الحرب والجفاف وارتفاع الأسعار تهدد بتفاقم خطر المجاعة في السودان

نفوق ماشية وارتفاع جنوني لأسعار الحبوب وتعثر الزراعة في بعض الولايات

من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
TT

الحرب والجفاف وارتفاع الأسعار تهدد بتفاقم خطر المجاعة في السودان

من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)

يواجه الموسم الزراعي الحالي في السودان أخطاراً متزايدة، ناتجة عن تأخر هطول الأمطار وشحها في مناطق واسعة من البلاد، بجانب نقص مياه الري وانقطاع الكهرباء وارتفاع تكاليف الإنتاج، وسط مخاوف من انعكاس ضعف الموسم الحالي، على توفر الغذاء وأسعار سلعه خلال الموسم المقبل.

وبدأت تداعيات الأزمة تظهر بالفعل في بعض مناطق غرب السودان، مع تدهور المراعي ونفوق الماشية وارتفاع أسعار الحبوب، بينما تراوحت أسعار جوال الذرة؛ وهي الغذاء الرئيسي في معظم أنحاء السودان بين 500 و600 ألف جنيه للأردب، وفقاً لمعلومات ميدانية.

وقالت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في أحدث تصريحاتها، إن الأمطار التراكمية خلال موسم يونيو (حزيران) - سبتمبر (أيلول)، جاءت دون المتوسط في معظم مناطق إنتاج المحاصيل، ما أثر في الإنبات ونمو المزروعات وأثار مخاوف بشأن إنتاج الحبوب في 2026.

مزارع سوداني يحرث أرضاً زراعية في ولاية القضارف بشرق البلاد وسط الجفاف (أ.ف.ب)

وقال رئيس «تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل» عابدين برقاوي لـ«الشرق الأوسط»، إن علامات تعثر الموسم كانت واضحة منذ بدايته، وإن عدداً كبيراً من المزارعين أحجموا عن الزراعة، قبل أن تشجع إحدى المنظمات بعضهم على اللحاق بالموسم، وتوفر لهم التمويل.

وأضاف: «العطش بدأ يظهر على المحاصيل، ونحمّل إدارة الري مسؤولية عدم تنظيف جميع الترع من الحشائش والطمي، ما أعاق تدفق المياه إلى الأراضي المزروعة».

وأضاف برقاوي أن المياه تصل إلى 6 مزارع من جملة 18 في المنطقة، وشح الأمطار فاقم المشكلة، مشيراً إلى أن نحو 50 في المائة من المساحة المزروعة بالذرة والفول والقطن، مهددة بالعطش، محذراً من أن يؤدي تلف المحاصيل إلى عجز المزارعين عن تسديد ديون تمويل الموسم.

النيل موجود والمياه لا تصل

في الولاية الشمالية، ترتبط أزمة الري بانقطاع الكهرباء اللازمة لتشغيل الطلمبات، وقال رئيس «اتحاد مزارعي دنقلا»، طه جعفر لـ«الشرق الأوسط»: «نحن غير مستفيدين من النيل، لا في الزراعة، ولا مياه الشرب»، وأشار إلى أن «الكثيرين من المزارعين أحجموا هذا الموسم عن زراعة الفول والقمح لعدم توفر مياه الري بصورة كافية».

وصلت الشاحنات أخيراً إلى مخيم زمزم المنكوب بالمجاعة في شمال دارفور (برنامج الأغذية العالمي)

وأضاف: «ترعتا السليم وأرقو كانتا تمتلآن بالمياه في مثل هذا الوقت من العام، لكنهما أصبحتا جافتين الآن»، وتابع: «حتى أشجار النخيل التي عمرها عشرات السنين جفت».

مقابل ذلك، قال وزير الطاقة المعتصم إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، إن توفير الكهرباء للمشاريع الزراعية تم وضعه ضمن أولويات الموسم، مؤكداً «تحسن الإمداد الكهربائي في الشمالية بالاعتماد على سد مروي والربط المصري والطاقة الشمسية».

مخاطر في سنار

في «مشروع البساطة» بولاية سنار جنوب البلاد، قال المزارع أيمن إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»، إن انخفاض منسوب النيل الأزرق يزيد مخاطر الموسم، خصوصاً بالنسبة للمحاصيل النقدية مرتفعة التكلفة.

وأوضح أن نحو 10 آلاف فدان استهدفتها الزراعة، نبت منها نحو 7500 فدان اعتماداً على الأمطار، بينما بقي نحو 2500 فدان دون زراعة، وأضاف: «حتى 27 أغسطس (آب) الماضي، لم تكن طلمبات المشروع قد بدأت العمل بسبب انخفاض منسوب النيل الأزرق، مما زاد اعتماد المحاصيل على الأمطار».

دارفور وكردفان... الخطر يتسع

تبدو الأزمة أشد في أجزاء من غرب السودان، حيث يهدد نقص الأمطار، الزراعة والمراعي ومصادر مياه الحيوانات معاً. وقال القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، عقب زيارة للسودان، إن دارفور لم تشهد مثل هذا الجفاف منذ عام 1984، محذراً من «تأثيره الخطير المحتمل على الزراعة ونتائج الموسم».

طفلة تظهر عليها أعراض سوء التغذية (متداولة)

وفي «جبل عيسى» بشمال دارفور، أعلنت غرفة الطوارئ في منصتها، عن نفوق أكثر من 420 رأساً من الضأن نتيجة شح الأمطار وانعدام المراعي ومصادر المياه.

وظهرت انعكاسات الأزمة في أسواق الحبوب؛ إذ تشير «فاو» إلى أن أسعار الذرة والدخن ارتفعت في يونيو الماضي بمعظم الأسواق التي ترصدها، وأصبحت في المتوسط تقارب 7 أضعاف مستوياتها قبل اندلاع الحرب في مارس (آذار) 2023.

وسجلت أسواق في دارفور وكردفان ارتفاعات أكبر مع تناقص المعروض وتعطل طرق التجارة، ووصل سعر جوال الدخن في أم كدادة بشمال دارفور إلى نحو 600 ألف جنيه في أغسطس، فيما تشير معلومات ميدانية إلى تداول جوال الذرة بنحو 500 - 600 ألف جنيه في معظم أسواق المحاصيل بالبلاد.

ولا ترتبط الزيادات في الأسعار بشح الأمطار وحده؛ إذ أسهمت الحرب وإغلاق الطرق وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وتراجع محصول العام الماضي، في الضغط على الأسعار.

وفي غرب كردفان، حذرت «غرفة طوارئ دار حمر»، من أزمة غذائية في مناطق: ود بندة، والنهود، وغبيش، وأبو زبد، والأضية، والخوي، في ظل شح الأمطار وتضرر الزراعة والحرب وصعوبة حركة السلع.

موسم متفاوت في جنوب كردفان

لكن الصورة ليست واحدة في جميع المناطق؛ إذ قال المزارع عثمان بقادي لـ«الشرق الأوسط»، إن الموسم يبدو مبشراً حتى الآن في شرق جنوب كردفان، خصوصاً في أبو جبيهة وكلوقي، حيث تمت زراعة القطن والسمسم.

أطفال نازحون في «مخيم زمزم» (برنامج الأغذية العالمي)

وأضاف: «الوضع يختلف في الدلنج وكادوقلي، حيث زرع بعض المواطنين أمام منازلهم، بينما تعثرت الزراعة في المشاريع الكبيرة بسبب الظروف الأمنية»، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج «منع كثيراً من المزارعين من الزراعة»، معرباً عن مخاوفه كذلك من ظهور آفات تهدد الذرة والسمسم.

موسم مقبل أكثر صعوبة

يثير ضعف الأمطار وتعثر الزراعة مخاوف من تراجع إنتاج الغذاء المحلي خلال الأشهر المقبلة، في بلد يعاني بالفعل أزمة جوع واسعة. ويقول برنامج الأغذية العالمي إن «نحو 20 مليون شخص يواجهون الجوع في السودان، بينهم نحو 5 ملايين في مستويات الطوارئ»، في وقت اضطر فيه البرنامج إلى تقديم حصص غذائية جزئية لبعض المستفيدين بسبب نقص التمويل.

كما حدد أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي 14 منطقة في شمال وجنوب دارفور وجنوب كردفان تواجه خطر المجاعة في أسوأ سيناريو معقول إذا تصاعد القتال، وزاد النزوح وتعطل وصول الغذاء والمساعدات.

الحكومة: الإنتاج مطمئن

تقدم الحكومة تقييماً أكثر تفاؤلاً؛ إذ قال وزير الزراعة والري عصمت قرشي لـ«الشرق الأوسط»: «السودان لن يجوع، كما يزعم بعض التقارير التي تصدر عن بعض المنظمات»، مؤكداً أن موقف الإنتاج الزراعي «مطمئن».

قارب مهجور جنح على ضفاف النيل الأزرق وقاع النهر المكشوف في الخرطوم (أ.ف.ب)

وأشار قرشي إلى معالجة مشكلات الري في مناطق «السوكي، وحلفا، ومشروع الجزيرة»، وقال إن المرحلة الأولى من تمويل الموسم بلغت 700 مليار جنيه، وإن المبيدات متوفرة بكميات تكفي 3 سنوات.

لكن نتيجة الموسم الحالي ستظل حاسمة بالنسبة للأمن الغذائي، خصوصاً في المناطق التي تجمع بين ضعف الأمطار والحرب والنزوح وتعطل الأسواق، وسط ارتفاع أسعار الحبوب وتراجع قدرة ملايين السودانيين على شراء الغذاء.


مقالات ذات صلة

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

شمال افريقيا حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

يعاني كثير من السودانيين صعوبات بالغة في الحصول على الخبز بعد أن أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

توقف المطابخ الخيرية يهدد آلاف الأسر بالجوع في الخرطوم

اضطرت عشرات التكايا (مطابخ خيرية) التي توفر الوجبات لآلاف الأسر في الخرطوم، إلى التوقّف عن العمل كلياً، أو تقليص نشاطها؛ بسبب نقص الدعم من المنظمات والخيِّرين.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا الأمين العام للجامعة العربية مستقبلاً وزير خارجية السودان الثلاثاء (الجامعة)

السودان يطالب الجامعة العربية بالتحقيق في «هجمات الجوار»

طالب السودان جامعة الدول العربية، الثلاثاء، بالمشارَكة في الإشراف على تحقيق دولي في هجمات تنطلق من دول بالجوار.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا مبنى متضرر جراء المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أ.ف.ب)

تجدد المعارك البرية في النيل الأزرق وكردفان

تجددت المعارك البرية بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في النيل الأزرق وكردفان، وأعلن تحالف «تأسيس» سيطرته على قاعدة «سالي» الاستراتيجية.

أحمد يونس (كمبالا)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
TT

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

تروي السودانية سوسن محمود في العاصمة السودانية، حيث أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود، أنها باتت توفر مجموع راتبها وراتب زوجها الشهري فقط لشراء الخبز. وتقول سوسن (44 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الوضع أصبح لا يحتمل. لقد خفضنا كمية الخبز التي نتناولها، وأصبحنا نأكله في وجبة واحدة فقط»، مضيفة: «علينا توفير 900 ألف جنيه شهرياً (88 دولاراً) لشرائه. وهذا تقريباً راتبي وراتب زوجي».

مواطن من أم درمان في رحلته اليومية مع طفليه للحصول على الماء (رويترز)

* مخاوف من انتشار المجاعة

تضاعف سعر رغيف الخبز في العاصمة السودانية من 250 إلى 500 جنيه (من 0,25 سنت من الدولار إلى 0,50 سنت)، خلال الأسبوع الماضي، في ارتفاع غير مسبوق. وباتت عائلات سودانية كثيرة لا تتحمّل تكلفته، فيما تتصاعد التحذيرات الدولية من احتمال انتشار المجاعة في أنحاء البلد، الذي يعاني 20 مليوناً من سكانه من انعدام حاد في الأمن الغذائي. من جهتها، تقول عبير محمد بعد أن اشترت خبزاً من أحد المخابز القليلة، التي لا تزال تعمل في الخرطوم: «في السابق كنّا نأكل الخبز في جميع وجبات اليوم، الآن لا يمكننا ذلك». ويستورد السودان معظم احتياجاته من القمح، الذي يتأثر سعره سريعاً بتدهور العملة المحلية. وخلال الشهر الماضي، سجّلت العملة السودانية تراجعاً بنسبة 25 في المائة أمام الدولار، في انخفاض قياسي ليصل سعر العملة الخضراء إلى أكثر من 10500 جنيه سوداني في ذروة ارتفاعه، قبل أن يستقرّ عند 10200 جنيه الأربعاء. علماً بأن الدولار كان يساوي 500 جنيه قبل الحرب.

يعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة (رويترز)

* غياب الطحين

داخل مخبز يملكه محمد الفاتح في الخرطوم، يخلط العمال الطحين مع الماء والخميرة لتشكيل عجينة سميكة، يقسمونها إلى أقراص مستديرة، ثم يدخلونها الفرن باستخدام ألواح خشبية طويلة، وتتحوّل العجينة في دقائق إلى خبز تقليدي يشكّل جزءاً أساسياً من وجبات السودانيين. يقول الفاتح: «أغلقت مخابز كثيرة لأنه لا يوجد طحين في السوق». ويضيف: «يمكن أن تنتظر ليوم أو يومين كاملين في مركز توزيع (الطحين)، ثم تعود بخفي حُنين». في حي الأزهري بجنوب العاصمة، يجد متوكل أحمد بابكر صعوبة في تشغيل مخبزه، بعد أن تضاعف سعر الطحين، «بالإضافة إلى قطع الكهرباء، ولذلك أصبحنا مضطرين لشراء الوقود للمولد». يقول بابكر: «أغلب الظن سأغلق المخبز. نبيع رغيف الخبز بـ500 جنيه، وهذا أقلّ من تكلفته، لكن لا يمكنني رفع السعر بسبب أوضاع الناس». وتعاني العاصمة الخرطوم ومناطق شرق السودان من انقطاع واسع للتيار، بعد هجمات بمسيّرات استهدفت محطات الكهرباء نهاية الشهر الماضي، وأخرجتها عن العمل.

طفل سوداني يعاني من سوء تغذية حادة داخل أحد المخيمات المخصصة للاجئين السودانيين (رويترز)

وفي أنحاء الخرطوم، عاد السودانيون للاصطفاف خارج المطابخ العامة (التكايا) انتظاراً للوجبات المجانية، بعد أن توقف الكثير منها عن العمل، بعد سيطرة الجيش على العاصمة وإخراج «قوات الدعم السريع» منها في مارس(آذار) 2025. وحذّرت غرفة طوارئ أمبدة في أم درمان بالخرطوم، التي تنسّق عمل التكايا في المنطقة، من اتساع «دائرة الاحتياج لتطول آلاف الأسر والنازحين»، كما حذّرت من «شحّ في المواد الغذائية وغلاء الأسعار، ما يجعل الحصول على وجبة يومية واحدة حُلماً». وبلغت معدّلات الفقر في السودان 80 في المائة، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، فيما أعلنت الحكومة أنها تستهدف خفض التضخم إلى ما دون 60 في المائة مع نهاية 2026، بعد أن بلغ 99 في المائة العام الماضي.

* «لا وقود»

خارج الخرطوم، يصل جزء كبير من إمدادات القمح على شكل مساعدات إغاثية، غير أن نقص الوقود وارتفاع أسعاره، إضافة إلى قطع الطرق جراء المعارك، يحول دون وصول المساعدات. وقسّمت الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 البلاد إلى مناطق نفوذ، إذ يسيطر الجيش على الخرطوم ومدن وسط السودان وشرقه، بينما تسيطر «قوات الدعم السريع» على كامل إقليم دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب. ويعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة، حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة، حذّرت أيضاً من إمكانية توسّعها إلى ثمانية مدن بحلول عام 2027. وأسهم انخفاض قيمة العملة في تراجع قدرة الخرطوم على شراء الوقود، التي تستورد معظم احتياجاتها منه. يقول الموظف الحكومي ياسر محمد إنه أمضى يومه واقفاً في طابور في الخرطوم من أجل شراء الوقود من دون طائل. مضيفاً: «أقف منذ السادسة صباحاً خارج المحطة، وقد حانت الرابعة ولم أحصل على بنزين، وقد تغيبت عن العمل اليوم».

بلغت معدّلات الفقر في السودان 80 % وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء (رويترز)

وحذّر بيان وزاري وقّع عليه وزراء خارجية أوروبيون وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الأسبوع الماضي من أن أكثر من 19 مليون شخص (أي 41 في المائة من السكان) في السودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بما في ذلك خمسة ملايين يواجهون مستويات طارئة».

في إحدى أسواق أم درمان، حيث بدت حركة البيع والشراء متباطئة، يقول الموردي عوض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بينما يشتري احتياجاته: «انخفضت القيمة الغذائية للوجبة». ويضيف: «سعر الكيلوغرام من اللحم بات يتراوح بين 50 و70 ألف جنيه (5 إلى 7 دولارات)، وإن كان في استطاعتك في السابق شراء كيلوغرامين من اللحم، فسوف تشتري اليوم 125 غراماً فقط».


إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
TT

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين، بسبب اتهام كل طرف للآخر بدعم خصومه.

ويتهم السودان إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية، في حين تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم المتمردين في منطقة تيغراي بشمال إثيوبيا.

وأثارت الاتهامات المتبادلة، التي ينفيها الطرفان، مخاوف من تداخل الحرب في البلدين، ما ‌قد يؤدي إلى ‌اتساع رقعة الصراع في القرن ​الأفريقي.

وقالت ‌الحكومة ⁠السودانية، ​يوم الأحد، ⁠إنها قدمت شكوى ضد إثيوبيا إلى مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، متهمةً إياها بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها في إطلاق طائرات مسيّرة ملغومة لاستهداف البنية التحتية المدنية في السودان.

ولم يرد ⁠المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي ‌على طلب من «رويترز» ‌للتعليق.

وقال المسؤول الإثيوبي الكبير إن ​بلاده أمرت 6 ‌من موظفي القنصلية السودانية في بلدة أصوصا الحدودية ‌بمغادرة البلاد في غضون 48 ساعة، دون أن يذكر سبب هذا القرار. وطلب المسؤول عدم نشر اسمه نظراً لحساسية الأمر.

وتنفي أديس أبابا مساعدة «قوات الدعم ‌السريع» في السودان.

وكشفت بيانات الأمم المتحدة أن الحرب الأهلية في السودان ⁠أدّت إلى ⁠نزوح أكثر من 14 مليون شخص، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم منذ اندلاعها في أبريل (نيسان) 2023.

واتهمت إثيوبيا كلاً من السودان ومصر وإريتريا بدعم متمردي تيغراي، الذين شنّوا هجوماً على القوات الحكومية في سبتمبر (أيلول). ونفت الدول الثلاث هذه الاتهامات.

وقال أمجد فريد، مستشار «مجلس السيادة الانتقالي» السوداني للشؤون السياسية والخارجية، إن الحكومة السودانية ملتزمة بحقها ​في الدفاع عن أراضيها، ​لكنها تبذل كل جهد ممكن لتجنب اندلاع حرب مفتوحة مع إثيوبيا.


هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
TT

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي، يعود النفط إلى واجهة النقاش، بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها، في ظل مقترح فرنسي بـ«حظر تصديره» أثار اعتراضات مسؤولين وخبراء ليبيين.

وتعتمد ليبيا على النفط كمورد رئيسي في الإنفاق، عبر تغطية نحو 82 في المائة من الإنفاق العام، بينما يبلغ الإنتاج نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وفق الأرقام المتداولة، في بلد دأب على الاعتماد على هذا المورد الحيوي، منذ تصدير أول شحنة من ميناء البريقة قبل 65 عاماً.

يعود النفط إلى واجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها (المؤسسة الوطنية للنفط)

وطرح «معهد البحوث من أجل التنمية الفرنسي» أخيراً فكرة الرهان على «ورقة النفط» في تمويل الدولة. ويفترض هذا الطرح أن «تعطيل المورد الرئيسي لمدة شهر سيدفع القوى الليبية المتنافسة إلى مراجعة حساباتها، وسيجبر الأفرقاء الليبيين على الجلوس معاً لحل خلافاتهم، بما يعني أن الضغط الاقتصادي قد يدفع الأطراف إلى التفاوض، بعدما تتقلص الموارد المتاحة».

لكن مقترح حظر تصدير النفط أثار تساؤلات حول الجهة التي ستتحمل تكلفة الحظر، ومدى القدرة على توظيفه كورقة ضغط لدفع القوى المتنافسة إلى تسوية سياسية.

ورفض وزير النفط الليبي السابق محمد عون استخدام الصادرات النفطية كأداة للضغط السياسي، معتبراً أن الحظر «لن يحقق الغاية المعلنة منه، بل سيفاقم معاناة المواطنين، الذين يواجهون ارتفاع الأسعار وصعوبة الأوضاع المعيشية». ورأى أن «معالجة الأزمة تتطلب النظر إلى أسبابها السياسية والاقتصادية، بدلاً من تعطيل المورد الرئيسي للدولة».

وزير النفط الليبي السابق محمد عون (الوزارة)

وأوضح عون لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة الليبية تتجاوز الخلافات المحلية إلى تدخل قوى إقليمية ودولية في شؤون البلاد»، مستشهداً بما كشفته تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن الفساد الاقتصادي. وانتقد صمت دول كبرى عن التجاوزات، عازياً ذلك إلى تشابك مصالحها مع أطراف ليبية نافذة.

من جهته، لا يرى الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي أن المبادرات الدولية «كافية وحدها لحل الأزمة؛ فالبعثة الأممية واجتماعات برلين وفرت آليات متعددة لإدارة الصراع، لكنها لم تنجح في إنهاء الانقسام». ويعتقد أن «أي تحرك جديد لن يحقق اختراقاً دون تغيير أسلوب التعامل مع جذور الأزمة، وفي مقدمتها الفساد وضعف الرقابة».

وسبق أن خلص فريق الخبراء، التابع للأمم المتحدة، في تقريره النهائي الصادر في مارس (آذار) 2026، إلى أن «جهات مرتبطة بجماعات مسلحة وسّعت نفوذها داخل مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة الوطنية للنفط، عبر العنف والتدخل في صنع القرار والضغط الاقتصادي».

وهنا تحذر مديرة إدارة التعاقدات السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط، نجوى البشتي، من أن وقف الصادرات قد يدفع إلى مزيد من تهريب النفط، وبيعه خارج المنظومة الرسمية، بما يفاقم الخسائر ويضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها. ويحمل هذا الاحتمال خطراً إضافياً يتمثل في تعميق انتقال جزء من النشاط النفطي إلى مسارات يصعب إخضاعها للرقابة الرسمية، بحسب البشتي.

رفض وزير النفط الليبي السابق استخدام صادرات النفط أداةً للضغط السياسي بحجة أن القرار سيفاقم معاناة المواطنين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

وسبق أن رصد تقرير خبراء الأممي تهريب الوقود داخلياً عبر تحويل شحنات مخصصة للاستهلاك المحلي والكهرباء إلى مسارات غير مشروعة، وخارجياً عبر تصدير نحو مليون طن من المشتقات النفطية من موانئ ليبية، بينها 578 ألف طن من الديزل.

وبحسب البشتي، فإن «فرض الحظر سيضر بالمواطنين أكثر من الأطراف المتصارعة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن تداعياته «قد تكون أشد وطأة مما شهدته دول، مثل روسيا وإيران وفنزويلا، بالنظر إلى الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعانيه ليبيا».

ويكتسب النقاش حول المقترح الفرنسي أهمية بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي يمثل السوق الرئيسية للنفط الخام الليبي بين الجهات المستوردة، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، التي أوردتها وكالة «إيكوفين».

وبالتوازي مع رفض فرض حظر على صادرات النفط، تبرز بدائل أخرى لمعالجة الاختلالات القائمة، إذ يرى عون «ضرورة مكافحة الفساد، وإبعاد المتورطين فيه عن مواقع النفوذ»، وحذر من أن «استمرار الصراع على الثروة يفتح المجال أمام مزيد من النهب، وسوء إدارة الموارد العامة».

ومن وجهة نظره، لا يمكن تحويل النفط إلى مدخل لتسوية سياسية، من دون معالجة آليات استغلال عائداته.

أما البشتي فإنها ترى «ضرورة إصلاح القطاع النفطي الليبي، وإعادة هيكلته على أسس مهنية، بدلاً من حظر تصديره، بل وإبعاده عن التجاذبات السياسية وتدخل أصحاب النفوذ، مع إسناد المسؤوليات إلى أصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة، وضمان استقلال القرارات الفنية والإدارية عن المحاصصة وموازين القوى المتنافسة»، مبرزة أن هذه الحلول «لن تأتي بها السلطات القائمة في شرق البلاد وغربها، بل تحتاج ربما إلى إرادة وتحرك من شخصيات وطنية حقيقية للحل، بعيداً عن الوجوه المتصدرة للمشهد الليبي».