية تُعقّد الأزمة وتعيق وصول المساعدات الإنسانية، مشيداً بفتح معبر «أدري» الحدودي مع تشاد. وأكد أن ما يجري في السودان لا يمس فقط أبناء شعبه، وإنما يُمثل تهديداً للاستقرار الإقليمي والأمن الوطني العربي والأفريقي، وأن «المسؤولية الجماعية تحتّم علينا مضاعفة الجهود لدعم مسار الحوار، ووقف إطلاق النار، وتوفير المساعدات الإنسانية العاجلة، والحفاظ على مؤسسات السودان من الانهيار، والحفاظ على وحدته وسلامة أراضيه ومقدراته».

هل هناك أمل؟

رغم التشاؤم السائد، يرى بعض الخبراء أن المؤتمر قد يكون بداية لتحرك دولي أكثر جدية، خصوصاً مع تصاعد الدعم الإنساني والاهتمام المتجدد بأزمة السودان. لكن السؤال يبقى: هل يمكن تحويل هذه الالتزامات المالية والخطابات السياسية إلى خطوات عملية توقف نزف الحرب؟ الإجابة ستحددها الأشهر المقبلة، بينما يستمر السودانيون في انتظار بصيص نور حقيقي في نفقهم المظلم.


مقالات ذات صلة

مشروع قانون أميركي لشراكة زراعية وتعدينية مع السودان

شمال افريقيا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هو من يقرر ساعة الصفر لانطلاق المبادرة (رويترز)

مشروع قانون أميركي لشراكة زراعية وتعدينية مع السودان

طرح عضو في مجلس النواب الأميركي مشروع قانون لإقامة شراكة اقتصادية بين الولايات المتحدة والسودان، تقوم على تبادل الموارد المعدنية السودانية بالتكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا معبر أرقين البري الرابط بين مصر والسودان (أ.ف.ب)

مقتل سائقَين مصريين في الخرطوم يدفع آخرين إلى العزوف عن السفر

يحاول السائق المصري سامي لطفي (40 عاماً) على مدار الساعة، أن يصل إلى زميله وشريكه الموجود حالياً في السودان، لنقل شحنة تجارية، دون فائدة.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (أرشيفية - وكالة الأنباء السودانية)

البرهان يبعث برسالة إلى ترمب يؤكد فيها التزامه بتحقيق السلام

بعث رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، برسالة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الخميس، يؤكد فيها التزامه بتحقيق السلام.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا جنود من الجيش السوداني بمطار الخرطوم الدولي في 3 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

السودان: تباطؤ العمليات العسكرية والغارات على الجبهات

يعزى تراجع المعارك إلى أن الطرفين المتحاربين في السودان يكثفان الحشود العسكرية على الأرض، استعداداً لمرحلة جديدة من المعارك.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)

«الخارجية المصرية» لـ«الشرق الأوسط»: العلاقات مع السودان عميقة وممتدة

أكدت مصر على متانة العلاقات مع السودان واستمرار التنسيق بالملفات الاستراتيجية بعد حادثين متتالين أحدهما يخص منقبين سودانيين والآخر بشأن سائقين مصريين

محمد الريس (القاهرة )

مصر تستدعي القائم بالأعمال الكولومبي للاحتجاج على افتتاح «سفارة في القدس»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
TT

مصر تستدعي القائم بالأعمال الكولومبي للاحتجاج على افتتاح «سفارة في القدس»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)

استدعت مصر القائم بالأعمال الكولومبي في القاهرة للاحتجاج على افتتاح سفارة لكولومبيا في القدس. وأفاد مصدر مصري مطلع، الجمعة، بأن وزارة الخارجية استدعت القائم بالأعمال الكولومبي في القاهرة، للإعراب عن احتجاج مصر الشديد ورفضها القاطع لافتتاح كولومبيا سفارة لها في القدس المحتلة، باعتبار ذلك «خطوة أحادية غير مقبولة، تتعارض مع الوضع القانوني والتاريخي القائم للمدينة، ومخالفة صريحة لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة».

وأكد المصدر، وفق ما أوردته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية المصرية، الجمعة، أن «هذا الإجراء يُعد باطلاً ولاغياً، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأوضح المصدر المطلع أنه «جرى التأكيد خلال الاستدعاء على أن مثل هذه الخطوات غير المسؤولة ستكون لها تداعيات سلبية على الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، ومن شأنها تأجيج التوترات».

كما شدد على «ضرورة احترام الوضع القانوني والتاريخي للقدس المحتلة، والامتناع عن اتخاذ أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بفرص تحقيق السلام على أساس (حل الدولتين)».

وكان وزراء خارجية المملكة العربية السعودية، ومصر، وفلسطين، وتركيا، وجيبوتي، ولبنان، وليبيا، واليمن، وقطر، والأردن، والصومال، وماليزيا، وإندونيسيا، والكويت، والجزائر، وسلطنة عُمان، وسوريا، والسودان، وباكستان، وجنوب أفريقيا، قد أعربوا عن رفضهم القاطع لقيام كولومبيا بافتتاح سفارتها في القدس. وعدّوها «خطوة تتعارض مع قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، وتقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق سلام عادل ودائم قائم على حل الدولتين».

عائلة وضعت خيمتها فوق أنقاض منزلها الذي دمرته غارة إسرائيلية في غزة (أ.ب)

وأعاد الوزراء، في بيان مشترك، الجمعة، تأكيد أن «أي إجراء أو قرار يهدف إلى تغيير الوضع القانوني أو التاريخي للقدس المحتلة، أو الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، هو باطل ولاغٍ، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني. ويتماشى هذا الموقف مع قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة، ولا سيما قراري مجلس الأمن رقم (476) لعام 1980 ورقم (478) لعام 1980، اللذين يرفضان محاولات تغيير طابع القدس أو وضعها، ويدعوان الدول إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من المدينة التي تُعدّ جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967».

كما دعا وزراء الخارجية، في بيانهم، الحكومة الكولومبية إلى «إعادة النظر في هذا القرار والتراجع عنه، والوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، والامتناع عن اتخاذ تدابير تمس بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقّه في إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة تكون القدس الشرقية عاصمة لها».


تثبيت أسعار المحروقات ينعش آمال الشارع المصري في «تهدئة الأسواق»

تثبيت أسعار الوقود يمنح فرصة لاستقرار الأسعار في مصر (وزارة التموين المصرية)
تثبيت أسعار الوقود يمنح فرصة لاستقرار الأسعار في مصر (وزارة التموين المصرية)
TT

تثبيت أسعار المحروقات ينعش آمال الشارع المصري في «تهدئة الأسواق»

تثبيت أسعار الوقود يمنح فرصة لاستقرار الأسعار في مصر (وزارة التموين المصرية)
تثبيت أسعار الوقود يمنح فرصة لاستقرار الأسعار في مصر (وزارة التموين المصرية)

أنعش قرار تثبيت أسعار المحروقات آمال الشارع المصري في «تهدئة الأسواق». وفي رأي خبراء، فإن القرار «جنّب الأسواق ارتفاعات كانت ستلحق بغالبية السلع مثلما يحصل حينما تُقدم الحكومة على اتخاذ قرارات تتعلق بدعم الوقود»، وذلك وسط تأكيدات حكومية بتوفير كميات من السلع الأساسية لمنع الاحتكار.

وقررت «لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية» تثبيت أسعار الوقود دون تغيير خلال اجتماعها، الخميس، لمراجعة المحددات الخاصة بآليات التسعير التلقائي، وذلك رغم ارتفاع أسعار النفط عالمياً.

وقالت وزارة البترول إن «اللجنة راجعت محددات آلية التسعير التلقائي، وأهمها التغيّرات في سعر الصرف وسعر برميل خام برنت خلال الربع الممتد من شهر يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) الماضي، مقارنةً بالربع السابق. وقررت فى ضوء تلك المحددات الإبقاء على أسعار المنتجات البترولية دون تعديل أو تغيير».

وفي رأي الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس، فإن قرار تثبيت سعر الوقود جنّب السوق ارتفاعات كانت مرتقبة لأسعار العديد من السلع، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «القرار سيؤدي إلى تهدئة الأسواق مؤقتاً»، مؤكداً أن «الحكومة لجأت هذه المرة إلى استراتيجية امتصاص الأزمات».

وأشار النحاس إلى أن «قرار تثبيت أسعار الوقود يحمل في خلفياته أبعاداً سياسية واقتصادية؛ فعلى الجانب السياسي تعاملت الحكومة بحكمة، واقتصادياً كانت قد لجأت إلى (التحوط)؛ إذ سبق أن تعاقدت مع كل من ليبيا والعراق على شراء كمية كبيرة من البترول بسعر 85 دولاراً للبرميل، قبل أن يصل السعر في الوقت الحالي إلى نحو 105 دولارات» (الدولار يساوي أكثر من 53 جنيهاً مصرياً).

وزير التموين شريف فاروق يؤكد استمرار الحكومة في توفير السلع المخفّضة (وزارة التموين المصرية)

وبهدف تهدئة الأسواق وضبط الأسعار، تواصل الحكومة ضخ كميات من السلع الأساسية بأسعار مخفّضة عبر المنافذ الرسمية، ضمن مبادرة انطلقت في سبتمبر الماضي، وتستمر حتى مارس (آذار) 2027، بحسب بيان لوزارة التموين.

وأكد وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق استمرار التنسيق مع الجهات المعنية، لضمان «توافر السلع المطروحة وانتظام ضخها في المنافذ المشاركة بمختلف المحافظات، بما يلبي احتياجات المواطنين». وأشار في إفادة رسمية، الجمعة، إلى أن «الوزارة تواصل تنفيذ مبادرة خفض أسعار السلع، من خلال طرح مجموعة متنوعة من السلع الأساسية والغذائية والاستهلاكية بأسعار مخفّضة عبر 284 منفذاً، في إطار جهود زيادة المعروض، وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، وتعزيز استقرار الأسواق».

وجاء قرار تثبيت أسعار الوقود عقب فترة ترقب عاشها المصريون منذ الشهر الماضي، وتخوفات من زيادة جديدة في أسعاره وسط تقارير دولية أشارت إلى رفع الأسعار خلال شهرَي سبتمبر الماضي وأكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وعبّر الأربعيني صبحي يوسف (الذي يعيش في حي حلوان جنوب القاهرة، ويعمل في شركة حكومية بحي مدينة نصر شرق القاهرة) عن ارتياحه لعدم تحريك سعر الوقود، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن تكلفة الانتقالات من منزله إلى العمل مرتفعة، وفي حال حدوث زيادة جديدة كان سيواجه مشكلات جمّة لم يكن يعرف كيف سيتعامل معها.

وفي رأي الخمسينية سلوى عبد الله (وهي ربة منزل تعيش في حي عابدين وسط القاهرة)، فإن «قرار عدم زيادة سعر الوقود جنّب الناس موجة غلاء كبيرة»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لو كانت الحكومة رفعت سعر الوقود كنت سأنزل السوق في اليوم التالي لأجد ارتفاع أسعار كل السلع والخضراوات وغيرها».

سلع مخفّضة تطرحها وزارة التموين المصرية للحفاظ على استقرار الأسعار (وزارة التموين المصرية)

وقال البنك المركزي المصري، الأحد الماضي، إن معدل التضخم الأساسي السنوي في مصر تراجع إلى 14.1 في المائة في سبتمبر من 14.9 في المائة في أغسطس (آب) الماضي. ويستبعد التضخم الأساسي السلع شديدة التذبذب مثل الأغذية، في حين أن التضخم العام يشمل جميع السلع.

وهو ما برز في إفادة «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» السبت الماضي؛ إذ أكد أن أسعار الطعام والمشروبات ارتفعت 3.2 في المائة، والفاكهة 2.6 في المائة، واللحوم والدواجن 2.5 في المائة خلال شهر سبتمبر.


حراك سياسي واقتصادي مصري - سوري متصاعد يعيد تنشيط العلاقات

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوري على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في يونيو الماضي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوري على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في يونيو الماضي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
TT

حراك سياسي واقتصادي مصري - سوري متصاعد يعيد تنشيط العلاقات

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوري على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في يونيو الماضي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوري على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في يونيو الماضي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

في حين تشهد العلاقات المصرية - السورية حراكاً سياسياً اقتصادياً خلال الفترة الحالية، أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية السفير نادر زكي لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة لديها نية للتفاهم مع دمشق حول الموضوعات العالقة للانطلاق نحو شراكة أقوى مستقبلاً بين البلدين».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الجمعة، وزير المالية السوري محمد يسر برنية، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في بانكوك.

وبحسب بيان لـ«الخارجية المصرية»، فقد بحث الوزيران سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مجالات التعاون الاقتصادي والمالي وغيرهما، وأكدا «عمق الروابط الأخوية والتاريخية التي تجمع الشعبين الشقيقين».

كما تضمن بيان «الخارجية»، أن الوزير عبد العاطي «أشاد بنجاح الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى سوريا». وأشار إلى أنه «يجري حالياً التحضير لزيارة عبد العاطي إلى دمشق خلال الفترة المقبلة». والتي ستكون الأولى لمسؤول مصري رفيع المستوى منذ وصول الرئيس أحمد الشرع للحكم قبل نحو عامين، وسط «تنامي العلاقات بين البلدين وطموح سوري للتطبيع الكامل مع القاهرة»، بحسب مراقبين.

وقال السفير زكي، الجمعة، إن «التقارب أمر طبيعي بين البلدين، والعلاقات الشعبية بين مصر وسوريا قوية وتاريخية، وأثبتت صلابتها خلال الأزمات. ومن المهم أننا نعمل على تحقيق تطلعات الشعبين في مزيد من التعاون، وتعزيز العلاقات الثنائية».

وأشار إلى زيارة وفد اقتصادي مصري لدمشق، منذ مدة وجيزة، «حيث تم الإعلان خلالها، عن إطلاق (مجلس الأعمال المصري - السوري). كما أن وزير الخارجية يعتزم زيارة دمشق خلال الفترة المقبلة، ونعمل حالياً على الترتيب الجيد لهذه الزيارة حتى تخرج بالنتائج المرجوة. وهذا يعني وجود نية لدينا للتفاهم حول الموضوعات العالقة؛ ما يمهد لشراكة أقوى مستقبلاً بين البلدين».

بدر عبد العاطي أشاد الجمعة بنجاح الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى سوريا (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

ومنذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.

وتدريجياً، تطورت العلاقات بين مصر وسوريا، في إطار تعاون اقتصادي بين الجانبين، ضمن توجه دمشق نحو إعادة بناء اقتصادها، وتعزيز شراكاتها الإقليمية. واستضافت العاصمة السورية منتصف الشهر الماضي، الاجتماع الأول «لمجلس الأعمال السوري - المصري».

والتقى أحمد الشرع، وزير الخارجية المصري خلال اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع عدد من قادة المنطقة في نيويورك، سبتمبر (أيلول) الماضي، كما زار وفد حكومي مصري دمشق برئاسة مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون العربية السفير إيهاب فهمي لتعزيز مسارات التعاون المشتركة.

وفي رأي المحلل السياسي السوري عبد الحميد توفيق، فإن «بداية التقارب الاقتصادي بين البلدين أولاً أمر طبيعي جداً، خصوصاً أنه لا يخفى على أحد وجود تباينات سياسية بين السلطتين في مصر وسوريا، حيث تحفظت القاهرة على بعض الأمور، وعملت دمشق على تحقيق مطالب القاهرة مثل الاستجابة لتغيير المرشح لممثل بعثة سوريا لدى مصر».

ويتابع: «لكن لا شك أن هناك مسائل لم يتم حلها بعد، مثل وجود بعض الشخصيات في السلطة السورية الجديدة تتحفظ عليها مصر، إلا أنه على ما يبدو، توجد نية جادة لدى الطرفين للتفاهم والتقارب، خصوصاً في ظل الأوضاع التي تعيشها المنطقة وحاجتهما لبعضهما البعض، ولذلك يتم النفاذ إلى بعضهما البعض عبر شرايين الاقتصاد والأمور الأخرى لحين حل الخلافات السياسية».

يحيى دياب سلم أوراق اعتماده قائماً بأعمال السفير السوري بالقاهرة في يوليو الماضي (السفارة السورية لدى مصر)

ويقول توفيق لـ«الشرق الأوسط»: «في حال تمت زيارة وزير الخارجية المصري إلى دمشق، فإن الحضور الدبلوماسي المصري إلى سوريا وليس العكس يعني أن هناك صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين قد بدأت، وأن المطالب المصرية تجري الاستجابة لها، وأن هناك إرادة لتفعيل التعاون بين الطرفين بشكل أوسع وأعمق في مختلف المجالات».