ترحيب مصري - سوداني بعرض ترمب حول السد الإثيوبي

وسط ترقب لموقف أديس أبابا

الرئيس المصري ونظيره الأميركي خلال توقيع وثيقة وقف الحرب في غزة بمدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)
الرئيس المصري ونظيره الأميركي خلال توقيع وثيقة وقف الحرب في غزة بمدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

ترحيب مصري - سوداني بعرض ترمب حول السد الإثيوبي

الرئيس المصري ونظيره الأميركي خلال توقيع وثيقة وقف الحرب في غزة بمدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)
الرئيس المصري ونظيره الأميركي خلال توقيع وثيقة وقف الحرب في غزة بمدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)

رحّبت دولتا مصر والسودان بعرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الوساطة مجدداً في قضية «سد النهضة»، للوصول إلى اتفاق بين دولتَي المصب، مصر والسودان، مع إثيوبيا.

وقال ترمب، مساء الجمعة، إن «واشنطن مستعدة للاضطلاع بدور فاعل في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل، ويضمن تلبية احتياجات الدول الثلاث على المدى البعيد».

وثمّن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «اهتمام ترمب بمحورية قضية نهر النيل لمصر». وأشار في تدوينة على حسابه الرسمي، السبت، إلى «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، والقائم على مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة دون إضرار بأي طرف»، مؤكداً أن «هذه هي الثوابت التي يتأسّس عليها الموقف المصري».

ووجه السيسي خطاباً إلى الرئيس الأميركي تضمن «تأكيد الموقف المصري، وشواغل القاهرة ذات الصلة بالأمن المائي»، إلى جانب التأكيد على «الدعم المصري لجهود ترمب، والتطلع لمواصلة العمل من كثب معه خلال المرحلة المقبلة».

ودشنت أديس أبابا مشروع «سد النهضة» رسمياً في التاسع من سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط اعتراضات من مصر والسودان، للمطالبة باتفاق قانوني ملزم ينظّم عمليات «تشغيل السد»، بما لا يضر بمصالحهما المائية.

وأشار الرئيس الأميركي إلى أنه «يدرك وفريقه الأهمية العميقة لنهر النيل لمصر وشعبها». وقال عبر حسابه على منصة «تروث سوشيال» إنه «يريد المساعدة في تحقيق نتيجة تضمن تلبية احتياجات مصر والسودان وإثيوبيا من المياه على المدى البعيد». وشدد على أنه «لا ينبغي لأي دولة في هذه المنطقة أن تسيطر بشكل منفرد على موارد النيل الثمينة، وأن تضر بجيرانها في هذه العملية».

وقال رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، مما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

بينما لم يصدر موقف رسمي من الحكومة الإثيوبية بشأن عرض الرئيس الأميركي للوساطة في قضية «السد» وسط ترقب لموقف أديس أبابا.

واستضافت واشنطن خلال ولاية ترمب الأولى جولة مفاوضات عام 2020 بمشاركة البنك الدولي، ورغم التقدم الذي شهدته المفاوضات بين الدول الثلاث (مصر وإثيوبيا والسودان)، فإنها لم تصل إلى اتفاق نهائي، بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وقتها.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال مؤتمر صحافي، السبت، مع نظيره البوسني، إلمدين كوناكوفيتش، أن «الرئيس السيسي يقدر اهتمام الرئيس ترمب بقضية مياه النيل». وأشار إلى أن «بلاده تدعم جهود الرئيس الأميركي للعمل من كثب لتحقيق المصالح للجميع، مع التأكيد على الشواغل المائية لدولتَي المصب».

وشدد عبد العاطي على «انفتاح بلاده للتعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل لتنفيذ مبادئ القانون الدولي، ومبدأ الإخطار المسبق وعدم إحداث ضرر»، عادّاً ذلك «أحد الثوابت الأساسية لبلاده».

وحول قضية السد الإثيوبي، قال الوزير المصري إن «إجمالي الموارد المائية لدول حوض النيل يبلغ 1600 مليار متر مكعب سنوياً، وبالتالي ليس هناك نقص في موارد المياه، إذا جرى تحسين استخدام الموارد المائية، وأن يكون التعاون قائماً على مبدأ تحقيق المكاسب للجميع، والابتعاد بشكل كامل عن الإجراءات الأحادية».

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (أ.ف.ب)

ووفق تقدير عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة، فإن «ملف أزمة السد الإثيوبي سيشهد حراكاً خلال الفترة المقبلة بعد عرض الرئيس ترمب»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «التدخل الأميركي يعكس وجود إرادة لدى واشنطن لإنهاء تلك الأزمة». وأشار إلى أن «دعوة الإدارة الأميركية إلى استئناف التفاوض ربما جاءت بعد التواصل مع الحكومة الإثيوبية لإنهاء الخلاف القائم».

ويعتقد السفير صلاح حليمة أن «واشنطن مؤهلة إلى القيام بدور إيجابي في ملف أزمة السد الإثيوبي»، موضحاً أن «القاهرة ترحّب بتدخل واشنطن بالنظر إلى المسار السابق خلال الفترة الرئاسية الأولى للرئيس ترمب، التي كادت تنتهي باتفاق لولا رفض الجانب الإثيوبي التوقيع عليه».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد، خلال العام الماضي، بعد جولات مختلفة، على مدار 13 عاماً، وذلك «نتيجة لغياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، حسب وزارة الري المصرية في وقت سابق.

بينما يخشى أستاذ القانون الدولي، العضو السابق في وفد الخرطوم بمفاوضات السد الإثيوبي، أحمد المفتي، «استمرار التعنت الإثيوبي في قضية السد»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «واشنطن سبق أن تدخلت في القضية، وكذلك مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية، وجميع الأطراف طالبت أديس أبابا بالتعاون مع دولتَي المصب، غير أن الحكومة الإثيوبية لم تغيّر موقفها، وأكملت بناء السد بالإضافة إلى ملئه وتشغيله بشكل أحادي». ويرى المفتي أن «الحل الوحيد لتحريك هذا الملف هو اتخاذ موقف مصري-سوداني مشدد يجبر الحكومة الإثيوبية على التفاوض».


مقالات ذات صلة

كيف تأثر الوافدون بغلاء الأسعار في مصر نتيجة الحرب الإيرانية؟

شمال افريقيا مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)

كيف تأثر الوافدون بغلاء الأسعار في مصر نتيجة الحرب الإيرانية؟

دفعت الحرب الإيرانية إلى تساؤلات بشأن مدى تأثيرها في الوافدين بمصر في ظل أزمة غلاء متصاعدة، وسط «شكاوى» من وافدين بـ«صعوبات معيشية وضعف فُرص العمل».

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا عادات عيد الفطر الشرائية في مصر تأثرت بتداعيات الحرب الإيرانية (رويترز)

بسبب تداعيات حرب إيران... مصريون يلجأون إلى الترشيد

لم يفكر علي إبراهيم، الموظف في إحدى شركات القطاع الخاص كثيراً بعد قرار زيادة أسعار المحروقات قبل أقل من أسبوعين، في تخفيض نفقات شراء «الكعك» هذا العام.

أحمد عدلي (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع الحكومة الأربعاء الماضي (مجلس الوزراء المصري)

حملات ضبط الأسعار في مصر... «ضجيج بلا تأثير»

وقالت الحكومة المصرية، الجمعة، إنها «رفعت درجة الاستعداد القصوى للرقابة الميدانية على الأسواق والأنشطة التموينية خلال فترة إجازة عيد الفطر».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس عبد الفتاح السيسي داخل «مونوريل شرق النيل» الجمعة (الرئاسة المصرية)

مصر: «المونوريل» يدخل الخدمة لتخفيف «الاختناقات المرورية»

افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي، الجمعة، مشروع «مونوريل شرق النيل» ليدخل «المونوريل» الخدمة مستهدفاً تخفيف «الاختناقات المرورية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عقب صلاة عيد الفطر الجمعة بمسجد الفتاح العليم بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

السيسي: تكلفة جهود مكافحة الإرهاب بلغت 120 مليار جنيه خلال 10 سنوات

احتفى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتضحيات مواطنيه في مكافحة الإرهاب وقال إن «تكلفة جهود مكافحة الإرهاب بلغت 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات».

فتحية الدخاخني (القاهرة )

الجزائر: ملف معتقلي الرأي يتصدر المشهد السياسي في سياق «عفو رئاسي»

مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)
مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)
TT

الجزائر: ملف معتقلي الرأي يتصدر المشهد السياسي في سياق «عفو رئاسي»

مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)
مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)

أفادت مصادر حقوقية في الجزائر بإطلاق سراح نحو 50 سجيناً من معتقلي الرأي، عشية عيد الفطر المبارك، بموجب عفو رئاسي. لكن رغم هذه الخطوة، فإن ناشطين يؤكدون استمرار احتجاز أكثر من 150 آخرين يقضون عقوبات حبسية متفاوتة، تتراوح بين عامين و8 سنوات. وبينما تستند السلطات في استمرار حبسهم إلى تصنيف أفعالهم ضمن «الجرائم القانونية»، تصر القوى المعارضة على أن هذه الأحكام تعدّ «إجراء عقابياً» على خلفية مواقفهم المعارضة سياسات السلطة.

من مظاهرات الحراك الشعبي عام 2019 (ناشطون سياسيون)

قال الناشط المعارض الصحافي المعروف، فضيل بومالة، عبر حساباته في الإعلام الاجتماعي، يوم عيد الفطر، إن عدداً من المعتقلين «غادروا أسوار السجون، في حين لا يزال آخرون قيد الاحتجاز»، وأبرزهم الشاب محمد تاجديت الملقب «شاعر الحراك»، والشاب ابراهيم لعلامي. وأكد بومالة خبر الإفراج عن معتقل الرأي الشهير صهيب دباغي بولاية باتنة (400 كيلومتر شرق العاصمة)، ومعه الناشط يوسف بلورغي من المنطقة نفسها.

محمد تاجديت من أبرز نشطاء الحراك المسجونين (متداولة)

كما أبرز بومالة، وهو معتقل رأي سابق يرصد منذ سنوات المتابعات الأمنية والقضائية للناشطين المعارضين وينشرها، أن عدداً من المعتقلين لايزالون رهن الحبس، رغم صدور مرسوم العفو الرئاسي، وذكر من بينهم زهير حجازي، وعبد العزيز بن هدي، ومنصور مخالفية، ومختار دالي، وهم مسجونون، وفقه، بشرق ووسط وغرب البلاد.

وأضاف بومالة أن معتقلَي الرأي بشرق البلاد؛ صدوق قحام ومراد لوريسي، غادرا السجن عشية عيد الفطر بعد انقضاء مدة محكوميتهما، «دون أن يكون لخروجهما أي علاقة بإجراءات العفو الرئاسي، وفق ما تم تداوله».

عفو رئاسي باستثناءات صارمة

بمناسبة عيد الفطر؛ فقد أعلنت الرئاسة، في بيان، أن الرئيس عبد المجيد تبون وقع مرسومين رئاسيين يتضمنان إجراءات عفو تشمل 5600 سجين.

الناشط معتقل الرأي إبراهيم لعلامي (ناشطون سياسيون)

ويتعلق المرسوم الأول، وفق البيان، بالأشخاص المحكوم عليهم في قضايا القانون العام، وينص على عفو كامل لفائدة 5600 شخص؛ سواء أكانوا موقوفين أم غير موقوفين، صدرت في حقهم أحكام نهائية، وكانت مدة عقوبتهم، أو ما تبقى منها، تساوي أو تقل عن 24 شهراً.

ويُستثنى من هذا الإجراء، وفق البيان نفسه، عدد من الجرائم المصنفة «خطيرة»؛ من بينها «قضايا الإرهاب والتخريب، والاعتداء على أمن الدولة وسلامة التراب الوطني»، إضافة إلى جرائم «الفساد والقتل».

ويدخل تحت طائلة هذه الاستثناءات ناشطون من فترة «العشرية السوداء» (مرحلة الاقتتال مع الجماعات المتشددة خلال التسعينات)، وأيضاً رؤساء حكومات ووزراء ورجال أعمال، أدانهم القضاء بعقوبات ثقيلة بالسجن، بناء على تهم «فساد»، ينتمي كلهم إلى فترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019). وقد أُوقفوا بعد استقالة بوتفليقة في 2 أبريل (نيسان) 2019 تحت ضغط الشارع الرافض ترشحه لولاية خامسة.

الناشط المعارض الصحافي فضيل بومالة (وسط) (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما يُستثنى أيضاً المتورطون في «شبكات إجرامية منظمة، وجرائم السرقة المشددة، والاعتداءات المرتبطة بالأنظمة المعلوماتية، التي تستهدف مؤسسات عمومية أو تابعة للدفاع الوطني»، فضلاً عن «الجرائم المتعلقة بالمخدرات والتهريب، والمضاربة غير المشروعة والغش التجاري والصحي»، وفق البيان الرئاسي.

ويشمل هذا الاستثناء فئتين؛ الأولى تضم أعضاء في تنظيمات مصنفة «جماعاتٍ إرهابيةً»، مثل «حركة تقرير مصير منطقة القبائل»، المعروفة اختصارا بـ«ماك»، وحركة «رشاد» الإسلامية. وقد جرى سجن كثير من المنتمين إلى التنظيمين منذ إدراجهما في «لائحة الإرهاب» عام 2021، علماً بأن قيادييهما يقيمون في الخارج وصدرت بحقهم مذكرات توقيف دولية، وأبرزهم فرحات مهني زعيم «ماك»، والعربي زيتوت القيادي في «رشاد».

أما الفئة الثانية، فتضم تجاراً ومتعاملين اقتصاديين سُجنوا بتهمة «احتكار السلع» بموجب «قانون مكافحة المضاربة غير المشروعة»، الذي سُنَّ في ذروة جائحة «كوفيد19»، كما

لا يشمل العفو جرائم «التمييز وخطاب الكراهية»، وأنشطة «عصابات الأحياء»، وبعض المخالفات الخطيرة المنصوص عليها في قانون السجون.

ويتعلق المرسوم الثاني بالجرائم المرتبطة بالنظام العام، مع التركيز على «الجرائم المعلوماتية»، وتلك المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا هو الإجراء الذي يشمل معتقلي الرأي؛ شريطة أن تكون أحكام الحبس الصادرة بحقهم نهائية، واستنفدت سبل الطعن القانوني كافة.

«التهدئة الشاملة» مطلب سياسي

تأتي هذه المستجدات في سياق استمرار المطالب الحقوقية والسياسية الداعية إلى الإفراج عن جميع معتقلي الرأي، الذين يصل عددهم إلى 200، وفتح المجال أمام إجراءات تهدئة شاملة «تعزز الثقة، وتدعم مسار الحقوق والحريات في البلاد»، وفق ما ذكره عثمان معزوز رئيس «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان.

زعيم «ماك» فرحات مهني مستهدف بمذكرة توقيف دولية (ناشطون)

وقال معزوز إن «مئات الأسر تحيي العيد في ظل غياب قسري لأبنائها وآبائها المعتقلين بسبب مواقفهم وآرائهم.. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في سجلات السجون، بل هم حكايا إنسانية، وجراح غائرة في قلب المجتمع؛ عند كل قضبان أمٌ تنتظر، وأطفال يكبرون في غياب السند»، مشدداً على أن «هذا الألم الصامت لا يقتصر على الغرف المغلقة، بل يمتد ليقوض جسور الثقة بين المواطن والدولة. ومن هذا المنطلق، يتجدد النداء إلى رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، لتفعيل صلاحياته الدستورية، واتخاذ إجراءات عفو شاملة تفتح باب التهدئة وتداوي جراح هؤلاء المظلومين».

وأضاف معزوز موضحاً أن مثل هذه الخطوة، في هذا التوقيت بالذات، «لن تكون ضعفاً ولا تنازلاً، بل ستكون تعبيراً عن حكمة سياسية وسموّ في ممارسة الدولة. فالتاريخ السياسي في الجزائر، كما في غيرها، يعلّمنا حقيقة بسيطة: الأزمات لا تُحلّ بالتشدد، بل بقرارات شجاعة تعيد فتح آفاق الحوار».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


كيف تأثر الوافدون بغلاء الأسعار في مصر نتيجة الحرب الإيرانية؟

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)
TT

كيف تأثر الوافدون بغلاء الأسعار في مصر نتيجة الحرب الإيرانية؟

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)

دفعت الحرب الإيرانية إلى طرح عدة تساؤلات حول مدى تأثيرها في الوافدين بمصر في ظل أزمة غلاء متصاعدة، وسط «شكاوى» من وافدين بـ«صعوبات معيشية وضعف فُرص العمل».

العشريني السوداني، راسول عبد المسيح قال لـ«الشرق الأوسط» إن «معضلة بعض اللاجئين والوافدين تأتي مع ارتفاع الأسعار في مصر».

يعمل الشاب السوداني 10 ساعات يومياً في مخزن لنقل البضائع بمدينة العاشر من رمضان (شرق القاهرة) مقابل 8 آلاف جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) شهرياً. يدفع منها 3 آلاف ونصف الألف إيجاراً لشقته، والباقي نفقات للطعام،

وشهدت مصر موجات متتالية من التضخم، سجل معدله على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل تسجيله 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي، مرتفعاً من نسبة 0.2 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

ورغم صعوبة الظروف المعيشية لعبد المسيح وأسرته، التي زاد أفرادها بطفلة جديدة وُلدت في مصر، فإنهم تكيفوا على هذه الظروف، واضطر هو وأسرته إلى التسجيل أخيراً في رحلات «العودة الطوعية المجانية» إلى السودان، ليس هرباً من الأسعار في مصر؛ لكن من «حملة تدقيق الإقامات وترحيل المخالفين»، على حد قوله.

وفاقمت الحرب الإيرانية من ارتفاع الأسعار في مصر، بعد قرار حكومي برفع أسعار المحروقات بنسبة تراوحت من 14 إلى 30 في المائة، بعد 10 أيام فقط من الحرب؛ وانعكس ذلك مباشرة على أسعار السلع والخدمات التي تأثرت برفع سعر المحروقات.

سوريون يعودون طواعية من مصر إلى بلادهم (أرشيفية)

وبينما لجأت كثير من الأسر المصرية إلى جدولة ميزانيتها، وترتيب أولوياتها للتكيف مع الموجة الجديدة من زيادة الأسعار، فإن «مئات من الأسر الوافدة ليس لديها هذه الرفاهية، في ظل ميزانية هشة تعيش على المساعدات»، بحسب مراقبين.

وتُعد مصر من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، حتى تجاوزت أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء لدى مفوضية اللاجئين مليوناً و98 ألف شخص من 60 جنسية مختلفة نهاية ديسمبر الماضي، تصدرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب، ثم السوريون بواقع 123 ألفاً و383 طلباً، ولا يتضمن ذلك الرقم الفلسطينيين الذين جاؤوا إلى مصر خلال «حرب غزة» للعلاج، والدين قدرتهم الحكومة بـ110 ألف فلسطيني.

الخمسينية الفلسطينية سمر الشيخ جاءت إلى مصر في مارس (آذار) 2024 خلال الحرب على قطاع غزة، ووجدت صعوبة في إيجاد عمل تنفق منه على ابنتها وابنة اختها، وبعد بحث طويل عملت في حضانة أطفال مقابل «راتب زهيد»، وكلما ارتفعت الأسعار في مصر زادت معاناة الشيخ في تدبير مصاريفهن.

تقول سمر لـ«الشرق الأوسط» تعليقاً على الزيادة الأخيرة في المحروقات: «سمعت من صديقة أن سعر اسطوانة الغاز ارتفع إلى لـ350 جنيهاً، وآخر مرة اشتريتها من شهر كانت بـ225 جنيهاً».

جاءت الفلسطينية إلى مصر مرافقة لابنة أختها التي خرجت لتلقي العلاج خلال «حرب غزة»، واستقرت في ضاحية 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، بعدما وفرت لها متبرعة هذه الشقة، ولا تنوي الفلسطينية العودة قريباً في ظل وضع القطاع المدمر، وظروف الحياة في خيمة؛ لذا ترى أن «التكيف على الأسعار في مصر أفضل».

الناشط السوري بين أبناء الجالية السورية في مصر، سليم سبع الليل، يشير من جهته إلى «صعوبة أوضاع الوافدين الاقتصادية في ظل غلاء الأسعار»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنهم يعانون مثلما يعاني الجميع؛ لكن الأسوأ بالنسبة لهم هو حرمان كثير منهم من المساعدات الأممية، بعد تخفيض دعم منظمات المجتمع المدني لهم، وصعوبة حصولهم على عمل.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، من 62 جنسية مختلفة، وهو ما يكلّف الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

ويوضح سبع الليل أن «غالبية السوريين من أصحاب الدخول الأقل عادوا إلى سوريا، خصوصاً مع حملات الترحيل، ولن يبقى سوى أصحاب المشروعات، ممن لن يجدوا صعوبة في العيش بمصر اقتصادياً».

الخبير الاقتصادي المصري، عاطف ويليام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «غلاء الأسعار يؤثر في الوافدين مثل تأثيره في المصريين». مبرزاً أن «تأثير الغلاء يظل أكبر على الفئات المهمشة من الوافدين، ليس فقط بسبب الأعباء المعيشية وغلاء الأسعار، بل أيضاً بسبب أوضاعهم في الأعمال التي يقومون بها، وشكاوى البعض من عدم توفر فرص عمل مناسبة».

ومنذ شهور، بدأت مصر حملات لتدقيق إقامات الوافدين وترحيل المُخالفين، ما نتج عنه ترحيل عشرات الآلاف وفق المراقبين. وكانت حملات «سوشيالية» سبقت حملات الترحيل، هاجمت الوافدين، بوصفهم السبب في زيادة الأسعار بالبلاد.

وسبق أن اتخذت الحكومة المصرية إجراءات لتشجيع الوافدين على العودة لبلادهم، بداية من توفير قطارات تتجه أسبوعياً من القاهرة إلى أسوان لنقل آلاف السودانيين الراغبين في العودة الطوعية، مروراً بإعفاء أقرانهم السوريين من غرامات الإقامة خلال الفترة من يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) من العام الماضي؛ كما توجهت للسودانيين المغادرين بقرار مماثل ما زال ممتداً حتى نهاية مارس الحالي.


بسبب تداعيات حرب إيران... مصريون يلجأون إلى الترشيد

عادات عيد الفطر الشرائية في مصر تأثرت بتداعيات الحرب الإيرانية (رويترز)
عادات عيد الفطر الشرائية في مصر تأثرت بتداعيات الحرب الإيرانية (رويترز)
TT

بسبب تداعيات حرب إيران... مصريون يلجأون إلى الترشيد

عادات عيد الفطر الشرائية في مصر تأثرت بتداعيات الحرب الإيرانية (رويترز)
عادات عيد الفطر الشرائية في مصر تأثرت بتداعيات الحرب الإيرانية (رويترز)

لم يفكر علي إبراهيم، الموظف في إحدى شركات القطاع الخاص، كثيراً بعد قرار زيادة أسعار المحروقات قبل أقل من أسبوعين، في تخفيض نفقات شراء «الكعك» هذا العام ضمن مراجعة لمصاريف عائلته خلال عيد الفطر، مع عدم تقاضيه راتب الشهر الجديد قبل إجازة العيد وحاجة أبنائه لمصاريف الدروس خلال الشهر المقبل.

إبراهيم، الذي يعول أسرة مكونة من 3 أبناء في مراحل التعليم المختلفة ويقيم في ضاحية 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، يعمل مشرف وردية لمدة 12 ساعة يومياً في أحد المصانع، لكن راتبه الذي يتقاضاه لا يبدو أنه سيزيد قريباً، بحسب حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بعد الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات التي جعلته يدفع أموالاً أكثر في شراء بعض مستلزمات العيد لأبنائه الثلاثة، بالإضافة إلى الاكتفاء بخروج ليوم واحد فقط بإحدى الحدائق، بعدما كانت الأسرة تفكر في السفر لـ«العين السخنة» لقضاء يوم على البحر.

ولا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة لمريم إيهاب، الموظفة بإحدى الشركات العقارية في القاهرة، بعدما قررت إعادة النظر في كميات الكعك التي اشترتها لأسرتها، مكتفية بعلبة صغيرة تضم الكعك والبسكويت بعدما زادت الأسعار أخيراً، في وقت تأمل فيه أن توافق الشركة على عملها عن بُعد ليوم أو يومين، لتوفر مصاريف انتقالها اليومي من حي المرج (شرق القاهرة) إلى الدقي بمحافظة الجيزة، حيث مقر عملها.

تقول مريم إيهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن الشركة التي تعمل بها تقوم بأعمال محدودة، وتتقاضي فيها راتباً أقل من 6 آلاف جنيه، تنفق من خلاله على طفلين بالتعليم الابتدائي بعد رحيل زوجها، مشيرة إلى أنها ستكتفي بالتنزه مع أطفالها بالقرب من المنزل وشراء بعض الهدايا البسيطة، بعدما كانت تأمل في اصطحابهما لقضاء يوم في الإسماعيلية.

ودفعت تداعيات حرب إيران كثيراً من المصريين إلى إعادة النظر في طرق إنفاق أموالهم والعادات التي يقومون بها كل عيد، بعدما رفعت الحكومة أسعار المحروقات (البنزين والسولار وأسطوانات الغاز) أخيراً، وهي الزيادات التي انعكست سريعاً على الأسواق في مختلف القطاعات.

مواطنون تحدثوا عن تراجع في شراء كميات كعك العيد بمصر (وزارة التموين)

أستاذ علم الاجتماع بـ«المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية»، وليد رشاد، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن كثيراً من العادات المرتبطة بالعيد والتي تتطلب تكاليف مالية جرى ترشيدها بفعل الظروف الاقتصادية، وهو ما انعكس بشكل يمكن لمسه في الشارع بكميات الكعك المباعة وتغير أوزان العلب الأكثر إقبالاً مع الاتجاه لشراء كميات أقل بتنوع أكبر، مشيراً إلى أن «التسويق التجاري نفسه لبعض مستلزمات العيد بات يعتمد على تقليل الكميات والأوزان في مقابل الإتاحة بسعر أقل».

وأضاف أن هذا الأمر يعدّ طبيعياً في ظل الظروف الاقتصادية العالمية، وتعديل أوجه إنفاق الأموال لدى كثير من الأسر، وإن كان الأمر يختلف من منطقة إلى أخرى ومن طبقة اجتماعية لأخرى، موضحاً أن العادات والتقاليد المعنوية المرتبطة بزيارات الأهل وغيرها من اللقاءات الأسرية، لا تزال موجودة وإن كانت أكثر صموداً في القرى عنها في المدن.

وكان معدل التضخم عاود مساره الصعودي في فبراير (شباط) الماضي، مسجلاً 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني)، وسط مخاوف من تطبيق الحكومة المصرية زيادات جديدة في أسعار الكهرباء والاتصالات والقطارات على خلفية زيادة تكاليف التشغيل بعد ارتفاع أسعار المحروقات.

ويرى مراقبون أن «التغير في العادات الاستهلاكية للمواطنين في العيد، يعدّ أمراً طبيعياً ويزداد بشكل واضح في الأزمات»، وأكدوا أن «الضغوط الاقتصادية والتخوف مما سيحدث مستقبلاً، يدفع من لديه فائض مالي للادخار ومحاولة الاستغناء أو الحد من النفقات غير الأساسية، ويجعل من لديه عجز مالي يتجه نحو الاستغناء الكامل عما يصنف باعتباره أموراً ترفيهية».

وبحسب المراقبين، فإن هذا الأمر يجعل بعض عادات العيد، بالإضافة إلى النفقات على الأمور الترفيهية غير الضرورية، على غرار شراء «الكعك» أو التوجه للسينمات والمسارح، أو حتى التنزه في بعض الأماكن مرتفعة التكلفة، أمراً في أولويات القدرة على الاستغناء.