الأمم المتحدة تطلب 4.2 مليار دولار لمواجهة الأزمة الإنسانية في السودان

21 مليون سوداني بحاجة لمساعدات عاجلة عام 2025 بينهم 16 مليون طفل

لاجئون سودانيون في تشاد يوم 6 أكتوبر 2024 (أ.ب)
لاجئون سودانيون في تشاد يوم 6 أكتوبر 2024 (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة تطلب 4.2 مليار دولار لمواجهة الأزمة الإنسانية في السودان

لاجئون سودانيون في تشاد يوم 6 أكتوبر 2024 (أ.ب)
لاجئون سودانيون في تشاد يوم 6 أكتوبر 2024 (أ.ب)

أطلقت الأمم المتحدة خطة لمواجهة الاحتياجات الإنسانية الأكثر إلحاحاً في السودان، خلال العام الجديد، تتطلب توفير 4.2 مليار دولار، في ظل وجود نحو 21 مليون نازح سوداني، عدّتهم الأمم المتحدة «الأكثر ضعفاً»، تغافل المجتمع الدولي مساعدتهم، في أزمة وصفت بـأنها «الأسوأ في التاريخ».

وأعلنت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان (أوتشا) كليمنتاين نكويتا سلامي، إطلاق الخطة لعام 2025، قائلة إن المنسقية تسعى لجمع 4.2 مليار دولار أميركي لمعالجة الاحتياجات الأكثر إلحاحاً، لنحو 21 مليون شخص من الأكثر ضعفاً في السودان.

وقالت سلامي، الخميس، وفقاً لتقرير صحافي إن الأزمة الإنسانية في السودان بلغت «أبعاداً غير مسبوقة»، وإن أكثر من نصف السكان بحاجة ملحة لمساعدات إنسانية عاجلة وخدمات الحماية، بينهم 16 مليون طفل. وتابعت: «وصل انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى مستويات تاريخية، وخاصة في المناطق المتضررة من الصراع في دارفور والخرطوم وكردفان».

وبعد أكثر من 20 شهراً من الحرب، يشهد السودان واحدة من «كبرى الأزمات الإنسانية في العالم»، وأدى استمرار النزاع المسلح وما نتج عنه من هجمات ضد المدنيين والنزوح والجوع وسوء التغذية وتفشي الأمراض والصدمات المناخية، إلى جعل نحو ثلثي السكان بحاجة ماسة للمساعدات الإنسانية وخدمات الحماية.

مطالب بتدخل دولي

وأوضحت سلامي، أن خطورة الأزمة الإنسانية في السودان، تستدعي تدخل المجتمع الإنساني لتهدئة الصراع بشكل عاجل، وإتاحة الوصول الإنساني غير المقيد، بما في ذلك عبر حدود التماس بين القوات، من أجل مكافحة المجاعة وتمكين العمل الإنساني الفعال. وتابعت: «ندعو جميع الأطراف لتسهيل وصول المساعدات وضمان حماية العمليات الإنسانية وعمال الإغاثة في الميدان».

منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان كليمنتاين نكويتا سلامي (إكس)

وحثت المسؤولة الأممية المجتمع الدولي على توفير «التمويل الفوري المرن»، وعدّته أمراً بالغ الأهمية من أجل توسيع مظلة ونطاق المساعدات الحيوية والمنقذة للحياة، بما في ذلك المساعدات النقدية وخدمات الحماية لملايين الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إليها.

وبحسب بيان المنسقة، فإن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025 تستند إلى تحليل مشترك للاحتياجات الإنسانية في السودان وتحليل ثلاث صدمات رئيسية تتمثل في «الصراع، الفيضانات، تفشي الأمراض»، وما تتركه من تأثيرات على السكان والخدمات الأساسية، مع اعتبار التأثير الواسع النطاق لهذه الصدمات الثلاث، وأثرها على جزء كبير من السكان.

وتبعاً لبيانات سابقة صادرة عن الأمم المتحدة، بلغت خطة الاستجابة الإنسانية للسودان للعام الماضي 2.7 مليار دولار، ولم يتم تحصيل إلا نحو 1.5 مليار دولار.

البرهان ينكر وجود مجاعة

وتنكر الحكومة السودانية التي تتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة، وجود مجاعة في السودان، وقال قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، إن الحكومة السودانية استجابت لمطلوبات العمل الإنساني وإيصال المساعدات للمحتاجين، وستظل ملتزمة بالقوانين الدولية لحماية المدنيين، مشيراً في خطابه بمناسبة ذكرى الاستقلال يوم الثلاثاء إلى أن «ما يشاع عن المجاعة محض افتراء قصد منه التدخل في الشأن السوداني».

البرهان يحيي مؤيديه في أم درمان غرب الخرطوم يوم 29 يونيو 2019 (أ.ب)

وحسب إحصائيات لمنظمات سودانية، فإن 28.9 مليون شخص بحاجة لمساعدات إنسانية بسبب الحرب في البلاد، وإن الفجوة بين واردات المساعدات الإنسانية واحتياجات الاستجابة الإنسانية تبلغ نحو 82 في المائة، وإن 16.3 مليون شخص خارج خريطة المساعدات الإنسانية.

ووفقاً لهذه التقديرات، فإن الاحتياجات الإنسانية العاجلة المنقذة للحياة، خلال أشهر ديسمبر (كانون الأول)، ويناير (كانون الثاني) من عام 2024، تقدر بنحو 840 ألف طن متري، منها 51 في المائة للأمن الغذائي، و49 في المائة لقطاعات أخرى، بما في ذلك المأوى الطارئ وإصحاح البيئة والخدمات الصحية.

إحصائيات «أوتشا»

وحسب آخر تقديرات صادرة عن «أوتشا»، بلغ عدد الأشخاص الذين هم بحاجة لمساعدات إنسانية (بشكل عام) في عام 2025 نحو 30.4 مليون شخص، من إجمالي السكان البالغ 47.5 مليون نسمة، وإن 14.8 مليون شخص فروا من القتال ونزحوا لمناطق أخرى من البلاد، ولجأ 3.3 مليون منهم إلى دول الجوار العام الماضي، وزاد العدد الآن بنحو 23 في المائة، حيث بلغ عدد النازحين نحو 24.8 مليون نازح.

وتفاقمت الأزمة التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها «أسوأ أزمة نزوح في العالم»، بسبب تصاعد حدة القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، وانتشاره في مساحات أوسع، واضطر خلاله ملايين السكان للنزوح إلى المناطق الأقل عرضة لتأثيرات الحرب، وإلى اللجوء إلى دول الجوار.

وبينما لا توجد إحصائيات رسمية عن أعداد ضحايا الحرب من القتلى والجرحى، فإن أكثر التقديرات تفاؤلاً تشير إلى نحو 16 ألف قتيل، بينما قدّرته أبحاث أميركية 130 ألفاً، في واحد من أكثر الصراعات دموية على مستوى العالم. وأوضحت أن 19 ألفاً قتلوا بشكل مباشر في الحرب، بينما لقي 111 ألفاً مصرعهم بسبب الجوع وعدم القدرة على الحصول على الغذاء والدواء، والأمراض الناجمة عن تأثيرات الحرب.


مقالات ذات صلة

رغيف الخبز يثقل كاهل السودانيين مع تفاقم تكاليف الإنتاج

خاص عامل في مخبز بأم درمان يشرف على إنتاج الخبز (الشرق الأوسط)

رغيف الخبز يثقل كاهل السودانيين مع تفاقم تكاليف الإنتاج

عمّت حالة من السخط الشعبي في الشارع السوداني بعد رفع سعر الرغيف إلى 500 جنيه بزيادة 35 % عن السعر السابق

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا آثار الدمار الذي تعرضت له المحطة التحويلية للكهرباء في الخرطوم (إعلام ولاية الخرطوم)

المسيّرات توسّع دائرة الظلام في السودان وتحصد قتلى في نيالا

شهدت العاصمة السودانية الخرطوم، فجر الثلاثاء، انقطاعاً واسعاً للكهرباء بعد هجوم جوي استهدف محطة تحويلية للكهرباء في منطقة المرخيات غرب مدينة أم درمان

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية السوداني في أثناء استقباله أمين عام الجامعة العربية في مطار الخرطوم الاثنين (الخارجية السودانية)

خبراء: زيارة أمين عام الجامعة العربية للخرطوم تُمهد لحوار سوداني - سوداني

قال دبلوماسيون سابقون وخبراء إن زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى الخرطوم «تمهد لحوار سوداني - سوداني».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا سودانية هاربة من مدينة الفاشر متأثرة خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» بمعسكر للاجئين شرق تشاد 27 نوفمبر 2025 (رويترز) p-circle

بريطانيا تعاقب 15 قائداً سودانياً ضالعاً في «اغتصابات الفاشر»

أعلنت المملكة المتحدة فرض عقوبات ضد 15 قائداً عسكرياً من طرفَي النزاع في السودان يشتبه بـ«ارتكابهم فظائع، من بينها عنف جنسي مرتبط بالنزاع»، في وقت سقوط الفاشر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عربية احتفالية لاعبي المغرب الفاسي بالفوز الثمين على أسيك ميموزا العاجي (نادي المغرب الفاسي)

«أبطال أفريقيا»: المغرب الفاسي والهلال السوداني إلى دور المجموعات

حجز فريق المغرب الفاسي مقعده في دور المجموعات لأمجد الكؤوس الأفريقية، دوري أبطال أفريقيا، بعد تجاوزه لخصمه أسيك ميموزا العاجي.

«الشرق الأوسط» (أبيدجان (ساحل العاج))

إثيوبيا تعزز قدراتها العسكرية وسط توترات بالقرن الأفريقي

آبي أحمد في موسكو خلال تسليم طائرات مقاتلة من طراز سو - 35 من الجيل الرابع (صفحته على إكس)
آبي أحمد في موسكو خلال تسليم طائرات مقاتلة من طراز سو - 35 من الجيل الرابع (صفحته على إكس)
TT

إثيوبيا تعزز قدراتها العسكرية وسط توترات بالقرن الأفريقي

آبي أحمد في موسكو خلال تسليم طائرات مقاتلة من طراز سو - 35 من الجيل الرابع (صفحته على إكس)
آبي أحمد في موسكو خلال تسليم طائرات مقاتلة من طراز سو - 35 من الجيل الرابع (صفحته على إكس)

عززت إثيوبيا قدراتها العسكرية عبر صفقة غير مسبوقة مع موسكو، في توقيت حرج يتزامن مع تصاعد التوتر مع الجارة إريتريا، منذ قطع علاقات البلدين مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، ومخاوف من تجدد حرب بينهما وتفاقم الاضطرابات بالقرن الأفريقي.

الصفقة التي تشمل 12 مقاتلة روسية تم تسلمها، و4 بطاريات دفاع جوي تستعد أديس أبابا لتسلمها، بحسب حديث رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ستبدو وكأنها «رسالة ردع في المنطقة»، وفق خبير إثيوبي في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «هذا التطور لا يعني استعداد إثيوبيا لخوض مواجهة عسكرية، بل سعيها إلى رفع كلفة أي تهديد محتمل».

ويأتي هذا الإعلان بالتزامن مع وصول آبي أحمد إلى موسكو للمشاركة في القمة الروسية - الأفريقية الثالثة، التي تعقد الأربعاء والخميس، والتي يشارك فيها رئيسا مصر وإريتريا.

وأعلن آبي أحمد عبر حسابه بمنصة «إكس»، الأربعاء، أن بلاده تسلمت الدفعة الأولى المكونة من 12 مقاتلة من طراز «سو - 35» من الجيل 4++، وأنها تستعد لتسلم أربع بطاريات من منظومات «إس - 400» للدفاع الجوي.

وأعرب عن امتنانه للرئيس الروسي فلاديمير بوتين «لتسهيل تسليم المقاتلات قبل الموعد المتفق عليه بعام كامل»، واصفاً تلك الخطوة بأنها «محطة مهمة في جهود إثيوبيا الرامية إلى تعزيز قدراتها في مجالَي الدفاع الوطني والأمن».

ويعدُّ هذا المسار، بحسب حديث الخبير الإثيوبي في الشؤون الأفريقية موسى شيخو، «تحولاً مهماً في أولويات إثيوبيا الأمنية، ويتجاوز تحديث الترسانة العسكرية، إلى إعادة بناء معادلة الردع في القرن الأفريقي».

وأضاف شيخو: «نحن أمام تحول نوعي في العقيدة الدفاعية الإثيوبية، وليس مجرد إضافة عدد من الطائرات إلى سلاح الجو، فمقاتلات Su - 35 تمنح إثيوبيا عند اكتمال تشغيلها وتدريب أطقمها، قدرات متقدمة في الاعتراض الجوي والقتال بعيد المدى، أما منظومات S - 400 إذا تسلمتها وأدمجتها بنجاح في شبكة دفاعها الجوي، فستعزز قدرتها على حماية مجالها الجوي والمنشآت الاستراتيجية».

رئيس الوزراء الإثيوبي يتسلم طائرات مقاتلة من طراز سو - 35 من الجيل الرابع (صفحته على إكس)

واعتبر آبي أحمد أن «هذه الصفقة تضع إثيوبيا في طليعة دول أفريقيا جنوب الصحراء من حيث امتلاك المقاتلات المتطورة»، مؤكداً أن «تنامي الجاهزية لدى القوات الدفاعية الإثيوبية يعزز قدرة البلاد على ردع أي عدوان محتمل»، وفق قوله.

ولم يذكر أحمد طبيعة ذلك «العدوان المحتمل»، غير أنه يأتي في سياق تصاعد التوترات مع إريتريا منذ مطلع أكتوبر الحالي، بعد اتهامات إثيوبية لأسمرة بدعم «تمرد» «جبهة تحرير تيغراي» المعارضة.

وأثارت معارك اندلعت في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي بين «الجبهة» والحكومة الإثيوبية، مخاوف من اندلاع حرب إقليمية، حيث اتهمت أديس أبابا أسمرة بدعم المتمردين ونشر آلاف الجنود داخل الأراضي الإثيوبية، قبل أن تقول إنها أجبرتها على التراجع بعد نحو أسبوعين غداة ضربات مكثفة، وهو ما نفته إريتريا مراراً.

ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000، وشهدت العلاقات بين البلدين تحسناً لفترة وجيزة بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة في 2018، لكنها تدهورت مجدداً، وصولاً إلى قطع العلاقات كلياً مطلع هذا الشهر بسبب النزاع في تيغراي.

ووفق الخبير الإثيوبي في الشؤون الأفريقية، تبرز ثلاثة دوافع رئيسية للتوجه الإثيوبي العسكري الجديد؛ «أولها، استعادة الجاهزية العسكرية وتعزيز الردع بعد سنوات من النزاعات الداخلية التي استنزفت الموارد العسكرية والأمنية، وثانيها مواجهة المخاطر الإقليمية المتصاعدة ولا سيما التوتر مع إريتريا، وثالثها حماية الأصول الاستراتيجية، وفي مقدمتها سد النهضة والبنية التحتية الحيوية».

ويتابع: «لا يعني هذا التطور استعداد إثيوبيا لخوض مواجهة عسكرية، بل سعيها إلى رفع كلفة أي تهديد محتمل، وتعزيز قدرتها على حماية سيادتها واستقلال قرارها الوطني». ويؤكد أن رسالة أديس أبابا تتمثل في أنها «لا تسعى إلى فرض نفوذها بالحرب، بل إلى امتلاك قوة ردع تحمي مصالحها، وتمنح دبلوماسيتها وزناً أكبر».


جدل مصري حول تعديل الدستور لتمديد حكم السيسي

السيسي وسط قيادات الدولة في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
السيسي وسط قيادات الدولة في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
TT

جدل مصري حول تعديل الدستور لتمديد حكم السيسي

السيسي وسط قيادات الدولة في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
السيسي وسط قيادات الدولة في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)

لا تزال فكرة تعديل الدستور المصري بما يُمكًن الرئيس عبد الفتاح السيسي من الترشح لمدد رئاسية جديدة، محل جدل على الساحة السياسية، إذ لم تمنع رغبة الرئيس تسليم الحكم عام 2030 مؤيديه من دعوته للبقاء، في وقت يرفض سياسيون ومعارضون المساس بالدستور ويحذرون من محاولات تعديله.

كان الرئيس المصري قد صرح في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بأن «الدستور لن يُمسّ»، في إشارة إلى رفضه تعديل الدستور لتمديد حكمه، وفي اليوم التالي، أكد المعنى نفسه، مؤكداً أنه سيسلّم السلطة في 2030، مقترحاً أن تتولى الأكاديمية العسكرية تدريب المرشحين المقبلين للرئاسة.

وظهرت حملات على مواقع التواصل الاجتماعي، تدعو الرئيس إلى التراجع عن قراره، وتطالب بتعديل الدستور وترشيحه لمدد تالية، وهو ما تبناه أيضاً عدد من الإعلاميين، من ضمنهم أحمد موسى ومحمد الباز. في المقابل، رحبت أحزاب وشخصيات عامة بإعلان الرئيس التداول السلمي للسلطة.

وبينما كان المرحبون بتصريح الرئيس يدعون إلى بدء نقاش فعال حول مقترحه لشروط وآلية إيجاد بديل بعد انتهاء حكمه، أعاد المؤيدون النقاشات إلى الخلف، بتكرار دعاوى تعديل الدستور.

وتستند دعوات هذا الفريق إلى أن مصر في «أزمة» ولا يوجد «بديل»، ومن ثم «يُفترض على الرئيس النزول على رغبة الجماهير والبقاء»، معتبرين أن تعديل الدستور «أمر لا ضرر منه في هذه الحالة»، وفق ما طرحه الإعلامي موسى في برنامجه «على مسؤوليتي» مساء الثلاثاء، بينما رد عليه المفكر السياسي حسام بدراوي، في البرنامج نفسه، بالرفض، مؤكداً أن «العودة للدستور هو ما يجب أن يحدث وقت الأزمة وليس تعديله».

السيسي يُصوت في انتخابات «مجلس الشيوخ» 2025 (المتحدث باسم الرئاسة المصرية)

وأرجع الخبير في «مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، عمرو هاشم ربيع، دعوات تعديل الدستور إلى عدة أسباب، منها «عدم ثقة البعض في إيجاد بديل للرئيس الحالي، أو مؤيدين للرئيس من منطلق المثل الشعبي: من نعرفه أحسن ممن لا نعرفه»، فضلاً عن وجود «منتفعين»، على حد قوله، معتبراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن حالة الجدل الموجودة وظهور الآراء الرافضة لبقاء الرئيس أو الداعية لتسليم السلطة، مؤشر على أن هذه الدعوات «اجتهادات لا يتبناها الرئيس، وحالة يجب أن تستفيد منها الأحزاب والمعارضة لطرح البدائل».

واتفق معه المحلل السياسي كمال زايد، وهو من رافضي تعديل الدستور، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يستند إليه المؤيدون لبقاء الرئيس، «هي نفسها الأسباب التي تدفعنا للمطالبة بتسليم السلطة في موعدها، لأنه عندما تكون الدولة في أزمة، يجب ألا يُعدل الدستور».

وسجل عدد من المواطنين مقاطع فيديو عبر موقع «تيك توك»، يرفضون فيها تصريحات السيسي حول عدم تعديل الدستور، أحدها لمواطنة تبكي وتطالبه بالبقاء، وآخر يقول: «أنا ضد قرارك بعدم الترشح مرة أخرى»...

وعبَّر الإعلامي محمد الباز، الأسبوع الماضي، في لقاء تلفزيوني، عن أمنيته «أن يتراجع الرئيس» عن عدم ترشحه للرئاسة بعد 2030، قائلاً: «الدستور ليس قرآناً، ويمكن تعديله وفق مقتضيات معينة».

ولم يستبعد ربيع أن تنجح هذه الحملات في تغيير موقف السيسي، «وإعادة التفكير في الترشح خصوصاً لو تم بثها بصورة كثيفة، وانتشرت أكثر الفترة المقبلة».

وتنتهي فترة رئاسة السيسي عام 2030، وفق التعديلات الدستورية التي وافق عليها المصريون في تصويت عام 2019، ومُدت بموجبها الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات بدلاً من 4 سنوات، وحُددت مدة الرئاسة بدورتين متتاليتين.

واشار أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، إلى حالة الجدل الموجودة على الساحة، والتي تتجاوز ما عبَّر الرئيس السيسي عنه، إلى مفاجأة بعض الدوائر القريبة منه بتصريحاته حول تسليم السلطة، والتي يبدو أنه لم يكن قد شاركها إلا على نطاق ضيق حوله، ومن ثم جاءت حالة الجدل التي تحمل في جزء منها إرباكاً وارتباكاً في دوائر المؤيدين.

وتخوف صادق، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، من «أن ننتقل من جدل تعديل الدستور، إلى جدل آخر إذا ما ترجم البرلمان مقترحات السيسي حول من يترشحون للرئاسة في تعديلات بقانون الانتخابات، لتواجه أي عملية سياسية خاصة بالرئاسة، شبح عدم الدستورية».

كان الرئيس قد اقترح أن يتولى البرلمان وضع شروط للترشح تتمثل في أن يكون عمر المترشح بين 40 و50 عاماً، وأن يخضع لفترة تدريب وإعداد داخل «الأكاديمية العسكرية».

وتطرَّق المفكر السياسي حسام بدراوي إلى هذه الشروط في لقائه مع أحمد موسى، قائلاً إن «الدستور المصري الحالي تضمَّن شروطاً دقيقة وكافية لاختيار رئيس الجمهورية»، مؤكداً «أن جماهير الشعب تظل هي صاحبة الكلمة العليا وحق الفصل في تحديد هوية القائد الأنسب للبلاد».


الإدارة الجديدة لـ«المركزي الليبي» أمام مهمة عاجلة لـ«إنقاذ الدينار»

مقر المصرف المركزي في العاصمة الليبية طرابلس (رويترز)
مقر المصرف المركزي في العاصمة الليبية طرابلس (رويترز)
TT

الإدارة الجديدة لـ«المركزي الليبي» أمام مهمة عاجلة لـ«إنقاذ الدينار»

مقر المصرف المركزي في العاصمة الليبية طرابلس (رويترز)
مقر المصرف المركزي في العاصمة الليبية طرابلس (رويترز)

سارع محافظ مصرف ليبيا المركزي المكلف، فوزي بوخزام، خلال الأيام الأولى من توليه منصبه، إلى تكثيف مشاوراته مع مؤسسات اقتصادية وسياسية ليبية، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصادية متزايدة، وسط شكاوى من ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية للدينار.

وتأتي هذه التحركات في ظل انقسام سياسي ومؤسسي ممتد منذ عام 2011، يضع الإدارة الجديدة أمام اختبار مبكر لاحتواء تراجع العملة المحلية، بعدما تجاوز سعر الدولار الأميركي مستوى 10 دنانير في السوق الموازية خلال الشهرين الأخيرين.

فوزي بوخزام يتوسط رئيس مؤسسة النفط ووزير المالية بحكومة الوحدة الاثنين (المصرف المركزي)

دعوات للتظاهر

وانعكست هذه الضغوط على الشارع الليبي، حيث دعا نشطاء، الأربعاء، إلى التظاهر احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية، مطالبين بإعادة النظر في سياسات سعر صرف الدينار، وفق ما أعلنت عنه صفحة «رابطة حراك 28 أكتوبر» على موقع «فيسبوك».

ويصف عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي الأسبق، أمراجع غيث، تحركات المحافظ الجديد بأنها تعكس إدراكاً لضرورة تجاوز المراسم التقليدية لتولي المنصب، والانخراط سريعاً في «مهمة عاجلة لإنقاذ الدينار الليبي»، الذي فقد جانباً من قوته الشرائية أمام الدولار الأميركي خلال الفترة الأخيرة.

ويرى غيث في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن أولوية المحافظ الجديد تتمثل في احتواء تراجع قيمة الدينار، والحد من انعكاساته على الأوضاع المعيشية، مشيراً إلى أن استقرار سعر الصرف يرتبط بمعالجة الاختلالات المالية والاقتصادية، التي تضغط على العملة المحلية.

بسبب الغلاء وتردي الأوضاع المعيشية ظهرت دعوات للتظاهر للمطالبة بإعادة النظر في سياسات سعر صرف الدينار (أ.ف.ب)

وبدا هذا التوجه حاضراً في لقاء بوخزام، الثلاثاء، مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، حيث تصدرت المباحثات سبل دعم الدينار الليبي، وتعزيز قيمته وتحسين سعر صرفه، في خطوة عكست أهمية التنسيق بين المؤسسات الوطنية المعنية بالاستقرار النقدي.

كما أثار اجتماع المحافظ الجديد، منتصف الأسبوع، مع وزير المالية بحكومة الوحدة الوطنية، راشد أبو غفة، ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان، اهتماماً في الأوساط الاقتصادية، نظراً إلى ارتباط الملفات المطروحة بمصادر الإيرادات العامة، وآليات إدارة الإنفاق الحكومي.

ويرى غيث أن أهمية هذه اللقاءات تنبع من تكامل الأدوار بين المؤسسات المعنية؛ فالمؤسسة الوطنية للنفط تتولى إدارة القطاع النفطي وإيراداته، فيما تضطلع وزارة المالية بإدارة الإنفاق العام، بينما يتولى المصرف المركزي إدارة السياسة النقدية والاحتياطيات الأجنبية، موضحاً أن التنسيق بين هذه الجهات ضروري لضمان انعكاس الإيرادات النفطية على استقرار الدينار، في حين يحمل التواصل مع المجلس الأعلى للدولة بُعداً سياسياً يساعد على توفير الدعم المؤسسي للسياسات المطلوبة، في ظل الانقسام الذي تشهده البلاد.

ضرورة ضبط الإنفاق الحكومي

يشدد عضو مجلس إدارة المصرف المركزي الأسبق على أن تعزيز القوة الشرائية للدينار يتطلب ضبط الإنفاق الحكومي، ومعالجة الاختلالات المرتبطة بالاعتمادات المستندية الممولة بالنقد الأجنبي، إلى جانب مكافحة تهريب النفط والسلع، باعتبارها ملفات مترابطة تؤثر في سوق الصرف، وشروطاً أساسية لنجاح مهمته في إنقاذ الدينار.

فوزي بوخزام خلال لقاء مع رئيس المجلس الأعلى للدولة في طرابلس محمد تكالة (المصرف المركزي)

وعلى خلاف أزمات رافقت انتقال قيادة بعض المؤسسات السيادية في ليبيا، لم يواجه تولي بوخزام اعتراضاً مؤسسياً معلناً مماثلاً، عقب تكليفه من مجلس النواب خلفاً لناجي عيسى، الذي سبق أن تقدم باستقالته وقُبلت، وسط ترحيب من المجلس الأعلى للدولة.

وسارع المحافظ المكلف إلى عقد اجتماعات مع إدارات المصرف، وإعادة تشكيل لجنة السياسة النقدية، إلى جانب استحداث لجان تُعنى بالحوكمة والمراجعة والمخاطر والتعيينات، في إطار إعادة تنظيم العمل الداخلي وتعزيز آليات الرقابة والإدارة المؤسسية.

لكن فاعلية هذه الخطوات ستظل مرتبطة بقدرة الإدارة الجديدة على ترجمة التغييرات التنظيمية إلى إجراءات ملموسة، تعالج الاختلالات النقدية والمالية، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط على سعر الصرف وتزايد الأعباء المعيشية على المواطنين.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور عمر زرموح، أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية الليبية، أن من الأخطاء التي ينبغي للمحافظ المكلف تجنبها التماهي مع واقع إدارة المالية العامة، عبر ترتيبات مالية مؤقتة مستمرة منذ سنوات، دون موازنة عامة معتمدة من السلطة التشريعية.

ويؤكد زرموح لـ«الشرق الأوسط» ضرورة العمل على إنهاء هذا الوضع، وتحديد سقف واضح للتمويل بالعجز وضوابطه، بما يعزز الانضباط المالي، ويحد من الضغوط على السياسة النقدية، ويضع إدارة الموارد العامة ضمن إطار قانوني واضح يخضع للرقابة التشريعية.

لكن قدرة المصرف المركزي على إحداث تغيير ملموس تظل موضع تساؤل في ظل الاختلالات الهيكلية، التي تعاني منها المؤسسات الاقتصادية الليبية؛ إذ لا تقتصر التحديات على نقص الأدوات النقدية، بل تمتد إلى محدودية استجابة الاقتصاد لها.

وهنا ينظر الدكتور عطية الفيتوري، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، إلى أدوات السياسة النقدية المتاحة في ليبيا باعتبارها «غير كافية وحدها لإحداث التغيير المطلوب، وإنعاش الدينار الليبي»، كما أن استجابة الاقتصاد لهذه الأدوات تظل محدودة بفعل التشوهات الاقتصادية والسياسية القائمة.

وينتهي الفيتوري إلى أن المعالجة تتطلب تطوير المؤسسات الاقتصادية، وتفعيل أدوات السياسات النقدية والمالية والتجارية، بالتوازي مع مكافحة الفساد، وتعزيز الانضباط في التوظيف والإنفاق العام، محذراً من استمرار إهدار الجهود، دون تحقيق التحسن الاقتصادي المنشود.