هل يصمد سد مروي في السودان أمام ضربات المسيرات؟

خبراء يحذرون من تأثيرات مستقبلية ترتبط بجيولوجيا المنطقة

سد مروي في شمال السودان الذي استهدفته مسيّرات ليل الثلاثاء - الأربعاء (وكالة السودان للأنباء/ سونا)
سد مروي في شمال السودان الذي استهدفته مسيّرات ليل الثلاثاء - الأربعاء (وكالة السودان للأنباء/ سونا)
TT

هل يصمد سد مروي في السودان أمام ضربات المسيرات؟

سد مروي في شمال السودان الذي استهدفته مسيّرات ليل الثلاثاء - الأربعاء (وكالة السودان للأنباء/ سونا)
سد مروي في شمال السودان الذي استهدفته مسيّرات ليل الثلاثاء - الأربعاء (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

يواجه سد مروي أحد أكبر المشاريع الكهرومائية في السودان، أخطاراً جمة، بسبب هجمات مسيرات «قوات الدعم السريع» على بنيته التحتية، خاصة بنية الكهرباء والبوابات. وعلى الرغم من استبعاد انهيار السد بفعل تلك الضربات، فإن خبراء حذروا من احتمالات حدوث تصدعات في الجسم الخرساني، بجانب شكوك قديمة تتحدث عن «هشاشة» طوبوغرافيا المنطقة.

ويقع سد مروي في ولاية نهر النيل قرب مدينة مروي على بُعد نحو 350 كيلومتراً شمال الخرطوم، ويبلغ طوله 9 كيلومترات، وارتفاعه 67 متراً، ويخزّن خلفه كمّاً هائلاً من المياه تبلغ 12.5 مليار متر مكعب، ومهمته الأساسية توليد 1250 ميغاواط من الكهرباء تغطي حاجة نحو 10 ملايين شخص من السكان للطاقة.

وفي تصعيد وتطور خطير بالحرب السودانية، استهدفت «قوات الدعم السريع» السد بهجمات متكررة بالطائرات المسيرة، ألحقت أضراراً لا يُستهان بها ببنيته التحتية الملحقة، لا سيما محولات الكهرباء التي تغذي شمال البلاد بالطاقة، ونتيجة لذلك انقطع التيار الكهربائي من أجزاء واسعة من البلاد، ولا يزال مقطوعاً في بعض المناطق.

فوة تابعة لـ"قوات الدعم السريع" في الخرطوم (أرشيفية - أ. ف. ب)

استخدمت «الدعم السريع» أنواعاً عديدة من المسيرات، انتحارية واستطلاعية، ومعظمها تستخدم قذائف «الهاون» و«آر بي جي». لكن في الهجمات الأخيرة على السد، تردد أنها تمت بمسيرات حديثة، يُرجح أنها المسيرة الصينية CH - 95 القادرة على الاستطلاع وعلى شن الهجمات الدقيقة.

وقال مستشار الطاقة والمساحة بدولة قطر، المهندس عبد الكريم الأمين، لـ«الشرق الأوسط»، إن السد ليس الجسم الخرساني على النهر وحده، بل يشمل كل بنيته التحتية التي تجعله مفيداً للدولة، مثل وحدات التوليد، وضربات المسيرات حتماً تؤثر عليها.

ولم يستبعد الأمين حدوث تصدعات وتشققات في الجسم الخرساني بمرور الزمن قد تنذر بانهياره، بيد أنه نفى قدرة قذائف المسيرات على تدميره بضربة أو ضربتين، وقال: «سمك السد الخرساني 1.2 متر، ومغطّى بما يُعرف هندسياً بجسم خرساني مرن، لامتصاص الضربات الشبيهة بضربات المسيرات... متانة السد وكمية الخرسانة التي بني بها وقوتها مقابل صغر حجم قذائف المسيرات تجعل من انهيار السد احتمالاً ضعيفاً، لكن قد تحدث تصدعات تتسبب في مشكلات مستقبلية».

وكشف الأمين عن «مخاوف قديمة» تم تداولها أثناء إنشاء السد، تتحدث عن احتمالات ظهور تصدعات في فترة مبكرة من عمره، وقال: «هناك جهات هندسية ترى أن بناء جسم خرساني مرن في السدود يتم عند حدوث تصدعات عند الإنشاء، لذلك ربما تكون قد ظهرت في فترة مبكرة من عمر (سد مروي)».

وأشار الأمين إلى دراسات عن الجسم الخرساني للسد أثناء الإنشاء، ونقاشات عن هشاشة جيولوجيا المنطقة، واحتمالات حدوث متغيرات طبيعية ناتجة حمولة الماء وضغطها على التربة. وقال: «تواجه السدود بشكل عام خطر حدوث تصدعات داخل الطبقة التكتونية للأرض، أو بفعل الإنسان، مثل الحروب، لذلك يخشى من حدوث تصدع وتشققات في الجسم الخرساني».

صورة من فيديو يرجع لـ19 أبريل 2023 تظهر دخاناً ناجماً من القصف فوق العاصمة السودانية الخرطوم (أ.ف.ب)

وحذَّر المهندس الأمين من أن يؤدي استهداف «البوابات» إلى فيضانات خلف السد تؤدي لغمر الجسم الخرساني، وقال: «إذا غمرت المياه جسماً خرسانياً بارتفاع يتراوح بين 10 و15 متراً، ينهار الجزء المغمور بسبب وزن الماء وضغطه».

ودعا الأمين إلى إجراء تقييم هندسي لحالة الجسر الترابي للسد ومدى استقامته، والإزاحة التي حدثت به، بانتهاء الحرب أو أثناء أي هدنة قد تحدث، مؤكداً أن «من المفروض إجراء هذا التقييم لكل جسور الخرطوم والمنشآت المائية الكبيرة».

وحث على الاستعانة باستشاريين عالميين لتقييم حلول للدمار الذي حدث، استناداً على وجود «شكوك» بشأن جيولوجيا «سد مروي»، وبإضافة ضربات المسيرات، تكون هذه التقييمات حتمية، وقال: «أيضاً الزلازل في إثيوبيا والدمازين والسوكي، وتأثيرات سد النهضة، تؤثر على السدود السودانية عامة، لذلك يجب إخضاعها لدراسات كبيرة باهتمام وإرادة».

ولا يرى الأمين خطراً كبيراً في ضربات المسيرات على المحلقات التي يمكن استبدالها، لكنه يحذر بشدة من «حالة جيولوجيا المنطقة»، مشيراً إلى «الدراسات الهشة التي أُجريت وتشكيك خبراء (بعضهم روس) فيها تشير إلى هشاشة المنطقة الجيولوجية».

ونقلت «المصري اليوم» عن أستاذ الجيولوجيا بجامعة القاهرة، عباس شراقي، وصفه لهجمات المسيرات على سد مروي، بـ«التطور الخطير»، وبـ«المهم بالنسبة لمصر باعتباره أقرب السدود السودانية للسد العالي، والقاهرة تتابع الأحداث السودانية من كثب تحسباً لتطورات قد تؤدي لتأثيرات سلبية على الدولة المصرية».

بينما نسبت «وكالة الأنباء الرسمية السودانية (سونا)» إلى خبير السدود المهندس المقيم السابق في سد مروي، أحمد عبد الله دفع الله، تطمينات بمتانة السد، وأنه بُني على آخر ما توصل إليه تصميم السدود من تقنيات.

بدورهم، ذكر خبراءعلى منصات إليكترونية، إن انهيار السد غير وارد،: «ولا يوجد خطر وشيك يمكن أن يؤدي لانهيار سد مروي كلياً، لكن هناك مخاوف فنية واستراتيجية أُثيرت نتيجة لهجمات الطائرات المسيّرة الأخيرة».

سودانيون يحتفلون في مروي بعد إعلان الجيش دخول عاصمة ولاية الجزيرة الرئيسية ود مدني (أرشيفية - أ.ف.ب)

وذكروا أيضاً أن الهيكل الأساسي للسد بُني «على أسس هندسية قوية»، تحد من قدرة المسيرات القتالية أو القصف الجوي الخفيف على تدميره، وقالوا إن انهيار السد أو تدميره يتطلب أسلحة ذات قدرة تدميرية كبيرة تُوجَّه للجسم الخرساني أو بوابات تصريف المياه، لا تملكها «قوات الدعم السريع» حالياً.

ولم يستبعد الخبراء أن يؤدي تكرار الهجمات إلى رفع معدلات التهديد المستقبلي للسد، وإلى إحداث أضرار هيكلية قد تتسبب في انهيار جزئي أو كلي في السد مستقبلاً، وأن يفقد السيطرة على مخزون المياه. وتوقعوا حدوث «كارثة كبيرة» حال انهيار السد، تنتج حتماً عن تدفق كتلة مياه حجمها 12.5 مليار متر مكعب دفعة واحدة، تتسبب في غرق مناطق واسعة في شمال البلاد واقعة على ضفاف نهر النيل، وقد تصل إلى الحدود الجنوبية لمصر، عند مدينة حلفا القديمة التي كانت قد أغرقتها مياه السد العالي.

ونحدث خبراء لـ«الشرق الأوسط» عن الأمان النسبي لسد مروي، لكنهم حذروا من تدهور مكونات السد الميكانيكية والكهربائية، بسبب استمرار استهدافه بواسطة المسيرات، وعدم إخضاعه لصيانة وتدخلات هندسية فورية.

سودانيون يمشون بمحافظة مروي الشمالية وسط مياه الأمطار المتراكمة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وكانت وزارة الري والموارد المائية السودانية قد نفت ما تناولته وسائط التواصل الاجتماعي ببيان رسمي، في مايو (أيار) من العام الماضي، عن مشكلات فنية لحقت بالسد، وأبدت أسفها على ما سمته تناول قضايا فنية مرتبطة بأمن البلاد المائي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأكدت سلامة الجسم الصلب والجسور الركامية والترابية للسد، وقالت: «كل ما تم تداوله في مواقع التواصل الاجتماعي غير صحيح، وأن سد مروي في أحسن حالاته»، وهددت بمقاضاة ملاحقة المشككين في سلامة السد.

​


مقالات ذات صلة

غوتيريش يدين تصاعد هجمات المسيرات في السودان

شمال افريقيا سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز)

غوتيريش يدين تصاعد هجمات المسيرات في السودان

أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشدة تصاعد الهجمات بالطائرات المسيرة في السودان والخسائر الكارثية التي تلحقها هذه الهجمات بالمدنيين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا من اللقاء في «الخارجية» السودانية مع سفراء دول عربية وأفريقية في الخرطوم (وكالة السودان للأنباء)

الحكومة السودانية: نمارس «ضبط النفس» في الرد على الاعتداءات الإثيوبية

قال وكيل وزارة الخارجية السودانية، معاوية عثمان خالد، إن بلاده تمارس أقصى درجات «ضبط النفس» في الرد على الهجمات بالطائرات المسيّرة التي تنطلق من إثيوبيا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا صورة متداولة لمحولات بمحطة «شندي» للكهرباء التي أصابها الضرر بسبب الهجوم بالمسيرات

«حرب المسيّرات» تضرب شندي السودانية وتغرقها في الظلام

تواصلت حرب المسيّرات على منشآت الطاقة في السودان لليوم الخامس على التوالي، إذ تعرضت مدينة شندي بولاية نهر النيل، لهجوم أدى إلى تدمير محطتها التحويلية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحباً برئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان في موسكو الجمعة (أ.ب)

بوتين يعرض مساعدة البرهان لإنهاء حرب السودان

أعلن الرئيس الروسي استعداده لمساعدة السودان لوقف الحرب، وسلم رئيس مجلس السيادة خريطة طريق للتعاون الثنائي، فيما دعا البرهان إلى علاقة استراتيجية مع موسكو.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الرئيسان السيسي وترمب بشرم الشيخ خلال «مؤتمر السلام» حول غزة في أكتوبر الماضي 2025 (رويترز)

مصر تشدد على أهمية الدور الأميركي في تسوية قضايا المنطقة

بدر عبد العاطي يجدد «التأكيد على موقف مصر الثابت الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

السودان: مئات المدنيين قُتلوا بهجمات بمسيّرات انطلقت من إثيوبيا

 عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
TT

السودان: مئات المدنيين قُتلوا بهجمات بمسيّرات انطلقت من إثيوبيا

 عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

قال مجلس السيادة السوداني، اليوم الأحد، إن أكثر من 180 طائرة مسيرة هاجمت السودان خلال العام الجاري، انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية، فيما يتصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الحرب بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع".

ويتهم الجيش السوداني أديس أبابا بالوقوف إلى جانب "الدعم السريع"، التي يقاتلها منذ عام 2023، وقد انقسمت السودان إلى مناطق نفوذ بينهما.

من جانبها تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم متمردي إقليم تيغراي.

وأكد مجلس السيادة الانتقالي الذي يرأسه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان رصد "70 هجوما" بين فبراير (شباط) وأكتوبر (تشرين الأول) 2026 من "مناطق إطلاق إثيوبية" تتضمن "187 طائرة مسيرة".

وأوقعت تلك الهجمات، بحسب التقرير، 484 مدنيا بين قتيل ومصاب، وأسفرت عن مقتل 176 مجندا بالجيش، في النيل الأزرق والخرطوم وغيرها، مستهدفة مستشفيات ومناطق سكنية ومرافق للوقود والكهرباء.

ويعتمد طرفا الحرب في السودان بشكل كبير على الطائرات المسيرة، حيث تراجعت حدة المواجهات المباشرة وارتفعت وتيرة الهجمات الجوية في الغرب والجنوب.

وحذرت الأمم المتحدة من ارتفاع وتيرة هجمات الطائرات المسيرة التي تسببت في مقتل أكثر من 1,100 شخصا منذ بداية العام، بينهم أكثر من 300 خلال الشهر الماضي فقط.

وحملت الخرطوم في التقرير "إثيوبيا المسؤولية الدولية عن العمليات العابرة للحدود"، مطالبة "بالوقف الفوري للهجمات التي تُشنّ ضد أراضيها، وإغلاق المنشآت الإثيوبية التي تُستخدم من قِبل قوات الدعم السريع".

وأكد التقرير أن السودان يسعى إلى "المساءلة والحصول على تعويضات عن الأضرار والدمار الناجم عن تلك الأعمال".

وذكر التقرير هجوما استهدف عائلات نازحة في ود الماحي بولاية النيل الأزرق الشهر الماضي، مسفرا عن مقتل 30 مدنيا، بينهم 26 امرأة وأربعة أطفال.

واعتمد التقرير الذي أعدته وزارة الخارجية السودانية مع الاستخبارات العسكرية والعامة على أدلة من حطام المسيرات وبيانات الرحلات الجوية والسجلات العسكرية.

ومن بين الأدلة حاسوب تحكم خاص بأحدى المسيرات التي سقطت في الدمازين في النيل الأزرق في سبتمبر (أيلول)، ضم بيانات مسار الطائرة التي تشير إلى انطلاقها من نقطة على عمق 1,7 كيلومترا داخل الأراضي الإثيوبية.

وأسفرت الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام عن مقتل عشرات الآلاف في السودان وتشريد الملايين داخل البلاد وخارجه، إضافة إلى انتشار المجاعة في عدة مناطق.

وتسببت هجمات في الآونة الأخيرة على محطات الكهرباء في مناطق سيطرة الجيش عن انقطاع واسع للتيار في ولايات الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض والقضارف.


بولس يتحدث عن تقدم باتجاه توحيد الجيش الليبي

اجتماع سابق لصدام حفتر مع بولس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أرشيفية)
اجتماع سابق لصدام حفتر مع بولس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أرشيفية)
TT

بولس يتحدث عن تقدم باتجاه توحيد الجيش الليبي

اجتماع سابق لصدام حفتر مع بولس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أرشيفية)
اجتماع سابق لصدام حفتر مع بولس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أرشيفية)

تحدث مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، عن «إحراز تقدم في مسار التعاون العسكري بين شرق ليبيا وغربها»، في وقت تتسارع الاتصالات بشأن توحيد المؤسسة العسكرية، وسط تقارير عن تفاهمات أولية بين الفريق صدام حفتر، نجل ونائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر، وعبد السلام الزوبي وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة «المؤقتة»، لكنها لم تسفر عن اتفاق نهائي بسبب «خلافات تتعلق بهيكل القيادة العسكرية وعلاقتها بالسلطة السياسية».

وقال بولس في بيان على منصة «إكس»، الأحد، إن الليبيين في شرق البلاد وغربها «أحرزوا تقدماً مهماً على مدى العام الماضي من خلال مبادرات عسكرية مشتركة تستهدف تعزيز التوحيد الوطني، شملت المشاركة في تمرين «فلينتلوك 2026» الذي استضافت مدينة سرت جزءاً منه، وإنشاء مركز عمليات مشترك، والالتزام بتشكيل قيادة جوية متكاملة».

الزوبي وصدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» خلال بدء «فلينتلوك 2026» في سرت الليبية منتصف أبريل الماضي (أفريكوم)

وشدّد على أن «توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية ركيزة أساسية لتعزيز السيادة وضمان الاستقرار»، مؤكداً «ضرورة أن تتزامن هذه الجهود مع تقدم موازٍ في توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والقضائية». وأعرب عن تقديره «للشراكة المستمرة مع القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، ودورها في دعم هذه الجهود التي يقودها الليبيون».

يأتي هذا الحديث في سياق تحرك أميركي متواصل لدفع مسار توحيد المؤسسة العسكرية، بعد مشاركة قوات من شرق ليبيا وغربها في تدريبات مشتركة، واستضافة البلاد جانباً من تمرين «فلينتلوك» الذي نظمته القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» بمشاركة أكثر من 30 دولة.

وتزامن إعلان بولس، مع تحركات تركية تمثلت باستضافة محادثات بين صدام حفتر، والزوبي، ناقشت مقترحات لإنشاء قيادة عسكرية مشتركة، وتوزيع الصلاحيات بين القيادات في الشرق والغرب.

صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» يتفقد قاعدة الواو العسكرية بالجنوب (الجيش الوطني)

وحسب تقارير محلية، فقد توصل الطرفان إلى «وثيقة تفاهمات مبدئية تتضمن إنشاء أربع رئاسات أركان للمناطق الشرقية والغربية والجنوبية والوسطى، وتشكيل هيئة قيادة مشتركة تضم وزير الدفاع ونائب القائد العام، مع تأجيل حسم مسائل متعلقة بصلاحيات القيادة العليا وتركيبتها».

لكن هذه التفاهمات لم تسفر بعد عن اتفاق نهائي، فقد «تمحورت الخلافات حول الجهة السياسية التي ستخضع لها القيادة العسكرية الموحدة، وطبيعة العلاقة بين وزارة الدفاع والمجلس الرئاسي، ومستقبل منصب القائد العام الذي يشغله خليفة حفتر في الشرق»، وفق التقارير... وبينما «تمسك وفد الزوبي بحصر التفاهمات في الجانب العسكري أولاً ، أصر الجانب الآخر على ربط المسارين العسكري والسياسي».

وترى مصادر عسكرية أن«الخلاف لا يتعلق فقط بتوزيع المناصب العسكرية، بل يمتد إلى شكل السلطة التي ستتولى الإشراف على الجيش، ومن يملك القرار النهائي في التعيينات والميزانيات والتسليح والعمليات».

جانب من لقاء صدام حفتر والزوبي في تركيا (أرشيفية)

وكان رئيس «المجلس الرئاسي» محمد المنفي طالب، بصفته القائد الأعلى للجيش، الزوبي ورئيس الأركان صلاح النمروش، بـ«عدم توقيع أي اتفاقيات أو مذكرات تفاهم أو محاضر ذات أثر ملزم، أو إقرار هياكل وترتيبات تنظيمية وقيادية تتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية، قبل عرضها على وزير الدفاع والتنسيق مع اللجنة العسكرية المشتركة (5 + 5)، ثم إحالتها إلى القائد الأعلى للحصول على الاعتماد المسبق، وفق الإجراءات القانونية المقررة».

وأثارت هذه الخطوة خلافاً داخل «المجلس الرئاسي» نفسه، إذ اعترض عضو المجلس موسى الكوني، على الطلب، قائلاً إنه «لم يعرض على المجلس ولم تصدر بشأنه موافقة جماعية موثقة أو تفويض جماعي». ورغم تأكيد الكوني دعمه جهود توحيد المؤسسة العسكرية، فإنه حذر من «أن استمرار الانقسام يكرس تعدد مراكز القرار، ويضعف قدرة الدولة على صون سيادتها».

وفي مسار موازٍ، بحث رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة، مساء السبت، مع تجار وممثلين عن غرف التجارة والصناعة في المنطقة الحرة بمصراتة، تداعيات الإجراءات الاقتصادية على السوق المحلية. وأسعار السلع وآليات فتح الاعتمادات المستندية وسعر صرف الدولار، إلى جانب ملف الدولار الجمركي، وقرار وزارة الاقتصاد والتجارة قصر عمليات الاستيراد على القنوات المصرفية.

وقال الدبيبة إن حكومته «تسعى إلى اتخاذ إجراءات متوازنة تضمن استقرار السوق، وتوافر السلع وانسياب عمليات الاستيراد، بما يحد من ارتفاع الأسعار ويخفف الأعباء عن المواطنين، ويحافظ على قدرتهم الشرائية».

ويأتي الاجتماع بعد اعتراضات من تجار على قرار قصر الاستيراد على القنوات المصرفية، إذ يقول بعضهم، إن «الإجراءات المصرفية الحالية لا تتيح لجميع المستوردين، خصوصاً الشركات الصغيرة والمتوسطة، الحصول على التحويلات والتمويل اللازمين لتوفير السلع».


مطالب متصاعدة بمشاركة أوسع للمرأة الليبية في الحياة السياسية

ليبيات خلال المشاركة في «الحوار المهيكل» يناير الماضي (البعثة الأممية)
ليبيات خلال المشاركة في «الحوار المهيكل» يناير الماضي (البعثة الأممية)
TT

مطالب متصاعدة بمشاركة أوسع للمرأة الليبية في الحياة السياسية

ليبيات خلال المشاركة في «الحوار المهيكل» يناير الماضي (البعثة الأممية)
ليبيات خلال المشاركة في «الحوار المهيكل» يناير الماضي (البعثة الأممية)

يتسع حضور المرأة الليبية تدريجياً في مواقع القيادة والعمل البرلماني، مع اختراقات لافتة حققتها أخيراً في المجالس البلدية، إلى جانب مشاركتها في مسارات الحوار السياسي والمجتمع المدني، في بلد يعيش انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ أكثر من عقد.

لكن هذا الحضور لا يزال دون ثقل المرأة الديمغرافي، إذ تمثل النساء نحو نصف سكان ليبيا، فيما تتحدث ناشطات عن استمرار ممارسات تحمل الإقصاء وعوائق اجتماعية وأمنية وسياسية، وسط مطالب بمشاركة أوسع في الحياة السياسية.

وتتمسك أكاديميات وناشطات تحدثن لـ«الشرق الأوسط»، بتوسيع مشاركة المرأة في الحياة العامة، من المجالس المحلية إلى البرلمان ومواقع القيادة في الدولة، مع الإشارة إلى تفاوت الفرص والعقبات من منطقة إلى أخرى، فضلاً عن تعرض المرشحات وصانعات القرار لضغوط وحملات تشهير وتهديد عبر الإنترنت.

وحسب رئيسة «الاتحاد النسائي الليبي العام» فتحية البخبخي، فإن المرأة الليبية «وبجهد شاق وحراك سياسي ومدني متصل، أثبتت أنها قوية وقادرة على التغلب على التحديات والصعوبات أياً كان نوعها»، عادّةً، أن «ظروف الصراع والأيام الصعبة التي تعيشها ليبيا في الفترة الانتقالية، كانت مختبراً حقيقياً لقوة المرأة الليبية ومقدرتها على كسب الرهان».

ولفتت البخبخي لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن النساء حققن حضوراً في المجتمع المدني والنقابات والعملية الانتخابية، فضلاً عن مشاركتهن في مسارات الحوار السياسي».

وتشغل النساء، خمس حقائب وزارية، إلى جانب عضويتهن في مجلسي النواب و«الأعلى للدولة». وخلال العامين الأخيرين، اتسع حضورهن في الإدارة المحلية، مع انتخاب امرأتين عميدتين للمرة الأولى في تاريخ ليبيا، هما الزائرة الفيتوري المقطوف في زلطن، وجميلة اللواطي في سلوق.

عميدة بلدية زلطن الليبية الزائرة المقطوف خلال متابعة أعمال الصيانة في محطة تحلية المياة بمدينتها (الصفحة الرسمية للبلدية)

وفي انتخابات المجالس المحلية الأخيرة، فازت 207 نساء بمقاعد، بما يمثل 23.8 في المائة من إجمالي الأعضاء المنتخبين، وفق بيانات «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»... وترى البخبخي، أن هذه النتائج «تعكس ارتفاعاً تدريجياً في حضور المرأة بالمجال العام والسياسي»، مؤكدة «استمرار السعي إلى زيادة تمثيلها في البرلمان والاستحقاقات الانتخابية المقبلة، إلى جانب تمكينها في المجتمع المدني والأحزاب والنقابات والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات».

وتشكل النساء نحو 49.3 في المائة من إجمالي سكان ليبيا، بواقع 3 ملايين و638 ألفاً و621 امرأة من أصل 7 ملايين و384 ألفاً و208، وفق أحدث بيانات مصلحة «التعداد والإحصاء» (حكومية)، الصادرة في مايو (أيار) الماضي استناداً إلى حصر أجري عام 2024.

ويظهر التفاوت بين المناطق بوضوح أكبر في الجنوب الليبي، حيث تقول الناشطة المدنية ورئيسة منظمة «تصدق» للأعمال الإنسانية زينب أمحمد خميس، إن «التحديات المرتبطة بتهميش المرأة وترهيبها تبدو أوسع نطاقاً في الجنوب، في ظل الاعتبارات القبلية والاجتماعية المعقدة، رغم ما تبديه السلطات من دعم لمشاركة المرأة».

وتوضح زينب لـ«الشرق الأوسط»، أن وصول المرأة إلى منصب عميدة بلدية في الجنوب «لا يزال حلماً بعيد المنال»، بينما قد يؤدي «مجرد إعلان الرغبة في الترشح للبرلمان، إلى التعرض للتنمر والضغوط الاجتماعية من البعض».

وتضيف أن هذه الضغوط تمتد إلى الحياة اليومية، بما يمكن أن «يعطل قدرات النساء ويدفع بعضهن إلى النظر إلى المنزل بوصفه مكانهن الطبيعي»، لافتة إلى أن «منظمات المجتمع المدني والروابط المحلية تواصلان العمل على تغيير هذه الصورة وإتاحة مساحة أكبر للنساء في الحياة العامة».

وتختصر طموح الناشطات في الجنوب بالقول: «نحن متمسكون بحلمنا في تمكين المرأة بصورة تعكس وزنها الديمغرافي، وتولي مناصب قيادية في الدولة، وحتى الوصول إلى موقع الرئاسة».

ولا تقتصر العوائق على الضغوط الاجتماعية والجغرافية، إذ رصد تقرير لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في سبتمبر (أيلول) الماضي، تصاعد العنف الإلكتروني ضد النساء المنخرطات في الانتخابات البلدية خلال 2025 بدءاً من التسجيل والترشح، وصولاً إلى الحملات وإعلان النتائج.

وزيرة الدولة لشؤون المرأة في غرب ليبيا رندة غريب خلال لقاء مع عضوات في «المجلس الأعلى للدولة» في طرابلس سبتمبر الماضي (صفحة الوزارة)

وسبق أن قالت بعثة الأمم المتحدة،في مارس (آذار) الماضي إن «النساء اللاتي يشغلن مناصب عامة يواجهن في كثير من الأحيان الترهيب والمضايقات»، مشيرة إلى أن «هذه الممارسات تقوض مشاركتهن في الحكم»، داعية إلى «إصلاحات قانونية تزيل العقبات أمام وصول النساء إلى الموارد ومواقع صنع القرار».

وهنا تشير البخبخي، إلى أن«دعم بعثة الأمم المتحدة كان له دور في مساعدة النساء الليبيات على تجاوز جانب من الصعوبات التي ظهرت بعد عام 2011»، لافتة إلى أن مشاركة النساء في «الحوار المهيكل، واللجنة الاستشارية التي رعتها الأمم المتحدة، وصلت إلى نحو 35 في المائة».

لكن النخب النسائية لا تبدو مستعدة للتوقف عند ما تحقق. فقد أثار الحوار الذي رعته الأمم المتحدة بين طرفي الصراع في شرق ليبيا وغربها، وأفضى إلى اتفاق بشأن التشريعات الانتخابية في نهاية أغسطس (آب) الماضي، انتقادات بسبب غياب أي تمثيل نسائي عن طاولة المفاوضات.

وترى الخبيرة القانونية الدكتورة جازية شعيتير، أن هذا الغياب «مخالف لكل السوابق الدستورية والقانونية وحتى الاتفاقات السياسية»، فضلاً عن كونه موضع انتقاد للسياسيين وللبعثة الأممية، التي كان يتعين عليها، حسب رأيها، اشتراط تمثيل نسائي في المفاوضات، بما يعزز مشاركة المرأة الليبية في مسار السلام، ويحترم قرار مجلس الأمن رقم 1325». وتؤكد لـ«الشرق الأوسط»، تمسك النساء الليبيات «بحقهن في تقرير مصير مستقبل البلاد».

في المقابل، تحذر الناشطة الحقوقية انتصار القليب، من «تعميم وصف المجتمع الليبي بأنه ذكوري»، مؤكدة لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك «ممارسات اجتماعية خاطئة يجب مواجهتها بالقانون والوعي». كما تشير إلى أن تمكين المرأة يتطلب «قانوناً عادلاً، ومؤسسات تنصفها، ومجتمعاً يحترم حقوقها وكرامتها».