«رئاسية مصر»: ما حدود دور «الإخوان»؟

بعدما أبقى الطنطاوي الباب مفتوحاً أمام عودتهم حال انتخابه

رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات في مصر خلال مؤتمر صحافي (الاثنين) الماضي بشأن الانتخابات الرئاسية (أ.ف.ب)
رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات في مصر خلال مؤتمر صحافي (الاثنين) الماضي بشأن الانتخابات الرئاسية (أ.ف.ب)
TT

«رئاسية مصر»: ما حدود دور «الإخوان»؟

رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات في مصر خلال مؤتمر صحافي (الاثنين) الماضي بشأن الانتخابات الرئاسية (أ.ف.ب)
رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات في مصر خلال مؤتمر صحافي (الاثنين) الماضي بشأن الانتخابات الرئاسية (أ.ف.ب)

أثار تلميح أحمد الطنطاوي، أحد المرشحين المحتملين لخوض انتخابات الرئاسة المصرية، بشأن إمكانية عودة تنظيم «الإخوان» إلى المشهد السياسي حال انتخابه، ردود فعل واسعة، وسط مؤشرات على دعم شخصيات محسوبة على التنظيم لذلك المرشح، وانتقادات من جانب شخصيات حزبية ونشطاء له.

ما تردد طرح تساؤلات عدة بشأن مدى تأثير التنظيم (الذي تحظره السلطات المصرية) وأنصاره في الانتخابات الرئاسية المقبلة، سواء عبر دعم أحد المرشحين لخوض المنافسة، أو من خلال مشاركتهم بالتصويت في الاقتراع المقرر في ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وأبقى الطنطاوي الباب مفتوحاً أمام احتمالات عودة «الإخوان» إلى الساحة السياسية حال انتخابه. وأشار في مقابلة مصورة مع إحدى المنصات الإعلامية على شبكة «الإنترنت» إلى أنه «يرفض استبعاد أي فصيل سياسي من الساحة». واستشهد في هذا الصدد «بما تم مع (الحزب الوطني) الحاكم في مصر قبل 2011، عندما تمت محاكمة بعض قياداته، (من دون أن يتم إقصاء أعضائه من العمل السياسي)».

وأعلنت الحكومة المصرية في نهاية ديسمبر 2013 «الإخوان»، «تنظيماً إرهابياً». وأكدت حينها أن «جميع أنشطته بما فيها التظاهر محظورة». وقضت المحكمة الإدارية العليا في مصر في أغسطس (آب) 2014 بحل حزب «الحرية والعدالة» الذراع السياسية للتنظيم.

كما استبعدت القوى السياسية المصرية، «الإخوان» من «الحوار الوطني» الذي انطلق قبل أشهر بدعوة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بسبب ما عدّوه «تورط عناصر التنظيم في التحريض على العنف»، وفق ما أشار إليه المنسق العام للحوار الوطني، ضياء رشوان، في أكثر من مناسبة بأن مجلس أمناء الحوار الوطني «أجمع على استبعاد (الإخوان)».

وهذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها الطنطاوي اتهامات بـ«تعاطفه مع (الإخوان)»، إذ ذكرت حملته الانتخابية، في تصريحات سابقة، أن برنامجه الانتخابي «يرحب بـ(تنظيم الإخوان) وعودته للمشهد السياسي المصري، وأنه ليس من الطبيعي استبعاد أي شخص طالما يحمل بطاقة الرقم القومي (الهوية) المصرية».

وفي عام 2019، وجه المرشح المحتمل دعوة للسلطات المصرية للتصالح مع «الإخوان» تحت ما وصفه وقتها بـ«الإصلاح السياسي»، داعياً حينها لعودة التنظيم إلى العمل السياسي، و«فتح الطريق أمام مصالحة واسعة مع عناصر التنظيم الفارين خارج البلاد»، وهو ما دفع تحالف الأحزاب المصرية (الذي يضم 40 حزباً) إلى إصدار بيان أعلنوا فيه «رفضهم لمبادرة الطنطاوي». وعدّوها «محاولة مكشوفة يتستر خلفها من يسعون لهدم الدولة المصرية، خصوصاً (الإخوان) الذي يحاول العودة إلى المشهد السياسي من جديد»، حسب البيان.

في السياق ذاته، تحدثت تقارير إعلامية مصرية عن أن «قيادات بارزة في الحملة الانتخابية للطنطاوي كانت من بين عناصر التنظيم». وأبرزت تلك التقارير تدوينات سابقة للمنسق العام للحملة محمد أبو الديار، وأمين التدريب فيها إسلام بهي الدين، عبر منصات التواصل الاجتماعي، تشير إلى تعاطفهم مع «الإخوان»، في حين «لم يصدر عن الحملة أي نفي لما تردد».

وجاءت تصريحات الطنطاوي بشأن موقفه من «الإخوان» بعد أيام من ظهور تلفزيوني للقيادي البارز في التنظيم، حلمي الجزار، في إحدى القنوات التابعة لـ«الإخوان» التي تبث من خارج مصر، أعرب فيه عن «إعجابه بالمرشح المحتمل». وأشار إلى أن «حديثه متزن ومواقفه وطنية»، إلا أن الجزار استدرك خلال المقابلة مؤكداً أن «(الإخوان) لن يتقدّم بمرشح في الانتخابات الرئاسية».

من جانبه، أشار المحامي والكاتب مختار نوح، القيادي السابق في تنظيم «الإخوان»، إلى أنه «لا يُمكن الحديث عن تنظيم (واحد) اسمه (الإخوان)»، لافتاً إلى أن جبهة حلمي الجزار التي يُقدّر أنها «الأقل عدداً وتأثيراً»، هي التي تدعم الطنطاوي، عبر بعض عناصرها من الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، ممن أعلنوا مساندتهم للمرشح المحتمل.

وشكك نوح في قدرة الطنطاوي على استكمال إجراءات الترشح. وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن قواعد «الإخوان» في مصر «لن تتجه إلى تحرير توكيلات له»، مرجحاً أن تكون مشاركة تلك القواعد «محدودة وفردية»، بعدما فقد التنظيم قدرته على الحشد في ظل تفكك قيادته وصراعهم، وتشتت القواعد وابتعادها عن الشأن السياسي. وذهب القيادي السابق بتنظيم «الإخوان» إلى أن دعم المنصات الإعلامية التابعة للتنظيم لأحد المرشحين المحتملين للرئاسة «سيأتي بنتائج عكسية».

وأخيراً شهدت المنصات الإعلامية الداعمة لتنظيم «الإخوان» حشداً لافتاً لصالح الطنطاوي، إذ دعا القيادي الإخواني عبد الله الشريف، متابعيه عبر حسابه على موقع «إكس» (تويتر سابقاً) لجمع توكيلات للطنطاوي. ونشر صورة الهوية الشخصية للأخير.

وتسبب ذلك الدعم في إثارة العديد من ردود الفعل الرافضة لعودة «الإخوان» إلى الساحة السياسية، والمنتقدة لموقف الطنطاوي بشأنها، حيث وجه الإعلامي والبرلماني المصري مصطفى بكري، رسالة للمرشح المحتمل عبر تصريحات متلفزة قائلاً: «أنت تلعب لعبة خطيرة... ترشح أنت وغيرك وأعطي وجهة نظرك، لكن لا تبقى أداة لـ(الإخوان) وتذكر ما عمله (الإخوان)».

من جهته، استبعد نائب مدير مركز «الأهرام» للدراسات السياسية والاستراتيجية، الباحث المتخصص في النظم السياسية، الدكتور عمرو هاشم ربيع، أن يكون لتنظيم «الإخوان» أي دور في الانتخابات الرئاسية المقبلة، مشيراً إلى أن التنظيم «يعاني من سجن قياداته أو هروبهم إلى خارج مصر، بينما تخشى عناصره في الداخل (الملاحقات الأمنية)».

وأوضح ربيع لـ«الشرق الأوسط»، أن دعم بعض قيادات «الإخوان» أو الشخصيات المحسوبة عليه لأحد المرشحين المحتملين لا يعدو كونه «نوعاً من (المناكفة السياسية) أو حب الظهور ومحاولة (إثبات الوجود)». وشدد على أن التنظيم «لم تعد لديه أدوات التأثير التي كان يمتلكها، خصوصاً قدرته على حشد أنصاره في الاستحقاقات الانتخابية».


مقالات ذات صلة

تحركات لتطويق مسار تصعيد الحرب الإيرانية مع مؤشرات على وساطة ثلاثية

المشرق العربي الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

تحركات لتطويق مسار تصعيد الحرب الإيرانية مع مؤشرات على وساطة ثلاثية

حراك دبلوماسي محتمل يلوح في بداية الأسبوع الثالث من حرب إيران، بقيادة مصر وتركيا وسلطنة عمان، وسط اعتداءات إيرانية على دول بالمنطقة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع الدورة الخامسة لـ«لجنة التجارة المصرية-المغربية» في ديسمبر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

مصر تمنح تسهيلات جديدة لدخول المغاربة تتجاوز «المناوشات السوشيالية»

قدمت مصر «تسهيلات جديدة» تُمنح للمرة الأولى للمواطنين المغاربة الراغبين في زيارتها، تشمل منح تأشيرات متعددة صالحة لمدة 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا تراجع القوى الشرائية للمصريين مع زيادة الأسعار وتداعيات الحرب الأميركية الإيرانية (وزارة التموين المصرية)

تداعيات الحرب الإيرانية تصل إلى موائد المصريين

خاصمت منتجات الألبان مائدة حنان رمضان (49 عاماً) التي قررت التخلي عنها لصالح توجيه فاتورة إنفاقها إلى أخرى أكثر أهمية.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا لبناني يسير قرب ركام مبانٍ دمرتها غارات إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية الشهر الحالي (رويترز)

مصر تؤكد ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان لتهيئة مناخ المفاوضات

أكدت القاهرة «دعمها جهود مؤسسات الدولة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل ترابها الوطني».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا لقاء سابق بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وكايا كالاس الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي (الرئاسة المصرية)

مصر تطالب بتسريع صرف الشريحة الثانية من الدعم الأوروبي

طالبت مصر بتسريع تحويل الشريحة الثانية من حزمة الدعم الكلي المقدمة من الاتحاد الأوروبي، لدعم موازنة البلاد بما يساهم في التعامل مع تداعيات التصعيد الحالي.

أحمد جمال (القاهرة)

الجنوب الليبي... جبهة مفتوحة لتنافس سياسي وعسكري بين الشرق والغرب

عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
TT

الجنوب الليبي... جبهة مفتوحة لتنافس سياسي وعسكري بين الشرق والغرب

عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)

تحوّل الجنوب الليبي خلال الأشهر الأخيرة، إلى ساحة تنافس سياسي وعسكري مفتوحة بين الأفرقاء السياسيين في شرق البلاد وغربها، في ظل استمرار الانقسام الحكومي، والصراع على النفوذ منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011.

وترسخت رؤية نخب سياسية ليبية لهذا التنافس اللافت بعد تعيين سالم الزادمة نائباً لرئيس حكومة «الوحدة» الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، الأسبوع الماضي، وذلك بعد أشهر من إقالته من منصبه بوصفه نائباً لرئيس حكومة «الاستقرار»، المكلّفة من مجلس النواب في يوليو (تموز) الماضي.

ويرى سياسيون أن هذه الخطوة «تعكس سيولة التحالفات السياسية بين المعسكرين المتنافسين»، وتتماشى مع إعادة تموضع سياسي وأمني للقوى الليبية في الجنوب، الممتد على الحدود الجنوبية مع دول الجوار والغني بالموارد الاستراتيجية.

نائب رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا سالم الزادمة (متداولة)

وبهذا الخصوص، قالت العضوة السابقة في «المؤتمر الوطني العام»، نادية الراشد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يجري في الجنوب «يمثل جزءاً من إعادة رسم موازين القوى بين الشرق والغرب، تحسباً لأي مسار تفاوضي مقبل لتقاسم محتمل للسلطة».

وتذهب تقديرات بحثية صادرة عن «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، إلى أن الأحداث تأتي في سياق «استثمار الانقسامات المحلية، والتناقضات بين بعض القيادات المرتبطة بمعسكر الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، ضمن صراع أوسع للسيطرة على الإقليم الجنوبي، وتحويله إلى ورقة تفاوض في أي تسوية سياسية مستقبلية».

وتعد «عائلة الزادمة» من الأسر المؤثرة في الجنوب، حيث ينتمي أفرادها إلى قبيلة «أولاد سليمان»، التي حظيت بتحالف سابق مع حفتر. وإلى جانب سالم الزادمة، هناك شقيقاه حسن، وهو قيادي عسكري سبقت له قيادة إحدى كتائب «الجيش الوطني» في الجنوب، ورضوان، القيادي القبلي في المنطقة.

رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الفريق أول خالد حفتر خلال إفطار رمضاني مع عسكريين في جنوب غربي ليبيا (إعلام الجيش الوطني)

تاريخياً، اعتمد نظام القذافي على ترتيبات اجتماعية وأمنية محلية لإدارة الجنوب الليبي، وفي هذا السياق، يعيد «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية» التذكير بأن القذافي استعان بشخصيات قبلية ومحلية لضمان الاستقرار، على غرار تكليف مسعود عبد الحفيظ بإدارة مدينة سبها، التي تحولت في فترة معينة إلى منطقة خاضعة لإشراف أمني خاص لسنوات.

ولا ينفصل التحول السياسي الحاصل في الجنوب عن التطورات العسكرية، إذ تصاعد نشاط ما يعرف بـ«غرفة عمليات الجنوب» في مواجهة «الجيش الوطني الليبي» خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، خصوصاً بعد هجمات متزامنة، استهدفت 3 نقاط حدودية على الحدود مع النيجر نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي.

ومع استمرار الصراع الميداني، يتحدث الطرفان عن تحقيق تقدم في بعض المناطق، فيما تشير تقارير إلى دعم أطراف سياسية وإعلامية في غرب ليبيا لقائد «غرفة عمليات الجنوب»، محمد ودرقو، وهو دعم لم تُنفِه حكومة الدبيبة.

الباحث العسكري، محمد الترهوني، يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن ظهور «غرفة عمليات الجنوب» يعكس محاولة لإعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي، أكثر من كونه جهداً لترسيخ الاستقرار، متحدثاً عن «معلومات متطابقة عن دعم أطراف في غرب ليبيا لهذا التمرد في جنوب البلاد».

وفي السياق ذاته، يقول رئيس «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، أشرف عبد الله، إن «تشكيلات مسلحة في الجنوب تحركها حسابات مصلحية، أكثر من ارتباطها بمشروع سياسي واضح»، مشيراً إلى أن ولاءاتها تتغير وفق ميزان القوة والتمويل.

لكن مآلات هذا الصراع العسكري في الجنوب الليبي تبدو تحت رحمة «الطبيعة الجغرافية المعقدة للجنوب، التي تجعل السيطرة العسكرية الكاملة صعبة»، وفق عبد الله، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المساحة واسعة، والبنية الأمنية والاجتماعية ضعيفة، ما يحد من قدرة أي طرف على فرض سيطرة شاملة».

عبد الحميد الدبيبة يصافح أحد عناصر تشكيل مسلح في غرب البلاد (مكتب الدبيبة)

وبحسب توقعات «المركز البحثي الليبي»، فقد يسعى «الجيش الوطني» لتعزيز حضوره في الجنوب الشرقي، خصوصاً في مناطق الكفرة وجبل العوينات والقواعد العسكرية القريبة من تشاد، بينما تحاول القوات الموالية لحكومة الدبيبة توسيع نفوذها في الجنوب الغربي، نحو الجزائر والنيجر ومحيط غات والمعابر الصحراوية.

كما يحظى البعد الاقتصادي بحضور بارز في تفاعلات هذا الملف، إذ يلفت الباحث السياسي خالد الحجازي، إلى احتضان الجنوب حقولاً نفطية كبرى؛ مثل حقلي الشرارة والفيل، إلى جانب ثروات معدنية ضخمة مثل الذهب، ما يمنح السيطرة عليها وزناً اقتصادياً وسياسياً في أي مسار تفاوضي.

يشار إلى أن حقل الشرارة يعدّ الأكبر في ليبيا، إذ يصل إنتاجه إلى نحو 240 ألف برميل يومياً، بما يعادل نحو 25 في المائة من إجمالي إنتاج الخام في البلاد.

ولا يقتصر الصراع على المنافسة الداخلية؛ بل يتقاطع مع تحولات إقليمية ودولية. وبهذا الخصوص، تقول نادية الراشد إن «التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والتنافس الدولي على النفوذ، يجعلان الجنوب الليبي ورقة استراتيجية لإعادة تشكيل موازين القوى في ليبيا ودول الساحل والصحراء».

وبحسب الحجازي، فإن الجنوب أصبح ساحة تجاذبات إقليمية ودولية نظراً لأهميته الجيوسياسية، ونشاط شبكات التهريب والهجرة غير النظامية، بالإضافة إلى اضطرابات دول الجوار مثل النيجر وتشاد والسودان، ما زاد من اهتمام القوى الدولية بالمنطقة.


انتقادات لوزير «داخلية الوحدة» الليبية عقب استقباله شخصيات «مطلوبة دولياً»

الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)
الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)
TT

انتقادات لوزير «داخلية الوحدة» الليبية عقب استقباله شخصيات «مطلوبة دولياً»

الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)
الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)

أثار حضور وزير الداخلية المكلف بحكومة الوحدة الليبية «المؤقتة»، عماد الطرابلسي، مأدبة إفطار في مدينة الزاوية، مساء الجمعة، جدلاً واسعاً وانتقادات لاذعة، بعد استقباله قادة تشكيلات مسلحة، من بينهم محمد كشلاف، الملقب بـ«القصب»، والمطلوب دولياً في قضايا تهريب البشر، فيما وصف حقوقيون ووسائل إعلام محلية اللقاء بأنه «تطبيع مع قادة الميليشيات».

جاءت المأدبة الرمضانية التي جمعَت وزير الداخلية الليبي بعدد من عمداء البلديات والقيادات الميليشياوية في مدينة الزاوية (30 كلم غرب طرابلس)، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات أمنية واشتباكات متكررة. وأبدى الطرابلسي تفاؤله، مؤكداً أن «مدينة الزاوية قادرة على الإسهام الفاعل في دعم الاستقرار، وتعزيز الأمن في المنطقة الغربية».

عماد الطرابلسي (أ.ف.ب)

وذهب وزير الداخلية في غرب ليبيا إلى الحديث عن التصالح، قائلاً إن «الخلافات مهما طالت فلن تدوم، وأبناء الوطن الواحد قادرون على تجاوزها بروح الأخوة والمسؤولية». وشدد على «نبذ الفرقة والخلاف، وأن تكون جميع مدن ومناطق ليبيا يداً واحدة لترسيخ الأمن والاستقرار».

لكن نشطاء ووسائل إعلام محلية انتقدوا استقبال الطرابلسي للقصب، المتهم بتهريب البشر والوقود، فيما أشاد القصب عبر حسابه الرسمي بموقع «فيسبوك» بـ«حسن الضيافة»، عاداً هذا الإفطار «يعزز جسور التواصل بين أبناء الوطن الواحد».

والقصب قائد ميليشيا «سرية الإسناد»، المعروفة أيضاً باسم «سرية النصر» في الزاوية، مدرج على قوائم العقوبات الدولية منذ يونيو (حزيران) 2018، مع ستة أشخاص آخرين متهمين بـ«الانخراط في شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر في ليبيا». وأصدر النائب العام الليبي، الصديق الصور، أمراً بحبسه قبل عامين بتهم تتعلق بـ«تهريب النفط».

الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)

يشار إلى أن الزاوية، ذات الأهمية الاستراتيجية، تضم أكبر مصفاة نفط عاملة في البلاد، إضافة إلى موقعها الحيوي على الطريق الساحلي الدولي الرابط بين العاصمة ومعبر رأس جدير الحدودي مع تونس.

وتعد مآدب الإفطار التي ينظمها رئيس حكومة الوحدة، عبد الحميد الدبيبة، ووزير الداخلية الطرابلسي، تجمعاً غير معتاد لقادة ميليشيات وقيادات قبلية واجتماعية من غرب البلاد، لكنها تواجه انتقادات حقوقية واسعة.

في هذا السياق، قال رئيس منظمة «ضحايا» لحقوق الإنسان، ناصر الهواري، إن هذه الموائد «تمثل ترسيخاً لمبدأ الإفلات من العقاب، ومظلة رسمية لتجاهل حقوق الضحايا، وإضفاء الطابع الرسمي على ممارسات غير قانونية لقادة الميليشيات في غرب ليبيا».

وأضاف الهواري لـ«الشرق الأوسط» أن «اللقاءات قد تمثل بداية لتنسيق جديد لتصعيد في العاصمة طرابلس، وربما يؤدي إلى مزيد من المآسي على المدنيين».

من جانبه، علّق مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، طارق لملوم، على صورة مصافحة الدبيبة مع أحد قادة الميليشيات قائلاً: «احتفظوا بهذه الصورة جيداً، فقد تصبح دليلاً لاحقاً على مسؤوليات لم يُعترف بها، كما حدث سابقاً حين تبرأ بعض الأشخاص من أمراء حرب، كانوا يجلسون معهم على موائد مماثلة».

بدورها، استهجنت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» إقامة هذه المآدب، وأكدت استنكارها الشديد لاستقبال الدبيبة لشخصيات جدلية، مثل معمر الضاوي، قائد «الكتيبة 55 مشاة»، المتهم بانتهاكات جسيمة تشمل الاعتقالات التعسفية والتهجير القسري، والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون.

المنفي مع وفد نسائي بمناسبة اليوم العالمي للمرأة (المجلس الرئاسي)

في شأن آخر، أشاد رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، بالدور الوطني للمرأة الليبية، مثمناً إسهاماتها في دعم مسار الاستقرار، وتعزيز جهود الوحدة الوطنية وبناء مؤسسات الدولة. وقال خلال اجتماعه بالعاصمة طرابلس مع عدد من السيدات بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، مساء الجمعة، إن «المرأة كانت ولا تزال شريكاً أساسياً في مسيرة البناء والتنمية».

إلى ذلك، أعلن جهاز «مكافحة الهجرة غير المشروعة»، التابع لوزارة الداخلية في حكومة «الاستقرار» عن ترحيل 255 مهاجراً سرياً من بنغازي إلى مركز إيواء «أبراك الشاطئ»، استعداداً لإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية في منطقة القرن الأفريقي.

مهاجرون غير شرعيين بليبيا (جهاز الهجرة)

وأوضح «الجهاز» أن المهاجرين ينتمون لثلاث جنسيات أفريقية، بينهم 144 إريترياً، و82 صومالياً، و29 إثيوبياً، مؤكداً أن «الإجراء يأتي ضمن جهود الحكومة لتنظيم ملف الهجرة غير المشروعة وحماية الأمن القومي في المناطق الخاضعة لسيطرتها».


لندن في مواجهة انتقادات واسعة بعد إغلاق باب الدراسة أمام السودانيين

وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)
وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)
TT

لندن في مواجهة انتقادات واسعة بعد إغلاق باب الدراسة أمام السودانيين

وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)
وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)

طالب أكثر من 1700 أكاديمي ومهني من المجتمع الأكاديمي السوداني والبريطاني والدولي، الحكومة البريطانية بمراجعة سياستها الأخيرة المتعلقة بوقف منح تأشيرات الدراسة للسودانيين، محذِّرين من أنَّ القرار قد يحرم آلاف الطلاب من إحدى آخر الفرص المتاحة لهم للوصول إلى التعليم العالي في ظلِّ الحرب التي تشهدها بلادهم.

وجاءت الدعوة في مذكرة مشتركة وُجِّهت إلى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وأعضاء حكومته، أعرب فيها الموقِّعون عن قلقهم من «الأثر غير المتناسب» الذي قد تُحدثه القيود الجديدة على المتقدمين السودانيين، مؤكدين أنَّ مثل هذه الإجراءات قد تمسُّ السمعة التاريخية للمملكة المتحدة بوصفها مركزاً عالمياً للفرص الأكاديمية والتبادل العلمي. ويخشى أكثر من 200 طالب سوداني، من طلاب الدراسات العليا والبكالوريوس، فقدان مقاعدهم الدراسية في 46 جامعة، من بينها أكسفورد وكمبردج وإمبريال كوليدج لندن. ويقول بعضهم إنَّ القرار «المفاجئ» مزَّق خططهم المستقبلية.

ملصقٌ صُمِّمَ لحملة الطلاب السودانيين لإلغاء قرار الحكومة بمنعهم من الدراسة في المملكة المتحدة

وتضم قائمة الموقِّعين أساتذة جامعات، وأطباء، ومتخصصين قانونيين، وقادة مجتمع مدني، وطلاباً من مؤسسات تعليمية في قارات عدة. وأشاروا في رسالتهم إلى أن حرمان الشباب السودانيين من فرص التعليم في الخارج، في وقت دمَّرت فيه الحرب الجامعات وشرَّدت الملايين، من شأنه تعميق التداعيات طويلة الأمد للنزاع، وإغلاق أحد المسارات القليلة المتبقية أمام الجيل المقبل.

وكانت وزارة الداخلية البريطانية قد أعلنت، في قرار صدر مطلع الشهر الحالي، وقف إصدار بعض أنواع تأشيرات الدخول الدراسية لمواطني السودان وأفغانستان والكاميرون وميانمار، في إطار ما وصفتها بـ«إجراءات طارئة» تهدف إلى تخفيف الضغط على نظام اللجوء، والحدّ من «إساءة استخدام القنوات القانونية». ومن المقرر أن يبدأ تطبيق القرار في السادس والعشرين من مارس (آذار) الحالي.

وذكرت وزارة الداخلية، في بيان، أن طلبات اللجوء المُقدَّمة من طلاب من الكاميرون والسودان ارتفعت بأكثر من 330 في المائة، وهو ما يُشكِّل - بحسبها - ضغطاً غير قابل للاستدامة على نظام اللجوء في المملكة المتحدة. وأفادت مصادر في الوزارة بأنَّ طلبات التأشيرات المُقدَّمة من طلاب الدول الـ4 ستستمر معالجتها حتى 26 مارس، غير أنه «من غير المرجح للغاية» أن يتمكَّن المتقدمون من الحصول على تأكيد قبول للدراسة قبل الموعد النهائي.

في المقابل، يرى معارضون أنَّ الحديث عن «إساءة استخدام» نظام التأشيرات مبالغ فيه، مشيرين إلى أن عدد الطلاب السودانيين الذين تقدَّموا بطلبات لجوء خلال العام الماضي بلغ 120 طالباً فقط، من إجمالي أكثر من 110 آلاف طلب لجوء.

شخصان يسيران على الضفة الجنوبية لنهر التيمس خلفها قصر وستمنستر في لندن (أ.ف)

ويرى المُوقِّعون أنَّ القرار لا يقتصر تأثيره على الأطر العامة للسياسات التعليمية والهجرة، بل امتد بالفعل إلى مسارات أكاديمية ومهنية فردية. ويستشهدون بحالة طبيبة سودانية لاجئة في أوغندا اجتازت بنجاح المراحل النظرية من زمالة الكلية الملكية لطب الطوارئ، غير أن استكمال الجزء العملي من الامتحان يتطلب السفر إلى بريطانيا، وهو ما أصبح مهدداً بسبب القيود الجديدة. وتقول الطبيبة إن حلمها بالتخصص في طب الطوارئ؛ للمساهمة في مواجهة الأوضاع الصحية الحرجة في بلادها، بات مؤجلاً وربما مهدداً، في وقت تفكر فيه بالبحث عن بدائل في دول أخرى تمنح المؤهل ذاته.

كما يلفت أكاديميون إلى أن القرار قد يقضي على خطط طلاب دراسات عليا وأولية كانوا قد حصلوا بالفعل على قبول في جامعات بريطانية أو في برنامج المنح الدولية «تشيفنينغ (Chevening)»، الذي استفاد منه آلاف السودانيين خلال السنوات الماضية. ويشير أحد الطلاب إلى أن الحرب أخَّرت تخرجه الجامعي، وأن قرار الحظر أجهض آماله في استئناف دراسته العليا وبناء مستقبل مهني مستقر.

وتؤكد الرسالة المشتركة أن القيود الجديدة، في ظلِّ استمرار النزاع في السودان، لا تعرقل فرص التعليم فحسب، بل قد تُعمّق خسائر بلد تضررت مؤسساته التعليمية بشدة، في وقت أصبحت فيه الدراسة في الخارج إحدى الفرص النادرة المتاحة أمام الشباب.

ودعا المُوقِّعون في ختام مذكرتهم الحكومة البريطانية إلى مراجعة عاجلة للنهج الحالي، بما يضمن اتساق قرارات التأشيرات مع التزامات المملكة المتحدة بمبادئ العدالة والانفتاح الأكاديمي، وعدم معاقبة الطلاب الساعين إلى التعليم بسبب ظروف الحرب التي أغلقت أمامهم آفاق الاستقرار داخل وطنهم.

من جانب آخر، ينتقد بعض الباحثين في السياسات العامة مبررات القرار، عادّين أنه يحمل أبعاداً سياسية أكثر من كونه إجراءً تنظيمياً. ويشيرون إلى أن أعداد الطلاب السودانيين الحاصلين على تأشيرات دراسة في بريطانيا تبقى محدودة مقارنة بإجمالي أعداد الطلاب الدوليين، ما يثير تساؤلات حول جدوى استهدافهم بهذه القيود.