اتفاق على «كل التفاصيل» لإنشاء قاعدة بحرية روسية في السودان

يتيح للجانب الروسي الحق في نشر سفن مقابل دعم الجيش السوداني بالأسلحة والتدريب

اتفاق على «كل التفاصيل» لإنشاء قاعدة بحرية روسية في السودان
TT

اتفاق على «كل التفاصيل» لإنشاء قاعدة بحرية روسية في السودان

اتفاق على «كل التفاصيل» لإنشاء قاعدة بحرية روسية في السودان

دشّنت موسكو والخرطوم، الأربعاء، مرحلة جديدة في العلاقات والتعاون، بإعلان التوصل إلى «تفاهم كامل» في ملف إنشاء قاعدة عسكرية بحرية روسية في مدينة بورتسودان. وتوج البلدان بذلك عملاً طويلاً تخللته جولات عدة من المفاوضات حول الموضوع استمرت لسنوات، وتعثرت أكثر من مرة، بسبب تقلبات الأوضاع في السودان. ويتيح الاتفاق، الذي ينتظر أن تتبلور ملامحه النهائية قريباً، توسيع حرية الحركة للسفن الحربية الروسية في البحر الأحمر، ويمنح موسكو الحق في نشر 300 عسكري و4 سفن في القاعدة. في المقابل تعمل روسيا على دعم الجيش السوداني بالأسلحة والمعدات الحربية اللازمة لتطويره.

وأعلن وزير الخارجية السوداني علي يوسف الشريف عن هذا التطور في ختام جولة محادثات أجراها في موسكو مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.

وقال الوزير رداً على أسئلة الصحافيين: «اتفقت روسيا والسودان على كل شيء فيما يتعلق بإنشاء قاعدة بحرية روسية». وأكد: «توصلنا إلى تفاهم متبادل بشأن هذه القضية».

ولم يوضح الشريف تفاصيل حول بنود التفاهم الحالي، وما إذا كانت صياغة الاتفاق السابق الذي تم التوصل إليه في عام 2017 قد تعرضت لتعديلات أو توسيع. واكتفى الوزير السوداني بإشارة مقتضبة أكد فيها أن الطرفين «توصلا إلى تفاهم بشأن هذه القضية، لذا فإن السؤال بسيط للغاية. ليس لدي ما أضيفه، لقد اتفقنا، على كل التفاصيل».

اهتمام روسي بدفع التسوية

من جانبه، تجنّب لافروف خلال المؤتمر الصحافي الإشارة إلى ملف القاعدة العسكرية، لكنه قال إن الأطراف أولت خلال المحادثات اهتماماً خاصاً للحرب الدائرة في السودان. وأضاف لافروف أنه عندما يستقر الوضع في السودان ستتوفر الظروف لمزيد من تطوير العلاقات، وسيكون أحد المجالات ذات الأولوية هو المساعدة في تطوير قاعدة الموارد المعدنية للدولة الأفريقية. وزاد: «نحن مهتمون بتطبيع الوضع في دولة صديقة لنا في أقرب وقت ممكن. لقد أكدنا موقفنا المبدئي بشأن ضرورة إنهاء العمليات العسكرية بسرعة والإطلاق الموازي لحوار وطني يشمل جميع ممثلي القوى السياسية والعرقية والطائفية».

وقال لافروف إن نظيره السوداني أبلغه أن القيادة السودانية أقرت قبل أيام «خريطة طريق» من شأنها أن تدفع البلاد نحو تحقيق التوافق الوطني.

وبحسب وزير الخارجية الروسي، فإن استقرار الوضع في السودان سيخلق الظروف لمزيد من تطوير العلاقات الثنائية، ويعتبر تقديم المساعدة للسودان في تطوير قاعدة الموارد المعدنية في البلاد أحد المجالات ذات الأولوية.

الفريق البرهان لدى لقائه الوفد الروسي برئاسة بوغدانوف في بورتسودان أبريل 2024 (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

وكان موضوع إنشاء قاعدة روسية في بورتسودان تعرض مراراً للشد والجذب وفقاً لمسار العلاقة بين البلدين التي تعرضت لهزات وفترات فتور. لكن الجانبين الروسي والسوداني أكدا، في وقت سابق، أن التفاهم الأولي حول الموضوع ما زال موضع اهتمام من الطرفين ومطروحاً على جدول المناقشات.

وفي نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول)، وصفت السفارة الروسية في السودان تقارير تحدثت عن رفض الخرطوم استضافة مركز لوجيستي للبحرية الروسية بأنها «كاذبة».

وقبل ذلك، في يونيو (حزيران) الماضي، أفاد السفير السوداني لدى روسيا الاتحادية بأن السودان «لم يتراجع عن التزاماته ببناء قاعدة بحرية روسية في البحر الأحمر، وسيتم تنفيذ المشروع المخطط له»، مجدداً الالتزام الذي أعلن عنه في فبراير (شباط) 2023 حول أن السلطات السودانية سوف تسمح للأسطول الروسي ببناء القاعدة على البحر الأحمر.

سجالات سبقت الإعلان النهائي

وكانت موسكو والخرطوم اتفقتا في عام 2017 خلال زيارة للرئيس السوداني المخلوع عمر البشير إلى موسكو على إنشاء قاعدة بحرية في بورتسودان، لكن الاتفاق لم يتم التصديق عليه في الخرطوم. في حين سارت موسكو من جانبها خطوات لمنح الاتفاق قوة قانونية عبر المصادقة عليه في مجلس الدوما (النواب).

هل يزور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بورتسودان؟ (أ.ب)

وفي منتصف عام 2021 بعد مرور أسابيع قليلة على إعلان الخرطوم تجميد العمل باتفاقية إنشاء القاعدة العسكرية الروسية في بورتسودان، سرّعت موسكو خطواتها لتحويل الوثيقة إلى اتفاق ملزم، عبر مروره بكل آليات الإقرار القانونية التي نص عليها.

وأمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في حينها، بإحالة الاتفاقية إلى مجلس الدوما (النواب) للمصادقة عليها، في ثاني خطوات الإقرار النهائي للاتفاق بعدما صدّقت الحكومة الروسية عليها رسمياً قبل أسبوع واحد. وجاء التطور آنذاك، رغم أن القيادة السودانية أبلغت موسكو بموقفها بشكل مباشر ورسمي عبر اتصالات جرت على المستويين العسكري والدبلوماسي، وكان أبرزها زيارة وفد من وزارة الدفاع الروسية برئاسة نائب الوزير ألكسندر فومين إلى الخرطوم، وزيارة وزير الدفاع السوداني إلى موسكو، في إطار مشاركته في مؤتمر الأمن الدولي الذي نظمته وزارة الدفاع الروسية في مايو (أيار) 2021.

وأظهر التحرك الروسي أن موسكو سعت إلى الضغط على الحكومة السودانية الجديدة في ذلك الوقت، رغم تصريحات رئيس أركان القوات المسلحة محمد عثمان الحسين، الذي قال إن «الخرطوم تعتزم مراجعة اتفاق إنشاء قاعدة عسكرية روسية على البحر الأحمر»، مشيراً إلى أن «الوثيقة أقرّتها الحكومة السابقة ولم يصدّق عليها مجلس النواب».

ورغم الموقف السوداني، أعلنت وزارة الخارجية الروسية أن الاتفاق يبقى ملزماً للطرفين، لأن «هذا الاتفاق تم توقيعه في الخرطوم يوم 23 يوليو (تموز) 2019 من قبل مسؤول مكلف للمجلس العسكري الانتقالي في السودان، أي بعد تغيير النظام السياسي في السودان»، وفقاً لتعليق الناطقة باسم الوزارة ماريا زاخاروفا التي أضافت أن «الوثيقة لم تجرِ حتى الآن المصادقة عليها من قبل الطرف السوداني لأنه لا يوجد حالياً في البلاد جهاز سلطة تشريعية يتمتع بمثل هذه الصلاحيات».

في المقابل، لمّحت زاخاروفا إلى استعداد الجانب الروسي لإبداء مرونة في مراجعة نص الاتفاق، وقالت إن «موسكو مهتمة بتعزيز التعاون مع الخرطوم. ونص الوثيقة يمكن أن يتغير». وأوضحت أنه «يمكن حتى دخول الاتفاق حيز التنفيذ إجراء تغييرات جوهرية في نصه بالتنسيق بين الطرفين وفي حال وجود مبادرة لذلك من قبل أي منهما».

مضمون الاتفاق

ونص الاتفاق في صياغته الأولى التي يمكن أن تكون قد خضعت لبعض التعديلات في إطار التفاهم الجديد على منح روسيا حق استخدام مركز لوجيستي عملياتي في بورتسودان، على ألا يتجاوز الحد الأقصى لعدد أفراد المركز البحري العاملين في آن واحد 300 عسكري، كما لن يتمكن أكثر من 4 سفن حربية روسية من البقاء هناك في وقت واحد. كما نص الاتفاق على أنه يسري لمدة 25 عاماً مع إمكانية التمديد بعد انقضاء هذه الفترة.

اللافت أن التفاهم الجديد قد يكون جزءاً من اتفاقيات أوسع، كانت موسكو والخرطوم قد لمّحت إليها في وقت سابق.

مرفأ بورتسودان على البحر الأحمر (سونا)

وكان وزير الدفاع السوداني ياسين إبراهيم ياسين قد قال خلال زيارة سابقة إلى موسكو إن «الحديث في الواقع لا يدور عن اتفاقية واحدة، بل عن 4 اتفاقيات متعلقة بالتعاون العسكري بين البلدين تقضي بإنشاء ممثلية لوزارة الدفاع الروسية في السودان وتسهيل دخول السفن الحربية الروسية في الموانئ السودانية، ومن ثم الاتفاق على إنشاء مركز دعم لوجيستي روسي في السودان». ولفت إبراهيم إلى أن 3 من هذه الاتفاقيات لا تزال مستمرة، وهناك «بعض المسائل التكميلية بالنسبة لها».

 

 

كما برزت معطيات عن أن موسكو تتعهد بموجب الاتفاق بدعم قدرات الجيش السوداني. وكان المحلل السوداني عثمان الميرغني قد قال لوسائل إعلام، في وقت سابق، إن «الجيش السوداني في حاجة ماسة إلى الأسلحة والذخائر وقطع الغيار لطائراته المقاتلة روسية الصنع». ورأى أن «تقديم قاعدة بحرية لروسيا في المقابل هو الخيار الأفضل».


مقالات ذات صلة

«أبيي» تشعل خلافاً جديداً بين الخرطوم وجوبا

شمال افريقيا خريطة توضح الموقع الجغرافي لمنطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان (الأمم المتحدة – UNISFA)

«أبيي» تشعل خلافاً جديداً بين الخرطوم وجوبا

أعلنت الحكومة السودانية رفضها إجراء انتخابات في منطقة «أبيي» المتنازع عليها مع دولة جنوب السودان

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا عامل يشغِّل آلة لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين بشمال السودان يوم 7 مايو 2026 (أ.ب)

عقوبات أوروبية على ذهب السودان المُستغل في تمويل الحرب

أعلن الاتحاد الأوروبي أنه فرض عقوبات جديدة على السودان تستهدف تجارة الذهب لديه، التي قال الاتحاد ‌إنها ‌تُستغل في ‌تمويل ⁠الصراع العسكري الدائر ⁠في البلاد.

«الشرق الأوسط» (لندن – الخرطوم)
شمال افريقيا من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)

«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

يواصل آلاف السودانيين البحث عن أبنائهم وأقاربهم الذين فُقدوا منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع»...

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» (رويترز)

حكم غيابي بإعدام قائد «الدعم السريع» في السودان

أصدرت محكمة سودانية، يوم الأحد، حكماً غيابياً بإعدام قائد «قوات الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي»، وآخرين لاتهامهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية .

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle

وثيقة أميركية لهدنة سودانية من 90 يوماً تعقبها مفاوضات

أعاد تسريب وثائق متبادلة بين الإدارة الأميركية والحكومة السودانية إحياء آمال السودانيين بإمكانية التوصل إلى هدنة إنسانية توقف جانباً من معاناة المدنيين

أحمد يونس (كمبالا) محمد أمين ياسين (نيروبي)

الجيش المصري يشجع «منقبين غير شرعيين» على تسليم أنفسهم بعد معارك محتدمة

حملة الجيش المصري الشهر الماضي أسفرت عن ضبط أسلحة (المتحدث العسكري)
حملة الجيش المصري الشهر الماضي أسفرت عن ضبط أسلحة (المتحدث العسكري)
TT

الجيش المصري يشجع «منقبين غير شرعيين» على تسليم أنفسهم بعد معارك محتدمة

حملة الجيش المصري الشهر الماضي أسفرت عن ضبط أسلحة (المتحدث العسكري)
حملة الجيش المصري الشهر الماضي أسفرت عن ضبط أسلحة (المتحدث العسكري)

إصدار مرئي من الجيش المصري تحت عنوان «درع الجنوب» سلط الضوء على مستجدات مواجهة منقبين غير شرعيين على الحدود الجنوبية مع السودان، بعد نحو 3 أشهر من تحرك عسكري وأمني لإحباط عمليات تنقيب غير شرعي عن الذهب وتوقيف أجانب، فيما نشر الإصدار شهادات لمضبوطين تظهر تلقيهم «معاملة إنسانية».

ذلك الإصدار، الذي نشره المتحدث العسكري للجيش المصري، العقيد أحمد عتمان، عبر صفحته الرسمية بـ«فيسبوك»، الثلاثاء، يحمل رسالة أمنية واستراتيجية، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أبرزها «فرض سيادة الدولة على المناطق النائية، وعدم السماح بوجود مناطق خارج السيطرة، والحفاظ على مقدرات البلاد وسيادتها، وطمأنة للمخالفين بوجود مسار قانوني يحترم الحقوق يمكن اللجوء له».

وقال المتحدث العسكري إن ذلك الإصدار المرئي يعد «الحلقة الأولى من سلسلة (درع الجنوب) التي ترصد كيف تعاملت القوات المسلحة والشرطة المدنية مع العناصر التي سلّمت نفسها عقب الحملة المكبرة في المنطقة الجنوبية، في إطار قانوني وفقاً للمعايير والمواثيق الدولية بما يفرض الأمن ويحفظ الحقوق».

مضبوطات خلال حملة للجيش المصري في يونيو الماضي (المتحدث العسكري)

الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء عادل العمدة، يرى أنه يمكن قراءة إصدار عملية «درع الجنوب» في إطار أوسع من مجرد ملاحقة المنقبين غير الشرعيين، موضحاً أنها «تمثل رسالة أمنية واستراتيجية تؤكد أن الدولة المصرية تنظر إلى الحدود الجنوبية باعتبارها أحد أهم مسارح حماية الأمن القومي، خاصة مع اتساع المساحات الصحراوية وتشابك تحديات التهريب والهجرة غير المشروعة والتنقيب غير القانوني عن المعادن».

قدرة الدولة

وأضاف أنها «تؤكد استمرار قدرة الدولة على فرض سيادتها على المناطق النائية وعدم السماح بوجود مناطق خارج السيطرة»، وفق العمدة، الذي لفت إلى أن السلسلة التي نشرها المتحدث العسكري تستعرض كيفية تعامل القوات المسلحة والشرطة مع من قاموا بتسليم أنفسهم عقب الحملة، مع التأكيد على أن الإجراءات تمت في إطار قانوني ومع مراعاة المعايير الإنسانية.

وتضمن الإصدار شهادات مصورة لسودانيين، أكدوا أنهم تلقوا معاملة إنسانية بعد استسلامهم، موجهين نداءات إلى بقية الموجودين داخل مناطق التنقيب غير الشرعي للإسراع في تسليم أنفسهم.

احترام الكرامة الإنسانية

ولفت العمدة إلى أن هذه الشهادات تعكس ما جرى بالفعل وتقدم رسالة بأن تطبيق القانون لا يتعارض مع احترام الكرامة الإنسانية، كما تؤكد أن «الهدف هو إنفاذ القانون وليس الانتقام مع الالتزام بالإجراءات القانونية والحقوق الأساسية للمقبوض عليهم».

ويشير إلى أن هذه الرسائل تسهم في تعزيز الثقة لدى المجتمعات الحدودية وتدعم صورة مؤسسات الدولة باعتبارها توازن بين الحسم الأمني والاعتبارات الإنسانية والالتزام بالمعايير القانونية والدولية.

جانب من موقوفين خلال حملة الجيش المصري الشهر الماضي (المتحدث العسكري)

ويؤكد العمدة أن دعوات تسليم المنقبين غير الشرعيين أنفسهم تسعى لتقليل احتمالات وقوع مواجهات أو خسائر بشرية غير ضرورية، وتشجع من تورطوا في التنقيب غير المشروع على إنهاء المخالفة عبر المسار القانوني، وبالتالي توفر على الدولة وقتاً وجهداً وتكاليف العمليات الأمنية الممتدة. كما تعزز الاستقرار في المناطق الحدودية عبر الجمع بين الردع وإتاحة فرصة للاستجابة الطوعية بما يدعم فرض الأمن ويحافظ على حماية الحدود الجنوبية وثروات الدولة.

وفي يونيو الماضي، أعلن الجيش المصري تنفيذ «حملة مكبرة»، بالاشتراك مع قوات الشرطة على حدود البلاد الجنوبية ضد «بؤر إجرامية» اتهمها بممارسة أنشطة غير مشروعة، منها الاتجار بالمخدرات، والسلاح، والتنقيب غير المشروع عن الذهب، والهجرة غير المشروعة. وأسفرت الحملة عن ضبط أكثر من 200 شخص بينهم 136 أجنبياً.

ووقتها تداول ناشطون مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر تسلل أفراد داخل حدود مصر الجنوبية مع السودان، وسط معلومات عن تنقيب غير مشروع عن الذهب في مصر، ومناشدات للسلطات المصرية باتخاذ اللازم حيال ذلك.

الجيش المصري أعلن الشهر الماضي تنفيذ «حملة مكبرة» بالاشتراك مع قوات الشرطة على حدود البلاد الجنوبية (المتحدث العسكري)

وقال الجيش المصري في بيان وقتها إنه «في إطار المهام التي تقوم بها القوات المسلحة لحماية الأمن القومي والحفاظ على المقدرات والمكتسبات الاقتصادية للوطن، قامت القوات المسلحة بالتعاون مع عناصر وزارة الداخلية بتنفيذ حملة مُكبَّرة بقطاع المنطقة الجنوبية العسكرية ضد عدد من البؤر الإجرامية التي تستغلها التنظيمات والشبكات الإجرامية لممارسة أنشطة غير مشروعة منها (الاتجار بالمواد المخدرة والسلاح، والتنقيب غير المشروع عن الذهب، والهجرة غير المشروعة) بما يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي، فضلاً عن تأثيراتها السلبية على الاستقرار الاقتصادي ومناخ الاستثمار وجهود التنمية المستدامة».

كما أعلن الجيش وقتها قيام عدد من المتسللين بطرق غير شرعية إلى الأراضي المصرية بـ«تسليم أنفسهم للنقاط والتمركزات الأمنية، وتم ترحيلهم إلى بلادهم مع مراعاة احتياجاتهم الإنسانية كافّة».

وأكد الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، أن ما حدث يبرز إحدى المهام الأصيلة للقوات المسلحة وهي تأمين الحدود الدولية للدولة، ومنع أي عناصر أجنبية من عبور هذه الحدود، وفي هذا الإطار جاءت عملية ردع الجنوب لمواجهة التنقيب غير الشرعي عن الذهب، لافتاً إلى أن مصر تعاملت بمنتهى الاحترافية، حيث تم ترحيل هذه العناصر خارج الحدود المصرية، مع الالتزام التام بالمعايير الآدمية والإنسانية في التعامل.

جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في يونيو الماضي على الاتجاهات الاستراتيجية كافة (المتحدث العسكري)

وحول الرسائل التي وجهها المنقبون غير الشرعيين بشأن طريقة تعامل الجيش معهم، أشار فرج إلى أنها «تمثل أولاً رسالة للعالم أجمع بأننا شعب متحضر، ففي دول أخرى يعامل المتسلل الذي يدخل الحدود قسراً معاملة سيئة، لكن مصر دولة حضارية، فقد تمت السيطرة على كل من دخل الحدود بأسلوب غير شرعي، وترحيلهم بهدوء مرة أخرى إلى بلادهم».

وأكد أن الهدف من هذه الرسائل هو توعية الآخرين بأنه في حال مواجهة قوات الأمن أو الجيش، فلا داعي للمقاومة أو إطلاق النار، فالدولة المصرية تضع مصلحتهم في الاعتبار حتى عودتهم إلى بلادهم، موضحاً أن هذا النهج يساهم في تحقيق الأمن القومي مع الحفاظ على الوجه الحضاري للدولة المصرية.


موريتانيا: الأطراف السياسية تتفق على «خريطة طريق» الحوار الوطني

جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
TT

موريتانيا: الأطراف السياسية تتفق على «خريطة طريق» الحوار الوطني

جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)

اتفقت الأطراف السياسية في موريتانيا على «وثيقة» ستكون «خريطة طريق» لـ«الحوار الوطني» المرتقب، في محطة وُصفت بأنها الأخيرة في مسار التحضير للحوار، وهو مسار مستمر منذ أكثر من عام، وواجه كثيراً من المطبّات التي كادت تعصف به.

وعقدت الأطراف السياسية المشاركة في الحوار، الاثنين، اجتماعاً مطولاً لمناقشة «الوثيقة» التي خضعت لكثير من التعديلات خلال الأسابيع الأخيرة، وتوصلت في نهاية الاجتماع إلى صياغة توافقية، على أن تُوقَّع الوثيقة مساء الثلاثاء.

وقال مصدر في المعارضة إن «خريطة الطريق» ستوقَّع من طرف أقطاب الحوار الستة؛ 3 أقطاب من المعارضة، و3 من الموالاة، على أن تسلم نسخة من الوثيقة إلى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي سيحدد موعد انطلاق جلسات الحوار المباشرة.

الوثيقة الجديدة

تشير المصادر إلى أن الوثيقة الجديدة حددت 4 محاور هي التي تشكل «خريطة الحوار الوطني» المرتقب، بدلاً من 8 محاور كانت في الوثيقة التي ناقشتها الأطراف الشهر الماضي، وأثارت كثيراً من الجدل، وكادت تعصف بالحوار؛ بسبب اقتراح مناقشة تعديلات دستورية جرى تحصينها وحددت عدد الولايات الرئاسية باثنتين.

من تجمع سابق لقادة المعارضة (الشرق الأوسط)

ووفق ما أكدته مصادر سياسية، فإن الوثيقة الجديدة لخصت الحوار الوطني في 4 محاور فقط: الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي للبلاد، ونموذج الحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وفي هذا السياق، قال منسق «الحوار الوطني»، موسى أفال، إن تحديد هذه المحاور «جاء بعد مشاورات تمهيدية مع مختلف الأطراف المعنية»، وأكد أنها «تعكس أبرز الانشغالات التي عبّر عنها الفاعلون السياسيون، ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية المستقلة، ومختلف مكونات المجتمع الموريتاني».

لكن رغم اتفاق الأطراف السياسية على «خريطة طريق الحوار»، فإن السؤال الأهم الذي يطرحه الموريتانيون هو عمّا إذا كانت الأطراف قد طوت الخلاف بشأن نقطة «المأموريات الرئاسية»، وتجاوزته بشكل نهائي، أم إنها فقط أجّلت هذا الخلاف، الذي قد يعود إلى الواجهة خلال الحوار، ويسبب مشكلات قد تعصف بالحوار نفسه.

في هذا السياق، قال نور الدين محمدو، رئيس حزب «موريتانيا إلى الأمام» نائب رئيس قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية المشارك في الحوار، إن المعارضة لا تزال متمسكة بموقفها الرافض أي حوار يتطرق إلى تعديل المواد المحصنة من الدستور، خصوصاً «المأموريات الرئاسية».

وأضاف ولد محمدو، في بث مباشر بصفحته على «فيسبوك»، عقب اجتماع للمعارضة ليل الاثنين - الثلاثاء، أن «الحكمة انتصرت في النهاية، ونحن في المعارضة موقفنا واضح: لن نشارك في أي انتكاسة دستورية، أو أي رجوع للوراء نحو (المأمورية الثالثة)».

كما أشار ولد محمدو إلى النقاشات التي جرت، الاثنين، بين المعارضة والموالاة، والتي أفضت إلى سحب عبارة كانت مدرجة في الوثيقة تشير إلى أنه بإمكان أي طرف مشارك في الحوار إضافة أي موضوع للحوار، وهي العبارة التي اعترضت عليها المعارضة؛ «لأنها تتعارض مع خريطة الطريق نفسها، وتفتح الباب أمام إدراج موضوعات ليست محل اتفاق».

من جهة أخرى، قال مصدر في الغالبية الرئاسية إن جميع الموضوعات ستطرح على طاولة الحوار، دون استثناء، رافضاً ما تروج له المعارضة من استبعاد بعض النقاط بطلب منها، وقال إن تلك إشاعات لا صحة لها.

وأكد المصدر في حديث مع «الشرق الأوسط» أن المحاور الـ4 التي جاءت في «خريطة الطريق» تبقى مجرد «إطار عام» للحوار، وهي تمنح لكل طرف الحق في طرح النقاط التي يعتقد أنها تحتاج نقاشاً وحواراً.

وقال المصدر إن الحوار الذي دعا إليه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني كان يقوم على مبدأين أساسيين: «أولهما أنه لا يستثني أحداً، وثانيهما أنه لا يستثني أي موضوع»، على حد تعبير المصدر.

رئيس حزب «الإنصاف» الحاكم في آخر اجتماع له (الحزب)

وتثير مسألة «المأموريات الرئاسية» جدلاً واسعاً في موريتانيا، حيث ينص الدستور الحالي للبلاد على أن رئيس الجمهورية يحق له الترشح لولايتين رئاسيتين فقط، وهي مادة دستورية محصنة، أي إنه لا يمكن تعديلها لا عبر البرلمان ولا حتى باستفتاء شعبي.

ويحكم ولد الغزواني موريتانيا منذ 2019، وأعيد انتخابه لولاية رئاسية ثانية عام 2024، ووفق الدستور الحالي، فإنه يجب أن يغادر السلطة عام 2029، فيما بدأت ترتفع أصوات تدعو إلى تعديل الدستور من أجل فتح الباب أمام ترشحه لولاية رئاسية ثالثة، وهو ما ترفضه المعارضة بشدة، وتعدّه انتكاسة ديمقراطية.


أزمة تعيينات المخابرات الليبية تهدد اجتماعاً مرتقباً لـ«الرئاسي»

موسى الكوني في لقاء مع وفد حزب تجمع الوحدة الوطنية الاثنين (الصفحة الرسمية للكوني)
موسى الكوني في لقاء مع وفد حزب تجمع الوحدة الوطنية الاثنين (الصفحة الرسمية للكوني)
TT

أزمة تعيينات المخابرات الليبية تهدد اجتماعاً مرتقباً لـ«الرئاسي»

موسى الكوني في لقاء مع وفد حزب تجمع الوحدة الوطنية الاثنين (الصفحة الرسمية للكوني)
موسى الكوني في لقاء مع وفد حزب تجمع الوحدة الوطنية الاثنين (الصفحة الرسمية للكوني)

صعّد عضو المجلس الرئاسي الليبي موسى الكوني خلافه مع رئيس المجلس محمد المنفي بشأن إدارة جهاز المخابرات، بعدما ربط مشاركته في الاجتماع المرتقب للمجلس، الثلاثاء، بإدراج بند صريح على جدول الأعمال، يقضي بإلغاء جميع القرارات المتعلقة بالتعيينات الأخيرة لقيادة الجهاز، معتبراً أن ذلك يمثل مدخلاً لمعالجة الأزمة المؤسسية داخل المجلس.

ويأتي موقف الكوني في ظل استمرار الخلاف، الذي تفجر أواخر يونيو (حزيران) الماضي، عقب إصدار المنفي قراراً بإعفاء رئيس جهاز المخابرات حسين العائب، وتكليف عبد المجيد مليقطة برئاسة الجهاز، وعبد الشفيع الجويفي نائباً له، وهو القرار الذي قوبل باعتراض معلن من الكوني، كما رفضه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (رويترز)

وفي رسالة وجهها إلى المنفي، ربط الكوني نجاح أي اجتماع للمجلس الرئاسي بمعالجة أسباب الخلاف المؤسسي، وطالب بإلغاء جميع القرارات الخاصة بجهاز المخابرات وما ترتب عليها من آثار، معتبراً أنها صدرت من دون موافقته أو توقيعه على محضر الاجتماع الذي أُقرت فيه.

وعدّ الكوني تلك القرارات مخالفة للمرجعيات السياسية والقانونية المنظمة للمرحلة الانتقالية، ولآليات عمل المجلس الرئاسي، مؤكداً أن إلغاءها يمثل الأساس لمعالجة الخلاف القائم، ومعلناً استعداده للمشاركة في الاجتماع فور إدراج هذا البند صراحة على جدول الأعمال.

ولم يصدر تعليق فوري من المنفي على رسالة الكوني، بينما واصل الثلاثاء نشاطه الخارجي في العاصمة القطرية الدوحة، حيث قدم واجب العزاء إلى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في وفاة الأمير الوالد. كما كان قد استقبل في وقت سابق وفداً من «التجمع السياسي الوطني فزان»، الذي عرض عليه رؤية تتعلق بتعزيز مشاركة الإقليم في القرارين السياسي والتنموي.

المنفي يؤدي واجب العزاء لأمير قطر في وفاة الأمير الأب في الدوحة الثلاثاء (المجلس الرئاسي)

في المقابل، كثف الكوني خلال الأيام الماضية تحركاته السياسية لحشد الدعم لموقفه في أزمة جهاز المخابرات، مؤكداً في سلسلة لقاءات مع شخصيات سياسية واجتماعية ودبلوماسية، ضرورة تغليب المصلحة الوطنية، والحفاظ على وحدة المؤسسات السيادية، بما يضمن تجنيب البلاد مزيداً من الانقسام.

وشملت لقاءاته على مدار هذا الأسبوع وفداً من حزب تجمع الوحدة الوطنية، وأعيان ومشايخ الزاوية الكبرى، والمجلس الاجتماعي لسوق الجمعة والنواحي الأربع، إلى جانب تجمع أبناء فزان المقيمين في طرابلس. كما بحث تطورات الأزمة مع سفير الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا، نيكولا أورلاندو، ونائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، ستيفاني خوري.

ستيفاني خوري (البعثة)

وينسجم موقف الكوني مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، الذي سبق أن عبر عن موقفه الرافض لقرارات المنفي، إذ وجه الأسبوع الماضي رسالة رسمية إلى حسين العائب، دعاه فيها إلى الاستمرار في مباشرة مهامه رئيساً لجهاز المخابرات، مستنداً إلى أحكام الإعلان الدستوري، والاتفاق السياسي الليبي، والقانون رقم (8) لسنة 2023 الخاص بإعادة تنظيم الجهاز.

وأعاد هذا الموقف تأكيد اعتراض صالح على قرار إعفاء العائب، إذ سبق أن اعتبر أن تغيير رؤساء المؤسسات السيادية يجب أن يتم وفق الأطر القانونية والتوافقات السياسية، وليس عبر قرارات أحادية، وهو ما عمق الخلاف حول آلية إدارة إحدى أبرز المؤسسات الأمنية في البلاد.

وما يزيد من تعقيد المشهد أن الغموض لا يزال يحيط بمصير رئاسة جهاز المخابرات، في ظل استمرار كل من حسين العائب وعبد المجيد مليقطة في ممارسة مهام ولقاءات رسمية من مقرين مختلفين في طرابلس، في مشهد يعكس ازدواجية الأمر الواقع، ويطرح تساؤلات حول الجهة التي تحظى بالشرعية الفعلية لإدارة الجهاز.

ويخشى مراقبون أن ينعكس استمرار هذا الخلاف على أداء المجلس الرئاسي، خصوصاً إذا تعذر التوصل إلى تسوية قبل الاجتماع المرتقب، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى احتواء الأزمة، عبر توافق سياسي يحافظ على تماسك المؤسسات السيادية، ويجنبها مزيداً من الانقسام في مرحلة لا تزال تشهد تعقيدات سياسية وأمنية متشابكة.