مصر: جدل متصاعد بسبب قانون «المسؤولية الطبية»

الحكومة تصفه بـ«المتوازن»... و«الأطباء» ترفضه وتدعو لـ«عمومية طارئة»

TT

مصر: جدل متصاعد بسبب قانون «المسؤولية الطبية»

مجلس الشيوخ المصري أثناء مناقشة قانون «المسؤولية الطبية» (وزارة الشؤون النيابية والقانونية المصرية)
مجلس الشيوخ المصري أثناء مناقشة قانون «المسؤولية الطبية» (وزارة الشؤون النيابية والقانونية المصرية)

تصاعد الجدل في مصر بسبب قانون «المسؤولية الطبية»، عقب موافقة مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) نهائياً على القانون. وبينما ترفض نقابة الأطباء المصرية مشروع القانون الجديد، ودعت إلى جمعية عمومية طارئة للأطباء، ترى الحكومة المصرية أن القانون الجديد «يحقق التوازن بين حقوق المرضى والطبيب».

ووافق «الشيوخ المصري» أخيراً على تشريع «المسؤولية الطبية وحماية المرضى»، ومن المقرر إحالته إلى مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) لمناقشته وإقراره في صيغته النهائية.

وينصّ مشروع القانون الجديد على تشكيل «لجنة عليا»، تتبع رئيس الوزراء، تسمى «اللجنة العليا للمسؤولية الطبية وحماية المريض». وعرّف القانون اللجنة بأنها «جهة الخبرة الاستشارية المتعلقة بالأخطاء الطبية، وهي معنية بالنظر في الشكاوى، وإنشاء قاعدة بيانات، وإصدار الأدلة الإرشادية للتوعية بحقوق متلقي الخدمة، بالتنسيق مع النقابات والجهات المعنية».

ويشتمل مشروع القانون الجديد على 30 مادة، من بينها مادتان «أجازتا الحبس للأطباء»، حيث نصّت المادة 27 على «الحبس لمدة لا تقل عن 6 أشهر لمن تسبب في خطأ طبي أدى إلى وفاة متلقي الخدمة»، أما المادة 29 فأجازت لجهات التحقيق إصدار «قرارات بالحبس الاحتياطي للأطباء، حال ارتكاب جرائم أثناء تقديم الخدمة الطبية».

وشهدت مصر في الشهور الماضية تعرض عدد من الأطباء لاعتداءات خلال عملهم بالمستشفيات من أقارب المرضى، من بينها واقعة تعدي الفنان محمد فؤاد على طبيب مستشفى «جامعة عين شمس»، خلال مرافقة شقيقه الذي أصيب بأزمة قلبية الصيف الماضي، وكذا الاعتداء على طبيب بمستشفى «الشيخ زايد» في القاهرة من أقارب مريض، نهاية أكتوبر (تشرين أول) الماضي، وهي الوقائع التي يجري التحقيق فيها قضائياً.

واستقبلت نقابة الأطباء المصرية مشروع القانون الجديد برفض واسع، باعتباره ينصّ على «عقوبات مشددة تجاه الأطباء»، ودعت أعضاءها إلى جمع عام طارئ في 3 يناير (كانون ثاني) المقبل للمطالبة بتعديل التشريع الجديد.

وعدّ نائب رئيس الوزراء المصري، وزير الصحة، خالد عبد الغفار، أن «التشريع الجديد متوازن». وقال خلال مشاركته في مناقشة القانون بـ«الشيوخ» أخيراً، إن فلسفة القانون «تستهدف تحقيق التوازن والتكامل بين الطبيب والمريض»، لافتاً إلى أن التشريع «يمنح الحماية الجنائية للأطباء، ويوفر بيئة عمل آمنة للطواقم الطبية، بعد أن تكررت حوادث التعدي على الأطباء».

من جانبه، قال وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي المصري، محمود فوزي، إن القانون الجديد «يعزز الثقة بين الطبيب والمريض، ويسعى لتحقيق جودة الخدمة العلاجية»، مشيراً في تصريحات إلى أن التشريع «وضع ضمانات للطبيب، من بينها التعريف المحكم للخطأ الطبي، وحدّد الحالات التي تنتفي فيها مسؤولية الطبيب ومقدم الخدمة الطبية».

نقيب الأطباء المصري خلال مناقشته قانون المسؤولية الطبية مع أطباء الفيوم (نقابة الأطباء المصرية)

لكن نقيب الأطباء المصري، أسامة عبد الحي، عدّ أن القانون الجديد «لا يحقق مصلحة الطبيب والمريض»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم أهمية التشريع لتنظيم العلاقة بين مقدم ومتلقي الخدمة الطبية، فالصيغة الحالية لا تحقق الغاية من صدور القانون».

وتأتي تحفظات الأطباء تجاه القانون حول آلية وصيغة محاسبة الطبيب، حال وقوع خطأ طبي، وفق عبد الحي، الذي قال إن «التشريع لم يتعامل بجدية مع دور اللجنة العليا للمسؤولية الطبية، وجعل لجوء جهات التحقيق لها اختيارياً»، مطالباً بضرورة «النصّ على إحالة جميع الشكاوى الموجهة ضد الأطباء إلى (اللجنة) من أجل فحصها، وحال ثبوت ارتكاب الطبيب خطأ طبياً يحال بعدها إلى جهات التحقيق».

في حين ترى الحكومة المصرية أن «إنشاء لجنة المسؤولية الطبية بالقانون تمثل ضمانة أكبر للأطباء».

وبحسب نقيب الأطباء، فإن «التشريع لم يفرق بين الخطأ الطبي الصادر من طبيب متخصص، والخطأ الصادر من طبيب خالف القانون في ممارسة المهنة، بممارسته الخدمة الطبية في مكان غير مرخص، أو من دون مؤهل علمي»، مطالباً بـ«إلغاء الحبس الاحتياطي في مشروع القانون، والنص على بدائل أخرى مع الأطباء».

وكان وزير الصحة المصري قد قلّل من خطورة نصوص الحبس في القانون، بقوله إن قرارات الحبس الاحتياطي المنصوص عليها في القانون «وضعت وفقاً لضوابط واضحة ومحددة، أهمها أن تصدر من رئيس نيابة في الجرائم التي تقع من مقدم الخدمة الطبية».

ويعتقد عضو «لجنة الصحة» بمجلس الشيوخ المصري، محمد صلاح البدري، أن قانون المسؤولية الطبية «خطوة جيدة لتنظيم العلاقة بين الطبيب والمريض»، مشيراً إلى أن «هناك دعاية سلبية تسعى لإظهار القانون باعتباره مخصصاً لحبس الأطباء»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن القانون «ينص على إجراءات محددة لمحاسبة الطواقم الطبية حال وقوع أخطاء أو إهمال، بدلاً من الإجراءات الحالية للمحاسبة المنصوص عليها في قانون العقوبات». ورأى البدري أنه «لا يمكن إلغاء عقوبة الحبس بشكل مطلق من القانون»، معتبراً ذلك «يخالف قواعد الدستور».

وانتقل الجدل المثار بشأن مشروع القانون إلى «السوشيال ميديا»، حيث أشار الطبيب ومقدم البرامج الطبية، خالد منتصر، إلى أن «أي قانون يحافظ على حقوق المرضى، ويعاقب الفئة القليلة من الأطباء، ضروري». وقال عبر حسابه على «إكس» إن هناك فئة «تسيء لمهنة الطب بسبب أخطائها الطبية، ويجب أن يكون هناك قانون لردعهم».

من جهته، أكد مدير «المركز المصري للحق في الدواء» (منظمة حقوقية)، محمود فؤاد، «أهمية وجود تشريع مصري للمسؤولية الطبية، للحد من الأخطاء وحوادث الإهمال الطبي». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يجب اختزال القانون في الخلاف حول مسألة حبس الأطباء».

ويرى فؤاد ضرورة توفير «بيئة صحية ومناخ طبي آمن داخل المستشفيات، قبل تطبيق القانون»، مضيفاً أنه «مثلما أشارت نصوص القانون على تحقيق أهداف معينة، تخدم المرضى والأطباء، لا بد أيضاً من توفير الإمكانات والأدوات اللازمة للطبيب لأداء عمله».


مقالات ذات صلة

«خيبة الأمل» لم تمنع المصريين من الاحتفاء بأداء منتخبهم «المشرف»

رياضة عربية خروج «الفراعنة» من مونديال كأس العالم لم يمنع الجماهير من الاحتفاء بالأداء المشرف (الاتحاد المصري لكرة القدم)

«خيبة الأمل» لم تمنع المصريين من الاحتفاء بأداء منتخبهم «المشرف»

لم يكن خروج المنتخب المصري من كأس العالم حدثاً عابراً، بل لحظة امتزجت فيها المشاعر لدى الجماهير.

محمد عجم (القاهرة )
رياضة عربية رغم الخروج المؤلم ترك صلاح انطباعاً واضحاً بأنه ما زال لاعباً يصنع الفارق في أكبر المناسبات (رويترز)

إلى أين يتجه محمد صلاح بعد المونديال؟

وسط الفوضى التي اجتاحت مدرجات ملعب أتلانتا، وبعد واحدة من أكثر مباريات كأس العالم إثارة، كان المشهد الأكثر هدوءاً هو الذي جمع محمد صلاح وليونيل ميسي.

The Athletic (أتلانتا (الولايات المتحدة))
شمال افريقيا الرئيس المصري عقب استعراض إمكانات أجهزة الدولة في مجابهة الأزمات والكوارث (الرئاسة المصرية)

السيسي يستعرض إمكانات مصر في إدارة الطوارئ والأزمات

استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء، إمكانات أجهزة الدولة لمُجابهة الأزمات والكوارث.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مقر جامعة سوهاج في صعيد مصر (الصفحة الرسمية للجامعة على «فيسبوك»)

تدني نسب النجاح في الطب يجدد الشكوك بنتائج «الثانوية» المصرية

جدد تدني نسب النجاح في بعض كليات الطب بصعيد مصر، الشكوك في نتائج بعض الطلاب بـ«الثانوية العامة».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
رياضة عالمية تحضيرات مصرية أخيرة قبل بدء المباراة (إ.ب.أ)

ألفاريز يعود لتشكيلة الأرجنتين... ومرموش على مقاعد بدلاء المنتخب المصري

استعاد جوليان ألفاريز مكانه في التشكيلة الأساسية لمنتخب الأرجنتين لكرة القدم خلال مواجهة مصر في دور الـ16 بكأس العالم، اليوم (الثلاثاء).

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)

أزمة رئاسة جهاز المخابرات الليبية تتصاعد

الدبيبة في لقاء سابق مع العائب (مكتب الدبيبة)
الدبيبة في لقاء سابق مع العائب (مكتب الدبيبة)
TT

أزمة رئاسة جهاز المخابرات الليبية تتصاعد

الدبيبة في لقاء سابق مع العائب (مكتب الدبيبة)
الدبيبة في لقاء سابق مع العائب (مكتب الدبيبة)

دخلت أزمة رئاسة جهاز المخابرات الليبية فصلاً جديداً، يوم الأربعاء، إثر تمسك رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، باستمرار الفريق أول حسين العائب في ممارسة مهامه رئيساً للجهاز، وذلك في أحدث حلقة من الخلاف المتصاعد مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بشأن الجهة المخولة قانوناً بإجراء تغييرات في قيادة أحد أبرز الأجهزة السيادية في البلاد.

ويعكس التحرك الجديد استمرار النزاع بين المؤسسات السياسية حول الصلاحيات الدستورية، في وقت يرى فيه مراقبون أن الخلاف تجاوز مسألة تغيير مسؤول أمني إلى صراع أوسع على النفوذ داخل المؤسسات السيادية التي كثيراً ما كانت محل تجاذب بين الأطراف الليبية المتنافسة.

جلسة سابقة لمجلس النواب برئاسة صالح وبحضور نائبيه دومة (يمين) والنويري (يسار) (النواب الليبي)

ووجّه صالح، في رسالة رسمية إلى رئيس جهاز المخابرات، استمرار العائب في مباشرة مهامه «رئيساً لجهاز المخابرات الليبية»، مستنداً إلى أحكام الإعلان الدستوري وتعديلاته، والاتفاق السياسي الليبي، إضافة إلى القانون رقم «8» لسنة 2023، الخاص بإعادة تنظيم جهاز المخابرات.

وشدد صالح على «ضرورة احترام الشرعية الدستورية والقانونية، والحفاظ على استقرار مؤسسات الدولة، وضمان انتظام عمل المرافق العامة»، مؤكداً أن العائب سيواصل ممارسة جميع اختصاصاته القانونية والإدارية، والإشراف على إدارات الجهاز وفروعه ووحداته. كما كلّفه باتخاذ ما يلزم لضمان سير العمل، وحماية مقار الجهاز ووثائقه ومعلوماته ومعداته من أي اعتداء أو استيلاء أو تصرف غير مشروع، إلى جانب اتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت مخالفته لأحكام القانون.

عبد المجيد مليقطة (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

ودعا صالح إلى استمرار الجهاز في أداء مهامه الأمنية، وتعزيز التعاون مع مختلف مؤسسات الدولة، وكذلك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يضمن تنفيذ اختصاصاته وفق الأطر القانونية، مطالباً رئيس الجهاز برفع تقارير دورية إلى رئاسة مجلس النواب حول سير العمل، وإبلاغها بأي تطورات أو ظروف استثنائية قد تؤثر في أداء الجهاز.

وانتهى صالح في توجيهاته بتأكيد ضرورة التزام جميع منتسبي الجهاز بأحكام القانون، والحفاظ على وحدة المؤسسة وإبعادها عن التجاذبات السياسية، بما يُسهم في حماية الأمن الوطني واستقرار الدولة.

ويعيد هذا الموقف تأكيد ما أعلنه صالح في نهاية يونيو (حزيران) الماضي، عندما رفض قرار رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، إعفاء العائب من منصبه، معتبراً أن تغيير رؤساء المؤسسات السيادية يجب أن يكون وفق الأطر القانونية والتوافقات السياسية، بعيداً عن القرارات الأحادية.

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (رويترز)

وكان المنفي قد أصدر في أواخر يونيو الماضي قراراً بإعفاء حسين العائب من رئاسة جهاز المخابرات، وتكليف عبد المجيد مليقطة برئاسة الجهاز، وعبد الشفيع الجويفي نائباً له، وهو القرار الذي قوبل باعتراض معلن من عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني، إلى جانب رفض رئيس مجلس النواب.

وفي موازاة ذلك، واصل الكوني حشد الدعم لموقفه الرافض للتغييرات التي طالت قيادة جهاز المخابرات، في تحرك يعكس استمرار الانقسام داخل المجلس الرئاسي نفسه بشأن هذه القضية.

وأكد الكوني، خلال لقائه وفداً من «تجمع أبناء فزان القاطنين في طرابلس»، أن «وحدة ليبيا ومؤسساتها السيادية خط أحمر لا يمكن المساس به»، مجدداً الدعوة إلى تغليب المصلحة الوطنية، والابتعاد عن التجاذبات السياسية التي تُهدد استقرار مؤسسات الدولة.

وقال المكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي إن اللقاء تناول مستجدات الأوضاع السياسية والأمنية، وسبل تعزيز اللحمة الوطنية، والحفاظ على وحدة البلاد، في ظل تصاعد الجدل بشأن التغييرات الأخيرة في قيادة جهاز المخابرات.

وسبق أن نقل الكوني عن وفد من شيوخ وأعيان وحكماء المنطقة الغربية، كان قد التقاه في طرابلس، رفضه القاطع لسياسات فرض الأمر الواقع، أو اتخاذ قرارات أحادية قد تمس بسلامة المؤسسات السيادية للدولة واستقرارها.

وشدد الوفد، حسب الكوني، على ضرورة «النأي الكامل بالمؤسسات الأمنية والسيادية الحساسة عن التجاذبات والخلافات السياسية»، معتبراً أن التعيينات في المناصب العليا يجب أن تخضع للضوابط والآليات المتفق عليها، بعيداً عن «سياسة المغالبة أو الانفراد بالرأي».

ويرى متابعون أن استمرار تمسك كل طرف بقراراته يُنذر بإطالة أمد الأزمة، خصوصاً في ظل غياب توافق سياسي أو قضائي يحسم الجهة صاحبة الاختصاص في إجراء التغييرات داخل المؤسسات السيادية.

كما يخشى مراقبون من أن ينعكس هذا الخلاف على أداء جهاز المخابرات نفسه، في وقت تواجه فيه ليبيا تحديات أمنية وسياسية متزايدة، تتطلب الحفاظ على تماسك المؤسسات الأمنية، وإبعادها عن صراعات النفوذ بين الأطراف المتنافسة.


تحذيرات دولية للجزائر من «نزيف العجز» بعد شطبها من «القائمة الرمادية»

نواب جزائريون يبحثون مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)
نواب جزائريون يبحثون مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)
TT

تحذيرات دولية للجزائر من «نزيف العجز» بعد شطبها من «القائمة الرمادية»

نواب جزائريون يبحثون مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)
نواب جزائريون يبحثون مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)

أشاد صندوق النقد الدولي بخروج الجزائر من «القائمة الرمادية» للدول التي تعاني أنظمتها من ثغرات في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، غير أنه دعا حكومتها إلى تنفيذ «ضبط مالي كبير»، عاداً أن «تعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود أصبح أكثر إلحاحاً» في ظل تآكل الهوامش المالية، والخارجية.

من اجتماع أطر مجموعة العمل المالي (جافي)

وعبّر عن هذا الارتياح رئيس بعثة الصندوق، تشارالامبوس تسانغاريدس، في ختام مشاورات مع الجزائر (وفقاً للمادة الرابعة من القانون الأساسي للصندوق)، التي جرت في الفترة الممتدة من 16 إلى 30 يونيو (حزيران) الماضي، حيث التقى خلالها مسؤولو البعثة مع مسؤولين جزائريين، من بينهم وزير المحروقات محمد عرقاب.

وكانت الجزائر قد أُدرجت ضمن هذه القائمة التي تضعها «مجموعة العمل المالي» (جافي)، وهي الهيئة الدولية المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، قبل أن تثمر جهودها المكثفة وإصلاحاتها العديدة عن سحبها رسمياً في 19 يونيو الماضي، خلال اجتماع المجموعة بمقر منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في باريس.

إجراءات محاصرة «الكاش»

أشار تقرير حديث لبعثة صندوق النقد الدولي إلى أن الوفود المشاركة سجلت ارتياحها للمشاورات، مبرزاً «التقدم الكبير الذي أحرزته البلاد في تعزيز منظومتها الوطنية للوقاية من الجريمة المالية، ومكافحتها، وهو ما يعزز ثقة المجتمع الدولي في متانة النظام المالي الجزائري، ومرونته».

وزير المحروقات الجزائري مع رئيس وفد صندوق النقد الدولي (الوزارة)

ووصف رئيس البعثة خروج الجزائر من القائمة بأنه «إنجاز مهم يعكس إرادة قوية، ومواصلة للجهود الإصلاحية»، داعياً السلطات الجزائرية إلى الاستمرار في هذا المسار التنموي. كما شدد تقرير المؤسسة المالية الدولية على أن مساعي الجزائر لتنويع الاقتصاد، وخروجها من القائمة الرمادية خطوتان إيجابيتان للغاية، مشيراً إلى ضرورة أن يترافق ذلك مع إصلاحات هيكلية أكثر عمقاً لدعم نمو أقوى، وأكثر مرونة، يقوده القطاع الخاص.

وكانت مجموعة «جافي»، التي تتبع مجموعة السبع، قد قررت في اجتماعها الشهر الماضي سحب الجزائر من «القائمة الرمادية» للدول التي تعاني أنظمتها من ثغرات في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وإلى جانب الجزائر، شطبت المجموعة ثلاث دول أخرى من القائمة ذاتها، وهي: ناميبيا، والبوسنة والهرسك، والعراق، في حين لا تزال ثلاث دول مدرجة في القائمة السوداء للمجموعة، وهي إيران، وكوريا الشمالية، وميانمار.

اجتماع سابق لموثقين جزائريين بحثوا إجراءات مكافحة غسل الأموال (غرفة الموثقين)

وسارعت الحكومة الجزائرية، خلال العامين الماضيين، إلى مضاعفة إجراءاتها لمكافحة غسل الأموال، حيث قامت بملاءمة التشريعات الوطنية مع متطلبات «جافي»، وشددت من إجراءات محاربة الأموال القذرة. وشنت الأجهزة الأمنية في هذه الفترة عمليات عديدة ضد شبكات الأموال المشبوهة، وقد أسفرت عن توقيفات، وحجز مبالغ مالية ضخمة، وتفكيك شبكات نفوذ قوية.

ومن بين أبرز الإجراءات التي اتخذتها الجزائر للخروج من هذه القائمة منع الدفع نقداً في المعاملات العقارية، واقتناء السيارات الجديدة، بالإضافة إلى تشديد الرقابة على عمليات الإيداع النقدي في الحسابات البنكية، وفي البريد.

تحذير من «الإفراط» في طبع العملة

في نفس التقرير، حثّ صندوق النقد الدولي السلطات الجزائرية على تبني سياسة «ضبط مالي واسعة النطاق»، مؤكداً أن تعزيز مناعة الاقتصاد الوطني بات مطلباً ملحاً في ظل تراجع الهوامش المالية، والخارجية. ودعت بعثة الصندوق إلى تشديد السياسة المالية والنقدية لمجابهة اتساع عجز الحساب الجاري، والضغوط التضخمية المستمرة، مع التوقف التام عن الاعتماد على التمويل النقدي (طبع العملة) لتغطية عجز الموازنة.

اجتماع لقضاة جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (صورة أرشيفية)

يشار إلى أن الرئيس عبد المجيد تبون هاجم في مناسبات كثيرة رئيس الحكومة سابقاً، أحمد أويحيى، المسجون منذ 2020 بتهم «الفساد المالي»، بسبب «الإصدار النقدي المفرط».

وعلى الرغم من تسجيل الاقتصاد الجزائري نموا بنسبة 3.9 في المائة خلال عام 2025 مدفوعاً بحركية الاستثمارات، فإن الصندوق نبّه إلى أن العجز المالي لا يزال مرتفعاً للغاية، رغم تقلصه إلى 10.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وأوضح التقرير أن هذا التحسن المحدود يعود إلى تحويلات استثنائية من الشركات العمومية و«بنك الجزائر»، إلى جانب نمو الجباية العادية (غير النفطية)، مضيفاً أن تنامي احتياجات التمويل دفع بالدين العام ليرتفع إلى 52.1 في المائة من الناتج المحلي.

وحذر الصندوق من أن استمرار العجز بمستوياته الحالية سيهدد استدامة المالية العامة على المدى المتوسط، وسيؤدي حتماً إلى تآكل الاحتياطيات النقدية، وارتفاع الدين العام، معتبراً أن أبرز المخاطر تكمن في تقلبات سوق الطاقة، والارتباط المالي الوثيق بين الحكومة والشركات والبنوك العمومية.

وتعتمد الجزائر على عوائد النفط والغاز لتأمين الإنفاق العام الواسع؛ حيث رصدت ميزانية 2026 أكثر من 5 مليارات دولار لدعم المواد الأساسية، ومنها الطاقة، والحليب، والسكر، والزيوت، بالإضافة إلى قطاعي الصحة، والتعليم.

وزير المحروقات الجزائري (وسط) مع رئيس بعثة صندوق النقد الدولي (يسار) (وزارة المحروقات)

وكان ارتفاع سعر المحروقات، عقب اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران قد منح الخزينة انتعاشة، قبل أن تتجه الأسعار نحو الهبوط لتستقر حاليًا عند 72 دولاراً للبرميل، وهو مستوى قريب جداً من السعر المرجعي (70 دولاراً) المعتمد في قانون المالية.


إسرائيل ترفض زيارة نبيل فهمي إلى فلسطين

الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة)
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة)
TT

إسرائيل ترفض زيارة نبيل فهمي إلى فلسطين

الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة)
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة)

رفضت سلطات الاحتلال الإسرائيلي السماح بإتمام زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى الأراضي الفلسطينية، والتي كانت مقررة (اليوم) الأربعاء.

وقال المتحدث باسم الأمين العام، في بيان صحافي، إن «السلطات الفلسطينية أبلغت الأمانة العامة برفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي زيارة كان الأمين العام للجامعة يعتزم القيام بها إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة الأربعاء 8 يوليو (تموز) الحالي لدعم صمود الشعب الفلسطيني».

وكان من المخطط أن يلتقي فهمي بالرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن في رام الله بالضفة الغربية المحتلة. ووفق المتحدث، فإن الأمين العام اختار أن تكون فلسطين هي محطته الخارجية الأولى، بالنظر إلى مركزية القضية الفلسطينية، مؤكداً أنها «ستظل على رأس أولويات العالم العربي».

وأضاف: «الفلسطينيون يعانون حصاراً داخل بلداتهم ومدنهم، فهم محاطون بالمستوطنات التي تزداد توغلاً، وبالطرق التي يستخدمها المستوطنون حصراً، ومعرضون في أي وقت لوحشية وإرهاب المستوطنين الموتورين الذين يتمتعون بحماية دولة الاحتلال، بل بتشجيعها في أحيان كثيرة».

وشدد البيان على «ضرورة محاسبة إسرائيل على مواصلة انتهاكاتها المرتكبة بحق الفلسطينيين، مشيراً إلى أن الدفاع عن حل الدولتين يقتضي تحركات فعلية ومتواصلة من كل الدول الداعمة للسلام العادل من أجل فضح ممارسات الاحتلال ولتعزيز صمود الشعب الفلسطيني الذي يواجه قمعاً غير مسبوق، وعنفاً يزداد انفلاتاً وتوحشاً».

وكان فهمي قد تسلّم في الأول من يوليو الحالي مهام عمله أميناً لجامعة الدول العربية.

ويرجع الخبير بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، الرفض الإسرائيلي إلى المخاوف من منح مزيد من المشروعية للسلطة الفلسطينية.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إسرائيل تشعر بأن العالم كله ضدها، ومن هذا المنطلق لن تسمح بأي زيارة أو حدث يمكن أن يُشكل دعماً أو يمنح مشروعية للسلطة الفلسطينية».

وأضاف: «الرفض متوقع، في ظل الوضع الأمني الداخلي في إسرائيل وإحساسهم بالمظلومية».

وكان الأمين العام السابق أحمد أبو الغيط قد زار رام الله في عام 2016، في إطار الجولات بالدول الأعضاء عقب توليه أمانة الجامعة.