كيف ترى مصر مقترح «الميناء العائم في غزة»؟

مصدر لـ«الشرق الأوسط»: مخاوف من تكريس الواقع المؤقت والإبقاء على المعابر مغلقة

شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية تعبر من معبر رفح إلى بلدة دير البلح جنوب قطاع غزة 8 مارس (إ.ب.أ)
شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية تعبر من معبر رفح إلى بلدة دير البلح جنوب قطاع غزة 8 مارس (إ.ب.أ)
TT

كيف ترى مصر مقترح «الميناء العائم في غزة»؟

شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية تعبر من معبر رفح إلى بلدة دير البلح جنوب قطاع غزة 8 مارس (إ.ب.أ)
شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية تعبر من معبر رفح إلى بلدة دير البلح جنوب قطاع غزة 8 مارس (إ.ب.أ)

أثارت تصريحات مصرية وعربية وأميركية التساؤلات بشأن موقف مصر من «الميناء العائم» الذي تعتزم الولايات المتحدة إقامته في قطاع غزة لنقل المساعدات إلى داخل القطاع، حيث عدّ محافظ شمال سيناء، محمد عبد الفضيل شوشة، الخميس، «الميناء غير مُجدٍ»، وقال بحسب ما أوردت «وكالة أنباء العالم العربي» إن «الميناء لا يمكن أن يحل محل معبر رفح الحدودي بين مصر والقطاع».

تزامن ذلك مع صدور بيان أميركي - أوروبي - عربي مشترك يؤكد أنه «لا يوجد بديل للطرق البرية عبر مصر والأردن ونقاط الدخول من إسرائيل إلى غزة لإيصال المساعدات على نطاق واسع»، حسب إفادة رسمية لوزارة الخارجية الأميركية، نقلتها وكالة الأنباء الألمانية.

وتعمل الولايات المتحدة ودول عدة على إقامة ممر مائي من قبرص إلى غزة وإنشاء ميناء عائم لنقل المساعدات الإنسانية في ظل نقص الإمدادات الذي يواجهه أهالي القطاع.

استقبال شحنات المساعدات بالعريش المصرية تمهيداً لنقلها من خلال معبر رفح إلى غزة (الهلال الأحمر المصري)

وأكد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة كان لديها تحفظات على الميناء؛ لكنها لم تثرها مع الأطراف المعنية؛ لأنها مهمومة في الأساس بإنفاذ أكبر قدر من المساعدات إلى قطاع غزة».

وأوضح المصدر أن «هناك ستة معابر بين إسرائيل وقطاع غزة، لا بد من إعادة تشغيلها»، مشيراً إلى أن «التحفظ المصري منبعه مخاوف من تكريس الواقع المؤقت والإبقاء على هذه المعابر مغلقة بدلاً من إعادتها للعمل، وتعديل الاتفاقية الخاصة بتشغيلها».

وكان محافظ شمال سيناء قد أكد أن «فكرة إقامة أميركا ميناءً عائماً على سواحل غزة تعتمد على قيام سفن صغيرة بنقل المساعدات من سفن كبيرة إلى سواحل القطاع، وهذا يتطلب جهداً كبيراً ومساعدة من منظمات دولية لتوزيع المساعدات». وأضاف «حالياً لا توجد منظمات دولية تقوم بهذا الدور في قطاع غزة سوى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وهي تواجه صعوبات في القطاع».

«إنزال جوي» من القوات الجوية المصرية المساعدات على قطاع غزة (المتحدث العسكري المصري)

وقال محافظ شمال سيناء إن «مصر لم تدخر جهداً في دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر ثلاث طرق؛ من البر عبر معبر رفح، ومن البحر باستقبال سفن المساعدات الإنسانية في ميناء العريش، إضافة إلى عمليات الإسقاط الجوي التي تقوم بها مصر يومياً وبالمشاركة في تحالف دولي»، متهماً «إسرائيل بتعطيل دخول المساعدات الإنسانية»، مطالباً «أميركا بالضغط عليها لزيادة حجم دخول المساعدات عن طريق معبر رفح البري بوصفه أفضل الحلول».

وكانت هيئة البث الإسرائيلية، قد ذكرت الخميس، أن «المسؤولين في مصر يشعرون بالغضب من مشروع إقامة ميناء عائم في قطاع غزة نظراً لوجود بدائل قائمة وجاهزة للاستخدام مثل معبر رفح البري والموانئ الإسرائيلية».

ونقلت الهيئة عن مسؤول مصري تحذيره من «إنهاء عمل معبر رئيسي للمساعدات الدولية مثل معبر رفح». وعلّقت هيئة البث الإسرائيلية على الأمر، قائلة إنه «لم ينتقد كبار المسؤولين في الحكومة المصرية خطوة الميناء العائم، لكنهم لم يباركوها ولم يشاركوا فيها».

شاحنات مساعدات دخلت غزة في انتظار تفريغها على الجانب الفلسطيني من معبر رفح الحدودي مع مصر (أ.ف.ب)

رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، ضياء رشوان، قد قال في تصريحات متلفزة، مساء الثلاثاء، إن «مصر مدركة أن تقديم المساعدات الإنسانية لقطاع غزة أفضل إذا كان برياً».

وخلال الأيام الماضية بحث وزير الخارجية المصري، سامح شكري، مع نظيره الأميركي أنتوني بلينكن، هاتفياً، «الممر البحري الإنساني، بكونه جهداً مكمّلاً لمعبر رفح الذي سيظل المعبر الرئيسي لنقل المساعدات».

من جانبه، قال مدير إدارة إسرائيل في وزارة الخارجية المصرية، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حسين هريدي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «القضية الأهم بالنسبة لمصر، هي دخول المساعدات اللازمة لقطاع غزة بأكبر كمية ممكنة وضمان توزيعها على سكان القطاع»، مشيراً إلى أن «مقترحات إدخال المساعدات عبر البحر والجو، هي مكملة لدور معبر رفح الذي تدخل منه المساعدات بعد تعقيدات كبيرة من جانب إسرائيل».

ولفت إلى أن «هناك مقترحات عدة لإنفاذ المساعدات، من بينها تحالف دولي من 12 دولة يشارك في الإسقاط الجوي، والرصيف البحري المؤقت الذي اقترحته الولايات المتحدة، والذي يستغرق بناؤه 6 أشهر، إضافة إلى الممر المائي من قبرص إلى غزة بمشاركة تحالف يضم الولايات المتحدة وأوروبا».

مبانٍ مدمرة في شمال غزة بعد قصف إسرائيلي في وقت سابق (أ.ف.ب)

وأوضح هريدي أن «فكرة الممر البحري مع قبرص كانت مطروحة من قبل الحرب على غزة، ليكون للقطاع ميناء متقدم في قبرص». وقال إن «المشكلة فيمن سيتولى توزيع هذه المساعدات داخل قطاع غزة».

واتفق معه خبير الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، سعيد عكاشة، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل الوضع الإنساني المتفاقم فإن مصر تستهدف إدخال أكبر كم من المساعدات إلى غزة أياً كانت الطريقة»، مشيراً إلى أنه «من المهم حل المشكلات الفنية المرتبطة بآلية توزيع المساعدات في غزة».

وفي بيان مشترك اتفق وزراء حكومات الدول المشاركة في الاجتماع الوزاري حول مبادرة الممر البحري لإيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة، الخميس، أنه «لا بديل للطرق البرية عبر مصر والأردن والمعابر الأخرى لإيصال المساعدات على نطاق واسع»، وأشاروا إلى أن «فتح ميناء أسدود أمام المساعدات الإنسانية سيكون موضع ترحيب ومكملاً مهماً.


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي سيارات تحمل أول مجموعة من الجرحى يغادرون مقر الصليب الأحمر الفلسطيني في خان يونس متجهين إلى معبر رفح الحدودي مع مصر (إ.ب.أ) p-circle

مقتل 4 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على غزة

قُتل 4 فلسطينيين في غارات إسرائيلية استهدفت مدينة غزة، بحسب ما أفادت هيئة الدفاع المدني ومستشفيان في القطاع الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (غزة)
رياضة عربية إنفانتينو رئيس الفيفا (د.ب.أ)

فيفا يرفض اتخاذ إجراءات ضد أندية «المستوطنات الإسرائيلية»

أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم أنه لن يتخذ أي إجراء ضد أندية كرة القدم الإسرائيلية، التي تتخذ من المستوطنات مقراً لها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية «فيفا» قال إن الاتحاد الإسرائيلي للعبة فشل في اتخاذ إجراءات فعالة بحق نادي بيتار القدس (أ.ب)

«فيفا» يفرض غرامة على الاتحاد الإسرائيلي بتهمة «العنصرية»

فرض الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) غرامة مالية على الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم بقيمة (190696 دولاراً) الخميس، بسبب «عدة انتهاكات».

«الشرق الأوسط» (لوزان)
تحليل إخباري فلسطينيون يشقون طريقهم عبر أنقاض المباني المدمرة في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... المسار الإنساني يتحرك والسياسي «محلك سر»

بعد 19 يوماً من الإغلاق، أعاد فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني الحديث عن المسار الإنساني مع بدء استعدادات لعودة فلسطينيين تم علاجهم للقطاع

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي سيارة الشرطة التي استُهدفت قرب مدخل بلدة الزوايدة (أ.ف.ب)

إسرائيل تقتل 16 فلسطينياً في غزة والضفة الغربية

قال مسؤولون بقطاع الصحة إن القوات الإسرائيلية قتلت 16 فلسطينياً بقطاع غزة والضفة الغربية، في واحد من الأيام التي شهدت تسجيل أكبر عدد من القتلى منذ أسابيع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

كيف تأثر الوافدون بغلاء الأسعار في مصر نتيجة الحرب الإيرانية؟

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)
TT

كيف تأثر الوافدون بغلاء الأسعار في مصر نتيجة الحرب الإيرانية؟

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)

دفعت الحرب الإيرانية إلى طرح عدة تساؤلات حول مدى تأثيرها في الوافدين بمصر في ظل أزمة غلاء متصاعدة، وسط «شكاوى» من وافدين بـ«صعوبات معيشية وضعف فُرص العمل».

العشريني السوداني، راسول عبد المسيح قال لـ«الشرق الأوسط» إن «معضلة بعض اللاجئين والوافدين تأتي مع ارتفاع الأسعار في مصر».

يعمل الشاب السوداني 10 ساعات يومياً في مخزن لنقل البضائع بمدينة العاشر من رمضان (شرق القاهرة) مقابل 8 آلاف جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) شهرياً. يدفع منها 3 آلاف ونصف الألف إيجاراً لشقته، والباقي نفقات للطعام،

وشهدت مصر موجات متتالية من التضخم، سجل معدله على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل تسجيله 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي، مرتفعاً من نسبة 0.2 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

ورغم صعوبة الظروف المعيشية لعبد المسيح وأسرته، التي زاد أفرادها بطفلة جديدة وُلدت في مصر، فإنهم تكيفوا على هذه الظروف، واضطر هو وأسرته إلى التسجيل أخيراً في رحلات «العودة الطوعية المجانية» إلى السودان، ليس هرباً من الأسعار في مصر؛ لكن من «حملة تدقيق الإقامات وترحيل المخالفين»، على حد قوله.

وفاقمت الحرب الإيرانية من ارتفاع الأسعار في مصر، بعد قرار حكومي برفع أسعار المحروقات بنسبة تراوحت من 14 إلى 30 في المائة، بعد 10 أيام فقط من الحرب؛ وانعكس ذلك مباشرة على أسعار السلع والخدمات التي تأثرت برفع سعر المحروقات.

سوريون يعودون طواعية من مصر إلى بلادهم (أرشيفية)

وبينما لجأت كثير من الأسر المصرية إلى جدولة ميزانيتها، وترتيب أولوياتها للتكيف مع الموجة الجديدة من زيادة الأسعار، فإن «مئات من الأسر الوافدة ليس لديها هذه الرفاهية، في ظل ميزانية هشة تعيش على المساعدات»، بحسب مراقبين.

وتُعد مصر من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، حتى تجاوزت أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء لدى مفوضية اللاجئين مليوناً و98 ألف شخص من 60 جنسية مختلفة نهاية ديسمبر الماضي، تصدرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب، ثم السوريون بواقع 123 ألفاً و383 طلباً، ولا يتضمن ذلك الرقم الفلسطينيين الذين جاؤوا إلى مصر خلال «حرب غزة» للعلاج، والدين قدرتهم الحكومة بـ110 ألف فلسطيني.

الخمسينية الفلسطينية سمر الشيخ جاءت إلى مصر في مارس (آذار) 2024 خلال الحرب على قطاع غزة، ووجدت صعوبة في إيجاد عمل تنفق منه على ابنتها وابنة اختها، وبعد بحث طويل عملت في حضانة أطفال مقابل «راتب زهيد»، وكلما ارتفعت الأسعار في مصر زادت معاناة الشيخ في تدبير مصاريفهن.

تقول سمر لـ«الشرق الأوسط» تعليقاً على الزيادة الأخيرة في المحروقات: «سمعت من صديقة أن سعر اسطوانة الغاز ارتفع إلى لـ350 جنيهاً، وآخر مرة اشتريتها من شهر كانت بـ225 جنيهاً».

جاءت الفلسطينية إلى مصر مرافقة لابنة أختها التي خرجت لتلقي العلاج خلال «حرب غزة»، واستقرت في ضاحية 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، بعدما وفرت لها متبرعة هذه الشقة، ولا تنوي الفلسطينية العودة قريباً في ظل وضع القطاع المدمر، وظروف الحياة في خيمة؛ لذا ترى أن «التكيف على الأسعار في مصر أفضل».

الناشط السوري بين أبناء الجالية السورية في مصر، سليم سبع الليل، يشير من جهته إلى «صعوبة أوضاع الوافدين الاقتصادية في ظل غلاء الأسعار»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنهم يعانون مثلما يعاني الجميع؛ لكن الأسوأ بالنسبة لهم هو حرمان كثير منهم من المساعدات الأممية، بعد تخفيض دعم منظمات المجتمع المدني لهم، وصعوبة حصولهم على عمل.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، من 62 جنسية مختلفة، وهو ما يكلّف الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

ويوضح سبع الليل أن «غالبية السوريين من أصحاب الدخول الأقل عادوا إلى سوريا، خصوصاً مع حملات الترحيل، ولن يبقى سوى أصحاب المشروعات، ممن لن يجدوا صعوبة في العيش بمصر اقتصادياً».

الخبير الاقتصادي المصري، عاطف ويليام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «غلاء الأسعار يؤثر في الوافدين مثل تأثيره في المصريين». مبرزاً أن «تأثير الغلاء يظل أكبر على الفئات المهمشة من الوافدين، ليس فقط بسبب الأعباء المعيشية وغلاء الأسعار، بل أيضاً بسبب أوضاعهم في الأعمال التي يقومون بها، وشكاوى البعض من عدم توفر فرص عمل مناسبة».

ومنذ شهور، بدأت مصر حملات لتدقيق إقامات الوافدين وترحيل المُخالفين، ما نتج عنه ترحيل عشرات الآلاف وفق المراقبين. وكانت حملات «سوشيالية» سبقت حملات الترحيل، هاجمت الوافدين، بوصفهم السبب في زيادة الأسعار بالبلاد.

وسبق أن اتخذت الحكومة المصرية إجراءات لتشجيع الوافدين على العودة لبلادهم، بداية من توفير قطارات تتجه أسبوعياً من القاهرة إلى أسوان لنقل آلاف السودانيين الراغبين في العودة الطوعية، مروراً بإعفاء أقرانهم السوريين من غرامات الإقامة خلال الفترة من يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) من العام الماضي؛ كما توجهت للسودانيين المغادرين بقرار مماثل ما زال ممتداً حتى نهاية مارس الحالي.


بسبب تداعيات حرب إيران... مصريون يلجأون إلى الترشيد

عادات عيد الفطر الشرائية في مصر تأثرت بتداعيات الحرب الإيرانية (رويترز)
عادات عيد الفطر الشرائية في مصر تأثرت بتداعيات الحرب الإيرانية (رويترز)
TT

بسبب تداعيات حرب إيران... مصريون يلجأون إلى الترشيد

عادات عيد الفطر الشرائية في مصر تأثرت بتداعيات الحرب الإيرانية (رويترز)
عادات عيد الفطر الشرائية في مصر تأثرت بتداعيات الحرب الإيرانية (رويترز)

لم يفكر علي إبراهيم، الموظف في إحدى شركات القطاع الخاص، كثيراً بعد قرار زيادة أسعار المحروقات قبل أقل من أسبوعين، في تخفيض نفقات شراء «الكعك» هذا العام ضمن مراجعة لمصاريف عائلته خلال عيد الفطر، مع عدم تقاضيه راتب الشهر الجديد قبل إجازة العيد وحاجة أبنائه لمصاريف الدروس خلال الشهر المقبل.

إبراهيم، الذي يعول أسرة مكونة من 3 أبناء في مراحل التعليم المختلفة ويقيم في ضاحية 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، يعمل مشرف وردية لمدة 12 ساعة يومياً في أحد المصانع، لكن راتبه الذي يتقاضاه لا يبدو أنه سيزيد قريباً، بحسب حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بعد الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات التي جعلته يدفع أموالاً أكثر في شراء بعض مستلزمات العيد لأبنائه الثلاثة، بالإضافة إلى الاكتفاء بخروج ليوم واحد فقط بإحدى الحدائق، بعدما كانت الأسرة تفكر في السفر لـ«العين السخنة» لقضاء يوم على البحر.

ولا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة لمريم إيهاب، الموظفة بإحدى الشركات العقارية في القاهرة، بعدما قررت إعادة النظر في كميات الكعك التي اشترتها لأسرتها، مكتفية بعلبة صغيرة تضم الكعك والبسكويت بعدما زادت الأسعار أخيراً، في وقت تأمل فيه أن توافق الشركة على عملها عن بُعد ليوم أو يومين، لتوفر مصاريف انتقالها اليومي من حي المرج (شرق القاهرة) إلى الدقي بمحافظة الجيزة، حيث مقر عملها.

تقول مريم إيهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن الشركة التي تعمل بها تقوم بأعمال محدودة، وتتقاضي فيها راتباً أقل من 6 آلاف جنيه، تنفق من خلاله على طفلين بالتعليم الابتدائي بعد رحيل زوجها، مشيرة إلى أنها ستكتفي بالتنزه مع أطفالها بالقرب من المنزل وشراء بعض الهدايا البسيطة، بعدما كانت تأمل في اصطحابهما لقضاء يوم في الإسماعيلية.

ودفعت تداعيات حرب إيران كثيراً من المصريين إلى إعادة النظر في طرق إنفاق أموالهم والعادات التي يقومون بها كل عيد، بعدما رفعت الحكومة أسعار المحروقات (البنزين والسولار وأسطوانات الغاز) أخيراً، وهي الزيادات التي انعكست سريعاً على الأسواق في مختلف القطاعات.

مواطنون تحدثوا عن تراجع في شراء كميات كعك العيد بمصر (وزارة التموين)

أستاذ علم الاجتماع بـ«المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية»، وليد رشاد، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن كثيراً من العادات المرتبطة بالعيد والتي تتطلب تكاليف مالية جرى ترشيدها بفعل الظروف الاقتصادية، وهو ما انعكس بشكل يمكن لمسه في الشارع بكميات الكعك المباعة وتغير أوزان العلب الأكثر إقبالاً مع الاتجاه لشراء كميات أقل بتنوع أكبر، مشيراً إلى أن «التسويق التجاري نفسه لبعض مستلزمات العيد بات يعتمد على تقليل الكميات والأوزان في مقابل الإتاحة بسعر أقل».

وأضاف أن هذا الأمر يعدّ طبيعياً في ظل الظروف الاقتصادية العالمية، وتعديل أوجه إنفاق الأموال لدى كثير من الأسر، وإن كان الأمر يختلف من منطقة إلى أخرى ومن طبقة اجتماعية لأخرى، موضحاً أن العادات والتقاليد المعنوية المرتبطة بزيارات الأهل وغيرها من اللقاءات الأسرية، لا تزال موجودة وإن كانت أكثر صموداً في القرى عنها في المدن.

وكان معدل التضخم عاود مساره الصعودي في فبراير (شباط) الماضي، مسجلاً 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني)، وسط مخاوف من تطبيق الحكومة المصرية زيادات جديدة في أسعار الكهرباء والاتصالات والقطارات على خلفية زيادة تكاليف التشغيل بعد ارتفاع أسعار المحروقات.

ويرى مراقبون أن «التغير في العادات الاستهلاكية للمواطنين في العيد، يعدّ أمراً طبيعياً ويزداد بشكل واضح في الأزمات»، وأكدوا أن «الضغوط الاقتصادية والتخوف مما سيحدث مستقبلاً، يدفع من لديه فائض مالي للادخار ومحاولة الاستغناء أو الحد من النفقات غير الأساسية، ويجعل من لديه عجز مالي يتجه نحو الاستغناء الكامل عما يصنف باعتباره أموراً ترفيهية».

وبحسب المراقبين، فإن هذا الأمر يجعل بعض عادات العيد، بالإضافة إلى النفقات على الأمور الترفيهية غير الضرورية، على غرار شراء «الكعك» أو التوجه للسينمات والمسارح، أو حتى التنزه في بعض الأماكن مرتفعة التكلفة، أمراً في أولويات القدرة على الاستغناء.


حملات ضبط الأسعار في مصر... «ضجيج بلا تأثير»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع الحكومة الأربعاء الماضي (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع الحكومة الأربعاء الماضي (مجلس الوزراء المصري)
TT

حملات ضبط الأسعار في مصر... «ضجيج بلا تأثير»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع الحكومة الأربعاء الماضي (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع الحكومة الأربعاء الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وسط تأكيدات حكومية متكررة عن «تحركات المسؤولين» لضبط الأسواق، لا يرى مصريون «تأثيرات واضحة للحملات الرسمية على الأسعار»، بل «مجرد ضجيج فقط بلا أي نتائج يوقف الغلاء المتصاعد».

وقالت الحكومة المصرية، الجمعة، إنها «رفعت درجة الاستعداد القصوى للرقابة الميدانية على الأسواق والأنشطة التموينية خلال فترة إجازة عيد الفطر». وشددت على «أهمية تكثيف الحملات الرقابية اليومية على المخابز البلدية المدعمة».

ويرى الخمسيني محمد عبد الحميد، الدي يعمل في شركة خاصة، ويقطن في منطقة غمرة بوسط القاهرة، أن «الأسعار ترتفع بشكل مُبالغ فيه، وتأثير الحملات الرقابية محدود على الأسواق والمتاجر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحكومة تؤكد ضبط الأسعار؛ لكن الواقع الفعلي غير ذلك، لأن هناك غلاءً متواصلاً»، ويرى أن «إظهار الدور الرسمي للرقابة على الأسواق مجرد تصريحات إعلامية موجهة للمواطنين فقط؛ لكنها بعيدة عن الأسواق والتجار».

بدورها، اشتكت الأربعينية أمنية قاسم، وهي ربة منزل تقطن في منطقة المطرية (شرق القاهرة) من «غلاء الأسعار اليومي»، وأوضحت أن «الكل يتعلل بزيادة أسعار المحروقات؛ لذا يزيد على حسب ما يرى»، مبرزة أنها مثلاً «اشترت رغيف الخبز السياحي بجنيهين من أحد المخابز في أول الشارع الذي تسكن فيه، لكن في نهاية الشارع يوجد مخبز آخر يبيعه بجنيهين ونصف الجنيه، ومعنى ذلك أنه لا توجد رقابة على هذه المخابز»، ودعت إلى «رقابة أكثر على التجار والأسواق خصوصاً الأيام المقبلة في ظل تداعيات الحرب الإيرانية المتصاعدة».

جولات وزراء في الحكومة مستمرة على المتاجر لضبط الأسعار (وزارة التموين)

رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، أكد خلال اجتماع الحكومة، الأربعاء، «ضرورة إحكام الرقابة على مختلف الأسواق للتأكد من توافر جميع أنواع السلع الاستراتيجية، والتصدي لحدوث أي تلاعب في الأسعار، أو إخفاء سلعة معينة بهدف تحقيق أرباح غير مشروعة».

بدوره، يرى الخبير الاقتصادي، كريم العمدة، أن «يد الحكومة المصرية ليست قوية لضبط الأسواق»، قائلاً: «هذه مشكلة مزمنة سوف تستمر وتعود إلى (التضخم وارتفاع الأسعار والأجور المنخفضة)».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الجهات الرسمية تحاول إظهار جهودها للمواطن بأنها قامت بعملها عبر الحملات على الأسواق؛ لكن الحديث الحكومي يكون ضعيفاً لمجموعة من الأسباب، التي من بينها تكاليف الإنتاج والممارسات الاحتكارية».

ويفسر ذلك بقوله: «عند قيام بعض التجار برفع أسعار السكر لإحداث أزمة وتعطيش السوق بهدف تحقيق مكاسب كبيرة، ويكون السعر العالمي للسكر كما هو من دون ارتفاع، وقتها تستطيع الحكومة التدخل والرقابة، وفي هذه الحالة تأتي جهودها بنتائج، لكن عندما ترتفع تكاليف الإنتاج مثل ما يحدث الآن، سيحدث ارتفاع في الأسعار، وعندما يرتفع سعر السولار والبنزين والغاز سوف يؤثر ذلك في أسعار جميع السلع، وأيضاً ارتفاع الدولار من 47 إلى 53 جنيهاً سوف يرفع السلع، وهنا تكون الرقابة على الأسواق (غير مؤثرة)».

منشور على صفحة وزارة التموين بـ«فيسبوك» لضبط الأسعار في عيد الفطر

ورفعت الحكومة المصرية عقب «حرب إيران» أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، مشيرة إلى «الوضع الاستثنائي نتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد، والإنتاج المحلي»، وفق بيان لوزارة البترول.

ووجّه وزير التموين والتجارة الداخلية، شريف فاروق، الجمعة، بـ«ضرورة توافر السلع التموينية والحرة ومستلزمات العيد بجميع المنافذ والمجمعات الاستهلاكية، والتأكد من جودتها وصلاحيتها وطرحها بالأسعار المقررة». وأكد أن الأجهزة الرقابية «لن تتهاون مع أي مخالفات، وسيتم اتخاذ جميع الإجراءات القانونية حيال أي تجاوزات، بما يضمن حماية حقوق المواطنين واستقرار الأسواق».

سيارات تابعة لوزارة التموين تبيع السلع (وزارة التموين)

الخبير الاقتصادي، وليد جاب الله أرجع «شعور المواطن بعدم جدوى حملات ضبط الأسعار إلى وجود تضخم»، بقوله إن «هذه الحملات لن تمنع التضخم، لكنها مع الإجراءات الحكومية تحد من الممارسات غير المشروعة التي فوق مستوى التضخم».

ويضيف جاب الله موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «المعارض الحكومية المجمعة لا تبيع السلع المدعمة، بل تبيعها بأسعارها العادلة، والسعر العادل ارتفع؛ لكن لولا هذه الحملات الرسمية على الأسواق لكان الوضع أصعب».

وتشير الإحصاءات الرسمية في مصر إلى أن الغذاء يمثل 21 في المائة من الواردات، وبلغت قيمته نحو 78 مليار دولار في عام 2024.

وبحسب جاب الله، فإن «الحملات التي تقوم بها الدولة على الأسواق ناجحة، والمعارض أيضاً ناجحة، في ظل زيادات الأسعار». ويوضح أن «الإجراءات التي تقوم بها الدولة تركز بالأساس على السلع والمنتجات الأساسية، لكن توجد أمور أخرى مثل شراء السيارات والهواتف المحمولة وأجهزة الرفاهية، وجميعها منتجات تخرج نسبياً من نطاق حملات التموين، وتحتاج لمزيد من الجهود للأجهزة الرقابية».

وبخصوص عدم رضا المواطن عن حملات الرقابة على الأسواق، يرى جاب الله أن «المواطن يشعر بزيادة الأسعار؛ لكن لا يشعر بما كان سيحدث لو لم تكن هذه الإجراءات الحكومية، حيث سيكون الواقع أصعب من الآن»، لافتاً إلى أن «التضخم يضرب الاقتصاد في كل دول العالم، وما تقوم به الدولة المصرية يحد من أضرار الغلاء، لكنه لا يقضي عليه».