حرب مُسيَّرات متصاعدة في دارفور ومعارك قرب الحدود التشادية

الطرفان يزعمان إسقاط طائرات مُسيَّرة قتالية متطورة في نيالا والأبيض

آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)
آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)
TT

حرب مُسيَّرات متصاعدة في دارفور ومعارك قرب الحدود التشادية

آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)
آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)

تواصلت المواجهات العسكرية بين الجيش السوداني و«القوة المشتركة» المتحالفة معه من جهة، و«قوات الدعم السريع» من جهة أخرى، في مناطق قريبة من الحدود مع دولة تشاد، وسط تبادل للاتهامات بشأن السيطرة الميدانية في عدد من بلدات شمال وغرب إقليم دارفور.

وبينما أعلنت «القوة المشتركة» أنها تمكنت من دكِّ تحصينات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في ولايتَي شمال وغرب دارفور، قالت «قوات الدعم السريع» إنها هزمت «القوة المشتركة» وأجبرتها على الانسحاب باتجاه داخل الأراضي التشادية.

وتبادل الطرفان استخدام الطائرات المُسيَّرة في محاور القتال المختلفة، وسط مزاعم متبادلة بإسقاط عدد منها، وُصفت بأنها من بين الأكثر تطوراً في ترسانة الجانبين.

لاجئون سودانيون من دارفور في مخيم طولوم على مشارف بلدة إيريبا شرق تشاد (رويترز)

ومنذ عدة أسابيع، تشهد المنطقة معارك شرسة بين «قوات الدعم السريع» و«القوة المشتركة» المتحالفة مع الجيش السوداني، والمتمركزة في جيب حدودي مع دولة تشاد. وزعمت «قوات الدعم السريع» أنها حققت انتصارات كبيرة، وسيطرت على بلدات أبو قمرة وأم برو وكرنوي، مؤكدة أن مدينة الطينة الحدودية هي آخر معاقل «القوة المشتركة» في المنطقة، بعد انسحابها إليها.

في المقابل، أفادت تقارير صادرة عن «القوة المشتركة» بأن «قوات الدعم السريع» اضطرت إلى التراجع من تلك البلدات عقب هجمات نفذها الجيش السوداني باستخدام الطائرات المُسيَّرة، وهو ما نفته «قوات الدعم السريع».

وتقع مدينة الطينة على الشريط الحدودي الفاصل بين السودان وتشاد؛ حيث تنقسم إلى مدينتين تحملان الاسم نفسه: الطينة السودانية، والطينة التشادية، ولا يفصل بين شطريها سوى مجرى مائي موسمي. ويستطيع السكان التنقل بين جانبي الحدود دون عوائق تُذكر، في ظل روابط اجتماعية وثقافية، وغالباً إثنية، ممتدة عبر حدود البلدين.

وقال حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، في منشور على صفحته الرسمية على «فيسبوك»، إن القوات التابعة له تمكنت من دكِّ تحصينات لـ«قوات الدعم السريع» في ولايتَي شمال وغرب دارفور، متوعداً بمواصلة القتال حتى «الاقتصاص من المجرمين»، على حد تعبيره.

وأضاف: «معركتنا ماضية حتى يُقتص من المجرمين، ويعود أهلنا إلى منازلهم وقراهم أعزاء آمنين»، وتابع: «تلك العصابة التي حاولت سرقة أراضي الآخرين، وانتهكت الحرمات، وروَّعت الآمنين، وظنَّت أن بطشها سيكسر إرادة أهل دارفور».

في المقابل، قالت «قوات الدعم السريع» إنها تمكنت، اليوم، من السيطرة على بلدة مستورة، عقب سيطرتها، أمس، على بلدة جرجيرة، وهما بلدتان تبعدان بضعة كيلومترات عن مدينة الطينة. وأضافت أنها كبدت «العدو» خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، زاعمة أن عدد القتلى تجاوز 370 قتيلاً، إلى جانب الاستيلاء على كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات الحربية، وعشرات المركبات القتالية، خلال العملية التي أطلقت عليها اسم عملية جرجيرة.

لاجئون سودانيون من دارفور بمخيم أقيم في تشاد (رويترز)

ونقلت صحيفة «دارفور 24» عن مصدر عسكري في الجيش السوداني، أن «قوات الدعم السريع»، إلى جانب حليفتها «قوى تحرير السودان»، شنت هجوماً واسعاً بقوات كبيرة على بلدة جرجيرة، ما أدى إلى انسحاب «القوة المشتركة» وقوات الجيش السوداني باتجاه مدينة الطينة. وأضافت الصحيفة -نقلاً عن مصدر آخر- أن قوات الجيش السوداني وحليفتها «القوة المشتركة» انسحبتا لاحقاً إلى داخل العمق التشادي.

وحسب المصدر ذاته، فإن «قوات الدعم السريع» استخدمت منظومة دفاع جوي عملت على التشويش على الطائرات المُسيَّرة التابعة للجيش السوداني، التي كان يعتمد عليها في تنفيذ هجمات جوية متكررة ومكثفة استهدفت «قوات الدعم السريع»، في أثناء محاولتها السيطرة على الجيب الحدودي المتبقي الذي تسيطر عليه قوات الجيش وحلفاؤه في ولاية شمال دارفور.

وتقع بلدتا جرجيرة ومستورة في موقع ذي أهمية استراتيجية؛ إذ تربطان بين ولايتَي غرب وشمال دارفور، وتبعدان نحو 30 كيلومتراً إلى الغرب من مدينة الطينة، كما تُعدان خَطَّي دفاع متقدمَين عن المدينة التي تمثل المعقل الرئيسي لـ«القوة المشتركة».

وأدت المعارك الدائرة في بلدات الطينة وأم برو وكرنوي -وهي مناطق تُعد معقلاً لإثنية الزغاوة التي تشكل الثقل الأساسي للقوة المشتركة- إلى نزوح آلاف المواطنين من مناطق القتال.

وعملياتياً، تحولت الحرب إلى ما يشبه «مباراة» بين الطائرات المُسيَّرة التابعة لطرفي النزاع. ففي وقت سابق، قالت منصات موالية للجيش السوداني إن دفاعاته الجوية أسقطت طائرة مُسيَّرة متطورة من طراز «CH-95» صينية الصنع قرب مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، بينما أعلنت «قوات الدعم السريع»، الخميس، إسقاط طائرة مُسيَّرة تابعة للجيش من طراز «بيرقدار أكينجي» تركية الصنع قرب مدينة نيالا.

وأوردت تسريبات صحافية أن كلا طرفي القتال حصلا على معدات متطورة للقتال الجوي، شملت طائرات مُسيَّرة قتالية، وأنظمة دفاع أرضي، وأجهزة تشويش إلكتروني، في ظل اتساع نطاق حرب المُسيَّرات.

وعادة ما يتبادل طرفا النزاع الاتهامات بشأن استهداف المواطنين والمنشآت المدنية، عبر هجمات الطائرات المُسيَّرة.

ومنذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، لقي مئات المدنيين مصرعهم في ولايات شمال وجنوب كردفان، وجنوب وغرب وشمال دارفور، جرَّاء هجمات الطائرات المُسيَّرة القتالية والانقضاضية التي يستخدمها طرفا الحرب.


مقالات ذات صلة

مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (الرئاسة المصرية)

مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

لقاء مصري أميركي على مستوى رئاسي استخباراتي عالي المستوى، احتضنته القاهرة وسط تصعيد بمنطقة الشرق الأوسط، وأزمات متواصلة بالسودان وقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

تصاعد «حرب المُسيَّرات» في السودان تزامناً مع تقدم الجيش بمحور كردفان

أعلن الجيش السوداني إسقاط «مسيرة معادية» في ولاية شمال كردفان، فيما قالت منصات «الدعم السريع» إن مسيراتها هاجمت مدينتي الأبيض وعطبرة.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)

خاص اقتصاد الحرب يدفع الجنيه السوداني إلى الهاوية

دخل السودان منعطفاً جديداً مع التراجع الحاد في سعر صرف عملته الجنيه أمام العملات الأجنبية، وتجاوز سعر الدولار 9 آلاف جنيه، في بعض تعاملات السوق الموازية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)

الحرب والجفاف والأسعار تفاقم خطر المجاعة

يواجه الموسم الزراعي الحالي في السودان أخطاراً متزايدة، بسبب تأخر هطول الأمطار وشحها في مناطق واسعة، بجانب نقص مياه الري وانقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا 
العناية المكثفة بمستشفى بحري التعليمي (الشرق الأوسط)

قطاع الصحة في السودان للنهوض من تحت الأنقاض

بدأت مستشفيات كبرى في الخرطوم تستعيد نشاطها تدريجياً مع عودة السكان وانحسار المعارك عن أجزاء واسعة من العاصمة السودانية، فيما لا تزال الصورة أكثر قتامة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026
صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026
TT

جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026
صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026

أثار حبس ناشطة وأستاذة للُّغة الأمازيغية في الجزائر موجة جدل حقوقي وسياسي واسع، بعد احتجازها بسبب منشور متصل بالانتخابات، وسط ملاحقات قضائية لكثير من النشطاء، بسبب تدويناتهم ومواقفهم السياسية عبر المنصات.

واتَّخذ الأمر منحى سياسياً، حين طالبت زعيمة «حزب العمال» اليساري المعارض ومرشحة انتخابات الرئاسة السابقة، لويزة حنون، في مؤتمر صحافي بالعاصمة، السبت، بالإفراج عن الناشطة نادية موساوي، المعروفة في منطقة القبائل، وإحدى الداعيات إلى تمكين اللغة الأمازيغية التي ينطق بها ملايين الجزائريين.

واستنكرت حنون إيداع الناشطة الحبس الاحتياطي منذ أسبوعين، بسبب منشور بحسابها الخاص على «فيسبوك»، مستغربة «توظيف قانون الانتخابات في القضية»، ومؤكدة أن «المنطق القانوني غير مفهوم في ملاحقة شخص بجريمة مرتبطة بالانتخابات».

الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون (إعلام حزبي)

كما أشادت بمسار نادية موساوي التعليمي، في مجال نشر اللغة والثقافة الأمازيغيتين، وسط حملة تضامن واسعة تطالب بإعادة النظر في إجراء الحبس المتخذ بحقها.

«عرقلة عملية انتخابية»

وتُعرَف الناشطة في شبكة التواصل الاجتماعي بـ«تمازيغت موساوي»، وهي مُعلمة بمدرسة ثانوية في مدينة الشرفة بولاية البويرة، على بعد مائة كيلومتر إلى الشرق من العاصمة، بينما يُنظر ملفها قضائياً أمام محكمة مدينة مشدالة المختصة إقليمياً.

وعلى مدار سنوات، تجاوزت شهرة نادية موساوي نطاق مؤسستها التعليمية، لتصبح صانعة محتوى باللغة القبائلية؛ خصوصاً بعد أن أطلقت قناة مجانية على «يوتيوب» لتقديم دروس في الأمازيغية بهدف تبسيطها وترويجها للناطقين بالأمازيغية والعربية على حد سواء، معتبِرة أن المدرسة لا تفي بهذا الغرض بالقدر الكافي، وفق ما نقل عنها مقربون منها.

وفي التاسع من سبتمبر (أيلول) الجاري، فوجئت الناشطة باستدعاء من الشرطة المحلية التي أخضعتها للمساءلة، وأحالتها إلى النيابة بمحكمة مشدالة في ولاية البويرة، ثم على قاضي التحقيق لدى المحكمة نفسها الذي أمر بوضعها رهن الحبس الاحتياطي، بسبب منشور تضمَّن رأيها الشخصي حول التصويت في الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، وشهدت مقاطعة كبيرة من الناخبين؛ خصوصاً في منطقة القبائل.

ووفق دفاعها، وجَّه لها قاضي التحقيق تهمة «عرقلة عملية انتخابية»، الأمر الذي أثار استغراب الأوساط السياسية والحقوقية.

وخلال محاكمتها يوم 16 سبتمبر الحالي، التمس ممثل النيابة العامة عقوبة عامَين حبساً مع التنفيذ، مع استمرار حبسها المؤقت لحين النطق بالحكم المقرَّر في 22 سبتمبر.

عشرات النشطاء تعرَّضوا للسجن منذ الحراك الشعبي سنة 2019 (ناشطون سياسيون)

وحسب مصادر قضائية، تعرضت نادية موساوي للمتابعة بناء على «المادة 295» من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، والتي تنص على معاقبة كل من يعرقل أو يخلُّ بسير العملية الانتخابية، بالحبس من 6 أشهر إلى سنتين، مع احتمال تطبيق عقوبات تكميلية، تتمثل في الحرمان من حق الانتخاب والترشح، مدةً تتراوح بين 3 و5 سنوات.

وتشمل الأفعال المجَرَّمة تحت هذه المادة «تعكير سير عمليات التصويت»، و«عرقلة عمل مكتب التصويت أو مراكز الاقتراع»، و«منع مرشح أو ممثله القانوني من ممارسة حقوقه المقررة قانوناً أثناء العملية».

ويؤكد المحامون والحقوقيون أن هذه الوقائع لا تنطبق على الأفعال المنسوبة لموساوي، مشيرين إلى أن سبب سجنها منشور لها تتناول فيه موقفها من الانتخابات، إضافة إلى أن وقتاً طويلاً نسبياً مرَّ على تنظيم هذه الانتخابات.

وبتصفح حسابها على «فيسبوك»، بدا أن المنشور الذي قادها إلى السجن قد حُذِف.

حرية التعبير

وفي منطقة الشرفة وبين متابعيها عبر الإنترنت، تسود حالة من الضيق والترقب للحكم؛ إذ اعتادت على تقديم محتويات اجتماعية وتعليمية، والترويج أحياناً للتجار والحرفيين المحليين، وهو ما يفسر حجم التعبئة والتضامن الواسع حولها.

وقال أحد السكان المحليين ممن يعرفونها، لـ«الشرق الأوسط»، مفضلاً عدم نشر اسمه: «السيدة نادية تنشط دوماً في الثقافة والتعليم؛ فهي ليست في تيار المعارضة، وتقوم أحياناً بالترويج لحرفيين محليين، والتجار الصغار، ومطاعم المنطقة. يمكن أن نصفها بأنها بروفايل ربة أسرة صالحة، لا يمكنها أن تؤذي ذبابة».

ياسين عيسوان برلماني طالب بالإفراج عن أستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي (حسابه الخاص)

ودعا ياسين عيسوان، النائب عن تيزي وزو، كبرى مدن منطقة القبائل، إلى الإفراج الفوري عنها، مُشدّداً في تصريحات إعلامية على أن «حرية التعبير حق أساسي، ولا يجوز تحويل الرأي إلى جريمة»؛ وهو الطرح الذي ترافعَت عنه مجدداً محاميتها نبيلة إسماعيل، مؤكدة استحالة إدراج حرية التعبير في خانة الجريمة.

ويكرِّس سجن أستاذة اللغة الأمازيغية واقعاً توثقه الهيئات الحقوقية باستمرار؛ حيث يدفع مئات النشطاء، منذ اندلاع الحراك الشعبي عام 2019 الذي أطاح بالرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، ثمناً قانونياً للتعبير عن مواقفهم السياسية عبر المنصات الرقمية، في ظل سجال متواصل بين النصوص الزجرية ومبادئ حرية الرأي.


10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
TT

10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)

انهار منجم للذهب في شمال السودان، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص، وإصابة 21 على الأقلّ، بحسب ما أفاد اثنان من الناجين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، اليوم (الأحد)، عقب عمليات إسعاف في الليل.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، اعتمد الطرفان في تمويل جهدهما الحربي بشكل كبير على قطاع الذهب، وفق الأمم المتحدة، إلى جانب دعم أطراف خارجية.

وقد بدأت آبار في منطقة تعدين أوني، شمال السودان، بالقرب من الحدود المصرية، تنهار أمس.

وبحلول صباح اليوم، «تمّ انتشال 10 جثث و21 مصاباً»، بحسب أحد الناجين، الذي كان يعمل في الموقع، وطلب عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية.

وقال ناجٍ آخر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طلب كذلك عدم الإفصاح عن هويته، إن «الحفر يتمّ بالآليات المتوفّرة في المنجم ومن الناس الشغّالين».

وأفاد الناجيان بأن عمليات البحث ما زالت متواصلة، فيما يُخشى العثور على مزيد من الضحايا.

وألحق النزاع ضرراً كبيراً بالاقتصاد السوداني، الذي كان ضعيفاً أصلاً، وخسر عدد كبير من السودانيين عملهم، ما دفع كثيرين إلى ممارسة عمليات خطيرة للتنقيب عن الذهب.

وتجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية، أو في مناجم متوقفة عن العمل.

ويقوم عمّال المناجم بالتنقيب بأيديهم وباستخدام أدوات بدائية مقابل أجور يومية زهيدة.

وداخل المناجم، وكثيرة منها غير مجهّزة، يستخلص العاملون شذرات الذهب من الكتل الصخرية، ما يعرضهم لمواد كيميائية خطرة، مثل السيانيد الذي يتسبب في انتشار الأمراض.

وتتكرّر انهيارات المناجم في أنحاء السودان. وفي مناطق سيطرة الجيش في شمال وشرق البلاد، يتسلل العمّال إلى داخل المناجم المتوقفة عن العمل أملاً في أجور يومية زهيدة.

والأسبوع الماضي، قُتل 82 شخصاً على الأقل، وأصيب العشرات في انهيار منجم في منطقة كردفان.

حتى قبل أن تهدّد الحرب ملايين السودانيين بالجوع، كان التعدين يوفّر العمل لأكثر من مليوني شخص، وفق بيانات القطاع.

ويعدّ السودان، ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، من أبرز منتجي الذهب في القارة، وسجل العام الماضي أعلى مستوى للإنتاج في 5 أعوام، بلغ 70 طناً، وفق البيانات.

لكن المسؤولين يقولون إن معظم الذهب يُهرب عبر حدود السودان، بما في ذلك عبر تشاد وجنوب السودان ومصر، قبل وصوله إلى دول في الخليج، ولا سيما الإمارات، ثاني أكبر مصدر للذهب في العالم.

وفي يوليو (تموز)، حظر الاتحاد الأوروبي بيع ونقل وتصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، نظراً لاستخدام هذه المواد في تجارة الذهب غير النظامية.

وحذّرت الأمم المتحدة مراراً من أن طرفي الحرب يحققان مكاسب مالية من السيطرة على موارد البلاد، وأن «اقتصاد الحرب» هو ما يُبقي الصراع مستمراً.


«خلية طرابلس التخريبية» تثير الخلاف بين «الرئاسي» و«الوحدة» في ليبيا

اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
TT

«خلية طرابلس التخريبية» تثير الخلاف بين «الرئاسي» و«الوحدة» في ليبيا

اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)

كشف تحرُّك رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، المفاجئ نحو المحكمة الجنائية الدولية، بشأن «خلية تخريبية» متهمة باستهداف منشآت حيوية في طرابلس، عن تباين جديد داخل المؤسسات الليبية، في وقت تتمسك فيه وزارة الدفاع التابعة لحكومة «الوحدة» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بالتحقيقات المحلية الراهنة، وتنفي «وجود أي توجُّه للتفاوض بشأن القضية».

وقال المنفي -في بيان مساء السبت- إن ليبيا «تقدمت عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، من خلال وزارة الخارجية وبالتنسيق مع وزارة الدفاع، بطلب إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، للحصول على دعم فني وتقني وقانوني، وتعزيز التعاون في التحقيقات الجارية».

وأشار إلى أن الطلب يستند إلى الإعلان الذي قدمته ليبيا بموجب المادة 12/ 3 من نظام روما، مضيفاً أن «السلطات أبدت استعدادها لتوسيع نطاق التعاون وفقاً للمادة 15، بشأن إحالة الوقائع والمعلومات ذات الصلة».

وكانت حكومة «الوحدة» قد أعلنت في السادس من سبتمبر (أيلول) الجاري تفكيك «خلية تخريبية» منظمة، تضم 5 عناصر ليبيين وأجانب، تورطت في هجمات بالمُسيَّرات الانتحارية، استهدفت خزانات النفط في طرابلس والزاوية ومحطة كهرباء الزاوية. وقالت إن وزارة الدفاع «أحبطت مخططات أخرى كانت على وشك التنفيذ، في مقدمتها استهداف محطة كهرباء جنوب طرابلس، إلى جانب منشآت حيوية وقيادات سياسية وأمنية وعسكرية».

جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

وبشأن التحقيقات الأولية الجارية مع الخلية، أوضح المنفي أنها أظهرت استهداف خزانات وقود ومحطات كهرباء في إطار «خطة إرهابية موسعة» تستهدف البنية التحتية المدنية، لافتاً إلى أن التقييم القانوني للسلطات الليبية المختصة يعتبر هذه الأفعال -حسب طبيعتها- جرائم قد ترقى إلى «جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية»، وهي جرائم تدخل ضمن الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية، وفق نظام روما الأساسي.

تعهُّد بـ«الإفصاح»

وتوجه المنفي، الأحد، إلى مدينة نيويورك الأميركية، في زيارة رسمية تستمر أياماً عدة، للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقال قبل سفره إن أجهزة الأمن و«هيئة السلامة الوطنية» تمكنتا من الحد من هذه العمليات «التخريبية» وإجهاض بعضها؛ مشيراً إلى تورط «عناصر أجنبية يحملون جنسيات دول أعضاء في اتفاقية روما، وليبيين يحملون جنسيات وجوازات سفر أخرى».

ولم يذكر في بيانه ما إذا كانت المحكمة الجنائية الدولية قد قبلت الطلب، أو بدأت أي إجراء بشأنه، كما لم ترُد المحكمة على طلب للتعليق على هذه الخطوة.

في المقابل، قالت وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية»: «إن التحقيقات في قضية الخلية التخريبية مستمرة بهدف كشف جميع المتورطين والجهات المرتبطة بها».

وبينما نفت من حيث المبدأ «وجود أي توجه للتفاوض بشأن هذه القضية مع أي طرف كان»، أكدت التزامها بالإفصاح عن نتائج التحقيقات للرأي العام فور استكمالها.

استهداف البنية التحتية

وشهدت العاصمة طرابلس ومدينة الزاوية في الآونة الأخيرة عمليات استهدفت منشآت نفطية وكهربائية، بينها خزانات وقود ومحطات كهرباء.

وقال المجلس الرئاسي إن العمليات «كانت جزءاً من خطة أوسع تستهدف البنية التحتية المدنية»، وإن الأجهزة الأمنية و«هيئة السلامة الوطنية» تمكنتا من احتواء بعضها، والحيلولة دون وقوع خسائر أكبر.

وحسب مراقبين محليين، يضع تحرك المنفي الملف في إطار القانون الجنائي الدولي، بعدما قال المجلس الرئاسي إن الهجمات على خزانات الوقود ومحطات الكهرباء «قد ترقى -وفق التقييم القانوني للسلطات المختصة- إلى جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية، بينما تتعامل وزارة الدفاع مع القضية بوصفها ملفاً أمنياً يخضع للتحقيق الوطني».

ويأتي الإعلان عن التحقيقات والتحرك أمام المحكمة الجنائية الدولية في وقت لا تزال فيه ليبيا تعاني انقساماً بين مؤسسات ومراكز قوى متنافسة، بما في ذلك استمرار الخلافات حول المسؤوليات الأمنية والقضائية.

تباين المواقف

ولم يتضح بعد ما إذا كان التحرك الذي أعلنه المجلس الرئاسي سيؤدي إلى دور مباشر للمحكمة الجنائية الدولية في التحقيقات، أو ما إذا كانت السلطات الليبية ستواصل معالجة القضية من خلال أجهزتها الوطنية.

ويتابع الشارع الليبي تطورات المسألة باهتمام بالغ؛ خصوصاً مع تداعيات الهجمات على الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والوقود، وما خلَّفته من مخاوف بشأن أمن المنشآت الحيوية واستقرار المناطق المتضررة.

وبرز الانشغال الشعبي بتطورات ما بات يعرف باسم «خلية طرابلس» على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث عبَّر كثيرون عن مخاوفهم من تكرار استهداف خزانات الوقود ومحطات الكهرباء، معتبرين أن مثل هذه العمليات تمس حياة المواطنين مباشرة، وتفاقم أزمة الخدمات التي يعانون منها أصلاً.

وانقسمت الآراء حول لجوء المجلس الرئاسي إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ فبينما رأى فريق أن الخطوة ضرورية لملاحقة العناصر الأجنبية وضمان عدم الإفلات من العقاب، اعتبر آخرون أنها قد تفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو تسييس الملف على حساب التحقيقات الوطنية.

وأثار التباين بين بيان المنفي وموقف الحكومة نقاشاً حول غياب التنسيق بين المؤسسات، وتساؤلات بشأن قدرة الدولة على التعامل الموحد مع التهديدات الأمنية.

وبرزت أصوات تطالب بالشفافية الكاملة ونشر نتائج التحقيقات بسرعة، وأخرى تدعو إلى تجنب تحويل القضية إلى ساحة للصراع السياسي؛ كما ظهرت دعوات متكررة لحماية المنشآت الحيوية وتعزيز الإجراءات الأمنية، مع تحذيرات من أن استمرار الانقسام الرسمي قد يضعف الثقة الشعبية في قدرة المؤسسات على مواجهة مثل هذه الخلايا.