مؤتمر لندن للسودان... بصيص أمل في نفق «الحرب المنسية»

المشاركون في مؤتمر لندن حول السودان أثناء اجتماعهم (موقع وزارة الخارجية البريطانية)
المشاركون في مؤتمر لندن حول السودان أثناء اجتماعهم (موقع وزارة الخارجية البريطانية)
TT

مؤتمر لندن للسودان... بصيص أمل في نفق «الحرب المنسية»

المشاركون في مؤتمر لندن حول السودان أثناء اجتماعهم (موقع وزارة الخارجية البريطانية)
المشاركون في مؤتمر لندن حول السودان أثناء اجتماعهم (موقع وزارة الخارجية البريطانية)

يدخل السودان عامه الثالث في صراع دموي لا تُرى نهايته، حيث يعاني الشعب من عنف مروع ومعاناة إنسانية طاحنة، في أزمة إنسانية يصفها كثيرون بأنها الأسوأ في القرن الحادي والعشرين.

وفي محاولة لإنهاء هذا النزاع، استضافت العاصمة البريطانية لندن مؤتمراً دولياً الثلاثاء الماضي، جمع ممثلين عنها وعن فرنسا وألمانيا والاتحادين الأوروبي والأفريقي، بالإضافة إلى وزراء من 14 دولة ومندوبين عن الأمم المتحدة والجامعة العربية.

لكن المؤتمر، الذي أُحيط بتوقعات كبيرة، أثار جدلاً واسعاً حول نتائجه، بين من وصفه بـ«الفشل الدبلوماسي»، ومن رأى فيه «بصيص أمل» في نفق الحرب المنسية. وقد تفاجأ كثيرون بالصمت الإعلامي الذي أحاط بالحدث، حيث لم تُنشر تغطيات صحافية بريطانية واسعة، بل إن المنظمين استبعدوا وسائل الإعلام في اللحظات الأخيرة، ربما لتجنب الانتقادات حول عدم التوصل إلى بيان ختامي مشترك.

ديفيد لامي استضافت استضافت بلاده الثلاثاء مؤتمراً لبحث وقف حرب السودان بمشاركة 20 دولة (إكس)

مؤتمر من دون بيان... وانقسام دولي

فشل المشاركون في الاتفاق على بيان موحد، ما دفع الجهات المنظمة (بريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي) إلى إصدار بيان منفرد يعبر عن موقفهم. وقد وصف وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، الحرب بأنها «وحشية»، ودعا إلى وقفها فوراً. كما تضمن البيان دعماً للحلول السلمية، ورفضاً للتدخلات الخارجية التي تغذي الصراع، مع التأكيد على ضرورة انتقال السودان إلى حكومة مدنية منتخبة، واسعة التمثيل، يقررها الشعب السوداني، لا أطراف خارجية. كما رفض البيان أي محاولات لتقسيم السودان أو تشكيل حكومات موازية.

ونقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية عن بعض المحللين وصف المؤتمر بـ«الانتكاسة الدبلوماسية»، خصوصاً بعد عدم تحقيق أي تقدم ملموس نحو وقف إطلاق النار. ومع ذلك، رأى آخرون أن مجرد عقد المؤتمر يعد إنجازاً، كونه سلط الضوء على أزمة إنسانية طواها النسيان.

إنجازات محدودة ومساعدات إنسانية

ورغم الخلافات السياسية، سلَّط الوزير السابق لشؤون الرئاسة في السودان، خالد عمر يوسف، الضوء على النقاط الإيجابية التي تميز بها مؤتمر لندن، مؤكداً أنه نجح في تحقيق أهدافه الرئيسة المتمثلة في لفت الانتباه العالمي إلى الكارثة الإنسانية «المُهمَلة» في السودان، وتعزيز التنسيق الدولي لجهود السلام، وزيادة الدعم المالي للضحايا. وأشار يوسف إلى أن المؤتمر، وإن لم يحقق نتائج سياسية كبيرة، شكَّل منصة لإبراز معاناة الشعب السوداني، يمكن البناء عليها مستقبلاً.

وأوضح يوسف - أحد أبرز قيادات تحالف «صمود» الذي يترأسه رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك - في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن وصف المؤتمر بـ«الناجح» أو «الفاشل» بشكلٍ مطلق لا يعكس الواقع بدقة، مشدداً على أن التقييم يجب أن يرتكز على الأهداف المعلنة للمؤتمر. ورأى أن المؤتمر مثَّل فرصة حيوية لتسليط الضوء على الأزمة الإنسانية «المنسية» في السودان، التي لطالما غابت عن الاهتمام الدولي.

وزير شؤون الرئاسة السابق خالد عمر يوسف (موقعه على «إكس»)

ومن أبرز إنجازاته، بحسب يوسف، الالتزام المالي الكبير من الدول المانحة، حيث بلغت التعهدات نحو 800 مليون دولار أميركي، وهو مبلغ حاسم لتغطية الاحتياجات العاجلة، خصوصاً للنازحين والمتضررين من الحرب.

غير أن يوسف أقرَّ بأن التوقعات كانت أكبر فيما يخص التنسيق السياسي بين الدول المشاركة، الذي لم يتحقق بالكامل بسبب تباين المواقف الدولية تجاه الأزمة السودانية. ومع ذلك، عدّ أن مجرد عقد هذا الحوار الدولي يعد خطوة إيجابية، إذ إن «الانقسام الدولي حول السودان يعكس تعقيد الأزمة، لكنه في الوقت نفسه يزيد من التركيز عليها، ويُعمّق إدراك السودانيين للمخاطر التي تهدد مستقبل بلدهم».

وأكد يوسف أن التوافق الدولي لن يتحقق بين عشية وضحاها، لكن مثل هذه المؤتمرات تمثل لبناتٍ في طريق طويل نحو حل شامل، خاتماً حديثه بالقول: «مؤتمر لندن ليس نهاية المطاف، بل محطة من محطات الضغط التي يجب أن تستمر حتى يُفتح باب الأمل أمام السودانيين».

يُجسّد هذا الموقف رؤية القوى المدنية السودانية، التي ترى أن المعركة السياسية لإيقاف الحرب تتطلب صبراً واستراتيجية طويلة الأمد، بينما تبقى المساعدات الإنسانية عاملاً حاسماً لإنقاذ الأرواح على المدى القريب.

تحذيرات بريطانية

وقبل ساعات من بداية المؤتمر وجه وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي، تحذيرات أشار فيها إلى أن «عامين من الحرب الدامية دمّرا حياة الملايين، ومع ذلك لا يزال جزء كبير من العالم يتجاهل الأزمة». وأضاف أن «كلا طرفي النزاع أظهرا ازدراءً صارخًا لحياة المدنيين».وفي كلمته أمام المندوبين، حذّر لامي من أن «الكثيرين تخلوا عن السودان»، معتبرًا استمرار الصراع أمرًا لا مفر منه في ظل غياب الإرادة السياسية الحقيقية للسلام. وقال: «علينا إقناع الأطراف المتحاربة بحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ووضع السلام فوق كل الاعتبارات». وأشار إلى أن «الدول الغربية لديها قدرة محدودة على وقف القتال، بينما يتمتع الشركاء الإقليميون بنفوذ أكبر». كما شدد على أن «استقرار السودان حيوي للأمن القومي العالمي، لأن الفوضى ستؤدي إلى موجات هجرة واسعة وتفاقم عدم الاستقرار في المنطقة». وختم تصريحه بالقول: «سودان آمن ومستقر ضروري لأمننا جميعًا.. والمملكة المتحدة لن تسمح بنسيان السودان».

موقف سعودي واضح

في سياق متصل، طالبت منظمات إغاثة وحقوق إنسان المجتمع الدولي بمعاقبة الدول التي تنتهك حظر الأسلحة المفروض على السودان، مشيرة إلى تورط أطراف خارجية في إمداد المتحاربين بالعتاد العسكري.

وأكدت المملكة العربية السعودية، في هذا السياق، على أهمية وقف الدعم الخارجي لطرفي الصراع في السودان، كونه مسألة جوهرية لا بد منها لتهيئة بيئة حقيقية لوقف إطلاق النار، وفتح الطريق أمام حلٍ سياسي شامل.

نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي خلال مشاركته في مؤتمر لندن حول السودان (واس)

وقال نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، إن التدخلات الخارجية تُعقّد الأزمة وتعيق وصول المساعدات الإنسانية، مشيداً بفتح معبر «أدري» الحدودي مع تشاد. وأكد أن ما يجري في السودان لا يمس فقط أبناء شعبه، وإنما يُمثل تهديداً للاستقرار الإقليمي والأمن الوطني العربي والأفريقي، وأن «المسؤولية الجماعية تحتّم علينا مضاعفة الجهود لدعم مسار الحوار، ووقف إطلاق النار، وتوفير المساعدات الإنسانية العاجلة، والحفاظ على مؤسسات السودان من الانهيار، والحفاظ على وحدته وسلامة أراضيه ومقدراته».

هل هناك أمل؟

رغم التشاؤم السائد، يرى بعض الخبراء أن المؤتمر قد يكون بداية لتحرك دولي أكثر جدية، خصوصاً مع تصاعد الدعم الإنساني والاهتمام المتجدد بأزمة السودان. لكن السؤال يبقى: هل يمكن تحويل هذه الالتزامات المالية والخطابات السياسية إلى خطوات عملية توقف نزف الحرب؟ الإجابة ستحددها الأشهر المقبلة، بينما يستمر السودانيون في انتظار بصيص نور حقيقي في نفقهم المظلم.


مقالات ذات صلة

هجمات المسيّرات تشعل 3 جبهات في السودان

شمال افريقيا حطام مسيَّرة أعلن الجيش عن إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة) p-circle

هجمات المسيّرات تشعل 3 جبهات في السودان

احتدم القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، الخميس، على محورَي كردفان والنيل الأزرق، إضافة إلى الخرطوم في أكبر هجمات بالمسيرات منذ بداية الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مواطنون يزيلون الأنقاض من ساحة جامع في الخرطوم بحري أصيب بهجوم المسيرات (أ.ف.ب)

«الدعم السريع» تشن هجوماً واسع النطاق بالمسيّرات على الخرطوم ومدن سودانية

شنّت «قوات الدعم السريع»، الأربعاء، هجوماً واسعاً بعشرات الطائرات المسيّرة طالت عدداً من المدن السودانية الكبرى في شمال البلاد وغربها.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي أحد أفراد الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب بالخرطوم (أرشيفية-رويترز)

هجوم بمسيّرات على الخرطوم ومدينتين في شمال السودان

وقع هجوم بمسيّرات، فجر اليوم، على الخرطوم ومدينتين في شمال السودان، وفق مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» وشهود.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم )
شمال افريقيا حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)

تحالف «صمود» السوداني: لم نتلقَّ اتصالاً للمشاركة في الحوار السياسي

أكد التحالف المدني الديمقراطي السوداني «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك أنه لم يتلقَّ أي اتصال بشأن ما يتداول عن مبادرة لحوار سياسي وطني.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
رياضة عربية الألماني زينباور مدرباً للهلال السوداني (أ.ف.ب)

الألماني زينباور مدرباً للهلال السوداني

أعلن الهلال السوداني الأحد تعاقده مع المدرب الألماني جوزيف زينباور.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

هل تُسرِّع الاضطرابات الأمنية في ليبيا «المبادرة الأميركية» أم تُجهضها؟

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)
TT

هل تُسرِّع الاضطرابات الأمنية في ليبيا «المبادرة الأميركية» أم تُجهضها؟

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)

عاد الحديث مجدداً في ليبيا عن مصير «المبادرة الأميركية» لتوحيد البلاد المنقسمة، في ظل الاضطرابات الأمنية التي وقعت في مدينة الزاوية غرباً، إلى جانب اغتيال قيادة أمنية رفيعة في بنغازي شرقاً.

وكانت الزاوية قد شهدت اضطرابات وأحداثاً دامية، نجمت عن اشتباكات مسلحة، استخدمت فيها طائرات مسيرة استهدفت مصفاة النفط بالمدينة، بالإضافة إلى اغتيال اللواء فوزي المنصوري، مدير الاستخبارات العسكرية بـ«الجيش الوطني»، بتفجير سيارته في بنغازي.

كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس (أ.ف.ب)

وبات التساؤل: هل ستربك هذه الاضطرابات الميدانية «المبادرة الأميركية»، التي يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، وتجهضها؟ أم ستدفع نحو تسريعها والمضي قدماً بها، باعتبارها «الحل الوحيد» لكبح الفوضى الأمنية المتصاعدة؟

ووفقاً لقراءة المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، فإن تصاعد العنف المتزامن في شرق البلاد وغربها «يعكس محاولات أطراف داخلية وخارجية لعرقلة المبادرة، إما لغياب ثقتها بالراعي الأميركي، وإما لعدم وجود ضمانات تحمي مصالحها بالبلاد حال إقرارها».

وقال العبدلي لـ«الشرق الأوسط» إن «الخروقات الأمنية في مناطق نفوذ القوتين، اللتين ترتكز عليهما المبادرة - القيادة العامة للجيش بقيادة المشير خليفة حفتر، وحكومة (الوحدة) برئاسة عبد الحميد الدبيبة - ستؤدي إلى انشغالهم بالمعالجة، وبالتالي تأجيل إقرارها بشكل مؤقت».

ويستند العبدلي في رؤيته لبيان وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة»، الذي وصف استهداف منشآت الزاوية بأنه «عمل عدائي ممنهج» مدعوم من جهات خارجية.

ويقول بولس إنه يسعى إلى إنهاء الانقسام في ليبيا. وتقوم المبادرة «على تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تقود إلى الانتخابات. وتتداول أوساط سياسية أن المقترح يُبقي الدبيبة رئيساً للحكومة، مقابل تولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، صدام حفتر، رئاسة المجلس الرئاسي.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

ويرجح العبدلي أن هدف التشكيلات المسلحة في الزاوية هو «استمرار إضعاف الدبيبة وحكومته تدريجياً، وإفقاد أي شرعية لها، وهو ما يعني تغييب طرف رئيسي في المبادرة»، لافتاً إلى تصاعد غضب الشارع تجاه «الوحدة» في ظل تواصل أزمة الوقود والكهرباء، وارتفاع الدولار، خاصة بعد استقالة محافظ المصرف المركزي المتزامنة مع هذه الحوادث.

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين؛ الأولى «الوحدة»، والأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد تدير الشرق وأجزاء من الجنوب، وتحظى بدعم «الجيش الوطني».

بالمقابل، يرى مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية، أشريف عبد الله، أنه «لا رابط فعلياً بين الحوادث المتفرقة رغم تزامنها»، متوقعاً أن «تدفع نحو تسريع المبادرة، باعتبارها الحل المثالي لوجود حكومة ومؤسسة أمنية وعسكرية موحدة، تضبط الأمن بالبلاد».

وذكر عبد الله في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن التوترات في الزاوية باتت أمراً معتاداً «بسبب تنافس التشكيلات على عوائد التهريب»، مشيراً إلى «رصد 23 اشتباكاً مسلحاً خلال العامين الماضيين، إلا أن التطور الخطير هذه المرة هو دخول المسيّرات إلى مسرح العمليات وتوجيهها لاستهداف منشآت الطاقة والكهرباء».

واستبعد عبد الله أن يستجيب بولس لأي رسائل تذهب إلى أن «الاضطرابات الراهنة هي رسائل من أطراف ترفض إقصاءها من مبادرته، وأن من اختارهم ليسوا أكفاء، وبالتالي يتوجب عليه تعديلها، أو يؤجل المفاوضات برمتها».

وكان بولس قد أعرب عن قلق بلاده إزاء أعمال العنف في الزاوية وبنغازي، مؤكداً أن هذه الهجمات المتكررة تؤكد ضرورة وجود مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة ومهنية، قادرة على توفير الأمن والحماية للشعب.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

بدوره، رجح الناشط السياسي الليبي، حسام القماطي، استئناف اللقاءات المتعلقة بالمبادرة خلال فترة وجيزة. واعتبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الأخيرة لطرابلس وبنغازي تأتي في إطار تحريك المواقف الليبية تجاه المبادرة». ورأى أن «الاضطرابات الأمنية الأخيرة قد تتحول إلى محفز يُبنى عليه الاتفاق، عبر الترويج لفكرة أن المبادرة تستهدف إنهاء نشاط التشكيلات المنفلتة».

ورغم اتفاقه مع من يرى أن موقع الدبيبة في المفاوضات قد يتراجع، جراء الأحداث التي شهدتها الزاوية وطرابلس، يشير القماطي إلى أن اغتيال شخصية كالمنصوري يشكل ضربة أقوى؛ لأنه يقوض فرضية استقرار الشرق، التي رُوِّجَ لها طوال أكثر من عقد. ولفت إلى أن «المبادرة ترتكز على استقرار الأوضاع في طرابلس وبنغازي معاً».

وطرح المحلل السياسي الليبي، محمد محفوظ، رؤية مغايرة، وقال إن «المبادرة تمر أصلاً بحالة تعثر قوية بسبب استمرار الخلاف بين القوى الفاعلة حول تقاسم السلطة بينهما والقوانين الانتخابية».

وأضاف محفوظ لـ«الشرق الأوسط» أن «التوترات الأخيرة عززت أصواتاً ترى أنه لا يمكن الحديث عن منح سلطات فشلت في إدارة الدولة، اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، شرعية جديدة وفرصة أخرى للحكم». ورأى أن المبادرة «أضعفت التحالفات القائمة، خاصة غرب البلاد»، مشيراً إلى أن «كل طرف بات يبحث عن مصالحه بمعزل عن توجه الحكومة، باعتبار أن الأخيرة تخوض المفاوضات بمفردها، دون ضمانات واضحة لأي تشكيل موال لها، وبالتالي بات الجميع يعمل منفرداً، وهو ما ظهر جلياً في أحداث الزاوية الأخيرة».


ارتفاع نتائج «الثانوية العامة» في ليبيا يثير شبهات «الغش»

طلاب ليبيون في اليوم الأخير لامتحانات الثانوية العامة 16 يوليو الماضي (الصفحة الرسمية للوزارة)
طلاب ليبيون في اليوم الأخير لامتحانات الثانوية العامة 16 يوليو الماضي (الصفحة الرسمية للوزارة)
TT

ارتفاع نتائج «الثانوية العامة» في ليبيا يثير شبهات «الغش»

طلاب ليبيون في اليوم الأخير لامتحانات الثانوية العامة 16 يوليو الماضي (الصفحة الرسمية للوزارة)
طلاب ليبيون في اليوم الأخير لامتحانات الثانوية العامة 16 يوليو الماضي (الصفحة الرسمية للوزارة)

أثارت نتائج الشهادة الثانوية العامة في ليبيا جدلاً واسعاً، بعدما سجلت معدلات نجاح وتفوق قياسية بدت، وفق انتقادات متصاعدة، بعيدة عن واقع التعليم ومستوى التحصيل، في وقت أقرّت فيه السلطات بوجود خروقات داخل بعض لجان الامتحانات.

وأظهرت النتائج حصول 94 في المائة من الناجحين على تقديريْ «ممتاز» و«جيد جداً»، وسط شبهات بانتشار الغش عبر غرف إلكترونية لتبادل الأسئلة والإجابات، وإقرار رسمي بوقوع خروق داخل بعض اللجان.

وضجّت صفحات التواصل الاجتماعي الليبية بالانتقادات والسخرية من النتائج، التي دفعت البعض إلى الحديث عن «جيل قادم من العلماء والعباقرة»، بوصفها لا تعكس واقع التعليم ومستوى التحصيل في البلاد.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية خلال زيارة سابقة لإحدى المدارس (الوحدة)

ولم يهدأ الجدل منذ أن أعلنت وزارة التربية والتعليم في طرابلس، الأربعاء، نتائج الامتحانات، حيث بلغ عدد الناجحين 103 آلاف و244 طالباً وطالبة، حصل 69 ألفاً منهم؛ أي 66.9 في المائة، على درجة «ممتاز»، في حين نال 27 ألفاً و884، بنسبة 27 في المائة، تقدير «جيد جداً».

ووفق التصنيف المعتمَد بقرار، يبدأ «ممتاز» من 85 في المائة، و«جيد جداً» من 75 إلى أقل من 85 في المائة.

ووفق الوزارة، بلغت نسبة النجاح في القسم العلمي 79.87 في المائة، في حين بلغت نسبة النجاح بالقسم الأدبي 66.50 في المائة، والتعليم الديني 57.58 في المائة.

وانتشر تسجيل مصوَّر على نطاق واسع لمواطِنة من بنغازي، أعربت فيه عن استغرابها من ارتفاع نسب النجاح، وعدَّت أن تطوير التعليم لا يبدأ من «تجميل الأرقام»، بل من «مكافحة الغش وضبط اللجان».

في هذا السياق، حذَّر الأكاديمي الليبي عبد السلام الورفلي من أن ما وصفها بـ«الدرجات المنفوخة» تُفرِّغ الشهادة من قيمتها ولا تضمن كفاءة الخريجين.

واستعاد مدوّنون تجارب سابقة، إذ قال المدوّن عبد الله خليفة إن نسبة النجاح في القسم العلمي عام 1976 بلغت 27 في المائة فقط، ولم يتجاوز الحاصلون على «ممتاز» آنذاك 11 طالباً على مستوى ليبيا.

وامتدت الانتقادات إلى شخصيات سياسية؛ حيث حذّرت ماجدة الفلاح، نائبة رئيس اللجنة السياسية بالمجلس الأعلى للدولة، من «فقدان الشهادة الثانوية قيمتها في تقييم الطلاب إذا ثبت عدم تعبير النتائج عن الواقع»، بينما وصف الخبير الاقتصادي، مختار الجديد، النتائج بأنها «فضيحة» يمكن أن تطيح بحكومات في دول متقدمة.

وتركَّز الجدل خصوصاً على «شبهات واسعة» حول تصوير أوراق الأسئلة داخل بعض اللجان، وتداولها عبر «تلغرام» و«واتساب». وبرز حساب باسم «سويسي»، قيل إنه كان ينشر صور الأسئلة والإجابات بعد بدء الامتحانات، ما أثار تساؤلات حول قدرة منظومة الرقابة على منع الغش.

ولم يصدر رد رسمي من وزارة التعليم في غرب ليبيا على هذه الاتهامات، لكن «مدير المركز الوطني للامتحانات» أحمد مسعود، أقر بوجود «ضعف في المراقبة» داخل بعض اللجان، رافضاً وصف الأمر بأنه تسريب للامتحانات، لكنه قال إن تصوير الأسئلة يجري بعد بدء الامتحان.

ورداً على سؤال بشأن «سويسي»، قال مسعود، في تصريحات تلفزيونية: «لا يوجد سويسي واحد، بل كل مدرس خان الأمانة هو سويسي»، وعدَّ أن الخروق لا ترتبط بشخص واحد، بل بمن «باع ضميره» داخل بعض اللجان.

جانب من أداء طلاب الثانوية العامة الامتحانات في الزاوية (وزارة التربية والتعليم بالمدينة)

وأوضح مسعود أن كل فصل يضم نحو 15 طالباً يشرف عليهم ملاحظان ومراقب ورئيس لجنة، إلى جانب متابع من التفتيش التربوي، في حين تُصوَّر ورقة الأسئلة عند الساعة الثامنة والنصف، متسائلاً: «هل ترى أن سويسي قادر على أن يدخل في كل لجنة؟».

كان المركز الوطني للامتحانات قد تحدَّث، في يونيو (حزيران) الماضي، عن رصد صفحات وهمية، تُروج لتسريب أسئلة الشهادة الإعدادية، وإحالتها إلى الجهات الأمنية، مؤكداً أن الأسئلة المتداولة قديمة.

وتكتسب تصريحات مسعود أهمية في ضوء حجم الطاقم المكلَّف بالامتحانات، إذ شارك فيها 29 ألفاً و5 من الكوادر التربوية والإدارية والخِدمية، بينهم 935 رئيس لجنة و2707 مراقبين و18 ألفاً و258 ملاحظاً و935 مفتشاً تربوياً، إلى جانب عناصر أمنية وصحية وملاحظين «احتياط»، وفق الوزارة.

وقال قاضي ضيف الله الحسنوني، المسؤول الإعلامي باللجنة التسييرية لنقابة المعلمين الليبية في شرق البلاد، إن «ثبوت تورط أي معلم في تسريب أو غش يستوجب ملاحقة أمنية وقضائية حازمة وعقوبات قانونية، فضلاً عن وقف عضويته ودوره النقابي».

وشدد، لـ«الشرق الأوسط»، على «خطورة» هذه الممارسات الصادرة عن مُربِّي أجيال، مؤكداً أنها «لا تمثل عموم المعلمين الليبيين، الذين يؤدون رسالتهم في ظروف صعبة تمر بها ليبيا».

ومنذ اليوم الأول للامتحانات، في 28 يونيو، حذّرت وزارة التربية والتعليم من اصطحاب الهواتف والأجهزة الإلكترونية، التي قد تُستخدم في الغش، في امتحانات أُجريت داخل 935 لجنة موزعة على 134 بلدية حتى 16 يوليو (تموز)، دون إعلان رسمي عن ضبط حالات غش.

ويرى سيف النصر عبد السلام، الرئيس السابق لمركز المناهج التعليمية، أن «الغش لم يعد حالات فردية، بل تحوّل إلى نمط متكرر ومنظم تتغير أدواته سنوياً».

وقال، لـ«الشرق الأوسط»، إن مُنظمي الامتحانات يخوضون «سباقاً تقنياً مع شبكات الغش التي تُطور أساليبها، والاعتماد على الملاحظين وحدهم لم يعد كافياً في ظل انتشار الهواتف ووسائل التواصل».

ودعا عبد السلام إلى تعزيز الرقابة الوقائية، خصوصاً بتركيب كاميرات داخل قاعات الامتحانات، والاستعانة بتسجيلاتها عند الاشتباه في الغش، أو ظهور نتائج استثنائية ومعدلات تفوُّق غير طبيعية في لجنة أو منطقة بعينها.

وتُعد امتحانات الشهادة الثانوية العامة من المسارات القليلة في ليبيا التي حافظت على وحدتها، إذ انطلقت بـ«ورقة امتحانية موحدة» لجميع الطلاب، البالغ عددهم 134 ألف طالب وطالبة في مختلف أنحاء البلاد، رغم الانقسام الحكومي والسياسي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«توافق» على أجندة «الحوار الوطني» في إثيوبيا... هل يترجم إلى واقع؟

مشاركون في الحوار الوطني بإثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مشاركون في الحوار الوطني بإثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

«توافق» على أجندة «الحوار الوطني» في إثيوبيا... هل يترجم إلى واقع؟

مشاركون في الحوار الوطني بإثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مشاركون في الحوار الوطني بإثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

بعد نحو شهر من إطلاق مسار الحوار الوطني، أعلنت إثيوبيا التوافق على محاوره الرئيسية الثمانية رغم غياب معارضة تيغراي وأمهرة الإقليمين المحملين بكثير من المطالب.

ويرى نائب إثيوبي أن «التوافق سيقود لتحول كبير في إثيوبيا وسيترجم على أرض الواقع»، مقابل مخاوف يبديها خبير في الشؤون الأفريقية من أن «يتحول الحدث لنتائج على الورق فقط دون منع تجدد الصراعات المسلحة مجدداً».

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية، تم تدشينها في فبراير (شباط) 2022 مكونة من 11 مفوضاً؛ بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خصوصاً في إقليمي أمهرة وتيغراي، اللذين لم يتمثلا في جلسة الإعداد للحوار.

وأعلنت «مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي»، الجمعة، «تحقيق محطة رئيسية، بعد توصل المشاركين إلى توافق بشأن جميع المحاور الموضوعية الثمانية المدرجة على جدول أعمال الحوار»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الإثيوبية» الرسمية.

وكانت «المفوضية» أعلنت قبل يومين، عن توصل المشاركين إلى «توافق بشأن أربعة محاور رئيسية، هي بناء السلام، والشؤون الدينية، ومكافحة الفساد والحكم الرشيد، وهيكل الحكومة والنظام السياسي».

وحسب «المفوضية» توصل المشاركون أيضاً إلى اتفاق بشأن المحاور الأربعة المتبقية، «والتي تشمل بناء الأمة، وشؤون المدن الفيدرالية، وبناء المؤسسات، وسيادة القانون وحقوق الإنسان، والقضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر على المزارعين والرعاة»، حسب الوكالة الرسمية.

جانب من جلسات الحوار الوطني في إثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

ويجرى الحوار الوطني من خلال مجموعات عمل تجمع ممثلين لمختلف فئات المجتمع الإثيوبي لمناقشة القضايا التي حُددت بوصفها «في حاجة إلى توافق وطني واسع»، حسب المصدر ذاته.

وسبق تحديد هذه المحاور، حسب تصريحات سابقة لـ«مفوضية الحوار»، بعد مشاورات موسعة نُفذت في أكثر من 1200 دائرة إدارية بمختلف أنحاء البلاد منذ انطلاق عمل اللجنة عام 2021، بمشاركة الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والقيادات الدينية والشخصيات التقليدية، إضافة إلى ممثلي النساء والشباب ومختلف المكونات المجتمعية.

ويقول البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد لـ«الشرق الأوسط»، إن «التوافق حول محاور أجندة الحوار الوطني أمر جيد، وسيؤتي ثماره المرجوة، في معالجة تحديات الإثيوبيين»، متوقعاً تحقيق أديس أبابا «إنجازاً كلياً وليس جزئياً في هذا المسار».

وبدوره، يرى الخبير في الشؤون الأفريقية صالح إسحاق عيسى، أن «الحوار قد ينجح في الاتفاق على المبادئ، لكن تطبيقها يحتاج إلى تشريعات وإصلاحات مؤسسية وترتيبات أمنية؛ وهو ما قد يصطدم بمصالح الحكومة المركزية والأقاليم والقوى السياسية المختلفة. وقد حددت لجنة الحوار نفسها تنفيذ التوصيات والمخرجات كمرحلة أساسية لاحقة؛ ما يعني أن الوصول إلى توافق ليس نهاية العملية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن التحدي الأمني في مقدمة العقبات؛ «إذ لا تزال جماعات مسلحة فاعلة ونزاعات محلية قائمة، خصوصاً في أمهرة وأوروميا، في حين ظلت بعض القضايا المرتبطة بتيغراي غير محسومة بالكامل»، ويؤكد، أن استمرار العنف يجعل تنفيذ أي اتفاق أكثر صعوبة؛ لأن السلطات قد تعطي الأولوية للترتيبات الأمنية على الإصلاحات السياسية.

وسبق أن أعلنت «حركة فانو» الأمهرية (AFNM)، و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF)»، أكثر من مرة، رفض الانخراط في الحوار الوطني الذي تديره الحكومة في أديس أبابا، بوصفه «عملية صورية لخدمة مصالح الحزب الحاكم».

وتم استثناء إقليم تيغراي في الشمال من الانتخابات العامة السابعة، التي اكتسحها «حزب الازدهار» الحاكم يوليو (تموز) الماضي، في ضوء استمرار التوتر بين السلطات الإقليمية هناك والسلطات الفيدرالية في العاصمة.

وفي إقليم أمهرة الذي يضم نحو 20 مليون نسمة، هدَّدت حركة «فانو» بتعطيل العملية الانتخابية، وألغت هيئة الانتخابات التصويت في ثماني دوائر فقط من أصل 137 وقتها.

من جلسات الحوار الوطني في إثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وعن أزمة الغائبين، أكد أحمد، أنه لا تأثير للمتغيبين على نتائج الحوار الوطني، مؤكداً «أن هناك ممثلين لإقليم تيغراي وأمهرة مشاركين في الحوار، ولا يعني غياب البعض فشلاً للأمر ككل».

بينما يرى إسحاق، أن «غياب قوى سياسية مؤثرة من تيغراي وأمهرة يظل نقطة ضعف مهمة في تمثيل الحوار الوطني، حتى مع مشاركة شخصيات وممثلين مدنيين من الإقليمين... المسألة لا تتعلق فقط بعدد المشاركين، وإنما بوجود الأطراف التي تمتلك نفوذاً سياسياً وشعبياً أو قدرة على التأثير في الوضع الأمني على الأرض».

ويتابع: تزداد أهمية ذلك لأن كثيراً من القضايا المطروحة تمس مباشرة أسباب الصراعات الإثيوبية، مثل شكل الدولة والفيدرالية، وتوزيع السلطة، والهوية، والأراضي، والعلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم، وإذا لم تشعر القوى الأكثر تأثيراً في تيغراي وأمهرة بأنها شاركت في صياغة هذه التوافقات، فقد تنظر إليها بوصفها مخرجات لا تلزمها، وهو ما يقلل فرص تحولها إلى تسوية وطنية مستدامة.

كما يؤكد، أن «الخطر الأكبر هو أن يتحول الحوار إلى توافق سياسي على الورق من دون توافق فعلي على كيفية تطبيقه في ظل غياب المعارضة».