السودان: 68 عاماً من الاستقلال... 60 عاماً من الحروب

جميعها انتهت بالمفاوضات... في انتظار حسم «حرب الجنرالين»

البشير خاض نظامه حروباً لسنوات عديدة في جنوب السودان ودارفور (أ.ف.ب)
البشير خاض نظامه حروباً لسنوات عديدة في جنوب السودان ودارفور (أ.ف.ب)
TT

السودان: 68 عاماً من الاستقلال... 60 عاماً من الحروب

البشير خاض نظامه حروباً لسنوات عديدة في جنوب السودان ودارفور (أ.ف.ب)
البشير خاض نظامه حروباً لسنوات عديدة في جنوب السودان ودارفور (أ.ف.ب)

تتجه أنظار السودانيين إلى جنيف والمفاوضات الجارية هناك، بانتظار التوصل لحل تفاوضي يوقف نزيف الدم وينهي الموت الذي يحوم فوق رؤوس الناس منذ أكثر من 16 شهراً، ويضع حداً للمأساة الإنسانية التي تهدّد أكثر من نصف سكان البلاد، لكن الحكومة السودانية المدعومة من الجيش، التي تتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة، ترفض الذهاب إلى هناك، وتتمسك بمواصلة القتال ما لم تتم الاستجابة لشروطها.

يُجمع معظم المواطنين في السودان والإقليم والعالم على أن الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» التي تُسمى اختصاراً بـ«حرب الجنرالين» لن تسفر عن منتصر، ومصيرها طاولات التفاوض كحال الحروب السودانية كلها، التي انتهت بالتفاوض واتفاقات السلام. فالجيش الذي خاض حروباً استمرت قرابة 60 عاماً، لم تنتهِ واحدة منها بانتصار عسكري حاسم، بل بتفاوض وتوقيع اتفاقات سلام.

حرب «الكتيبة الاستوائية» 1955 ـ 1972

تاريخياً، بدأت أولى حروب الجيش السوداني قبيل استقلال البلاد بعام واحد في 1955، بتمرد «الكتيبة الاستوائية»، الذي تطور لينتج الحركة المتمردة الشهيرة المسماة «أنانيا 1» في جنوب السودان القديم، بقيادة جوزيف لاقو، التي انتهت في عام 1972 عبر التفاوض، بما عُرفت في التاريخ السياسي السوداني بـ«اتفاقية أديس أبابا»، التي توسّط فيها إمبراطور إثيوبيا وقتها هيلاسلاسي، ورعاها مجلس الكنائس العالمي في عام 1972.

الرئيس الراحل جعفر النميري خلال جولة في جنوب السودان في يناير1977 وخلفه (في الوسط) أبل ألير رئيس المجلس التنفيذي الأعلى لجنوب السودان (غيتي)

ونال جنوب السودان بموجب هذه الاتفاقية مطلبه في الحكم الذاتي، وحصل بموجبها زعيم المتمردين الجنرال جوزيف لاقو على منصب نائب رئيس الجمهورية.

حرب 1983 – 2005 وانفصال الجنوب

لكن التمرد عاد مجدداً بعد إعلان الرئيس الأسبق جعفر النميري ما عُرفت بـ«قوانين الشريعة الإسلامية» عام 1983، ونشأت تبعاً لذلك «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة الراحل جون قرنق، التي خاضت واحدة من أطول الحروب في العالم وأكثرها ضراوة، وراح ضحيتها نحو مليونَي مدني، لتسجل أعلى نسبة ضحايا في صفوف المدنيين منذ الحرب العالمية الثانية.

وبعد ضغوط من المجتمع الدولي، اضطرت الحكومة لتوقيع ما عُرفت بـ«اتفاقية السلام الشامل» في مدينة نيفاشا الكينية، في 2004، بعد 21 عاماً من القتال، وقضت بمنح جنوب السودان «حق تقرير المصير» عبر استفتاء مواطنيه.

وخلال الفترة الانتقالية التي امتدت حتى 2011 شغل قائد الحركة الشعبية جون قرنق ديمبيور منصب النائب الأول للرئيس عمر البشير، وبعد رحيله في 2005 خلفه في المنصب نائبه سلفا كير ميارديت، الرئيس الحالي لجمهورية جنوب السودان.

اتفاق 9 يناير 2005 بين البشير وقرنق وعلي عثمان طه الذي وضع حداً لـ21 سنة من الحرب الأهلية في الجنوب (رويترز)

وأدى استفتاء تقرير المصير في 2010 إلى تصويت 99 في المائة من المواطنين الجنوبيين لصالح الانفصال، وأُعلنت تبعاً لنتيجته رسمياً «جمهورية جنوب السودان»، وخسر السودان نحو ثلث مساحته وربع سكانه و75 في المائة من ثرواته.

حروب دارفور 2003 - 2020

انطفأت نار الحرب باستقلال جنوب السودان، لكن نيران حرب أخرى اشتعلت في دارفور في غرب البلاد، بين الجيش وحركتين متمردتين هما «تحرير السودان»، و«العدل والمساواة»، للأسباب ذاتها التي أدت إلى حرب جنوب السودان.

واستمرت حرب دارفور من 2003 حتى عام 2020، وانتهت بتوقيع الجيش إبان فترة الحكومة المدنية الانتقالية «اتفاقية جوبا لسلام السودان» مع الحركات المسلحة، برعاية من دولة جنوب السودان، وحصلت بموجبها أيضاً على حصة في السلطة والثروة.

وبعد حرب الجنوب، تعد حرب دارفور الأشرس، إذ راح ضحيتها أكثر من 300 ألف مدني؛ ما أدى لاتهام الجيش والحكومة الإسلامية بقيادة عمر البشير بممارسة التطهير العرقي وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ففي سابقة دولية، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر بالقبض على الرئيس السابق عمر البشير و3 من معاونيه الكبار، ولا تزال المحكمة تطاردهم.

الرئيس الجنرال إبراهيم عبود (1958-1964) في عهده اندلعت حرب الجنوب الأولى (غيتي)

وتنقلت المفاوضات بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة الدارفورية بين موائد تفاوض عدة، في تشاد وليبيا ونيجيريا وقطر، وأفلحت هذه المفاوضات في توقيع اتفاق سلام فصيل من حركة «تحرير السودان» بقيادة حاكم دارفور الحالي مني أركو مناوي، وظل شقها الآخر بقيادة عبد الواحد محمد النور يرفض أي اتفاق سلام، وهو لا يزال يسيطر على مناطق واسعة من جبل مرة ووسط إقليم دارفور.

ونال مناوي بعد توقيعه اتفاقية أبوجا بنيجيريا 2006، منصب مساعد رئيس الجمهورية، لكنه اضطر للتمرد مرة أخرى، وظل متمرداً حتى توقيع اتفاقية جوبا لسلام السودان في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، بعد سقوط نظام الإسلاميين بقيادة عمر البشير.

حرب كردفان وجنوب النيل الأزرق

وخلال حرب دارفور اشتعلت حروب أخرى في ولايتَي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، أو في «المنطقتين» بحسب توصيف اتفاقية السلام الشامل لهما، إثر تمرد «الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال»، المكونة من مواطنين سودانيين اختاروا في السابق الانحياز لجنوب السودان في الحرب الأهلية وانضموا لـ«الحركة الشعبية الجنوبية» بقيادة نائب رئيس المجلس السيادي الحالي مالك عقار.

ولم تتوقف الحرب مع «الحركة الشعبية لتحرير الشمال» منذ 2011 وحتى الآن، وشهدت خلال ذلك عدداً من جولات التفاوض مع الحكومة و«الحركة الشعبية». وانشقت «الحركة الشعبية» إلى حركتين، واحدة بقيادة مالك عقار وقّعت «اتفاق جوبا لسلام السودان»، بينما واصلت الأخرى بقيادة عبد العزيز آدم الحلو القتال في جنوب كردفان وأجزاء من النيل الأزرق، ولا تزال تسيطر على منطقة كاودا بجنوب كردفان وأجزاء من ولاية النيل الأزرق، كما لا تزال تخوض قتالاً ضد الجيش السوداني استمرّ حتى إبان حرب الجيش و«الدعم السريع».

حرب شرق السودان

بدورها، خاضت قوات «التجمع الوطني الديمقراطي» المعارض، المكونة من القوى التي أطاح بها انقلاب الإسلاميين بقيادة حسن الترابي في يونيو (حزيران) 1989، حرباً ضد الجيش انطلاقاً من دولة إريتريا، انتهت بتفاوض أعقبه توقيع اتفاقية السلام الشامل الذي عُرف بـ«اتفاق القاهرة».

وفي الشرق، انتهت الحرب مع «جبهة شرق السودان» بتفاوض مع الحكومة السودانية في العاصمة الإريترية، أسمرا، واتفاق عُرف بـ«اتفاق شرق السودان»، الذي نال بموجبه قائد قوات شرق السودان، موسى محمد أحمد، منصب مساعد رئيس الجمهورية.

حرب الجنرالين 2023 - مستمرة

أوقعت حرب الجنرالين المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023، عشرات الآلاف من القتلى، وأدت إلى أزمة إنسانية كبرى، وفق الأمم المتحدة. وأرغم النزاع أكثر من خُمس السكان على النزوح، بينما يواجه نحو 25 مليون شخص، أي أكثر من نصف عدد سكان السودان، «انعدام الأمن الغذائي الحاد»، وفق ما أفاد تقرير مدعوم من الأمم المتحدة في يونيو. دفعت الحرب بمخيم زمزم للنازحين قرب مدينة الفاشر المحاصرة في إقليم دارفور بغرب البلاد إلى المجاعة. ورغم ذلك ورغم التجارب الماضية والدروس من حروب الماضي، فإن الجيش السوداني، الذي يقاتل حليفه السابق، (قوات الدعم السريع)، لا يزال يرفض التفاوض في منبر جنيف الحالي، ويريد أن يتم التفاوض عبر الحكومة المدعومة من قبله، متجاهلاً أنه تفاوض مع «الدعم السريع» في جدة في 11 مايو (أيار) 2023، ووقّعا بوصفهما جيشَين «إعلان جدة الإنساني»، وبيان 7 يونيو 2023.

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان أيام تحالفهما (أرشيفية)

كما جمعت مائدة تفاوض في المنامة البحرينية كلاً من نائب القائد العام الفريق أول شمس الدين كباشي، والقائد الثاني لـ«قوات الدعم السريع» الفريق عبد الرحيم دقلو، وتوصلا سراً إلى مشروع اتفاق بين جيشيهما، ثم تراجع الجيش عنه من دون أي تعليق بعد تسرب الاتفاق إلى العلن.

سيناريوهات مرتقبة

يرجع المقدم بحري المتقاعد عمر أرباب، مشكلة الجيش التي تدفعه لرفض التفاوض الجاري، إلى أنه يبحث عن «وضع تفاوضي أفضل»، لذلك يلجأ لـ«التعنت» بحثاً عن شرعية دون حساب للموقف الميداني. ويتابع أرباب لـ«الشرق الأوسط»: «معلوم أن أي عملية تفاوضية تلحق بعمل عسكري ترتكز عليه، وترتكز على موازين القوى في الأرض».

ويشير المقدم أرباب إلى سيناريوهين يلعب عليهما الجيش والحكومة، أولهما تليين موقف الوسطاء ليحقق مكاسب تفاوضية، والثاني يتمثل في انتظار الحصول على «موقف ميداني أفضل»، يتغير به الواقع الميداني العسكري، ليفاوض من موقف أقوى.

ويتساءل المقدم أرباب: «هل يمكن لطرف متقدم عسكرياً أن يقدم تنازلات تفاوضية دون مقابل؟». ويتابع: «هل بالإمكان تحقيق تقدم ميداني كبير يؤثر في العملية التفاوضية؟».

ويقطع أرباب بعجز الجيش عن تحقيق تقدم ميداني آني، مضيفاً: «التعنت قد يؤثر سلباً في عملية الإمداد اللوجيستي للقوات، وبذلك يضر بالعمل العسكري، وقد يقود لفرض مزيد من العقوبات، والتضييق، والحصار اللوجيستي الذي قد يتطور إلى حلول عسكرية وتدخل دولي».

الجيش لا يريد اتفاقاً

وتوقّع المقدم أرباب إرسال الجيش وفداً إلى جنيف بهدف «تخفيف الضغوط الدولية الواقعة عليه وتقليل آثارها السالبة، وليس من أجل الوصول لاتفاق، بل من أجل رفض جديد لأي اتفاق».

بدوره، يرى المحلل السياسي والقانوني حاتم إلياس، أن موقف الجيش يستند إلى «أخذ الشعب السوداني رهينة» يساوم بها المجتمع الدولي، وفي الوقت ذاته يستغل المخاوف من تهديد الاستقرار والسلم في الإقليم. ويقول: «تقع الأزمة الإنسانية التي لفتت أنظار العالم كله في آخر اهتمامات الجيش، لذلك يستغلها ليقدم نفسه جيشاً وحكومةً».

البرهان لم يوافق حتى الآن على إنهاء الحرب الحالية والجلوس للتفاوض مع حليفه السابق قائد «الدعم السريع» محمد حمدان (أ.ف.ب)

ويصف إلياس موقف الجيش بـ«المناورة» التي تهدف للحصول على ترتيبات حل عسكري وسياسي معاً تبقيه ضمن المعادلة السياسية، والحصول على اعتراف دولي بأنه سلطة سياسية وعسكرية معاً. ويتابع: «يسعى الجيش لكسب موقع المفاوض السياسي والعسكري معاً، ورفضه ليس نابعاً من كونه جيشاً مستقلاً لأنه غارق تماماً في السياسة، بل هو صوت الإسلاميين والحركة الإسلامية».

ويصف إلياس جهود المجتمع الدولي لإقناع الجيش بالتفاوض بأنها محاولة «لإنهاء اختطافه للشعب». ويضيف: «يبدو المجتمع الدولي وكأنه يقود تفاوضاً (هيولوودياً) في تعامله مع الأزمة الإنسانية. وهو يدخل مع الجيش في تفاوض لإنهاء اختطافه للشعب». ويتابع: «المجتمع الدولي لن يعطيه كل ما يريد، لأنه أصبح مكشوفاً بوصفه واجهة للإسلاميين، والتفاوض معه يهدف لإنهاء حالة الاختطاف».


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله في القاهرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية والوفد المرافق له (الخارجية المصرية - فيسبوك)

مصر: نرفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع في السودان

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، رفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع أو تقويض فرص التسوية السياسية في السودان

شمال افريقيا السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

مصر تؤكد عدم التهاون في مصالحها المائية الوجودية

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن بلاده لن تتهاون في مصالحها المائية الوجودية، مستعرضاً مع مسعد بولس، في القاهرة، الاثنين، مستجدات الأوضاع في السودان.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي خلال لقائه عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني في جدة (واس) p-circle 00:17

محمد بن سلمان والبرهان يستعرضان مستجدات أوضاع السودان

استعرض الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مع عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، مستجدات الأوضاع الراهنة في السودان.

«الشرق الأوسط» (جدة)
خاص صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

خاص بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل (نيسان) 2023، لا تزال الصحف الورقية في احتجاب كامل، دون أفق أو مؤشرات على عودتها في القريب العاجل.

وجدان طلحة (الخرطوم)

مصر: الحكومة تتعامل مع الحرب الإيرانية «كأزمة ممتدة» وتشيد بالاستجابة لـ«الترشيد»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حاضراً مجلس النواب يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حاضراً مجلس النواب يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: الحكومة تتعامل مع الحرب الإيرانية «كأزمة ممتدة» وتشيد بالاستجابة لـ«الترشيد»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حاضراً مجلس النواب يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حاضراً مجلس النواب يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)

بعد مطالبات برلمانية وجدل بشأن عدم قيام الحكومة المصرية بتقديم بيان عملها أمام السلطة التشريعية بالتزامن مع قرارات عديدة اتخذتها منذ اندلاع الحرب الإيرانية، قدّم رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بياناً، الثلاثاء، أمام مجلس النواب ركز على أضرار الحرب وآليات التعامل مع تداعياتها، إلى جانب حديثه عن رؤية عامة لخطوات حكومته المستقبلية.

وأفصح مدبولي عن أن الحكومة المصرية تتعامل مع التصعيد الراهن في المنطقة «كأزمة ممتدة» يصعب الجزم بتوقيت انتهائها في ظل تعقيد وتشابك الأوضاع الإقليمية والدولية، مؤكداً أن «انتهاءها، وإن تحقق من الناحية الشكلية، لا يعني بالضرورة زوال آثارها»، ورجح أن تستمر تداعياتها الاقتصادية لفترة تمتد على الأقل حتى نهاية العام الحالي.

وفي الوقت ذاته أشاد مدبولي باستجابة المواطنين لقرارات «الترشيد»، مضيفاً أن «الحكومة كانت تدرك تماماً مدى صعوبة تطبيق بعض الإجراءات، وَوَقْعها على نفوس المصريين، خاصة ما يتعلق بقرار غلق المحال التجارية في ساعة مبكرة».

وبدأت الحكومة المصرية في 28 مارس (آذار) الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في 10 مساءً لمدة شهر، قبل أن تخفف من تلك الإجراءات في 9 أبريل (نيسان) الحالي، حيث عدلت مواعيد غلق المحال التجارية ومدها إلى الساعة 11 مساءً حتى يوم 27 أبريل، وهو موعد نهاية الفترة المحددة لتطبيق «القرارات الاستثنائية».

وبالتزامن مع انتقادات وجهها البعض للحكومة بشأن جدوى إجراءات «الغلق المبكر»، إلى جانب عدم الرضا عن قرارات زيادة أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة بعد أيام من اندلاع الحرب، تضّمن بيان مدبولي الإشارة إلى القفزة في فاتورة استهلاك الطاقة شهرياً من 560 مليون دولار إلى نحو مليار و650 مليون دولار، بزيادة قدرها مليار و100 مليون دولار شهرياً لتأمين احتياجات الكهرباء والصناعة.

جانب من اجتماع سابق للحكومة المصرية (مجلس الوزراء المصري)

وتطرق رئيس الوزراء المصري إلى أضرار الحرب عالمياً وتأثر مصر بها، بينها خسائر قطاع السياحة في منطقة الشرق الأوسط بنحو 600 مليون دولار نتيجة إلغاء رحلات جوية وتراجع حركة السفر، حسب «المجلس العالمي للسفر والسياحة»، إلى جانب زيادة أسعار الغذاء مع ارتفاع مؤشر منظمة «الفاو» بنسبة 2.4 في المائة عن مستواه في فبراير (شباط) الماضي، والتحذيرات من اضطراب سلاسل الإمداد، واصفاً الوضع بأنه «الأعنف منذ جائحة (كورونا) وبداية الحرب في أوكرانيا».

ورغم عدم وضوح الرؤية بشأن مستقبل ما سوف تتخذه الحكومة المصرية من إجراءات لتجاوز التداعيات الاقتصادية، لاقى بيان مدبولي أمام مجلس النواب ترحيباً برلمانياً، بما في ذلك المعارضة.

وقالت إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب «الإصلاح والتنمية» (معارض)، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن رئيس الوزراء استجاب لمطالب رؤساء الهيئات البرلمانية بضرورة حضوره إلى مجلس النواب وإعلان خطة حكومته للتعامل مع التداعيات الاقتصادية، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن البيان لم يتضمن كثيراً من التفاصيل المرتبطة بالخسائر التفصيلية التي تعرض لها الاقتصاد المصري والقرارات التنفيذية المتوقعة للتعامل معها، وركز في مجمله على شرح لطبيعة الأوضاع الراهنة.

وأحال رئيس مجلس النواب المصري، المستشار هشام بدوي، بيان رئيس الحكومة أمام الجلسة العامة إلى اللجان النوعية المختصة لدراسته وإعداد تقرير بشأنه.

المستشار هشام بدوي رئيس مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي)

واعتبر أستاذ العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، حسن سلامة، أن بيان مدبولي أمام مجلس النواب «يعد تأكيداً على الصلة المؤسسية بين السلطة التنفيذية والتشريعية... وليست هناك أهمية أكبر من الأزمة الإقليمية الراهنة وتداعياتها الداخلية المختلفة لخلق مشاركة شعبية حقيقية في القرارات عبر النواب الذين يمثلونهم، وأن تكون هناك لحظة مواجهة بين الحكومة والبرلمان».

وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن رئيس الوزراء المصري أعاد سرد ما اتخذته الحكومة من إجراءات سابقة وحرص على توضيح اتخاذ العديد من الدول الأخرى إجراءات مماثلة، مشيراً إلى أن المواطنين كانوا بحاجة للتعرف على تفاصيل الموقف الحكومي بشأن تمديد إجراءات الترشيد الاستثنائية والاستماع إلى حلول خارج الصندوق.

وتحدث مدبولي عن خطط مستقبلية عامة مثل مواصلة دعم النشاط الاقتصادي عبر تنفيذ الخطة الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026 - 2027، التي تتضمن ضخ استثمارات كلية تقدر بـ3.8 تريليون جنيه وتستهدف تمكين دور القطاع الخاص كقاطرة للتنمية برفع نسبة مساهمته في الاستثمارات الكلية إلى 60 في المائة، وتعظيم الاستفادة من الطاقة الجديدة والمتجددة، والتنسيق مع الجهات المعنية لتسريع الإفراج عن الشحنات الواردة، فضلاً عن العمل على تنويع مصادر الاستيراد، بما يضمن تغطية الاحتياجات لفترة زمنية مقبلة.


ممرات لوجيستية مصرية لتجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية على التجارة العالمية

الحرب الإيرانية عززت دور الموانئ المصرية في حركة التجارة (وزارة النقل المصرية)
الحرب الإيرانية عززت دور الموانئ المصرية في حركة التجارة (وزارة النقل المصرية)
TT

ممرات لوجيستية مصرية لتجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية على التجارة العالمية

الحرب الإيرانية عززت دور الموانئ المصرية في حركة التجارة (وزارة النقل المصرية)
الحرب الإيرانية عززت دور الموانئ المصرية في حركة التجارة (وزارة النقل المصرية)

تسعى مصر إلى تجاوز تأثيرات الإيرانية على حركة التجارة العالمية، من خلال تطوير موانئها وتعزيز امتدادها الدولي، ومنها «ميناء دمياط» الذي يُعد محوراً لوجيستياً إقليمياً لربط أوروبا بمصر ودول الخليج عبر خط «الرورو»، من خلال «ميناء تريستا» الإيطالي.

والخط الملاحي «الرورو » مخصص لنقل الحاصلات الزراعية والخضراوات وغيرها من المنتجات المصرية إلى إيطاليا ومنها إلى باقي دول أوروبا والعكس. ومن خلاله يستقبل ميناء دمياط المطل على البحر المتوسط شحنات قادمة من أوروبا، وتحديداً من ميناء تريستا، تمهيداً لإعادة توجيهها براً إلى ميناء سفاجا المصري على ساحل البحر الأحمر، ومنه إلى أسواق الخليج، «في نموذج متكامل للربط بين البحرين المتوسط والأحمر»، وفقاً لوزارة النقل المصرية.

ودشنت مصر خدمة جديدة لـ«الترانزيت» غير المباشر إلى دول الخليج، ليتحول ميناء دمياط من كونه خطاً ثنائياً بين مصر وأوروبا، إلى محور رئيسي ضمن ممر لوجيستي عالمي، حيث يتولى استقبال الشحنات القادمة من أوروبا عبر خط «الرورو»، وإعادة توزيعها إلى دول الخليج.

وقالت وزارة النقل المصرية في بيان صحافي، الثلاثاء، إن خدمة الترانزيت الجديدة بدأ تشغيلها في 20 مارس (آذار) الماضي.

وتعود بداية المرحلة الأولى من المشروع إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين شهد وزير النقل المصري، كامل الوزير، توقيع إعلان نوايا بين قطاع النقل البحري وشركة «DFDS» العالمية لتشغيل خط ملاحي بنظام «الرورو» بين ميناءي دمياط وتريستا بما يستهدف دعم الصادرات المصرية، وفتح آفاق جديدة لنفاذ المنتجات المصرية إلى الأسواق الأوروبية. وفي نوفمبر 2024، انطلقت أولى رحلات خط «الرورو» بين ميناءي دمياط وتريستا.

وأكد بيان وزارة النقل أن ميناء دمياط يستفيد من التيسيرات المقررة، وعلى رأسها إعفاء شحنات الترانزيت غير المباشر من التسجيل المسبق، بما يسهم في تسريع الإجراءات، وتقليل زمن الإفراج الجمركي.

وخلال المرحلة الثانية من المشروع استقبل ميناء دمياط، عبر 5 رحلات، 60 عربة «تريلا» تحمل بضائع متنوعة تشمل مواد غذائية ومواد طلاء ومستلزمات إنتاج بإجمالي وزن نحو 1122 طناً متجهة من ميناء دمياط بالنقل البري إلى ميناء سفاجا، ومنه إلى دول الخليج.

ممرات لوجيستية مصرية لتجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية على التجارة العالمية (وزارة النقل المصرية)

وفي رأي خبير النقل الدولي إبراهيم مبروك، يسهم تطوير الموانئ المصرية، وربطها إقليمياً مع دول الخليج في تعزيز حركة التجارة العالمية، وتجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الربط الإقليمي سيقلل تأثيرات الحرب على سلاسل الإمدادات العالمية، لكنه قال إنه لا بد من إجراء دراسات جدوى تهدف إلى التوسع في هذا الاتجاه بعد انتهاء الحرب، ووضع تصورات لتحديد نظام نقل إقليمي متكامل يجمع بين الوسائل البحرية والبرية والنهرية والجوية والسكك الحديدية، ليكون أكثر فاعلية في دعم حركة التجارة الإقليمية والدولية.

وفي وقت سابق، أعلن «ميناء نيوم» السعودي عن تدشين ممر لوجيستي متعدد الوسائط يربط بين أوروبا ومصر ونيوم ودول مجلس التعاون الخليجي. وأشار الميناء عبر حسابه على منصة «إكس» إلى أن الممر الجديد يوفر «ممراً متكاملاً يجمع بين النقل البري والبحري، ليضمن نقل البضائع بسلاسة وكفاءة، وفي وقت قياسي، إلى أسواق الخليج».

وبحسب «نيوم»، يعتمد الممر الجديد على نموذج «الجسر البري - البحري»، حيث تنقل البضائع من أوروبا إلى موانئ مصرية مثل دمياط أو سفاجا، ثم تعبر البحر الأحمر بواسطة عبارات إلى «ميناء نيوم»، ومنها إلى دول الخليج.

وجددت تأثيرات الحرب الإيرانية على سلاسل الإمدادات الحديث عن أهمية التعاون العربي في مشروعات الربط الإقليمي والنقل بجميع أشكاله، وبرز دور خط أنابيب «سوميد» الرابط بين البحرين الأحمر والمتوسط لنقل النفط من دول الخليج، خصوصاً مع توترات مضيق هرمز.

إحدى «التريلات» أمام مدخل ميناء دمياط المصري (وزارة النقل المصرية)

ويرى الخبير والمحلل الاقتصادي أحمد حنفي أن تطوير الموانئ المصرية وتحويلها إلى ممر لوجيستي إقليمي دولي عبر خط «الرورو» سيكون له تأثير إيجابي على مصر ودول الخليج أبعد من تقليل تأثيرات الحرب الإيرانية.

وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «المشروع سيؤدي إلى تعزيز حركة التجارة إقليمياً ودولياً، ويعزز الصادرات المصرية، كما سيُحدث وفرة في السلع بأسواق الخليج. ومع توافر السلع وتقليل مدة النقل التي يوفرها الممر ستقل تكلفة نقل السلع؛ ما يؤدي إلى انخفاض أسعارها».

وأكدت وزارة النقل المصرية في بيانها أن موانئ البلاد لديها القدرة على تقديم حلول لوجيستية متكاملة ومرنة، في ظل التحديات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، بما يعزز من مكانة مصر بوصفها ممراً رئيسياً وآمناً للتجارة الدولية. وأشار البيان إلى «ميناء دمياط» بوصفه محوراً لوجيستياً متكاملاً لا يقتصر دوره على خدمة التجارة الثنائية، بل يمتد ليصبح حلقة الوصل الرئيسية بين أوروبا ومصر ودول الخليج، بما يسهم في إعادة تشكيل خريطة التجارة الإقليمية والدولية.

وتحدث حنفي، عن 3 محاور اقتصادية تحدد أهمية تحقيق الربط بين مصر ودول الخليج في حركة التجارة، هي «انخفاض مخاطر النقل وسرعته والتكلفة المحددة»؛ موضحاً أن «الربط يوفر العناصر الثلاثة اللازمة لنجاح التعاون وتحقيق تكامل اقتصادي بين هذه البلدان، ويوفر استقراراً في سلاسل الإمدادات العالمية».


مصر وفرنسا إلى تعاون أوسع بعد أول «حوار استراتيجي»

المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر وفرنسا إلى تعاون أوسع بعد أول «حوار استراتيجي»

المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)

عقدت مصر وفرنسا الجولة الأولى لحوارهما الاستراتيجي في مجالات عديدة، واتفقتا على عقد الدورة المقبلة في باريس خلال النصف الأول من عام 2027، وفق بيان مشترك نشرته وزارة الخارجية المصرية، الثلاثاء.

وتعزز هذه الجولة سبل التعاون في مجالات عديدة، وتنمي مستوى التنسيق، لا سيما فيما يتعلق بالتوتر في المنطقة بحكم ثقل البلدين ومحورية دورهما، بحسب تقديرات عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وفرنسا نحو 2.9 مليار دولار خلال عام 2024، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة في 2025، مسجلاً ارتفاعاً ملحوظاً عن مستويات عام 2023 التي بلغت 2.5 مليار دولار.

الوفد الفرنسي المشارك في الحوار الاستراتيجي الأول (الخارجية المصرية)

وأفادت «الخارجية المصرية» في بيان مشترك، الثلاثاء، بأنه «عُقد في القاهرة الجولة الأولى للحوار الاستراتيجي بين مصر وفرنسا، برئاسة نائب وزير الخارجية محمد أبو بكر، والأمين العام لوزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، مارتن بريان».

ويأتي الحوار في أعقاب قرار بالارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وذلك خلال زيارة رسمية قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر في أبريل (نيسان) 2025.

ويرى السفير حجازي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في لحظة دولية تتسم بتعدد الأزمات وتشابكها، تبرز مصر وفرنسا بوصفهما ركيزتين استراتيجيتين في محيطين متداخلين: الشرق الأوسط وأوروبا»، لافتاً إلى أن هذا الحوار الاستراتيجي سيقود إلى تعاون أكبر وأوسع.

تعاون اقتصادي ومالي

وخلال الجولة الأولى، رحّب الجانبان بالمستوى المتميز الذي وصلت إليه العلاقات الثنائية، وبحثا سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والمالي، وتنفيذ الاتفاق الحكومي للتعاون المالي للفترة 2026 - 2030، الذي يستند إلى مشروعات يتم اعتمادها من قبل الطرفين، وفق البيان المشترك.

وكانت زيارة ماكرون قد شهدت توقيع 9 اتفاقيات تمويل مع الوكالة الفرنسية للتنمية بقيمة 262.2 مليون يورو، لدعم مشروعات في مجالات النقل والطاقة والإسكان.

وأكد الجانب المصري خلال الاجتماع بالقاهرة الأهمية المتزايدة لبرامج دعم الموازنة كآلية تمويلية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي، وضمان كفاءة تخصيص الموارد وفقاً للأولويات الوطنية.

وأعرب الوفد الفرنسي عن دعمه لدمج مصر في مبادرة الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، بحسب البيان المشترك.

كما بحث الجانبان ملف التقدم المحرز في إطار الحوار الثنائي بشأن الهجرة، والذي تم إطلاقه في ظل الشراكة الاستراتيجية، وأقرا مبدأ إعداد خريطة طريق مصرية - فرنسية لتعزيز التعاون في مجال التراث، مرحبين بقرب افتتاح مكتبة المتحف المصري الكبير، التي تم تطويرها بدعم فرنسي.

ويرى حجازي أن البيان المشترك الصادر عن الجانبين يحمل توافقاً واضحاً على دفع العلاقات إلى مستوى أكثر مؤسسية وفاعلية، من خلال تكثيف التنسيق السياسي، وتعزيز آليات التشاور الدوري.

هذا التعاون يأتي، بحسب الدبلوماسي المصري الأسبق، لحكم ثقل البلدين، قائلاً إن «مصر، بحكم موقعها الجغرافي وتحكمها في مسارات حيوية مثل قناة السويس، ودورها المحوري في قضايا إقليمية حساسة كغزة وأمن البحر الأحمر، تمثل عنصر توازن لا غنى عنه في معادلة الاستقرار الإقليمي».

في المقابل، تمتلك فرنسا، بحسب حجازي، ثقلاً سياسياً داخل الاتحاد الأوروبي، وحضوراً فاعلاً في البحر المتوسط ولبنان، إضافة إلى قدرتها على التأثير في الأطر الدولية مثل مجلس الأمن الدولي.

الوفد المصري المشارك في الحوار الاستراتيجي الأول (الخارجية المصرية)

الأزمات الإقليمية

كما شهدت الجولة الأولى التأكيد على الالتزام بتعزيز التعاون الثنائي في مجال إدارة الأزمات الإقليمية، مع التركيز على منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك تحقيق السلام الدائم فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وفقاً لحل الدولتين، ومتابعة تطورات الأوضاع في كل من إيران ولبنان والعراق وليبيا والسودان ومنطقة القرن الأفريقي، إلى جانب قضايا المياه.

وعن المسار الإقليمي للتعاون، يرى حجازي أن تقاطع أدوار مصر وفرنسا يخلق فرصة نادرة لبناء شراكة قادرة على ربط الأمن الإقليمي بالاستقرار الدولي، خصوصاً في ظل تصاعد المخاطر التي لم تعد حدودها جغرافية.

وأكد أن تعزيز التنسيق بين القاهرة وباريس «لا يمثل فقط مصلحة ثنائية، بل يشكل أحد المسارات الواقعية للحفاظ على قدر من التوازن في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية وتأثيراً على الأمن العالمي».