ليبيا في 2023... عام آخر ينقضي والقادة يتنازعون كراسي السلطة

«الحروب السياسية» تقوّض «حلم الانتخابات»

مجلس النواب أحد الأطراف الخمسة التي دعاها باتيلي لحضور الاجتماع الخماسي (المجلس)
مجلس النواب أحد الأطراف الخمسة التي دعاها باتيلي لحضور الاجتماع الخماسي (المجلس)
TT

ليبيا في 2023... عام آخر ينقضي والقادة يتنازعون كراسي السلطة

مجلس النواب أحد الأطراف الخمسة التي دعاها باتيلي لحضور الاجتماع الخماسي (المجلس)
مجلس النواب أحد الأطراف الخمسة التي دعاها باتيلي لحضور الاجتماع الخماسي (المجلس)

انقضى عام 2023 ولم يتمكّن قادة ليبيا من تحقيق أهم طموحات الشعب؛ المتمثلة في إنهاء الانقسام، وإجراء الانتخابات العامة، والقضاء على الفساد. ورغم ذلك فإن هناك مَن يراه عاماً أفضل من سابقيه، لكنهم في كل الأحوال يحمّلون ساستهم مسؤولية «تعقّد الأزمة السياسية، وتقويض حلم الاستحقاق المُنتظر».

يعزو المتفائلون مبرراتهم إلى تراجع الجرائم وإراقة الدماء، مقارنة بما شهدته ليبيا في فترات سابقة، إلى جانب الحد من العمليات الإرهابية، ووقف التصعيد العسكري بين جبهتَي شرق البلاد وغربها إثر توقيع هدنة، يُنظر إليها على أنها لا تزال متماسكة.

باتيلي يتوسط اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) في مدينة بنغازي (البعثة الأممية)

وما بين التفاؤل والإخفاق، يرى سياسيون ومتابعون للأوضاع في ليبيا أن العام انقضى في سجالات وحروب سياسية، حول معضلة المسار القانوني للاستحقاق المؤجل، وبحث معالجة الآثار الدامية للإعصار الذي ضرب درنة ومدناً بشرق ليبيا، دون التوصُل إلى توافق بشأن الانتخابات... لينتهي العام من حيث بدأ، محطة تلي أخرى.

وهنا، يلخص رئيس «تكتل إحياء ليبيا» عارف النايض، المشهد العام في بلده، بأن «الشعب لم ينتخب رئيساً له قط منذ 2011، والطبقة السياسية المتنفذة تحرم الليبيين من هذا الاستحقاق».

عارف النايض رئيس "تكتل إحياء ليبيا" (الشرق الأوسط)

رغبات متعارضة

انفتح عام 2023 على موجة تفاؤل واسعة بين عموم الليبيين الذين كانوا يأملون في كسر حالة الجمود السياسي وتحقيق ما فاتهم من فرصة إجراء الانتخابات، وتوحيد مؤسسات الدولة. في تلك الأثناء كان المبعوث الأممي عبد الله باتيلي، يستمع لوجهات نظر «الأطراف الفاعلة» محلياً، حول شكل القوانين اللازمة للاستحقاق.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة» في ليبيا (حكومة الوحدة)

هناك كان المشهد «الفسيفسائي» المتشظي تتقاسمه رغبات متعارضة، يرى متابعون أنها تستهدف «كراسي السلطة»، فرئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، يبدي استعداده لإجراء الانتخابات، مشترطاً «وجود قوانين عادلة قابلة للتنفيذ»، بينما يطالب القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، بحكومة «تكنوقراط» لإدارة الانتخابات المنتظرة، في وقت يتمسك فيه المجلس الرئاسي، بقيادة محمد المنفي، بخيار «المصالحة الوطنية».

على أثر ذلك، وبعد مرور شهرين ونصف الشهر على تسلمه مهامه، انتهى باتيلي في أول إحاطة له أمام مجلس الأمن الدولي في 27 فبراير (شباط) 2023 إلى أن «النخبة السياسية في ليبيا تعيش أزمة شرعية حقيقية»، وأنه «إلى اليوم لم ينجح مجلسا النواب و(الدولة)، في التوافق حول القوانين اللازمة».

حفتر ناقش مع نورلاند مبادرة باتيلي «لإجراء جولة جديدة للحوار بين الأطراف السياسية» (الجيش الوطني)

في هذه الأثناء أطلق باتيلي مبادرة تهدف إلى التمكين من إجراء الانتخابات خلال عام 2023، من خلال تشكيل لجنة «رفيعة المستوى»، لكن «النواب» و«الدولة» رفضا هذا التوجه، وسارعا إلى تشكيل ما عرف بلجنة «6 زائد 6» المشتركة.

وبعد لقاءات ومداولات احتضنها المغرب، توصّلت اللجنة إلى مخرجات بشأن قانونَي الانتخابات، وبعد أن تسلمها مجلس النواب أجرى تعديلات عليها، غير أنها قوبلت باعتراض من «الأعلى للدولة» الذي تمسك بما انتهت إليه اللجنة بمدينة بوزنيقة المغربية. وعليه لا تزال ليبيا - حتى الآن - رهن سجالات المجلسين، لتدخل البلاد عاماً جديداً محمّلة بملفات الماضي وتعقيداته، فضلاً عن أحلامه المُجهضة.

وأبدى النايض، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أسفه لـ«استمرار مجلسي النواب والدولة في ممارسة أعمالهما، رغم مرور 9 أعوام على انتخاب الأول، و11 على الثاني»، معرباً عن أمله في أن «تتشكل حكومة (تكنوقراط) مصغرة بشكل عاجل، تقود البلاد فعلياً إلى إجراء الاستحقاقات الانتخابية التي طال انتظارها».

العسكريون والسياسيون

وبموازاة مناكفات السياسيين، قطع المسار العسكري في ليبيا، ممثلاً في اللجنة المشتركة «5 زائد 5»، خطوة على طريق العمل على تأمين الحدود، وتثبيت «هدنة وقف إطلاق النار»، والاستعداد لدعم العملية السياسية التي تنتهي بعقد الانتخابات.

ولم تمر اجتماعات القادة العسكريين الممثلين لجبهتَي شرق ليبيا وغربها من دون إشادات باتيلي، الذي أعيته «ملاعيب السياسيين»، إذا قال: «هؤلاء الرجال الذين يرتدون الزي العسكري يقومون بدور بطولي، ولو توفر لدى السياسيين مثل هذا العزم، والالتزام والحسم في اتخاذ القرارات، فسوف تنتهي أزمة ليبيا».

وإذا كان البعض يرى أن عام 2023 انقضى دون إحداث اختراق حقيقي لجهة توحيد مؤسسات الدولة، ومن بينها الجيش المنقسم بين شرق البلاد وغربها، فإن هناك آخرين يعدّون الاجتماعات النادرة التي يعقدها قادة المؤسسة العسكرية في طرابلس وسرت وبنغازي، «نجاحاً، قد يسفر في قادم الأيام عن التئام المؤسسة العسكرية».

وسبق للبعثة الأممية تيسير اجتماع ببنغازي في بدايات فبراير 2023 ضم رئيس الأركان العامة بالمنطقة الغربية الفريق محمد الحداد، ونظيره رئيس الأركان العامة لـ«الجيش الوطني»، الفريق عبد الرازق الناظوري.

المنفي مستقبلاً باتيلي في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)

وبعد شهرين تكررت مباحثات «الحداد - الناظوري» في بنغازي، وهو الاجتماع الذي عدّه مراقبون تقارباً مهماً لاستكمال المناقشات بشأن ملف توحيد المؤسسة التي تعاني الانقسام منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011.

ومهّد لهذين الاجتماعين، لقاءان سابقان لقيادات عسكرية رفيعة احتضنتهما العاصمة طرابلس، ومدينة سرت، لكن بدا أن «حروب» القادة السياسيين ألقت بظلالها على المسار العسكري هو الآخر، بالنظر إلى أن اجتماعات قادته لم تترجم إلى خطوات ملموسة على الأرض مع قرب نهاية العام.

غير أن أحد مشايخ ليبيا المهتمين بالمصالحة الوطنية، يقلل من وقع ذلك، معتقداً في حديث إلى «الشرق الأوسط» بأن عام 2024 «ربما يمثل انفراجة» لبلده، الذي قال إنه «يسير نحو الأفضل، باستثناء توجهات بعض ساسته المتصارعين على كراسي السلطة، الذين بددوا أحلام الشعب، وثرواته».

الخمسة الكبار

وأمام تمسك كل من مجلسي النواب و«الدولة» بما يريانه صواباً لجهة إعداد قانونَي الانتخابات، اضطر باتيلي إلى تفعيل مبادرته المُعطلة، بدعوة «الخمسة الكبار» في ليبيا للمشاركة في اجتماع يهدف إلى مناقشة القضايا الخلافية المرتبطة بقانونَي الاستحقاق.

مجلس النواب أحد الأطراف الخمسة التي دعاها باتيلي لحضور الاجتماع الخماسي (المجلس)

ولم يتحدد موعد الاجتماع الذي دعا إليه المبعوث الأممي، المدعوم دولياً، لكن الدعوة وُجهت إلى «الخمسة الكبار»، وهم حفتر، وصالح، بالإضافة إلى المنفي والدبيبة، إلى جانب رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، بالإضافة إلى باتيلي.

وإذ يوشك العام أن ينتهي بما بدأ به... فصراع النفوذ مستعر، والتنازع على كرسي السلطة قائم، وسط رهان على أن يطوي النسيان كارثة إعصار درنة التي خلفت آلاف القتلى والمفقودين، وفق ما يراه محللون، لذا حذّر النايض، من أنه «إذا ما خالفت الطبقة الحاكمة وعودها مرة أخرى في تشكيل حكومة بشكل عاجل، فلا نعتقد بأن الشعب الليبي سيصبر عليها طويلاً؛ ولن تكون العواقب سليمة على بلد مزقته الحروب والخلافات قرابة ثلاثة عشر عاماً».

وانتهى النايض، عادّاً أن «أكبر خيبة أمل مُني بها الليبيون في 2023، هي عدم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي وُعدوا بها».

كارثة الإعصار

وكارثة الإعصار الذي ضرب مدناً بشرق ليبيا، في 10 سبتمبر (أيلول) 2023، لا تزال تلقي بظلالها على البلاد والعباد؛ فالسيول الهادرة أتت على ربع مدينة درنة، المطلة على ساحل البحر المتوسط، وقتلت وشردت عشرات الآلاف، وسط اتهامات بأن «الفساد» هو الذي أدى إلى تعاظم الخسائر.


ولم تصدر حكومة شرق ليبيا إحصائية نهائية بعدد قتلى الإعصار، لكن وزارة الداخلية التابعة لها أفادت في منتصف سبتمبر بوقوع 5300 قتيل جراء السيول. ومنذ وقوع الكارثة عملت فرق الإنقاذ على استخراج كثير من الجثث يومياً من تحت ركام البنايات، أو من البحر، بينما صعدت توقعات المسؤولين عن عدد القتلى إلى أكثر من 20 ألف ضحية.


وأدت الأمطار المنهمرة بكميات هائلة إلى انهيار سدّين في درنة، فتدفقت المياه بقوة وبارتفاع أمتار عدة في مجرى نهر يكون عادة جافاً، وجرفت معها أجزاءً من المدينة بأبنيتها وبناها التحتية، مما تسبب في نزوح أكثر من 43 ألف شخص؛ وفق الأمم المتحدة حينها.

وأمام تبادل الاتهامات عن المتسبب في ازدياد آثار الكارثة، فتحت النيابة العام الليبية تحقيقاً، وتبين لها أن السدّين اللذين انهارا ظهرت فيهما تشقّقات منذ عام 1998 ولم يجر إصلاحها؛ علماً بأن المخصصات المالية المطلوبة تم صرفها. وقال الدبيبة، عقب وقوع الكارثة، إنه عند مراجعة الأوراق الخاصة بعقود صيانة سدي مدينة درنة: «أبو منصور» و«وادي درنة»، اكتُشف أن «العقود لم تستكمل، على الرغم من تخصيص عشرات الملايين لهذا الغرض».

ومع رحيل فرق الإنقاذ العربية والدولية، التي ساهمت في تخفيف تأثيرات الأزمة، لا تزال مدينة درنة المنكوبة على حالها، فكثير من المواطنين يعانون أزمات نفسية عميقة، جراء الأهوال التي شاهدوها وأدت لفقد أسرهم، بينما يتصاعد التجاذب بين حكومتي شرق ليبيا وغربها حول ملف إعادة الإعمار الذي يراوح في مكانه.



مقالات ذات صلة

ما حقيقة «تنافس» أبناء حفتر على «مراكز النفوذ» في ليبيا؟

شمال افريقيا صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)

ما حقيقة «تنافس» أبناء حفتر على «مراكز النفوذ» في ليبيا؟

تتضارب الآراء بشأن صعود أبناء المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» إلى الواجهة بشرق ليبيا؛ بين قراءة تراه «صراع نفوذ»، وأخرى تؤكد أنه «توزيع للأدوار»

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة في اجتماع أمني سابق بطرابلس (مكتب الدبيبة)

«نقاط تمركز» التشكيلات المسلحة تعيد التوتر إلى طرابلس الليبية

تجددت الخلافات حول نقاط التمركز في العاصمة الليبية، ما يكشف عن هشاشة الترتيبات الأمنية التي سبق اتخاذها في ظل صراع النفوذ بين التشكيلات المسلحة في طرابلس.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مدرسة عمر المختار للتعليم الثانوي بغرب ليبيا يوم الأحد (حراك المعلمين بالقره بوللي)

«المعلمين» تضيِّق الخناق على «الوحدة» وتعلن الإضراب بجميع مدارس ليبيا

أعلنت النقابة العامة للمعلمين في ليبيا إضراباً عاماً بجميع المدارس، للمطالبة بزيادة الأجور والتأمين الصحي، وسط مطالبات حكومية باستئناف الدراسة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حقل الشرارة النفطي (وكالة الأنباء الليبية)

ليبيا: إعادة فتح خط أنابيب للنفط بعد إغلاقه من قبل جماعة مسلحة

أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، عن إعادة فتح خط أنابيب للنفط كانت مجموعة مسلحة قد أغلقته منذ عدة أيام، ما تسبب وفقا للمؤسسة بخسائر بلغت 95 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
شمال افريقيا مصفاة نفط الزاوية (الصفحة الرسمية للمصفاة)

الإغلاقات تلاحق قطاع النفط الليبي وتعمّق خسائره

أوضحت «المؤسسة الوطنية للنفط» في بيان، السبت، أن إغلاق الصمام رقم 7 على خط «الشرارة - الزاوية» أجبرها على وقف إحدى وحدات التكرير.

خالد محمود (القاهرة )

موريتانيا: خفر السواحل ينقذ 260 مهاجراً غير نظامي

خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)
خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)
TT

موريتانيا: خفر السواحل ينقذ 260 مهاجراً غير نظامي

خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)
خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)

أنقذت وحدات خفر السواحل الموريتانية، الأحد، 260 مهاجراً غير نظامي بعدما رصدت زورقين قبالة سواحل العاصمة نواكشوط كانا قد أبحرا من مدينة بانجول، عاصمة غامبيا، في طريقهما نحو جزر الكناري الإسبانية.

وذكر إيجاز صحافي صادر عن خفر السواحل أن الزورقين أمضيا نحو سبعة أيام في عرض البحر قبل أن تتمكن الوحدات البحرية من رصدهما، والتدخل لإنقاذ جميع من كانوا على متنهما.

وبحسب البيان، فإن الأشخاص الذين تم إنقاذهم هم 132 سنغالياً، و120 من غامبيا، و4 من غينيا، واثنان من نيجيريا، واثنان من مالي؛ وكان من بينهم 61 امرأة، و17 طفلاً.

يأتي هذا في سياق تصاعد لافت لحركة قوارب الهجرة على الساحل الموريتاني الذي بات يشكل أبرز نقاط العبور على «طريق الأطلسي» نحو جزر الكناري الإسبانية.

فمنذ مطلع العام الحالي، وحتى منتصف يوليو (تموز)، سجلت السلطات الموريتانية 17 عملية إنزال في نواكشوط ونواذيبو، أتاحت إنقاذ 2147 مهاجراً، بحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين.

وفي 21 من الشهر ذاته، أعلنت المفوضية وفاة أو فقدان 144 مهاجراً في ثلاث عمليات إنقاذ متتالية قبالة السواحل الموريتانية خلال أسبوع واحد، كان أغلبهم في قارب انطلق من منطقة بوفالوتو في غامبيا، وظل تائهاً في البحر 25 يوماً قبل العثور عليه، ولم ينجُ منه سوى 38 شخصاً.

وفي 7 يونيو (حزيران) الماضي، أعلن خفر السواحل مقتل مهاجرة، وإنقاذ 192 آخرين قبالة نواكشوط، في ثاني عملية من نوعها خلال خمسة أيام فقط، بعد إنقاذ 110 مهاجرين من جنسيات أفريقية إثر تعطل زورقهم.

وفي 21 أغسطس (آب) أنقذ خفر السواحل أكثر من 300 مهاجر، بينهم 40 طفلاً، من قارب خشبي مكتظ قبالة ميناء نواذيبو، بعد أيام قليلة من إنقاذ 42 مهاجراً آخرين من قارب متعطل.

من عملية إنقاذ مهاجرين غير نظاميين بينهم نساء وأطفال (خفر السواحل الموريتاني)

ويعكس هذا التواتر في عمليات الإنقاذ، التي لم تعد تفصل بينها سوى أيام معدودة في بعض الأحيان، ضغطاً متصاعداً على قدرات خفر السواحل الموريتاني، في وقت تشير فيه منظمات حقوقية إلى أن الأرقام الرسمية للناجين تخفي واقعاً أكثر قتامة من الوفيات، وحالات الفقد في عرض المحيط.

وبحسب منظمة «كاميناندو فرونتيراس» غير الحكومية، توفي أكثر من 1300 مهاجر أثناء محاولتهم بلوغ السواحل الإسبانية خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي.

ويغلب على شبكات التهريب النشطة على هذا المحور اعتماد قوارب خشبية تقليدية مكتظة تنطلق في معظمها من بانجول في غامبيا، وسواحل السنغال، وغينيا، في رحلات قد تمتد لأسابيع دون احتياطات كافية من الماء، والغذاء، والوقود، ما يعرض ركابها لمخاطر جسيمة حال تعطل المحركات، أو انحراف المسار.

وقد دفعت الضغوط الأمنية المتزايدة في المغرب وموريتانيا، بدعم أوروبي، بعض هذه الشبكات إلى إزاحة نقاط الانطلاق جنوباً نحو غامبيا، وغينيا، بحسب ما ترصده منظمات متخصصة في رصد حركة الهجرة.

وتصف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين «طريق الأطلسي» بأنه «أحد أخطر ممرات الهجرة في العالم»، نظراً لطول المسافات، وصعوبة التوقعات البحرية، واكتظاظ القوارب غير الصالحة للإبحار، ومحدودية فرص الوصول السريع لعمليات الإنقاذ.


ما حقيقة «تنافس» أبناء حفتر على «مراكز النفوذ» في ليبيا؟

صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)
صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)
TT

ما حقيقة «تنافس» أبناء حفتر على «مراكز النفوذ» في ليبيا؟

صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)
صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)

عزّز صعود 3 من أبناء المشير خليفة حفتر، قائد «الجيش الوطني» الليبي، إلى مواقع مؤثرة في المشهدين العسكري والتنموي بشرق ليبيا، التساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بينهم، وما إذا كانت «تنافساً» على «مراكز النفوذ» أم توزيعاً للأدوار ضمن قيادة مركزية واحدة.

وخلال السنوات الأخيرة، تعزز حضور أبناء حفتر في مواقع قيادية داخل مؤسسات نافذة؛ إذ يشغل صدام (النجل الأصغر) منصب نائب قائد «الجيش الوطني» منذ صيف العام الماضي، فيما يتولى شقيقه خالد رئاسة الأركان العامة، بينما يدير بالقاسم منذ فبراير (شباط) 2024 «صندوق إعادة إعمار ليبيا»، الذي منحه البرلمان صلاحيات واسعة في ملف الإعمار.

أما صديق وعقبة حفتر، فيظهران في مواقع أقل تأثيراً؛ إذ ينشط الأول في الوساطات القبلية لـ«المصالحة الوطنية»، بينما يعمل الثاني في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي.

بالقاسم حفتر يقبل رأس والده خلال حفل افتتاح جامعة بنغازي هذا الشهر (القيادة العامة)

وأعادت تحركات 86 نائباً، الأسبوع الماضي، لتعديل النظام الداخلي لمجلس النواب بما قد يفتح الطريق أمام تغيير رئيسه عقيلة صالح، التساؤلات بشأن احتمال وجود تباين بين صدام وخالد، سواء بين نشطاء محليين أو في وسائل إعلام دولية.

ووفق موقع «أفريكا إنتليجنس»، فقد دعم صدام هذه التحركات البرلمانية، فيما تحدثت تقارير عن دور لخالد في «منع انعقاد الجلسة، ودعمه عقيلة صالح في رئاسة المجلس». كذلك سبق أن سلطت صحيفة «لوموند» الفرنسية الضوء على هذا التنافس المحتمل، في تقرير نشرته الشهر الماضي.

تكهنات وفرضيات

ومن بين الليبيين من يتفق مع وجهة النظر القائلة بأن هناك «تنافساً»، بل «صراع نفوذ»؛ إذ يرى المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أنه «وصل إلى تصعيد غير مسبوق، بين مشروع يقوده صدام حفتر في مقابل خالد وبالقاسم».

وسلّط محفوظ، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، الضوء على «إشارات سابقة على هذا الصراع أخرجتها الجلسة الأخيرة للبرلمان إلى العلن، وتحول إلى نزال بين مدونين تابعين للطرفين»، وهي وجهة نظر يتفق معها جلال حرشاوي، الباحث المشارك في «المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة».

في المقابل، تحدثت مصادر مقربة من قيادة «الجيش الوطني» إلى «الشرق الأوسط» عن أن هذه الفرضية «غير صحيحة»، وأن الأمر لا يتجاوز توزيعاً للمهام ضمن قيادة مركزية واحدة.

ويرى الباحث العسكري المقرب من «الجيش الوطني» محمد الترهوني أن «اختلاف وجهات النظر بين القادة في بعض الملفات أمر غير مستبعد، لكن الوصول إلى خلاف أو صراع علني مستبعد».

ويعتقد الترهوني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بوجود تنافس «على الإنجاز وليس النفوذ»، عادّاً أن تحركات خالد وصدام تستهدف «حماية مستقبل المؤسسة العسكرية والحيلولة دون محاولات بعض القوى السياسية التأثير في القيادة العامة».

المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» (القيادة العامة)

وكان تعيين صدام نائباً لقائد «الجيش الوطني» في صيف العام الماضي قد فتح مبكراً باب التكهنات بشأن مستقبل القيادة في شرق ليبيا. وطرح مركز سيمبسون الأميركي للأبحاث قراءة عن احتمال ترسيخ موقع صدام في مسار الخلافة، مقابل ما قد يؤدي إليه ذلك من تهميش لشقيقه خالد، رغم توليه رئاسة الأركان.

وزادت التساؤلات بشأن دور صدام مستقبلاً مع «المبادرة الأميركية» لتوحيد المؤسسات والسلطة التنفيذية في ليبيا، مع تداول تقارير إعلامية عن تسريبات بشأن صيغة مقترحة تقضي بتولي صدام رئاسة المجلس الرئاسي، مقابل تولي عبد الحميد الدبيبة رئاسة الحكومة الموحدة.

«تسلسل هرمي واضح»

في أبريل (نيسان) الماضي، صدرت تصريحات منسوبة إلى خالد حفتر تتحدث عن «رفض الاستمرار في أي ترتيبات سياسية مدعومة بأجندات خارجية من شأنها إطالة أمد الأزمة»، وهو ما فُهم حينها على أنه إشارة إلى رفض مبادرة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس.

لكن الباحث السياسي محمد مطيريد يرى أن موقف قيادة «الجيش الوطني» المرحِب بـ«المبادرة الأميركية»، الصادر بعد ذلك بشهرين، ينفي هذه الفرضية. واستشهد، في إفادته لـ«الشرق الأوسط»، بـ«اجتماع غير معلن إعلامياً قبل أسبوعين بين خالد وصدام لبحث آخر المستجدات».

ويرى الترهوني أن كلاً من صدام وخالد ينتمي إلى «مؤسسة عسكرية منضبطة، تقوم على تسلسل هرمي واضح في إصدار الأوامر وتنفيذها»، مضيفاً: «لم نرَ حتى الآن تدخلاً مباشراً من خالد وصدام في المشهد السياسي، أو تحركات تشير إلى وجود تنافس معلن بينهما».

وفي ما يتعلق ببالقاسم، قال الترهوني إن عمله في «صندوق إعادة إعمار ليبيا» ينصبّ على تنفيذ المشروعات ودفع العملية التنموية في شرق البلاد.

وسبق أن طرح «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية» احتمال نشوء صراع يتجاوز حدود التنافس بين الأبناء ضمن سيناريوهات تتعلق بمستقبل القيادة.

ويقلل المحلل السياسي المقرب من «الجيش الوطني» عبد الله الديباني، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، من احتمالات نشوب صراع مستقبلي بين أبناء حفتر، معتبراً أن «توزيع المهام يجري وفق رؤية مركزية واحدة؛ وأن الأدوار العسكرية والأمنية والتنموية تمضي في إطار تكاملي، ولا تعني وجود تنافس على النفوذ».

وبين حديث عن «تنافس محتمل وتوزيع للأدوار»، تبقى مواقع أبناء حفتر مؤثرة في قراءة مستقبل القيادة بشرق ليبيا، من دون دليل حاسم، حتى الآن، على وجود صراع بينهم.


البرهان يتحدّى واشنطن بعد رفض تأشيرته


البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)
TT

البرهان يتحدّى واشنطن بعد رفض تأشيرته


البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)

أبدى رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، تحدّيه لواشنطن، رافضاً ما وصفه بـ«الابتزاز»، معلناً عدم رغبته في الحصول على أي تأشيرة سفر، وبقاءه داخل السودان، وذلك في إشارة إلى قرار الولايات المتحدة عدم منحه تأشيرة دخول إلى أراضيها للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي.

وكان البرهان يعتزم قيادة وفد بلاده إلى الدورة الـ81 للجمعية العامة في نيويورك لإلقاء كلمته يوم 24 سبتمبر (أيلول) الحالي، إلا أن واشنطن رفضت منحه تأشيرة دخول.

وكانت وكالة «رويترز» قد نقلت عن مصادر قولها إن إصدار التأشيرة الأميركية كان مرهوناً بموافقة البرهان على هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً في الحرب الأهلية الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، اقترحها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، لكن البرهان رفضها وتعهد مواصلة الحرب.