قادة الدول يبحثون في نيويورك عن مخرج من «عالم قاتم»

ترقب لخطاب ترمب بظل حربي إيران وأوكرانيا... وتحديات الذكاء الاصطناعي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاطباً الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاطباً الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
TT

قادة الدول يبحثون في نيويورك عن مخرج من «عالم قاتم»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاطباً الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاطباً الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)

وصل عشرات من رؤساء الدول والحكومات والوزراء ومئات من المسؤولين إلى نيويورك، حيث يشاركون الثلاثاء في انطلاق اجتماعات رفيعة المستوى للدورة السنوية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط ترقب لصعود الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى المنصة الرخامية الخضراء، التي ظلت لعقود شاهدة على نظام دولي قديم رسم معالمه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، ولكنه يبدو الآن متداعياً تحت وطأة الحروب والأزمات والتحديات الحالية.

وينعقد هذا الحدث الدولي الأبرز عالمياً في كنف منظمة دولية تبدو عاجزة عن القيام بأعباء المهمات التي أنشئت من أجلها قبل 80 عاماً، ولا سيما مع انخراط الدول العظمى في نزاعات وحروب تلهب الشرق الأوسط، ومنها الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وامتداداتها في اليمن ولبنان، وتهدد استقرار القارة الأوروبية في ظل استمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وتثير القلق من سعي الصين إلى إعادة ضم تايوان إلى الأرض الأم، فضلاً عن إخفاقاتها المدوية في تسوية النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، وإيجاد طريقة لإنهاء حرب السودان، وأزمات أخرى ذات تقاطعات أمنية وسياسية واقتصادية كبرى.

عالمان قديم وجديد

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)

وتوافد 73 من رؤساء الدول و45 من رؤساء الحكومات و11 نائب رئيس وولي عهد واحد و49 وزيراً إلى نيويورك، التي جاء إليها أيضاً المئات من الوزراء والمسؤولين الحكوميين الكبار، فضلاً عن رؤساء تنفيذيين لشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومديري المنظمات الإنسانية والإغاثية وغيرهم، وسط تساؤلات عما بقي من النظام الدولي الذي قامت الأمم المتحدة لحمايته.

ويمثل الواقع اليوم «فترة انتقالية» بين عالم قديم يحتضر وآخر لم يولد بعد، وسط انشغال الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس ترمب بتفكيك ما بناه الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية عام 1945، وبالسعي إلى بناء نموذج جديد يحفظ مصالح الدولة العظمى، ولكنه سيكون على الأرجح متعدد الأقطاب.

ويتوقع أن تهيمن الحرب مع إيران وتداعياتها العالمية على نشاطات المناسبة التي تمتد لأسبوع كامل. وسط ترقب لما يمكن أن يحمله الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى القاعة الكبرى للجمعية العامة، التي سيجلس تحت قبتها ممثلو العالم، وبينهم مشككون كثيرون في النهج الترمبي.

ناقلات وسفن في مضيق هرمز (رويترز)

وستكون هذه العودة السادسة لترمب رئيساً لمخاطبة الجمعية العامة. غير أن عودته هذه المرة مختلفة تماماً عن خطاب العام الماضي، حين روج للقصف الأميركي للمواقع النووية الإيرانية ووصفه بأنه «تدمير شامل»، مضيفاً أنه حقق السلام بين إسرائيل وإيران.

وفيما واصل النظام الإيراني تحدي ضغوط إدارة الرئيس ترمب، تمادت جماعة الحوثي في اعتداءاتها على المملكة العربية السعودية، وزادت تهديداتها للممرات الملاحية الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. ويترافق ذلك مع مواصلة الحرس الثوري الإيراني تهديداته ضد حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وبسبب هذه الحرب وعوامل أخرى، يبدو الميزان السياسي هشاً في واشنطن. فأسعار مشتقات الوقود ترتفع، وشعبية الرئيس ترمب تنخفض، قبل نحو 40 يوماً من الانتخابات النصفية للكونغرس، حيث يخشى خسارة حزبه الجمهوري للغالبية في مجلس النواب، وربما أيضاً في مجلس الشيوخ.

وسط ذلك كله، يلتقي ترمب رئيسة فنزويلا المؤقتة ديلسي رودريغيز للمرة الأولى منذ اعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو. ويلتقي أيضاً رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام في أول لقاء بينهما منذ توليه المنصب في يوليو (تموز) الماضي، ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي، وقادة دول مجلس التعاون الخليجي الست: المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة.

القضية الفلسطينية

خلال إحدى جلسات مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

في غضون ذلك، لا يزال الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني أحد أكثر الملفات حساسية وانقساماً. فمن تعثر عملية السلام في غزة إلى توسع الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، تعود القضية إلى واجهة أعمال الجمعية العامة. ويتوقع أن يحضر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في زيارة خاطفة، فيما لن يتمكن الرئيس الفلسطيني محمود عباس من الحضور شخصياً بعد رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة دخول للعام الثاني على التوالي.

ومع ذلك، صوتت الجمعية العامة بأكثرية 152 صوتاً مقابل ثلاثة أصوات، وامتناع أربع دول، للسماح للرئيس عباس بالمشاركة عبر تقنية الفيديو، علماً بأنه اضطر إلى مخاطبة الجمعية بالطريقة نفسها خلال العام السابق.

وبدا منع واشنطن للرئيس عباس من الوصول إلى نيويورك مفارقة بعدما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنها منحت تأشيرات لـ«الوفد الأساسي» الإيراني، ومن ضمنه الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي.

ويتوقع أيضاً أن يحضر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، فيما يصرّ الحلفاء على عدم إغفال حاجات أوكرانيا الدفاعية، في ظل رد روسيا على ضربات المسيّرات بعيدة المدى التي استهدفت بنيتها التحتية للطاقة.

ولا تقتصر تداعيات الحروب على الشرق الأوسط وأوكرانيا. فالصين وروسيا وأوروبا ستكون حاضرة في حسابات القادة، فيما سيغيب الرئيس الصيني شي جينبينغ عن اجتماع الجمعية العامة، ويتوجه إلى واشنطن للقاء ترمب، في وقت ستكون فيه علاقات بكين مع روسيا وإيران من بين الملفات الشائكة المطروحة.

وسيشارك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الأسبوع الذي يأمل أن يستعرض فيه «الدفاع عن نظام متعدد الأطراف حيث يشهد أزمة عميقة».

وسيلقي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام كلمة بلاده ثم يتوجه إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية ماركو روبيو ومديرة صندوق النقد كريستالينا غورغييفا. ويحضر كذلك نائب وزير خارجية كوريا الشمالية كيم سون غيونغ.

مشهد «قاتم»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ب)

وينظر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى المشهد الدولي من زاوية قاتمة، إذ قال قبيل انعقاد الاجتماع إنه «عندما ننظر إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، وعندما ننظر إلى الشرق الأوسط برمته، نجد أن الأمور تزداد سوءاً يوماً بعد يوم»، ملاحظاً أنه «لا يوجد أي تحسن في أي مكان، وعندما تتطور الأمور على هذا النحو، فإننا نواجه خطراً حقيقياً لحدوث انفجار».

وزاد هذه الصورة قتامة الذكاء الاصطناعي، الذي سيكون أيضاً موضوعاً رئيسياً في المحادثات والخطابات، بعدما انتقلت المخاوف حيال مخاطره من دوائر الخبراء وشركات التكنولوجيا إلى قلب النقاش الدولي. وسيعقد مجلس الأمن اجتماعاً لمناقشة القضية، بمشاركة الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان وغيره من مسؤولي شركات الذكاء الاصطناعي، في مؤشر إلى أن التكنولوجيا التي كانت تطرح حتى وقت قريب بوصفها محركاً للنمو والابتكار أصبحت تناقش أيضاً بوصفها قضية تتصل بالأمن الدولي.

وفي خضم المنافسة الشرسة بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي، يدفع غوتيريش باتجاه تعاون دولي أوسع، محذراً من أن التنافس التقني قد يتحول إلى سباق يصعب ضبطه. وقال: «لا يمكن للعالم أن يتحمل التدهور في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي».

وبينما يدعو قادة قطاع التكنولوجيا أنفسهم إلى مزيد من الضوابط، رفض ترمب التحذيرات من المخاطر، عادّاً أنها مجرد «خدعة».

مستقبل المنظمة مع امرأة؟

خلف الكواليس، تتنافس القوى العالمية الكبرى أيضاً على مستقبل الأمم المتحدة، في محاولة للتوصل إلى اتفاق بشأن مرشح لقيادة المنظمة التي تعاني من انقسامات حادة وأزمات مالية وعجز في الميزانية.

وتنتهي ولاية غوتيريش الثانية في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، بعد فترة اتسمت بتصاعد النزاعات العالمية، وجائحة «كورونا»، وتفاقم عدم المساواة والاستقطاب السياسي. وقال دبلوماسي أوروبي إن عملية اختيار خلفه «لم تكن ناجحة حتى الآن... ولم يتبلور أي نوع من التوافق».

وتكتسب عملية اختيار الأمين العام المقبل أهمية خاصة هذه المرة، إذ توجد بين المرشحين أسماء نسائية عدة، وسط حديث عن احتمال أن تختار الأمم المتحدة للمرة الأولى في تاريخها الممتد على مدى ثمانية عقود امرأة لتولي المنصب. لكن مسألة النوع الاجتماعي ليست العامل الوحيد، فالدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، تملك تأثيراً حاسماً في العملية.

وتتصدر قائمة المرشحين في التصويت غير الرسمي السري في مجلس الأمن كل من نائبة الرئيس الكوستاريكي السابقة ريبيكا غرينسبان، والمندوبة الغوايانية السابقة لدى الأمم المتحدة وكارولين رودريغيز بيركيت، ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل ماريانو غروسي، فضلاً عن رئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشيليت (التي أعلنت انسحابها) وماريا فرناندا إسبينوزا وماكي سال وأولارا أوتونو وإيفون عبد الباقي. لكن الأمر لن يحسم بالأصوات وحدها، فأي دولة من الخمس الدائمة تملك حق النقض «الفيتو»، والبطاقة الحمراء لن ترفع إلا في الاقتراع الرسمي.

وبينما تقول الإدارة الأميركية إنها تريد «أفضل مرشح. ببساطة»، تردد أن ترمب يرغب في تعيين رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» جياني إنفانتينو، في ظل «شائعات عن مفاجأة أكتوبر (تشرين الأول)» المقبل.

إصلاح وتقليص وخفض ميزانية

سفينة تجارية عند باب المندب (أ.ف.ب)

تضغط إدارة ترمب باتجاه إصلاح المنظمة وتقليص ميزانيتها وعدد موظفيها، فيما قال المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز إن «هذه المؤسسة في أمسّ الحاجة إلى قيادة قوية وفعالة»، مضيفاً أن أولويات واشنطن هي «الإصلاح، الإصلاح، الإصلاح... والعودة إلى أساسيات السلام والأمن».

وفي المقابل، يحذر مسؤولون وخبراء من أن تقليص دور الأمم المتحدة بصورة كبيرة يمكن أن يدفعها إلى الهامش. لكن أنصار الأمم المتحدة يرفضون النظر إليها بوصفها منظمة عفا عليها الزمن. وقالت الرئيسة المنتهية ولايتها للجمعية العامة أنالينا بايربوك إن الذين يصفون الأمم المتحدة بأنها «غير ذات صلة أو فاشلة» عليهم أن يتخيلوا عالماً «يحرم فيه ملايين الأطفال من التعليم الذي توفره (اليونيسف)، وتحرم فيه عشرات الآلاف من الأسر من المساعدات الإنسانية، وتزج فيه مجتمعات لا حصر لها مجدداً في أهوال الحرب بسبب غياب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة».

ومن هنا يأتي حديث غوتيريش عن إصلاح المؤسسات التي أنشأتها القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إلى جانب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لتصبح أكثر تعبيراً عن واقع القرن الحادي والعشرين.


مقالات ذات صلة

جهود روسية لتحريك مفاوضات إنهاء الحرب الإيرانية

شؤون إقليمية مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
p-circle

جهود روسية لتحريك مفاوضات إنهاء الحرب الإيرانية

أعلن الكرملين، السبت، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نقل إلى نظيره الأميركي دونالد ترمب موقف إيران من اتفاق محتمل لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - موسكو)
الولايات المتحدة​ هيغسيث يشارك في تدريبات مع عناصر «المارينز» قرب سان دييغو بكاليفورنيا يوم 7 أكتوبر (رويترز)

اعتراضات عابرة للأحزاب على بث إعدام منفّذ مجزرة «فورت هود»

تجاوزت الاعتراضات على خطة البنتاغون بث إعدام الأميركي نضال مالك حسن الديمقراطيين، لتشمل نواباً جمهوريين وقادة عسكريين سابقين ومرجعيات دينية.

إيلي يوسف (واشنطن)
تحليل إخباري ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

تحليل إخباري «ديزل بوتين» في حسابات ترمب الانتخابية

عدّ أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ صفقة الديزل بين واشنطن وموسكو بأنها خذلان لأوكرانيا والحلفاء الأوروبيين والأمن القومي الأميركي.

إيلي يوسف (واشنطن)
الخليج الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب: قد ننضم إلى الضربات السعودية على الحوثيين بعد الهجمات الأخيرة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، إن الولايات المتحدة «قد تنضم» إلى الضربات السعودية على الميليشيات الحوثية، وذلك بعد «الهجمات الأخيرة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا جانب من لقاء مع ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو (أ.ب)

ترمب يصعّد ضد زيلينسكي ويدعو إلى قيادة أوكرانية جديدة

اتّهم زيلينسكي روسيا بالرّد على اتفاق الديزل بين الرئيسين ترمب وبوتين بتكثيف ضرباتها على المدن الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن) «الشرق الأوسط» (لندن)

مقتل 9 في واقعة إطلاق نار عشوائي بولاية بنسلفانيا الأميركية

عنصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
عنصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل 9 في واقعة إطلاق نار عشوائي بولاية بنسلفانيا الأميركية

عنصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
عنصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)

أكدت السلطات الأميركية مقتل 9 أشخاص في مدينة إيري بولاية بنسلفانيا، في واقعة وصفها حاكم الولاية جوش شابيرو بأنها «إطلاق نار عشوائي مأساوي».

وقالت السلطات في مدينة إيري في بيان، السبت، إن إطلاق النار وقع في وقت متأخر من مساء الجمعة، وإن المحققين خلصوا إلى أن جميع القتلى سقطوا قبل وصول أفراد الشرطة إلى الموقع.

لافتة تشير إلى عدم العبور تابعة للشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)

وكتب شابيرو في منشور على منصة «إكس»، صباح السبت: «تحدثتُ مع رئيسة البلدية ديفلين، وأكدتُ استعداد إدارتي لتقديم كامل الدعم في أعقاب واقعة إطلاق النار العشوائي المأساوي في إيري الليلة الماضية، والتي أودت بحياة تسعة من أبناء بنسلفانيا».


بث إعدام منفّذ مجزرة «فورت هود» يشقّ صفوف الجمهوريين

ترمب وهيغسيث خلال فعالية بولاية ماريلاند يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)
ترمب وهيغسيث خلال فعالية بولاية ماريلاند يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

بث إعدام منفّذ مجزرة «فورت هود» يشقّ صفوف الجمهوريين

ترمب وهيغسيث خلال فعالية بولاية ماريلاند يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)
ترمب وهيغسيث خلال فعالية بولاية ماريلاند يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)

اتسعت الاعتراضات على خطة البنتاغون بث إعدام الأميركي نضال مالك حسن، الطبيب النفسي العسكري المدان في مجزرة قاعدة «فورت هود» بتكساس عام 2009. وتجاوزت الاعتراضات الديمقراطيين إلى نواب جمهوريين وقادة عسكريين سابقين ومرجعيات دينية، فيما أبدى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس تحفظاً على المشاهدة، وشكّك في تنفيذ البث.

وبات الخلاف حول بثّ الإعدام اختباراً لحدود ممارسة العقوبة باسم العدالة، وسط تحذيرات من تحويلها إلى استعراض يمنح التنظيمات المتطرفة مادة دعائية. لكن الانقسام داخل المعسكر الجمهوري، والغموض المحيط بالموقف النهائي للرئيس دونالد ترمب، يجعلان مصير البثّ أقل حسماً من إعلان وزير الحرب بيت هيغسيث.

انقسام داخل المعسكر الجمهوري

وحسب «نيويورك تايمز» و«بوليتيكو»، فصل جمهوريون مؤيدون لعقوبة الإعدام بين تنفيذ الحكم وعرضه على الجمهور بشكل واسع.

وقال النائب أوستن سكوت إنه يدعم إعدام حسن، لكن «بث الإعدامات ممارسة تلجأ إليها الجماعات الإرهابية». ووصف السيناتور توم تيليس الخطة بأنها «مثيرة للاشمئزاز». بينما حذّر السيناتور جون كيرتس من «تغذية شهية المجتمع لمشاهدة الإعدام بعدِّه ترفيهاً»، فيما شدّد النائب روب بريزنان على احترام آلام الضحايا وعائلاتهم.

وتكتسب هذه المواقف ثقلاً؛ لأنها تصدر عن مشرعين لا يدافعون عن حسن، ولا يرفضون بالضرورة العقوبة، بل يعترضون على طريقة تنفيذها وتقديمها للرأي العام.

فانس يُحيي ناخبين جمهوريين خلال فعالية انتخابية في أوهايو يوم 9 أكتوبر (أ.ب)

أما فانس، فقال، الجمعة، إنه لا يعرف إن كان البث سيحدث فعلاً، مضيفاً أنه لن يشاهده، مع التشديد على بشاعة الجريمة التي ارتكبها حسن، وهذا تحفظ واضح، لكنه لا يرقى إلى مطالبة صريحة بإلغاء الخطة.

في المقابل، رحب النائبان الجمهوريان آندي أوغلز وراندي فاين ببث عملية الإعدام، وأعلنا عزمهما على متابعته ومشاركته.

غير أن التباين برز في نقل موقف ترمب، فبينما أوردت «نيويورك تايمز» و«أكسيوس» تأكيده الموافقة عند سؤاله عن البث، نقلت «إيه بي سي» عنه أن القرار لا يزال قيد التحديد، مع تمسكه بالإعدام رمياً بالرصاص. ونقلت «رويترز» عن مسؤول بالبيت الأبيض أن الرئيس لا يعارض الفكرة، لكنه قد يغير رأيه.

ويضيف الجدل عبئاً انتخابياً على الجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي، إذ يجد بعضهم نفسه مضطراً للتمايز عن هيغسيث من دون الظهور بمظهر المتساهل مع مرتكب مجزرة «فورت هود».

ردع أم دعاية؟

الجدل يتعلّق بالعسكري الأميركي المسلم من أصول فلسطينية، الذي قتل 13 شخصاً وأصاب 32 آخرين في قاعدة «فورت هود» بتكساس عام 2009. وأدين حسن عام 2013، بعدما اعترف بالهجوم، وبرره بموقفه من حربي العراق وأفغانستان. ومن المقرر إعدامه في القاعدة نفسها في 3 ديسمبر (كانون الأول)، الخميس عند الواحدة ظهراً، بما يتوافق مع يوم الأسبوع، والتوقيت التقريبي للجريمة.

صورة أرشيفية لجنود في قاعدة «فورت هود» بتكساس خلال نوفمبر 2009 (أ.ب)

ويربط هيغسيث اختيار المكان والجنود المنفذين وإتاحة المشاهدة بإظهار عواقب الاعتداء على العسكريين. لكنّ منتقديه يرون أن هذه الرمزية قد تقلب الغاية المعلنة.

ونقلت «نيويورك تايمز» عن كولين كلارك، المدير التنفيذي لمركز «صوفان»، تحذيره من أن صور إعدام حسن المُقعد ستوفر «دعاية جاهزة لتنظيمي (القاعدة) و(داعش)». وأشارت الصحيفة إلى أن مجموعة «سايت» رصدت بالفعل رسائل متطرفة تستثمر الإعلان لغرض التحريض.

ترمب وهيغسيث خلال فعالية بولاية ماريلاند يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)

ويتقاطع ذلك مع تحذير جو كينت، المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، من منح المتطرفين «دعاية مجانية للتجنيد». وتساءل القائد السابق لـ«فورت هود»، شون ماكفارلاند، الذي أقرّ بحكم الإعدام حين كان قائداً للقاعدة، عمّا إذا كان البث «عدالة أم انتقاماً أم استعراضاً؟»، وفق «بوليتيكو».

وعلى الجانب الديمقراطي، عدّ السيناتور جاك ريد الخطة بأنها «هدية» لمُجنّدي الإرهاب، فيما عدّها النائب آدم سميث، كبير الديمقراطيين في «لجنة القوات المسلحة» بمجلس النواب، تشويهاً لجدية النظام القضائي وتحويل العدالة إلى استعراض.

قيود قانونية ورقمية

وامتدّت المعارضة إلى الأوساط الدينية؛ حيث دعا رئيس «مؤتمر الأساقفة الكاثوليك الأميركيين»، بول كوكلي، إلى إعادة النظر في القرار، عادّاً إياه بأنه «ترويج همجي لثقافة الموت». كما رفض المعلق المحافظ إريك إريكسون الإعدام العلني، رغم تأييده عقوبة الإعدام، حسب «بوليتيكو».

هيغسيث يشارك في تدريبات مع عناصر «المارينز» قرب سان دييغو بكاليفورنيا يوم 7 أكتوبر (رويترز)

وإذا نُفّذ الحكم فسيكون أول إعدام عسكري أميركي منذ عام 1961، وأول إعدام عسكري رمياً بالرصاص منذ 1945، فيما يعود آخر إعدام علني أميركي معترف به إلى 1936. لكن البث الرقمي لتنفيذ العقوبة يوسع الجمهور المحتمل إلى ما يتجاوز حدود المكان والدولة.

وتذكر «نيويورك تايمز» أن دليل الجيش يحصر الشهود بفئات محددة، ويحظر حضور من هم دون الثامنة عشرة، ما يثير أسئلة عن التوفيق بين اللوائح وبث مفتوح. ونقلت «بوليتيكو» عن الخبيرة القانونية العسكرية رايتشيل فانلاندينغهام أن إجراءات قضائية محتملة قد تؤخر التنفيذ سنوات، من دون أن يعني ذلك حصول تأجيل بالفعل.

نضال حسن في 29 يونيو 2012 (رويترز)

وتواجه منصات التواصل الاجتماعي اختباراً مماثلاً؛ حيث قالت «تيك توك» و«كيك» إن البث يخالف سياساتهما، في حين لم تقدم منصات أخرى مواقف معلنة، حسب «بوليتيكو».

وهكذا، يبقى إعلان البنتاغون أمام ضغوط سياسية وأسئلة تنفيذية لم تُحسم، فيما يتسع اتفاق المعترضين على أن إنصاف الضحايا لا يستلزم تحويل الموت إلى مادة للاستهلاك الإعلامي والرقمي واسع النطاق.


«ديزل بوتين» في حسابات ترمب الانتخابية... مكاسب محدودة وتكلفة سياسية متصاعدة

ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
TT

«ديزل بوتين» في حسابات ترمب الانتخابية... مكاسب محدودة وتكلفة سياسية متصاعدة

ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

يراهن الرئيس الأميركي دونالد ترمب على اتفاق الديزل مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين لتخفيف ضغط أسعار الطاقة على الجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي، لكن المكسب الانتخابي يظل رهناً بحجم الوقود الذي يصل فعلاً، وسرعة انعكاسه على فواتير المستهلكين، فالاتفاق يمنح البيت الأبيض فرصة لإظهار التحرك دفاعاً عن المزارعين وسائقي الشاحنات، مقابل تكلفة سياسية ظهرت في انتقادات ديمقراطية وجمهورية لتخفيف العقوبات على موسكو، وأزمة ثقة مع كييف تزامنت مع محادثات السلام التي جرت في فلوريدا، يومي الجمعة والسبت.

سباق مع الاقتراع

تكشف أسعار الطاقة حجم المأزق، حيث بلغ متوسط سعر غالون الديزل الأميركي 6.28 دولار، الجمعة، مقابل 3.68 دولار قبل عام، وفق بيانات جمعية السيارات الأميركية التي نقلتها صحف أميركية عدة. وهذه زيادة تقارب 71 في المائة، وتطاول مباشرة الزراعة والنقل، وتنتقل تكلفتها إلى أسعار السلع والغذاء، فتوسع الأثر السياسي خارج مستخدمي الديزل أنفسهم.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الحملة الانتخابية في سان أنطونيو بولاية تكساس مساء الأربعاء (رويترز)

وتبرز الحساسية في ولايات زراعية مثل أيوا وكانساس ونبراسكا، حيث تتقاطع تكلفة الوقود مع موسم الحصاد وهوامش أرباح المزارعين، وتقول صحيفة «واشنطن بوست» إن الاستياء يساعد الديمقراطيين على تحسين مواقعهم في دوائر بالغرب الأوسط كانت تبدو بعيدة المنال؛ ما يجعل تخفيف الأسعار أولوية لحماية الأغلبية الجمهورية في الكونغرس.

وتقوم الصفقة، وفق إعلان ترمب، على إتاحة أكثر من 300 ألف طن من الديزل فوراً للأسواق الأميركية والعالمية، ثم 500 ألف طن في نوفمبر (تشرين الثاني) ومليون طن بعدها، مع كميات إضافية مرتبطة بحالة المصافي الروسية. وأصدرت الخزانة الأميركية ترخيصاً مؤقتاً يُخفّف قيوداً على تجارة الديزل الروسي حتى أبريل (نيسان) 2027.

صورة لزيارة ميدانية أجراها بوتين إلى مركز تدريب عسكري في منطقة شليابينسك يوم 2 أكتوبر (أ.ف.ب)

لكن الجدول نفسه يكشف حدود العائد الانتخابي، فمعظم الكميات المعلنة تأتي في نوفمبر أو بعده، ولا يضمن الإعلان وصولها إلى المستهلك قبل اقتراع الثالث منه. وقد يكون الأثر السياسي الأقرب هو تسويق صورة الرئيس القادر على عقد الصفقات، بينما يبقى الاختبار الاقتصادي في الأسعار الفعلية.

وتأتي المبادرة بعد التراجع عن فكرة حظر صادرات الديزل الأميركية، والضغط على الحلفاء للإفراج عن مخزوناتهم، وتوسيع استخدام الديزل المعفى من الضريبة المخصص للمعدات الزراعية. ويعكس تعاقب هذه الإجراءات ضيق الوقت والخيارات أمام إدارة تبحث عن تخفيف ملموس لتكلفة المعيشة.

إمدادات لا تكفي

ظهرت استجابة أولية مشجعة للبيت الأبيض، حيث أفادت «رويترز» بأن العقود الآجلة الأميركية للديزل هبطت قرابة 5 في المائة بعد الإعلان، لكن انخفاض العقود لا يساوي تلقائياً تراجعاً مماثلاً ومستداماً في المحطات، حيث يتوقف انتقال الأثر على الإمدادات والتوزيع واستمرار توقعات السوق.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مصافحاً نظيره الأميركي دونالد ترمب بمناسبة «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (رويترز)

وتشير تقديرات نقلتها «نيويورك تايمز» إلى أن الكميات الإضافية محدودة قياساً باستهلاك عالمي يقارب 30 مليون برميل يومياً من الديزل والوقود المرتبط به. أما «وول ستريت جورنال»، فنقلت أن السوق تعاني نقصا بنحو 1.6 مليون برميل يومياً، وحتى مجموع الكميات الموعودة، إذا أتيح دفعة واحدة، يسد هذه الفجوة لنحو 3 أسابيع فقط.

والعقبة الأساسية، بحسب صحيفة «واشنطن بوست»، ليست توافر النفط الخام وحده، بل تضرّر طاقات التكرير في روسيا ومنطقة الشرق الأوسط؛ لذلك، لا يكفي تحسن المرور عبر مضيق هرمز لاستعادة إنتاج الوقود، بينما تختلف تقديرات الخبراء بشأن قدرة موسكو على الوفاء بوعودها بعد ضربات أوكرانيا التي استهدفت المصافي وقيود التصدير الروسية.

وقد تساعد إمدادات إضافية، ولو محدودة، على تهدئة سوق شديدة الضيق، لكن لا تتوافر ضمانة بأن تعيد الأسعار سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب مع إيران. ومن هنا تنشأ مخاطرة انتخابية معاكسة: إذا بالغ ترمب في وعود الخفض، ثم ظلت الأسعار مرتفعة، فقد يصبح الاتفاق دليلاً يستخدمه خصومه على محدودية استجابته للأزمة.

غضب في واشنطن

في بيان مشترك، عدّ أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ، هم جين شاهين وتشاك شومر وإليزابيث وارن، الصفقة بأنها خذلان لأوكرانيا والحلفاء الأوروبيين والأمن القومي الأميركي. واتّهموا ترمب بمحاولة معالجة أزمة الوقود التي فاقمتها حربه مع إيران عبر مكافأة بوتين، وطالبوه بـ«إنهاء تلك الحرب بدلاً من تمويل آلة الحرب الروسية»، على حد قولهم.

في حين طالب السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال بإلغاء الاتفاق، عادّاً إياه مناقضاً لمقصد الكونغرس من تشريع العقوبات الأخير. ولم يقتصر الاعتراض على الديمقراطيين، فقد دعا النائب الجمهوري دون بيكون إلى استخدام العقوبات لتشديد الضغط على فلاديمير بوتين، بينما حذّر زميله مايكل ماكول من تمويل العمليات الروسية، وإضعاف فرص إنهاء الحرب، رغم تفهمه هدف خفض الأسعار.

وتتيح هذه الردود للديمقراطيين ربط الغلاء بخيارات ترمب الخارجية، بينما تكشف اعتراضات الجمهوريين صعوبة التوفيق بين الاستجابة للمستهلكين ومواصلة الضغط على موسكو؛ فالمكسب الروسي من تخفيف القيود يبدأ سياسياً فوراً، بينما يبقى المكسب الأميركي عند المضخة غير مضمون.

بوتين مستقبلاً مبعوثَيْ ترمب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في الكرملين بموسكو يوم 5 سبتمبر(رويترز)

بيد أن الاتفاق انعكس على محادثات ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مع الأوكرانيين والأوروبيين في فلوريدا، التي عدّها الجانب الأميركي مثمرة. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن تخفيف العقوبات كان مقبولاً لو ارتبط بوقف متبادل للهجمات على منشآت الطاقة، عادّاً الصفقة المنفردة غير عادلة. ونقل موقع «أكسيوس» خلافاً حول مطالبة واشنطن كييف بوقف ضرب المصافي الروسية، بما يهدد الثقة المطلوبة لأي هدنة محدودة.

وبذلك، يستطيع الاتفاق منح ترمب متنفساً في السوق ورسالة انتخابية، لكنه لا يضمن إنقاذ الجمهوريين من فاتورة الغلاء. وستتوقف قيمته السياسية على ما يراه الناخب في الأسابيع المقبلة. فهل يؤدي الاتفاق إلى انخفاض محسوس في تكلفته اليومية، أم أنه تنازل لموسكو يفوق مردوده الاقتصادي؟