ليبيا في 2023... عام آخر ينقضي والقادة يتنازعون كراسي السلطة

«الحروب السياسية» تقوّض «حلم الانتخابات»

مجلس النواب أحد الأطراف الخمسة التي دعاها باتيلي لحضور الاجتماع الخماسي (المجلس)
مجلس النواب أحد الأطراف الخمسة التي دعاها باتيلي لحضور الاجتماع الخماسي (المجلس)
TT

ليبيا في 2023... عام آخر ينقضي والقادة يتنازعون كراسي السلطة

مجلس النواب أحد الأطراف الخمسة التي دعاها باتيلي لحضور الاجتماع الخماسي (المجلس)
مجلس النواب أحد الأطراف الخمسة التي دعاها باتيلي لحضور الاجتماع الخماسي (المجلس)

انقضى عام 2023 ولم يتمكّن قادة ليبيا من تحقيق أهم طموحات الشعب؛ المتمثلة في إنهاء الانقسام، وإجراء الانتخابات العامة، والقضاء على الفساد. ورغم ذلك فإن هناك مَن يراه عاماً أفضل من سابقيه، لكنهم في كل الأحوال يحمّلون ساستهم مسؤولية «تعقّد الأزمة السياسية، وتقويض حلم الاستحقاق المُنتظر».

يعزو المتفائلون مبرراتهم إلى تراجع الجرائم وإراقة الدماء، مقارنة بما شهدته ليبيا في فترات سابقة، إلى جانب الحد من العمليات الإرهابية، ووقف التصعيد العسكري بين جبهتَي شرق البلاد وغربها إثر توقيع هدنة، يُنظر إليها على أنها لا تزال متماسكة.

باتيلي يتوسط اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) في مدينة بنغازي (البعثة الأممية)

وما بين التفاؤل والإخفاق، يرى سياسيون ومتابعون للأوضاع في ليبيا أن العام انقضى في سجالات وحروب سياسية، حول معضلة المسار القانوني للاستحقاق المؤجل، وبحث معالجة الآثار الدامية للإعصار الذي ضرب درنة ومدناً بشرق ليبيا، دون التوصُل إلى توافق بشأن الانتخابات... لينتهي العام من حيث بدأ، محطة تلي أخرى.

وهنا، يلخص رئيس «تكتل إحياء ليبيا» عارف النايض، المشهد العام في بلده، بأن «الشعب لم ينتخب رئيساً له قط منذ 2011، والطبقة السياسية المتنفذة تحرم الليبيين من هذا الاستحقاق».

عارف النايض رئيس "تكتل إحياء ليبيا" (الشرق الأوسط)

رغبات متعارضة

انفتح عام 2023 على موجة تفاؤل واسعة بين عموم الليبيين الذين كانوا يأملون في كسر حالة الجمود السياسي وتحقيق ما فاتهم من فرصة إجراء الانتخابات، وتوحيد مؤسسات الدولة. في تلك الأثناء كان المبعوث الأممي عبد الله باتيلي، يستمع لوجهات نظر «الأطراف الفاعلة» محلياً، حول شكل القوانين اللازمة للاستحقاق.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة» في ليبيا (حكومة الوحدة)

هناك كان المشهد «الفسيفسائي» المتشظي تتقاسمه رغبات متعارضة، يرى متابعون أنها تستهدف «كراسي السلطة»، فرئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، يبدي استعداده لإجراء الانتخابات، مشترطاً «وجود قوانين عادلة قابلة للتنفيذ»، بينما يطالب القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، بحكومة «تكنوقراط» لإدارة الانتخابات المنتظرة، في وقت يتمسك فيه المجلس الرئاسي، بقيادة محمد المنفي، بخيار «المصالحة الوطنية».

على أثر ذلك، وبعد مرور شهرين ونصف الشهر على تسلمه مهامه، انتهى باتيلي في أول إحاطة له أمام مجلس الأمن الدولي في 27 فبراير (شباط) 2023 إلى أن «النخبة السياسية في ليبيا تعيش أزمة شرعية حقيقية»، وأنه «إلى اليوم لم ينجح مجلسا النواب و(الدولة)، في التوافق حول القوانين اللازمة».

حفتر ناقش مع نورلاند مبادرة باتيلي «لإجراء جولة جديدة للحوار بين الأطراف السياسية» (الجيش الوطني)

في هذه الأثناء أطلق باتيلي مبادرة تهدف إلى التمكين من إجراء الانتخابات خلال عام 2023، من خلال تشكيل لجنة «رفيعة المستوى»، لكن «النواب» و«الدولة» رفضا هذا التوجه، وسارعا إلى تشكيل ما عرف بلجنة «6 زائد 6» المشتركة.

وبعد لقاءات ومداولات احتضنها المغرب، توصّلت اللجنة إلى مخرجات بشأن قانونَي الانتخابات، وبعد أن تسلمها مجلس النواب أجرى تعديلات عليها، غير أنها قوبلت باعتراض من «الأعلى للدولة» الذي تمسك بما انتهت إليه اللجنة بمدينة بوزنيقة المغربية. وعليه لا تزال ليبيا - حتى الآن - رهن سجالات المجلسين، لتدخل البلاد عاماً جديداً محمّلة بملفات الماضي وتعقيداته، فضلاً عن أحلامه المُجهضة.

وأبدى النايض، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أسفه لـ«استمرار مجلسي النواب والدولة في ممارسة أعمالهما، رغم مرور 9 أعوام على انتخاب الأول، و11 على الثاني»، معرباً عن أمله في أن «تتشكل حكومة (تكنوقراط) مصغرة بشكل عاجل، تقود البلاد فعلياً إلى إجراء الاستحقاقات الانتخابية التي طال انتظارها».

العسكريون والسياسيون

وبموازاة مناكفات السياسيين، قطع المسار العسكري في ليبيا، ممثلاً في اللجنة المشتركة «5 زائد 5»، خطوة على طريق العمل على تأمين الحدود، وتثبيت «هدنة وقف إطلاق النار»، والاستعداد لدعم العملية السياسية التي تنتهي بعقد الانتخابات.

ولم تمر اجتماعات القادة العسكريين الممثلين لجبهتَي شرق ليبيا وغربها من دون إشادات باتيلي، الذي أعيته «ملاعيب السياسيين»، إذا قال: «هؤلاء الرجال الذين يرتدون الزي العسكري يقومون بدور بطولي، ولو توفر لدى السياسيين مثل هذا العزم، والالتزام والحسم في اتخاذ القرارات، فسوف تنتهي أزمة ليبيا».

وإذا كان البعض يرى أن عام 2023 انقضى دون إحداث اختراق حقيقي لجهة توحيد مؤسسات الدولة، ومن بينها الجيش المنقسم بين شرق البلاد وغربها، فإن هناك آخرين يعدّون الاجتماعات النادرة التي يعقدها قادة المؤسسة العسكرية في طرابلس وسرت وبنغازي، «نجاحاً، قد يسفر في قادم الأيام عن التئام المؤسسة العسكرية».

وسبق للبعثة الأممية تيسير اجتماع ببنغازي في بدايات فبراير 2023 ضم رئيس الأركان العامة بالمنطقة الغربية الفريق محمد الحداد، ونظيره رئيس الأركان العامة لـ«الجيش الوطني»، الفريق عبد الرازق الناظوري.

المنفي مستقبلاً باتيلي في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)

وبعد شهرين تكررت مباحثات «الحداد - الناظوري» في بنغازي، وهو الاجتماع الذي عدّه مراقبون تقارباً مهماً لاستكمال المناقشات بشأن ملف توحيد المؤسسة التي تعاني الانقسام منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011.

ومهّد لهذين الاجتماعين، لقاءان سابقان لقيادات عسكرية رفيعة احتضنتهما العاصمة طرابلس، ومدينة سرت، لكن بدا أن «حروب» القادة السياسيين ألقت بظلالها على المسار العسكري هو الآخر، بالنظر إلى أن اجتماعات قادته لم تترجم إلى خطوات ملموسة على الأرض مع قرب نهاية العام.

غير أن أحد مشايخ ليبيا المهتمين بالمصالحة الوطنية، يقلل من وقع ذلك، معتقداً في حديث إلى «الشرق الأوسط» بأن عام 2024 «ربما يمثل انفراجة» لبلده، الذي قال إنه «يسير نحو الأفضل، باستثناء توجهات بعض ساسته المتصارعين على كراسي السلطة، الذين بددوا أحلام الشعب، وثرواته».

الخمسة الكبار

وأمام تمسك كل من مجلسي النواب و«الدولة» بما يريانه صواباً لجهة إعداد قانونَي الانتخابات، اضطر باتيلي إلى تفعيل مبادرته المُعطلة، بدعوة «الخمسة الكبار» في ليبيا للمشاركة في اجتماع يهدف إلى مناقشة القضايا الخلافية المرتبطة بقانونَي الاستحقاق.

مجلس النواب أحد الأطراف الخمسة التي دعاها باتيلي لحضور الاجتماع الخماسي (المجلس)

ولم يتحدد موعد الاجتماع الذي دعا إليه المبعوث الأممي، المدعوم دولياً، لكن الدعوة وُجهت إلى «الخمسة الكبار»، وهم حفتر، وصالح، بالإضافة إلى المنفي والدبيبة، إلى جانب رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، بالإضافة إلى باتيلي.

وإذ يوشك العام أن ينتهي بما بدأ به... فصراع النفوذ مستعر، والتنازع على كرسي السلطة قائم، وسط رهان على أن يطوي النسيان كارثة إعصار درنة التي خلفت آلاف القتلى والمفقودين، وفق ما يراه محللون، لذا حذّر النايض، من أنه «إذا ما خالفت الطبقة الحاكمة وعودها مرة أخرى في تشكيل حكومة بشكل عاجل، فلا نعتقد بأن الشعب الليبي سيصبر عليها طويلاً؛ ولن تكون العواقب سليمة على بلد مزقته الحروب والخلافات قرابة ثلاثة عشر عاماً».

وانتهى النايض، عادّاً أن «أكبر خيبة أمل مُني بها الليبيون في 2023، هي عدم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي وُعدوا بها».

كارثة الإعصار

وكارثة الإعصار الذي ضرب مدناً بشرق ليبيا، في 10 سبتمبر (أيلول) 2023، لا تزال تلقي بظلالها على البلاد والعباد؛ فالسيول الهادرة أتت على ربع مدينة درنة، المطلة على ساحل البحر المتوسط، وقتلت وشردت عشرات الآلاف، وسط اتهامات بأن «الفساد» هو الذي أدى إلى تعاظم الخسائر.


ولم تصدر حكومة شرق ليبيا إحصائية نهائية بعدد قتلى الإعصار، لكن وزارة الداخلية التابعة لها أفادت في منتصف سبتمبر بوقوع 5300 قتيل جراء السيول. ومنذ وقوع الكارثة عملت فرق الإنقاذ على استخراج كثير من الجثث يومياً من تحت ركام البنايات، أو من البحر، بينما صعدت توقعات المسؤولين عن عدد القتلى إلى أكثر من 20 ألف ضحية.


وأدت الأمطار المنهمرة بكميات هائلة إلى انهيار سدّين في درنة، فتدفقت المياه بقوة وبارتفاع أمتار عدة في مجرى نهر يكون عادة جافاً، وجرفت معها أجزاءً من المدينة بأبنيتها وبناها التحتية، مما تسبب في نزوح أكثر من 43 ألف شخص؛ وفق الأمم المتحدة حينها.

وأمام تبادل الاتهامات عن المتسبب في ازدياد آثار الكارثة، فتحت النيابة العام الليبية تحقيقاً، وتبين لها أن السدّين اللذين انهارا ظهرت فيهما تشقّقات منذ عام 1998 ولم يجر إصلاحها؛ علماً بأن المخصصات المالية المطلوبة تم صرفها. وقال الدبيبة، عقب وقوع الكارثة، إنه عند مراجعة الأوراق الخاصة بعقود صيانة سدي مدينة درنة: «أبو منصور» و«وادي درنة»، اكتُشف أن «العقود لم تستكمل، على الرغم من تخصيص عشرات الملايين لهذا الغرض».

ومع رحيل فرق الإنقاذ العربية والدولية، التي ساهمت في تخفيف تأثيرات الأزمة، لا تزال مدينة درنة المنكوبة على حالها، فكثير من المواطنين يعانون أزمات نفسية عميقة، جراء الأهوال التي شاهدوها وأدت لفقد أسرهم، بينما يتصاعد التجاذب بين حكومتي شرق ليبيا وغربها حول ملف إعادة الإعمار الذي يراوح في مكانه.



مقالات ذات صلة

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

شمال افريقيا  جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

يرى ليبيون مشاركون في مسار ترعاه البعثة الأممية أن مشروع قانون العدالة الانتقالية المطروح عام 2025 «يحتاج إلى إصلاحات جذرية لتلافي إخفاقات الماضي».

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)

«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

حذّر تقرير أممي أخير من تغلغل الميليشيات المسلحة داخل مؤسسات الدولة الليبية، مستخدمة أدوات تتراوح بين العنف المسلح والتأثير السياسي والضغط الاقتصادي.

علاء حموده (القاهرة)
تحليل إخباري المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة لمجلس الأمن في 21 أغسطس 2025 (البعثة الأممية)

تحليل إخباري تساؤلات حول دور «مجلس الأمن» في دفع ليبيا نحو الانتخابات

على خلفية تحذيرات أممية بأن ليبيا «تواجه مفترق طرق سياسياً واقتصادياً وأمنياً»، تساءل متابعون عن الدور الذي يمكن أن يلعبه مجلس الأمن الدولي حيال الأزمة الراهنة.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا صوفيون في «زاوية إبراهيم المحجوب» بمصراتة الليبية (الصفحة الرسمية للزاوية)

وفاة محتجز بشرق ليبيا تعيد أزمة توقيف صوفيين إلى الواجهة

عادت أزمة توقيف أتباع الطرق الصوفية إلى الواجهة في ليبيا، السبت، عقب وفاة محتجز من عناصرها داخل أحد السجون في شرق البلاد، في واقعة أثارت انتقادات حقوقية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)

تزايد الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لـ«مبادرة بولس»

يتسع نطاق الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لمبادرة منسوبة لمستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، الرامية إلى تقاسم النفوذ بين أطراف متنافسة.

خالد محمود (القاهرة )

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
TT

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)

اختتم أعضاء مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» في ليبيا جولة ثالثة من الاجتماعات المباشرة في العاصمة طرابلس، بالمطالبة بمراجعة «جوهرية» لمشروع قانون العدالة الانتقالية الحالي، وضمان إبعاد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان عن المشهد السياسي.

وأدرجت بعثة الأمم المتحدة، في بيان، مساء السبت، المناقشات التي انتهت الخميس الماضي، في إطار «الحوار المهيكل» برعاية الأمم المتحدة، لوضع «خريطة طريق» لـ«المساءلة عن تجاوزات الماضي وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة كركيزة أساسية للوصول إلى انتخابات وطنية سلمية».

وشدّد المشاركون في توصياتهم الختامية على أن مشروع قانون العدالة الانتقالية المطروح عام 2025 «يحتاج إلى إصلاحات جذرية» لتلافي «إخفاقات الماضي» التي غذّتها الانقسامات السياسية والمعاملة غير المتساوية للضحايا.

«الحقيقة والعدالة»

واعتبرت هانا تيتيه، رئيسة البعثة الأممية، أن أي تحول ذي مصداقية في ليبيا «يجب أن يتجذر في الحقيقة والعدالة والكرامة للضحايا وعائلاتهم»، مشيرة إلى أنه «لا يمكن استدامة المصالحة الوطنية دون مقاربة قائمة على الحقوق بقيادة وملكية ليبية».

وشملت التوصيات الرئيسية الصادرة عن الاجتماع ضمان استقلال هيئة تقصي الحقائق والمصالحة المزمع إنشاؤها، واعتماد إطار شفاف لجبر الضرر ومنح الأولوية لعودة النازحين، بالإضافة إلى إنهاء ممارسات الاحتجاز التعسفي وحماية الفضاء المدني والصحافيين، وتعزيز تمثيل المرأة والمكونات الثقافية في عملية صنع القرار.

وفي سياق متصل، استعرض المشاركون نتائج استطلاع للرأي العام المحلي شمل نحو 6 آلاف ليبي، عكس حالة من عدم الرضا الشعبي والمخاوف الأمنية؛ حيث أيّد 82 في المائة من المستطلعين استبعاد الشخصيات المتورطة في الانتهاكات والمتسببة في الانقسام من مناصب السلطة.

كما أظهر الاستطلاع أن 67 في المائة من المشاركين لا يزالون يخشون الاعتقال أو الانتقام، ما يشكل عائقاً رئيسياً أمام المشاركة السياسية وحرية التعبير في البلاد التي تعاني عدم استقرار مزمناً منذ سنوات.

وأكّد سفراء وممثلون عن «مجموعة عمل القانون الدولي الإنساني» المنبثقة عن «عملية برلين»، الذين انضموا إلى اليوم الختامي لمناقشات مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان»، على ضرورة استقلال القضاء الليبي كضمانة وحيدة لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب.

الدبيبة يتوسط ليبيات خلال فعاليات إحياء «اليوم الوطني للمرأة الليبية» 26 أبريل (مكتب الدبيبة)

اليوم الوطني للمرأة

على صعيد آخر، حضر رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، الأحد، في العاصمة طرابلس، فعاليات الاحتفاء بـ«اليوم الوطني للمرأة الليبية»، المخصص هذا العام للمرأة العاملة بالقطاع الحكومي.

وأكّد الدبيبة خلال كلمته «استمرار دعم الحكومة لبرامج تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في مواقع صنع القرار، بما يضمن حضوراً أكثر فاعلية داخل مؤسسات الدولة».

وأشاد بالدور الذي تضطلع به المرأة العاملة في مختلف القطاعات، معتبراً أنها ركيزة أساسية في استقرار المؤسسات واستمرار أدائها، مؤكداً «أن ما حققته من إنجازات يعكس قدرتها على تحمل المسؤولية والمساهمة في دفع عجلة التنمية».

وقالت المبعوثة الأممية، التي التقت مع بعض الليبيات بهذه المناسبة، إنه «رغم التحديات والعقبات، تواصل النساء في ليبيا التقدم للمساهمة في بناء وطنٍ يسوده السلام والازدهار للجميع»، مؤكدة أن النساء «عنصر أساسي في تعزيز وحدة المجتمع الليبي واستقراره وجعله أكثر عدلاً».


وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
TT

وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)

قررت الحكومة المصرية وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي. وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، محمد الحمصاني، مساء الأحد، إن «(اللجنة المركزية لإدارة الأزمات) وافقت خلال اجتماعها على إيقاف العمل بقرار غلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم في تمام الساعة 11 مساءً، والعودة إلى المواعيد الطبيعية المعمول بها سابقاً».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وترأس رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأحد، اجتماع «لجنة الأزمات» لمتابعة مستجدات تداعيات الحرب الإيرانية. وقال الحمصاني إنه «تم خلال الاجتماع استعراض آخر تطورات موقف العمليات العسكرية في المنطقة وانعكاسات تلك العمليات على الأوضاع الاقتصادية، إقليمياً وعالمياً، وكذا على المستوى المحلي».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن جهود مختلف جهات الدولة المعنية للتعامل مع تداعيات ومستجدات هذه الأزمة غير المسبوقة، وما يتم إعداده بشكل متواصل ومستمر من سيناريوهات مختلفة، وفقاً لرؤى وتوقعات أمد الصراع، ومدى اتساع دائرته.

ولفت إلى ما يتم من تنسيق وتعاون بين مختلف الجهات لتأمين أرصدة واحتياطات بكميات ومدد طويلة من السلع والمنتجات البترولية، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذا الشأن، وبما يسهم في توفير وتلبية مختلف المتطلبات الاستهلاكية والإنتاجية.

وشدد مدبولي على «أهمية الاستمرار في تطبيق مختلف الإجراءات الرقابية من جانب الجهات المعنية، سعياً لمزيد من الاستقرار والانضباط في حركة الأسواق ومنعاً لأي تلاعب، وهو الذي من شأنه أن يسهم في إتاحة السلع بالكميات والأسعار المناسبة لمختلف المواطنين».

مصريون وأجانب أمام مطعم مغلق في وسط القاهرة الشهر الحالي (أ.ف.ب)

وتابع مدبولي خلال اجتماع «لجنة الأزمة» موقف ما يتم تطبيقه من إجراءات وخطوات تتعلق بترشيد استهلاك المنتجات البترولية والكهرباء، وكذا ما يتعلق بترشيد الإنفاق الحكومي، مؤكداً «أهمية العمل على تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك، في ظل ما نشهده من تداعيات لأزمة ألقت بظلالها على مختلف دول المنطقة والعالم، وهو الذي من شأنه أن يسهم في تحسين الأداء واستقرار التشغيل لمختلف المرافق الحيوية».

كما وجه رئيس الوزراء المصري بسرعة الإعلان عن مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل للتحول إلى الطاقة الشمسية، مؤكداً أن «الحكومة تضع هذا الملف على أجندة اهتماماتها».

وكانت قرارات «الترشيد الحكومية» قد واجهت اعتراضات في وقت سابق من قطاعات إنتاجية ومواطنين بسبب تأثيرها السلبي على الأنشطة التجارية. وسبق أن ذكرت الحكومة أن قرار «الإغلاق المبكر» لمدة شهر واحد جاء بهدف «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وأشار وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أحمد رستم، خلال الاجتماع، الأحد، إلى أن «صندوق النقد الدولي يتوقع انخفاض معدل النمو إلى 3.1 في المائة عام 2026 مقارنة بمعدل بلغ 3.4 في المائة عام 2025. كما يتوقع الصندوق تراجعاً حاداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يصل إلى 1.1 في المائة عام 2026، وذلك يأتي انعكاساً لارتفاع أسعار السلع الأساسية عالمياً، وخاصة الطاقة والغذاء، فضلاً عن عزوف المستثمرين عن المخاطر في الأسواق المالية».

كما لفت بحسب بيان «مجلس الوزراء المصري» إلى «التوقعات والسيناريوهات المرجحة فيما يتعلق بمعدلات التضخم العالمية، وكذا ما يتعلق بمعدلات التجارة العالمية وانخفاض حجم نموها من 5.1 في المائة عام 2025 إلى 2.8 في المائة في عام 2026».


«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
TT

«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)

يربط تقرير أممي ودراسة محلية حديثة بين تعثر آليات الرقابة في ليبيا على النحو الأمثل، وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة داخل مؤسسات الدولة، في ظل واقع سياسي وأمني مضطرب.

وكان تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة قد أفاد الأسبوع الماضي بأن «جماعات مسلحة وكيانات نافذة تمكنت، عبر واجهات سياسية، من التغلغل داخل مؤسسات الدولة، مستخدمة أدوات تتراوح بين العنف المسلح والتأثير السياسي والضغط الاقتصادي، بما أفضى إلى تكريس نفوذها داخل بنية الدولة».

رئيس ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك في لقاء مع نائبتي مبعوثة الأمم المتحدة في طرابلس 24 أبريل 2026 (البعثة الأممية)

وبحسب التقرير، فإن «هذه التشكيلات المسلحة استخدمت أدوات العنف دون مساءلة، ما مكّنها من تعزيز تدفق مكاسبها، وأتاح لها الإفلات من العقاب»، كما أُجبرت مؤسسات الدولة على العمل في «بيئة تكرّس نفوذ هذه الجماعات وتُضعف آليات المساءلة، بما يعزز هيمنتها على الدولة».

ويتفق أبو عجيلة سيف النصر، عضو «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية راهناً، مع هذه المعطيات، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما ورد في تقارير لجنة الخبراء بشأن الفساد في ليبيا «يتسق مع الواقع». وقال إن هذه الآفة «وجدت بيئة خصبة» في ظل الانقسام السياسي وفوضى السلاح ونفوذ التشكيلات المسلحة.

ويشير سيف النصر إلى أن الأجهزة الرقابية «دفعت جزءاً كبيراً من فاتورة الانقسام السياسي والعسكري وتزايد نفوذ المجموعات المسلحة».

وأضاف أن ما تكشفه التقارير الدورية لهذه الأجهزة الرقابية «لا يعكس الحجم الحقيقي للفساد في ليبيا»، لافتاً إلى أن «وقائع الفساد المرصودة من ديوان المحاسبة تبقى حبيسة الأدراج، دون مسار قضائي فعلي».

وسبق أن شدّدت البعثة الأممية على ضرورة تحصين المؤسسات الرقابية من أي نفوذ سياسي أو تدخل من تشكيلات مسلحة، وذلك خلال لقاء نائبتَي المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، في طرابلس الأسبوع الماضي مع رئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك.

وتستشعر أحزاب ليبية خطورة ما ورد في تقرير فريق الخبراء المعني بليبيا، الذي كشف عن «تشابك بين السلطة وحملة السلاح، والاقتصاد غير المشروع»، واعتبر «التحالف الليبي لأحزاب التوافق الوطني» ذلك «نمط حكم موازياً تُدار فيه الموارد خارج الأطر القانونية وتتآكل فيه أدوات الرقابة».

وعلى مدار السنوات الماضية، تعرض ديوان المحاسبة الليبي لاقتحامات متكررة من قبل ميليشيات مسلحة دون إجراءات ردع كافية. بل خُطف رضا قرقاب، وهو أحد مديري ديوان المحاسبة، عام 2020، وسط اتهامات متبادلة بين الديوان ووزارة الداخلية بشأن «عرقلة أعمال الرقابة».

وفي ظل الانقسام السياسي، تتركز تقارير ديوان المحاسبة في طرابلس على غرب البلاد، بينما لا تُنشر تقارير عن فرعه في الشرق الخاضع لسلطة «الجيش الوطني» الليبي بقيادة خليفة حفتر.

لكن تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أشار إلى أن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة و«الجيش الوطني» «استخدما آليات مرتبطة بتهريب النفط في سياقات تتصل بالتمويل والتسليح».

رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة خلال إطلاق استراتيجية مكافحة الفساد في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

ويصف مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» الدكتور مصطفى بن حكومة، هذه الممارسات بأنها «فساد بقوة السلاح»، عاداً أن «هذا النمط الهجين الذي يتداخل فيه النفوذ المسلح للميليشيات مع المصالح الاقتصادية والسياسية بات أحد أبرز العوائق أمام عمل الأجهزة الرقابية وسبباً رئيسياً في تعطّل مسارات الإصلاح وبناء الدولة».

ويحذر بن حكومة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من «مخاطر مستقبلية»، منها «تهديد وحدة الدولة عبر ترسيخ مراكز قوى موازية للسلطة الشرعية، وتآكل فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وإعاقة الاستثمار والتنمية الاقتصادية، إضافة إلى تعزيز اقتصاد الظل وتغذية شبكات غير رسمية تتحكم في الموارد».

وسبق أن أطلقت حكومة غرب ليبيا استراتيجية لمكافحة الفساد في نهاية عام 2024. وتشير تقارير دولية إلى تراجع ترتيب البلاد في مؤشر مدركات الفساد، إذ جاءت في المرتبة 177 من أصل 182 دولة عام 2025، مقارنة بالمرتبة 173 من أصل 180 دولة في 2024، وفق منظمة الشفافية الدولية.

وخلصت دراسة أكاديمية في جامعة فزان، بجنوب ليبيا، حول معوقات أداء الرقابة، إلى أن الانقسام وعدم الاستقرار السياسي يضعفان استقلالية العاملين بديوان المحاسبة ويؤثران سلباً على أدائهم. علماً بأن الدراسة التي أعدّها الباحثان هشام مسعود وإسراء دنكم شملت 70 موظفاً بالديوان.

ويتفاقم القلق مع نذر انقسام القضاء الليبي منذ نهاية العام الماضي، مع تشظيه بين مجلسين في طرابلس وبنغازي، ما يثير مخاوف «من ضعف قبضته في مكافحة الفساد».

ويرى مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» أن التحدي الرئيسي يتمثل في استعادة سيادة القانون بوصفه المرجعية الوحيدة لإدارة الشأن العام، مشدداً على «ضرورة توحيد المؤسسات السيادية، وفكّ الارتباط بين السلاح والاقتصاد، وتمكين القضاء من ملاحقة قضايا الفساد، وتوسيع الشفافية عبر رقمنة المعاملات الحكومية للحدّ من التدخلات».