اتهامات لـ«الدعم السريع» بارتكاب انتهاكات كبيرة في الجزيرة السودانية

مستشار «حميدتي» ينفي ويرحب بـ«لجان تحقيق»

وحدة من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
وحدة من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

اتهامات لـ«الدعم السريع» بارتكاب انتهاكات كبيرة في الجزيرة السودانية

وحدة من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
وحدة من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

توالت ردود الفعل من القوى السياسية السودانية المنددة بأعمال العنف التي تتهم «قوات الدعم السريع» بارتكابها ضد المواطنين في ولاية الجزيرة (وسط البلاد)، ووصفها أكبر تحالف «سياسي» مدني بأنها جرائم «غير مقبولة أو مبررة» تجاه السكان المدنيين.

ونفى الباشا طبيق، مستشار قائد «قوات الدعم» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تلك الاتهامات، ووصفها بـ«الباطلة».

وقالت «تنسيقية القوى الديمقراطية والمدنية» (تقدم)، ليل السبت – الأحد، إنها تابعت «الأنباء المتواترة التي كشفت عن وقوع انتهاكات واسعة من قبل (قوات الدعم السريع) والقوات المتحالفة، تجاه المدنيين بعدد من مناطق ولاية الجزيرة وما تلاها من تهجير قسري لمواطني تلك القرى».

امرأة نازحة وطفلاها يجلسون في ظل كوخ من القش في مخيم جنوب ولاية القضارف (أ.ف.ب)

وعَدّت «الانتهاكات» خرقاً للالتزامات الموقع عليها بين تنسيقية «تقدم» و«قوات الدعم السريع» في إعلان أديس أبابا يناير (كانون الثاني) الماضي، الذي نص على حماية وضمان سلامة المدنيين، والعمل على إرجاعهم إلى منازلهم.

وقالت في بيان إن «مسؤولية حماية المدنيين وسلامة ممتلكاتهم وأرواحهم هي مسؤولية (قوات الدعم السريع) في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وعليها الاعتراف بهذه الجرائم والالتزام بعدم تكرار الانتهاكات ووقفها بشكل فوري وحاسم باتخاذ إجراءات شفافة وعلنية تجاه مرتكبي التجاوزات، وتقديمهم لمحاكمة علنية وعادلة، وجبر ضرر الضحايا وتعويضهم».

وأكدت تنسيقية «تقدم» على موقفها المبدئي، «في رفض أي انتهاكات تتم تجاه المدنيين في أي بقعة من بقاع السودان، والتأكيد على رؤيتها بوقف كل انتهاكات الحرب بشكل نهائي عبر إيقاف الحرب وتحقيق السلام الشامل الدائم وتأسيس الانتقال المدني».

وشدد التحالف السياسي المدني على مبدأ «تحقيق العدالة والعدالة الانتقالية، بما يضمن محاسبة الجناة، ورد الاعتبار للضحايا وجبر ضرر المتضررين».

مقاتلو «حركة تحرير السودان» المؤيدة للجيش (أ.ف.ب)

وسقط قتلى وجرحى خلال هجمات شنتها «الدعم السريع» على العشرات من البلدات الريفية بولاية الجزيرة التي بدأت تشهد فرار المئات من الأسر نحو الولايات المجاورة.

بدوره، أدان حزب «الأمة القومي» بشدة، ما سماها بـ«الانتهاكات المتكررة على قرى ولاية الجزيرة من (الدعم السريع)، والقصف الجوي لطيران الجيش على المناطق السكنية»، مشيراً إلى سقوط «العشرات من القتلى ومحاصرة القرى وسط موجات نزوح لعدد كبير من المواطنين».

وقال الأمين العام للحزب والمتحدث باسمه، الواثق البرير، إن الطرفين يتحملان المسؤولية الكاملة عن حماية المدنيين في مناطق سيطرتهما. وأضاف أنه «برغم المطالبات المتكررة بضرورة تجنيب المدنيين مخاطر الحرب، فإنه للأسف ليس هنالك استجابة، وأصبح المواطن يتحمل تكلفة الحرب بين أطراف الصراع، ويستخدم طرفاً في أرض المعركة، في مخالفة لكل القوانين والأعراف السودانية».

وطالب حزب «الأمة»، قيادة الطرفين، «بالالتزام بتنفيذ تعهداتهما السابقة بحماية المدنيين، والإقبال على الحل السلمي بجدية لوقف هذه الحرب المدمرة». وأكد أن «الطريق الوحيدة لوقف الانتهاكات وإنقاذ الوضع الإنساني المنهار ومخاطر المجاعة والنزوح وموت الأطفال، هو وقف الحرب فوراً دون شروط».

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان أيام تحالفهما (أرشيفية)

وناشد المجتمع الدولي «والدول الصديقة والشقيقة بالمساهمة العاجلة في تخفيف الأزمة على المواطنين السودانيين في الداخل والخارج، ومواصلة جهودها في الضغط على طرفي الحرب لوقفها».

ومن جانبه، قال حزب «التجمع الاتحادي» إن ما يحدث من انتهاكات في قرى ولاية الجزيرة وغرب سنار «يتجاوز التفلتات بل هو أشبه بالنهج المنظم».

وأضاف: «رصدنا خلال الأسابيع الماضية أعداداً متزايدة من حالات الاغتيال والترويع والترهيب والتهجير القسري للمواطنين في مناطق لا توجد فيها سوى (قوات الدعم السريع)».

وذكر في بيان حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، «أن كل الانتهاكات والجرائم التي تحدث في ولاية الجزيرة، من القتل والتعذيب وأخذ الرهائن والتشريد، ترقى لجرائم حرب، وتقع تحت مسؤولية (قوات الدعم السريع)».

وأكد «التجمع الاتحادي» إدانته لأي انتهاكات تطال المدنيين، مشدداً على مثول مرتكبيها أمام القضاء بعد انتهاء الحرب.

وأفادت تقارير «لجان المقاومة»، الأحد، بارتفاع ضحايا الهجمات البرية على بلدة أبو آمنة بالجزيرة إلى 13 قتيلاً و15 مصاباً.

ومن جهتها، أحصت مبادرة «نداء الجزيرة» (منصة لأهالي الولاية على موقع «فيسبوك»)، مقتل 43 واقتحام 28 بلدة منذ دخول شهر رمضان، وتعَدّ هذه الإحصائية أولية نسبة لانقطاع شبكات الاتصالات والإنترنت وصعوبة الوصول إلى المناطق الأخرى.

مقاتلون موالون للجيش السوداني (أ.ف.ب)

ووفق «المبادرة» تعَدّ موجة العنف الثالثة التي تشنها «الدعم السريع» هي الأوسع، إذ «شملت محليات الولاية كافة دون استثناء، وخلفت عشرات القتلى والجرحى، وعرضت آلاف الأسر إلى مخاطر الجوع بعد نهب مخزونات المحاصيل الغذائية وقطع الإمداد وتدمير الأسواق».

ومنذ استيلاء «قوات الدعم السريع» على عاصمة ولاية الجزيرة «ود مدني» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اقتحمت قواتها أكثر من 200 بلدة بالولاية الوسطية.

ومن جهته، نفى الباشا طبيق، مستشار قائد «قوات الدعم السريع» (حميدتي)، الأحد، اتهامات «تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية في السودان» (تقدم) لـ«قوات الدعم» بارتكاب «انتهاكات واسعة النطاق وجرائم» في ولاية الجزيرة، ووصفها بأنها اتهامات «باطلة لا ترتكز إلى أي واقع أو حقيقة». وقال طبيق لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «هنالك تجاوزات تمت في ولاية الجزيرة من قبل فلول النظام البائد وعناصر الحركة الإسلامية وكتائب البراء وجميع من تم إعدادهم بصورة كبيرة قبل دخول (قوات الدعم السريع) إلى ولاية الجزيرة، وهم الآن يقومون بهذه الجرائم وينسبونها لـ(قوات الدعم السريع)».

ممثلون لطرفَي النزاع السوداني خلال توقيع اتفاق جدة في مايو 2023 (رويترز)

وأكد: «هذا الاتهام باطل، و(قوات الدعم السريع) اتخذت إجراءات كبيرة جداً وإجراءات ناجعة في محاربة الظواهر السلبية ومحاربة المتفلتين الذين يرتدون أحياناً زي (قوات الدعم السريع)، أو يقومون بهذه الأفعال وينسبون أنفسهم إلى قوات (الدعم السريع)». وقال: «(قوات الدعم السريع) قامت بحملة كبيرة جداً في قرى ولاية الجزيرة وحدَّت من هذه الظواهر»، مضيفاً: «أشاد المواطنون بتعامل (قوات الدعم السريع) وتعاطيها مع هذه الأحداث وحسمها بصورة مباشرة». واستأنف قائلاً: «نحن في (قوات الدعم السريع) لا نقر ولا نوافق على أي انتهاك ضد المواطنين، لذلك (قوات الدعم السريع) تقوم بالحسم الفوري لمثل هذه الحالات، وقليلاً جداً ما نجد أن هنالك بعض التجاوزات قد تمت من قبل أفراد من (قوات الدعم السريع)».

وأشار إلى حديث لرئيس الإدارة المدنية في ولاية الجزيرة قبل أيام، حين قال إن «الجيش لمَّا انسحب من مدينة ود مدني فتح السجون وأخرج عدداً كبيراً جداً من المجرمين الذين كانوا خلف القضبان».

«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)

وقال طبيق: «الآن هم طلقاء يجوبون شوارع ولاية الجزيرة وبعض القرى، وأيضاً هم من يقومون بمثل هذه الأعمال، بالإضافة لعناصر المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية الذين تم إعدادهم للقيام بمثل هذه الأعمال».

وأبدى مستشار قائد «قوات الدعم السريع» ترحيبه ودعمه، «لتشكيل لجان تحقيق إقليمية أو دولية لاستكشاف الوضع في المناطق التي يسيطر عليها الدعم».

وقال: «نحن من أول وهلة، كنا نتحدث كثيراً ونطالب الأمم المتحدة بتشكيل لجان تقصي حقائق تكون محايدة، وذات موضوعية ولديها معايير في تلقي المعلومات وإجراء التحقيق. والآن لا مانع في ذلك أصلاً، ونحن نرحب بأي لجنة دولية للتحقيق في أي موقع تسيطر عليه (قوات الدعم السريع)».


مقالات ذات صلة

الخرطوم ترمِّم جراحها بالقراءة والعودة للكتب

شمال افريقيا مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

الخرطوم ترمِّم جراحها بالقراءة والعودة للكتب

بدأ السودانيون يعودون إلى القراءة، تحدياً للإنهاك الذي أصاب العقول والنفوس بسبب الحرب، فأصرت العاصمة الخرطوم على استعادة سيرتها الأولى كمدينة قارئة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب) play-circle

المفوض الأممي لـ«حقوق الإنسان» يدعو إلى مساءلة مرتكبي الجرائم في السودان

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، يوم الأحد، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قبل طرفي النزاع في السودان.

وجدان طلحة (بورتسودان) «الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني) play-circle 00:35

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إن معركة «الكرامة» لن تنتهي إلا بانتهاء «التمرد» وكل من يدعمه.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

قال رئيس منظمة أطباء بلا حدود، جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات ومعقد وغير شفاف

وجدان طلحة (بورتسودان)

الخرطوم ترمِّم جراحها بالقراءة والعودة للكتب

مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)
مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)
TT

الخرطوم ترمِّم جراحها بالقراءة والعودة للكتب

مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)
مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

بدأ السودانيون يعودون إلى عالم القراءة، تحدياً للإنهاك الذي أصاب العقول والنفوس بسبب الحرب. العاصمة الخرطوم، بعد أن بدَّلت الحرب ملامحها، أصرت على استعادة سيرتها الأولى كمدينة قارئة. وسارع سكانها العائدون إلى تقليب صفحات الكتب، كأسلوب هادئ للمقاومة، وملاذ نفسي وثقافي يستعيدون به حيوية مدينتهم، ويعيدون نبضها الذي خَفَت نحو 3 سنوات.

لا تُعد القراءة بالنسبة لكثيرٍ من السودانيين ترفاً؛ بل وسيلة مواجهة يضمدون بها أحزانهم وجراحهم، ويعلنون من خلالها تمرُّدهم على أوجاعهم. فأقبلوا على شراء الكتب، وعادت المكتبات ودور النشر إلى المدينة لتلبِّي حاجتهم.

التعلق بأمل

في شارع الشريف الهندي، المتفرِّع من شارع الحرية، في الخرطوم، تنتصب دار «المصورات» للنشر، شاهدة على حجم المأساة. غير أن صاحبها أسامة عوض دأب على الجلوس إلى مكتبه ساعاتٍ طويلة، مشرفاً على برنامج تخفيض أسعار الكتب، لتشجيع الناس على القراءة.

وقال عوض لـ«الشرق الأوسط»: «إن الثقافة مهمَّة، لذلك اجتهدنا في توفير الكتاب بسعرٍ زهيدٍ. ولهذا صمدت مكتبتنا في وجه الحرب والقصف والنهب والسرقة». وأضاف: «واصلنا العمل مدَّة 3 أشهر دون جمهور، ولكن عندما بدأنا بازار تخفيض أسعار الكتب ذات القيمة الثقافية العالية، رحَّبت به أعدادٌ كبيرة من الجمهور. وتعلَّقت آمال الناس بالعودة إلى الخرطوم وممارسة القراءة كعادة حياتيَّة».

وأوضح عوض أن دار «المصورات» تعمل على إعادة الناس إلى القراءة، لمواجهة تبدُّل المفاهيم الناتج عن الحرب، قائلاً: «شخصياً شعرت بقيمة الوطن بعد النزوح والتشرُّد، ودفعت ثمناً باهظاً».

حواجز نفسية

عبد الرحيم عبد الله صاحب مكتبة «كابيلا» في الخرطوم (الشرق الأوسط)

من جانبه، يرى مالك مكتبة «دار العلوم» عبد اللطيف إبراهيم، في عودة المكتبات أملاً كان بعيد المنال في ظلِّ الحرب، ويعتبر عودة بعض المكتبات إلى العمل باباً يُفتح على الاطمئنان والسواء النفسيِّ.

وقال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»: «أعدنا فتح المكتبة قبل شهر، ووجدنا إقبالاً متزايداً، ولكننا واجهنا ندرة في الكتب الثقافية، ونسعى إلى توفيرها». وأضاف: «في نظري، القراءة بمنزلة تعويضٍ نفسيٍّ، والقُرَّاء القدامى انشرحت صدورهم بعودة بعض المكتبات، وبحصولهم على بعض الكتب النادرة؛ إذ إن نار الحرب التهمت آلاف الكتب في العاصمة الخرطوم ومدنٍ أخرى».

ندرة الكتب الثقافيَّة

وقال أيضاً صاحب مكتبة «كابيلا» عبد الرحيم عبد الله: «لقد توقَّفت القراءة بسبب الحرب، واحتلَّت وسائل التواصل الاجتماعي المكان، تعويضاً لتوقُّف عمل المكتبات في البلاد». وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط»: «مع عودة الحياة تدريجياً، رجع الناس إلى القراءة، وبعض المكتبات مستقرة حالياً وتفتح أبوابها يومياً، بعد توقف تبادل إطلاق النار في الخرطوم».

ووصف عبد الرحيم القراءة بأنها «الوسيلة الأفضل» لتحقيق الاستقرار النفسي، بقوله: «يقبل القُرَّاء على المكتبة يومياً، رغم ندرة الكتب الثقافية بسبب توقف معرض الكتاب 4 دوراتٍ».

قراءةٌ ضد الإحباط

يتفحَّص طالب كلية الطب، محمد إبراهيم (26 عاماً) عناوين الكتب المفروشة على الأرض أمام دار «المصورات» للنشر، لاختيار ما يقرأه، قائلاً إنه يريد دراسة تاريخ السودان، لعلَّه يساعد في اكتشاف مكامن الضعف والخلل التي تعيق البلاد.

وتابع لـ«الشرق الأوسط»: «خلَّفت الحرب تشوُّهاتٍ نفسيَّة لدى الناس الذين أصابهم الرعب وفقدوا الأحبَّة. لذلك فإن القراءة والحصول على المعلومات أمرٌ مهم». وأضاف: «أبحث أيضاً عن رواياتٍ مؤثِّرة تعيد إلى نفسي ترتيب مكوِّناتها؛ خصوصاً تلك التي كُتبت في زمن الحرب».

استعادة التوازن

يتفقد أقارب ضحايا النزاع السوداني أسماءهم على أكياس الجثث بعد أن نقل «الهلال الأحمر السوداني» الرفات من مقابر مؤقتة إلى مقبرة محلية في الخرطوم (أ.ب)

وقالت اختصاصية علم النفس، الدكتورة سميَّة البصير: «مع انحسار دخان الحرب في السودان، ودمار المدن والبنى التحتيَّة، برز مشهدٌ صغير بالغ الدلالة، وهو أن المكتبات بدأت تفتح أبوابها من جديد، والناس يقفون أمام رفوف الكتب، علَّهم يستعيدون جزءاً من حياتهم». وتابعت: «هذا المشهد -رغم بساطته- يحمل قيمة رمزيَّة تتجاوز فعل الشراء والبيع؛ فهو مؤشرٌ على بدء المجتمع التقاط أنفاسه، وأن رغبته في الحياة أقوى من ذاكرة الدمار».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «تُظهر الدراسات النفسية أن القراءة ليست مجرَّد نشاط ثقافيٍّ؛ بل ممارسة علاجيَّة تساعد على تخفيف التوتر واستعادة التوازن الداخلي. وفي سياق ما بعد الحرب، تصبح القراءة وسيلة لإعادة بناء ما تهشم في الداخل».

انهيارٌ ذهني

وقالت أيضاً الباحثة المتخصِّصة في دراسة المجتمعات، الدكتورة نجلاء عبد المحمود: «في مشهدٍ يختزل معنى الصمود، تعاود مكتبات في العاصمة (الخرطوم) فتح أبوابها، رغم الجروح التي تنزفها الحرب». وتابعت: «هذه العودة ليست مجرَّد استئناف للنشاط الثقافي؛ بل تحوَّلت إلى ظاهرة علاجية نفسية تعيد تعريف دور القراءة في حياة الإنسان المحاصر».

وأضافت: «كل كتابٍ يُفتح في الخرطوم اليوم هو إعلان عدم استسلام. فالمقاومة ليست بالسلاح فقط؛ بل مقاومة الذهن للانهيار، والذاكرة للنسيان، والأمل للانقراض. القراءة تمرين يومي على البقاء، ومن خلالها يثبت القارئ لنفسه أنه ما زال قادراً على التفكير والحلم والشعور، بما يتجاوز صوت الرصاص».

فعلُ حياة

ساحة المتحف التي كانت متنزهاً ومتنفساً لسكان الخرطوم (الشرق الأوسط)

من جهته، قال الكاتب والمؤلف إسحاق علي: «إن القراءة فعلُ حياة؛ فإذا عادت، عادت معها الحياة». وتابع: «أحدثت الحرب شرخاً نفسياً عميقاً في الشخصية السودانية، وصل عند البعض إلى درجة الاكتئاب، فغامت الرؤية، وانحسر الطموح في المأوى والمأكل والمشرب».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «في هذه الظروف، أن تفتح مكتبات أبوابها في الخرطوم، فذلك يعيد النبض إلى انتظامه، ويرسم تحدياً صريحاً للحرب وآثارها». وأضاف: «إن تقرأ يعني أن تفكر، وأن تفكر يعني أن تكون إنساناً».

وتابع: «لا شكَّ في أن للقراءة أثراً على الصحة النفسية، وفي ظروف إنسان السودان يظل أثرها كبيراً لا يمكن قياسه. فهي تخلق شعوراً دافقاً بالحياة، قد يخرج في نظم قصيدة، أو في تحدِّي شخصية روائية لظروف مشابهة، أو في مقالة تنير العقل وتهدي إلى أفكار وتجارب مُلهمة».


تونس: أمر باعتقال مُعارض بعد ترحيله من الجزائر

من مظاهرة في العاصمة التونسية (رويترز)
من مظاهرة في العاصمة التونسية (رويترز)
TT

تونس: أمر باعتقال مُعارض بعد ترحيله من الجزائر

من مظاهرة في العاصمة التونسية (رويترز)
من مظاهرة في العاصمة التونسية (رويترز)

أمرت النيابة العامة في تونس بإيقاف المحامي والنائب السابق في البرلمان سيف الدين مخلوف، بعد ترحيله من الجزائر، لتنفيذ عقوبات سجنية بحقّه.

ونقلت «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» عن مصدر قضائي أن النيابة العامة «أمرت بالاحتفاظ بمخلوف المفتَّش عنه من أجل أحكام صادرة ضده».

ويواجه مخلوف حكماً غيابياً يقضي بسجنه لمدة خمس سنوات، بتهمة «التآمر على أمن الدولة الداخلي».

ويُعد مخلوف، النائب عن «ائتلاف الكرامة» في البرلمان المنحلّ إبان إعلان الرئيس قيس سعيد التدابير الاستثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 بدعوى مكافحة الفساد والفوضى، أحد أشد معارضي الرئيس سعيد.

الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيّد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)

وكان قد اعتُقل من قِبل السلطات الجزائرية في يوليو 2024 بتهمة «دخول البلاد بشكل غير قانوني»، في محاولة منه للسفر، على الأرجح، إلى دولة ثالثة، وفق وسائل إعلام محلية.

ويقبع العشرات من المعارضين السياسيين في السجن بتونس بتهمة «التآمر على أمن الدولة». وقد أصدرت محكمة الاستئناف ضدهم أحكاماً مشددة يصل أقصاها إلى السجن 45 عاماً. وتقول المعارضة إن التُّهَم الموجهة للمعتقلين «سياسية وملفَّقة»، وتتهم الرئيس قيس سعيد «بتقويض أسس الديمقراطية»، على ما أفادت «وكالة الأنباء ألمانية».


وزير الخارجية المصري يستقبل رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (يمين) خلال لقائه مع علي شعث رئيس اللجنة الفنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة في القاهرة (أ.ف.ب)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (يمين) خلال لقائه مع علي شعث رئيس اللجنة الفنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

وزير الخارجية المصري يستقبل رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (يمين) خلال لقائه مع علي شعث رئيس اللجنة الفنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة في القاهرة (أ.ف.ب)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (يمين) خلال لقائه مع علي شعث رئيس اللجنة الفنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة في القاهرة (أ.ف.ب)

استقبل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اليوم (الاثنين) رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث؛ حيث أكد له دعم القاهرة الكامل للجنة.

وذكرت وزارة الخارجية المصرية -في بيان- أن عبد العاطي أكد خلال لقائه شعث «ضرورة استكمال الخطوات الضرورية لتنفيذ بقية استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وعلى رأسها تشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية»، كما شدد على «أهمية الحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية، وضمان التواصل الجغرافي والإداري بين قطاع غزة والضفة الغربية».

وأكد عبد العاطي أهمية دور اللجنة الوطنية لإدارة غزة في إدارة الشؤون اليومية لسكان القطاع، وتلبية احتياجاتهم الأساسية «تمهيداً لعودة السلطة الفلسطينية للاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في قطاع غزة»، وفق بيان الخارجية المصرية.

وأعلن البيت الأبيض، مساء الجمعة، تشكيل «مجلس السلام» في غزة والمجلس التنفيذي، بعد يومين من تشكيل لجنة إدارة القطاع، معتبراً ذلك «خطوة حيوية نحو تنفيذ المرحلة الثانية من خطته الشاملة لإنهاء الصراع في غزة».