قبل ثلاثة أيام من استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره الصيني شي جينبينغ في البيت الأبيض صباح الخميس المقبل بالعاصمة واشنطن، بدأت في نيويورك يوم الأحد، مفاوضات أميركية - صينية مكثفة تستهدف تضييق مساحة الخلافات بين الجانبين، وتجهيز ما يمكن الإعلان عنه خلال القمة المرتقبة، في وقت انتقلت فيه العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم من حافة حرب تجارية مفتوحة إلى محاولة إدارة المنافسة تحت سقف «هدنة هشة».
وأعلنت بكين أن وفداً صينياً رفيعاً يرأسه نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ يقوم بزيارة الولايات المتحدة من 19 إلى 23 سبتمبر (أيلول) لإجراء مشاورات اقتصادية وتجارية، فيما أعلنت واشنطن أن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، والممثل التجاري جيميسون غرير، سوف يستضيفان خه والوفد المرافق في مقر بنك «جي بي مورغان تشيس» في مانهاتن حيث تستمر الاجتماعات طوال يوم الأحد.
وتشمل أجندة بيسنت وخه الملفات التي ستحدد إلى حد كبير ما إذا كانت قمة ترمب وشي ستنتج اتفاقات ملموسة أم مجرد تمديد للاستقرار المؤقت: الرسوم الجمركية، والمعادن النادرة، والذكاء الاصطناعي، ووصول المنتجات الأميركية إلى السوق الصينية، والمشتريات الزراعية، فضلاً عن تنفيذ التعهدات التي قطعتها بكين في الاتفاقات السابقة. وقال الممثل التجاري الأميركي غرير إن الإدارة ستواصل السعي إلى «تجارة متوازنة» عبر مراقبة تنفيذ الالتزامات الأخيرة، وتسهيل التجارة في السلع غير الحساسة، وتحسين وصول المزارعين والمصنعين والعمال الأميركيين إلى الأسواق الصينية.

هدنة تنتهي في نوفمبر
يخيم موعد 10 نوفمبر (تشرين الثاني) على المفاوضات، وهو موعد انتهاء الهدنة التي علقت واشنطن بموجبها الرسوم الانتقامية الأعلى على الواردات الصينية. وكانت التسوية التي توصل إليها ترمب وشي في كوريا الجنوبية العام الماضي قد خففت حدة حرب تجارية شهدت تبادلاً للرسوم والقيود على التكنولوجيا والمعادن الحيوية. وتقول الإدارة الأميركية إن الصين تعهدت آنذاك بتخفيف قيودها على المعادن النادرة وزيادة مشترياتها من المنتجات الزراعية الأميركية، فيما أبقت واشنطن الرسوم المتبادلة الأعلى معلقة حتى نوفمبر 2026.
لكن الخلاف الآن يدور حول مدة التمديد المقبل وشروطه. ووفقاً لصحيفة فاينانشال تايمز، تدفع بكين نحو تمديد الهدنة لما تبقى من ولاية ترمب، فيما تفضل واشنطن تمديداً أقصر بنحو ستة أشهر، بسبب اعتقاد مسؤولين أميركيين أن الصين لم تنفذ بالكامل التزاماتها المتعلقة بتدفق المعادن النادرة. ومن هنا تصبح اجتماعات نيويورك بين بيسنت وخه اختباراً لما إذا كان الطرفان يستطيعان تحويل وقف التصعيد إلى إطار أكثر استقراراً، من دون أن يتنازل أي منهما عن أدوات الضغط الرئيسية.
سلاح المعادن النادرة
تحتل المعادن النادرة موقعاً مركزياً في المفاوضات. فقد أظهرت المواجهة التجارية أن الرسوم الجمركية ليست السلاح الوحيد في ترسانة القوتين؛ إذ تمتلك بكين نفوذاً كبيراً على إنتاج ومعالجة المعادن الحيوية والمغناطيسات المستخدمة في الصناعات المتقدمة، من الهواتف وأشباه الموصلات إلى الطائرات والمحركات والأسلحة. وتقول واشنطن إن تدفقات بعض هذه المواد ما زالت أقل من المستويات المطلوبة، فيما تضغط أيضاً على بكين لتخفيف القيود المفروضة على الصادرات إلى اليابان، ولا سيما مادة الإيتريوم المستخدمة في المحركات والليزر وأشباه الموصلات.
وكان البيت الأبيض أعلن بعد زيارة ترمب إلى بكين في مايو (أيار) الماضي أن الصين وافقت على معالجة مخاوف واشنطن بشأن نقص المعادن الحيوية، بما فيها الإيتريوم والسكانديوم والنيوديميوم والإنديوم، فضلاً عن القيود المتعلقة بمعدات وتقنيات إنتاج المعادن النادرة.
وهذه التجربة ساعدت في تغيير ميزان التفاوض. فترمب، الذي اعتمد في البداية على الرسوم المرتفعة لإجبار الصين على تقديم تنازلات، وجد أن بكين تمتلك بدورها أدوات ضغط مؤثرة. وبدا واضحاً أن نهج ترمب تغير بعدما لم تحقق محاولة استخدام الرسوم المرتفعة وقيود التصدير النتائج التي كان يتوقعها.

الذكاء الاصطناعي ملف متسارع
أما الملف الجديد الذي يتحرك سريعاً إلى قلب العلاقة فهو الذكاء الاصطناعي. فالولايات المتحدة والصين تتنافسان على التكنولوجيا التي ينظر إليها الطرفان باعتبارها أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية والعسكرية في العقود المقبلة. وقال بيسنت في تصريحات للصحافيين إن واشنطن مستعدة لمناقشة «المخاطر المشتركة» للذكاء الاصطناعي مع بكين.
وتحتاج كل من الولايات المتحدة والصين لقدر من التعاون لمنع إساءة استخدام النماذج الأكثر تطوراً من الذكاء الاصطناعي، لكن كل دولة منهما تخشى أن تمنح القيود الأخرى تفوقاً تكنولوجياً. ولهذا تبدو فرص التوصل إلى اتفاق شامل محدودة، فيما قد يكون إنشاء آلية حوار أو قواعد أولية لإدارة المخاطر نتيجة أكثر واقعية.
من حرب الرسوم إلى «السجادة الحمراء»
يبقى التحول الأكثر لفتاً للانتباه يتعلق بأسلوب ترمب نفسه. فالرئيس الذي بنى جزءاً كبيراً من صعوده السياسي على اتهام الصين بتدمير الصناعة الأميركية وفرض رسوماً وصلت إلى 145 في المائة العام الماضي، يستعد الآن لاستقبال شي بحفاوة استثنائية، حيث سيتوجه ترمب شخصياً، في خطوة غير معتادة، إلى قاعدة أندروز لاستقبال الرئيس الصيني عند وصوله الأربعاء. وفي اليوم التالي تقام مراسم رسمية في البيت الأبيض، يليها اجتماع مغلق واستعراض عسكري وعشاء دولة يحضره عدد من أبرز قادة التكنولوجيا والأعمال الأميركيين، بينهم إيلون ماسك وجنسن هوانغ وسوندار بيتشاي وجيف بيزوس وسام ألتمان. وتعكس هذه المراسم وحفاوة الاستقبال رهاناً متزايداً من ترمب على علاقته الشخصية بشي باعتبارها أداة لإدارة المنافسة. وقد أشاد مراراً بالرئيس الصيني وقال إنهما يتمتعان بعلاقة جيدة، في تحول واضح عن اللغة التي هيمنت على حرب الرسوم. لكن حفاوة الاستقبال لا تلغي الملفات الاستراتيجية الساخنة التي تتصدر طاولة القمة.

تايوان وإيران والفنتانيل
ستظل تايوان أصعب القضايا السياسية. فبكين تعتبرها قضية سيادة ومصلحة . وكان شي قد حذر ترمب خلال لقائهما في مايو من أن سوء التعامل مع تايوان قد يقود العلاقة إلى مكان خطير. وإيران حاضرة أيضاً. فقد أصبحت العلاقات الاقتصادية الصينية مع طهران أكثر حساسية في ظل الحرب، فيما سبق أن اتفق ترمب وشي في مايو، على أن إيران لا ينبغي أن تمتلك سلاحاً نووياً وعلى ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً.
كذلك سيظل الفنتانيل بنداً أميركياً رئيسياً، إذ تضغط واشنطن على بكين لمنع تصدير المواد الكيميائية الأولية المستخدمة في إنتاج المخدر، بعدما تعهدت الصين العام الماضي بتشديد الرقابة على عدد منها.

ماذا يمكن أن تخرج به القمة؟
لا تشير التحضيرات للقمة -حتى الآن- إلى صفقة كبرى يمكن أن تنهي الخلافات الأميركية - الصينية. الأكثر واقعية هو حزمة اتفاقات صغيرة تمنع العودة إلى التصعيد؛ حيث يتوقع المحللون أن تسفر المحادثات عن تمديد الهدنة التجارية بعد 10 نوفمبر، وتحسين تدفق المعادن النادرة، وتخفيض محدود للرسوم على سلع غير استراتيجية، وتوسيع مشتريات الصين من المنتجات الزراعية بما يصل إلى 17 مليار دولار وربما صفقة لشراء 200 طائرة «بوينغ»، إضافة إلى إطلاق آلية أكثر انتظاماً للحوار حول الذكاء الاصطناعي، كما يعمل الطرفان على تفاصيل إنشاء «مجلس التجارة الأميركي – الصيني» الذي اتفق عليه ترمب وشي في مايو الماضي لإدارة التجارة في السلع غير الحساسة.
وقال مسؤولون أميركيون إن تخفيفاً محدوداً للرسوم على بعض السلع غير الاستراتيجية ممكن، لكنهم لا يتوقعون مقايضة تسمح بتخفيف واسع للقيود التكنولوجية الأميركية مقابل المعادن الصينية.
وهكذا تبدو قمة واشنطن أقل محاولة لإنهاء التنافس بين القوتين، وأكثر سعياً إلى وضع قواعد لإدارته. فالرئيس ترمب يريد مكاسب تجارية يمكن تقديمها للأميركيين في وقت تشكل فيه الأسعار والاقتصاد ضغطاً سياسياً داخلياً، بينما يريد الرئيس شي استقراراً يسمح للصين بمواصلة نموها من دون العودة إلى حرب رسوم وتكنولوجيا مفتوحة.




