القاهرة تفتح تحقيقاً بشأن تبادلٍ لإطلاق النار على الحدود مع إسرائيل

أسفر عن مقتل مجند مصري و3 إسرائيليين... ونتنياهو قال إن الحادث لن يؤثر على التعاون المشترك

جنود إسرائيليون في مكان تبادل إطلاق النار (رويترز)
جنود إسرائيليون في مكان تبادل إطلاق النار (رويترز)
TT

القاهرة تفتح تحقيقاً بشأن تبادلٍ لإطلاق النار على الحدود مع إسرائيل

جنود إسرائيليون في مكان تبادل إطلاق النار (رويترز)
جنود إسرائيليون في مكان تبادل إطلاق النار (رويترز)

بعد ساعات من الترقب، والمعلومات المتضاربة التي صدرت عن مؤسسات ووسائل إعلام إسرائيلية، أعلنت مصر أن «مجنداً من قوات تأمين الحدود الدولية مع إسرائيل اخترق حاجز التأمين وتبادل إطلاق النيران خلال مطاردة عناصر تهريب المخدرات، ما أدى إلى وفاة 3 أفراد من عناصر التأمين الإسرائيلية وإصابة اثنين آخرين، بالإضافة إلى وفاة المجند المصري أثناء تبادل إطلاق النيران». فيما وجه مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رسالة لوزراء حكومته قال فيها إن الحادثة «استثنائية»، ولا تمثل حقيقة التعاون الأمني والعمل المشترك مع مصر، مؤكداً أنها لن تؤثر مستقبلاً على التعاون مع مصر. الإعلان المصري جاء في بيان مقتضب أصدره بعد ظهر السبت، المتحدث العسكري الرسمي للقوات المسلحة المصرية، العقيد غريب عبد الحافظ، عبر حساباته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي. وقال المتحدث إنه «يجري اتخاذ كافة إجراءات البحث والتفتيش والتأمين للمنطقة، وكذلك اتخاذ الإجراءات القانونية حيال الواقعة»، معرباً عن خالص تعازيه لأسر المتوفين والتمنيات بالشفاء العاجل للمصابين. ووقع الحادث قرب معبر العوجة المتاخم للحدود المصرية - الإسرائيلية وسط سيناء، حيث تنشط في المنطقة عصابات لتهريب المخدرات والأسلحة.

وشهدت المنطقة عدة عمليات للتهريب بين الحدود، كان آخرها في مطلع ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، بعد اختراق مهربين مصريين السياج الحدودي والدخول إلى مناطق إسرائيلية، حيث أطلقت قوات تأمين الحدود على الجانب المصري النيران تجاه المهربين، فيما ألقت القوات الإسرائيلية على الجانب الآخر من الحدود القبض عليهم وبحوزتهم أكياس المخدرات. وسبق أن أعلن الجيش الإسرائيلي، في أغسطس (آب) 2022، أن «هناك ارتفاعاً ملحوظاً في حجم إحباط عمليات تهريب المخدرات والوسائل القتالية على الحدود الأردنية والمصرية». وأكد مستشار «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية»، الدكتور محمد مجاهد الزيات، أن «الحادث يستدعي تحقيقاً معمقاً للكشف عن جميع ملابساته»، لافتاً إلى أن بيان المتحدث العسكري المصري أشار إلى فتح تحقيق رسمي في الحادث. ولم يستبعد الزيات في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «يكون التحقيق مشتركاً بين الجانبين المصري والإسرائيلي، للوقوف على جميع الحقائق المتعلقة بالحادث، والتأكد من طبيعته الفردية»، مشدداً على «ضرورة أن يكون التحقيق شفافاً لكشف ملابسات الواقعة، وما إذا كان هناك تورطٌ لعناصر أمنية إسرائيلية في عملية التهريب، وتوضيح كيفية دخول المجند المصري إلى الأراضي الإسرائيلية». وأوضح الزيات أن «المؤسسة العسكرية المصرية اعتادت التأني في إصدار أي بيانات من جانبها، لحين اكتمال الحقائق، وعرضها بالشكل المناسب». وأضاف أن «الواقعة كانت تتطلب وقوفاً على العديد من التفاصيل، من بينها هوية المجند الذي قام بالواقعة، والمهام المكلف بها، وهل كانت تلك المنطقة هي محل خدمته، أم أنه جاء إليها من موقع آخر»، مشيراً إلى أن كل تلك التفاصيل «مهمة لمعرفة كل أبعاد الموقف، وهو أمر يستوجب التأني والحذر في إعلان التفاصيل، وعدم استباق التحقيقات الجارية».

إسرائيلية تحاول التخفيف عن جندية بعد الحادث (رويترز)

الرواية المصرية لم تقنع إسرائيل

الرواية المصرية الرسمية عن الحادث لم تقنع إسرائيل، حسب مراسلين عسكريين وصحافيين. وقالت مصادر إسرائيلية، إن الاعتقاد الأولي هو أن الشرطي المصري استغل حادثة تهريب المخدرات، وتسلل للمنطقة من إحدى الثغرات، وأطلق النار، وقتل مجنداً ومجندة، ثم واصل هجومه. وكان مكتب نتنياهو وجه رسالة لوزراء حكومته، قال فيها إن الحادثة «استثنائية»، ولا تمثل حقيقة التعاون الأمني والعمل المشترك مع مصر، مؤكداً أنها لن تؤثر مستقبلاً على التعاون مع مصر. وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، على «تويتر»، تعليقاً على ما حصل: «في ساعات الصباح الباكر وخلال نشاط لتأمين الحدود، قُتل جندي ومجندة من الجيش في نقطة عسكرية نتيجة تعرضهما لإطلاق نار على الحدود المصرية. بعد ذلك، وصلت قوات إضافية إلى المكان وباشرت بأعمال تمشيط في المنطقة». وأضاف: «قوات الجيش رصدت ظهراً منفذ الهجوم خلال أعمال التمشيط داخل الأراضي الإسرائيلية، حيث اندلع تبادل لإطلاق نار أسفر عن مقتل منفذ الهجوم وجندي إسرائيلي وإصابة ضابط صف بجروح طفيفة». وأكد أدرعي أنه يتم التحقيق في الحادث بتعاون كامل ووثيق مع الجيش المصري.

وكانت إسرائيل انشغلت طيلة صباح السبت بالحدث. وأعلن الجيش بداية الأمر أنه قتل شخصاً مسلّحاً نجح باجتياز الحدود، بعد تبادل لإطلاق النار، من دون أن يعطي تفاصيل. ثم بدأت وسائل إعلام إسرائيلية بتناقل الكثير من الروايات حول عمليات تهريب ومحاولة خطف جنود وإطلاق نار من قبل فلسطينيين، ثم داخل سيناء، ثم من قبل متسلل مصري. وأصدر الجيش الإسرائيلي بياناً لوقف اللغط، قال فيه إن الحدث تحت الرقابة العسكرية، ويمنع نشر أي تفاصيل عن المصابين، وأنه يجري التحقق من الحدث. ثم بعد ساعات، أعلن عن كافة التفاصيل. وجاءت العملية في وقت لم تكن فيه لدى الجيش الإسرائيلي أي تحذيرات مسبقة. وبعد تقييم أجراه وزير الدفاع يوآف غالانت، تقرر إبقاء الجيش في المنطقة في حالة تأهب، ثم زار رئيس الأركان هيرتسي هيلفي، منطقة العملية على الحدود وأجرى تقييماً ميدانياً.

جنود إسرائيليون خارج قاعدتهم قرب الحدود (أ.ف.ب)

معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل

وتُقسم معاهدة السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل في مارس (آذار) 1979، شبه جزيرة سيناء إلى ثلاث مناطق (أ، ب، ج). وتحظر الاتفاقية على الجانب المصري إدخال الطائرات والأسلحة الثقيلة إلى المنطقة «ج» المجاورة للحدود مع إسرائيل، وتنص على ألا يزيد عدد الجنود المصريين المنتشرين فيها عن 750 جندياً. إلا أن أحد بنود الاتفاقية يسمح بأن «تقام ترتيبات أمن متفق عليها بناء على طلب أحد الطرفين وباتفاقهما، بما في ذلك مناطق محدودة التسليح في الأراضي المصرية أو الإسرائيلية، وقوات أمم متحدة، ومراقبون من الأمم المتحدة». وسبق أن وافقت تل أبيب منذ أعوام على زيادة عدد القوات المصرية في سيناء في العمليات المصرية ضد التنظيمات «الإرهابية». وأعلنت إسرائيل في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2021، توقيع تعديل في الاتفاقية يتيح وجود قوات حرس في منطقة رفح (واقعة ضمن نطاق المنطقة ج) لصالح تعزيز وجود الجيش المصري الأمني فيها، ولم يصدر أي تعليق من الجانب المصري في حينه. وفي عام 2014، قال وزير الدفاع المصري آنذاك، المشير عبد الفتاح السيسي، إن «الجانب الإسرائيلي تفهم أن القوات المصرية الموجودة على الحدود المشتركة لم تكن هناك إلا لتؤمن الموقف وتحمي سيناء كي لا تتحول إلى قاعدة لشن هجمات ضد مصر وجيرانها، والسلام أصبح مستقراً، وهذه الحالة تجاوزت القلق من وجود قوات مصرية في مناطق معينة». ونفذ الجيش المصري على مدى السنوات العشر الماضية العديد من العمليات العسكرية والمداهمات الأمنية في مناطق متفرقة من سيناء. وكان وسط سيناء، حيث توجد المنطقة التي شهدت حادث السبت، في صدارة المناطق التي شهدت عمليات مكثفة لمواجهة العناصر «الإرهابية» التي تمركزت في المنطقة المعروفة بوعورة تضاريسها.


مقالات ذات صلة

باكستان تُجري محادثات مع أفغانستان لإنهاء الصراع

آسيا مسؤولون أمنيون باكستانيون يقفون حراساً عند نقطة تفتيش في بيشاور بباكستان 2 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

باكستان تُجري محادثات مع أفغانستان لإنهاء الصراع

قالت باكستان وأفغانستان، الخميس، إنهما تُجريان محادثات في الصين لإنهاء أسوأ صراع بين الجارتين الواقعتين في جنوب آسيا.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
المشرق العربي جنود من الجيش السوري يتفقدون نفقاً على الحدود السورية - اللبنانية بمنطقة القصير الريفية يوم 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الجيش السوري يكشف عن أنفاق على الحدود مع لبنان استخدمها «حزب الله»

مشّط الجيش السوري أنفاقاً قال إن «حزب الله» استخدمها خلال سنوات النزاع السوري...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أوروبا سيارة تقف على طريق قرب موقع عُثر فيه على حطام طائرة مسيّرة واحدة على الأقل بعد رصد نشاط طائرات مسيّرة أجنبية بالقرب من الحدود مع روسيا خلال الليل... في كاستر بإستونيا يوم 31 مارس 2026 (رويترز)

اختراق طائرات مسيّرة أوكرانية أجواء إستونيا في طريقها إلى روسيا

قالت القوات المسلحة في إستونيا إنها رصدت طائرات مسيّرة دخلت المجال الجوي للبلاد، يبدو أنها جاءت من أوكرانيا وكانت موجهة إلى روسيا.

«الشرق الأوسط» (تالين)
المشرق العربي صورة موزعة من المخابرات التركية للجاسوس الذي عمل لمصلحة نظام بشار الأسد أوندر سيغرجيك أوغلو بعد القبض عليه بالتعاون مع المخابرات السورية وإعادته إلى تركيا (إعلام تركي)

مخابرات تركيا وسوريا توقعان بمختطِف قائدَين كبيرين في «الجيش السوري الحر»

نجحت المخابرات التركية بالتعاون مع نظيرتها السورية في القبض على مواطن تركي اختطف اثنين من قادة «الجيش السوري الحر» في عام 2011.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (رئاسة الجمهورية الإسلامية الموريتانية)

موريتانيا تلوّح باللجوء للقانون الدولي بعد مقتل مواطنيها في مالي

قال الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، إن الجيش موجود على الحدود مع دولة مالي، رافضاً أي انجرار وراء ما سماه «الاستفزاز».

الشيخ محمد (نواكشوط)

من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

تتواصل الضربات لجماعة «الإخوان المحظورة» ما بين قرارات حظر أميركية لأفرع الجماعة في عدة بلدان، وصولاً لحراك برلماني في هولندا قد يمهد لقيود جديدة تجاه الجماعة، التي تصنفها دول عربية «إرهابية».

تلك التحركات ضد «الإخوان» سلّط إعلام مصري الضوء عليها بكثافة، وعدّها خبراء «خطوة للأمام متأخرة أوروبياً، واستكمالاً لحصار أنشطتها في العالم». وتوقعوا «عمليات ترحيل للعناصر المتورطة في أعمال عنف من دول أوروبية للقاهرة لمحاسبتهم قضائياً».

وأفادت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الأربعاء، بأن «هولندا تتحرك لحظر (الإخوان)»، لافتة إلى أن «هناك تصويتاً برلمانياً يفتح باب المواجهة في أوروبا».

وتحدث الموقع الإلكتروني لصحيفة «الأخبار» الرسمية بمصر، الثلاثاء، عن أن هناك «مخاوف تتنامى للقيادات والكوادر والعناصر (الإخوانية) الهاربة بدولة هولندا من قيام أجهزتها الأمنية بإرجاء النظر في منح الحاصلين منهم على حقّ اللجوء السياسي للجنسية الهولندية. الأمر الذي قد يهدد بترحيل عدد منهم خارج الأراضي الهولندية».

وتأتي المخاوف مع إقرار البرلمان الهولندي، في مارس (آذار) الماضي، مقترحاً يدعو إلى حظر جماعة «الإخوان» والمنظمات المرتبطة بها، وصوّت كل من حزب «الاتحاد» (يمين وسط) وحزب «Plus 50» (وسط) لصالح الاقتراح، ما منحه أغلبية بـ76 مقعداً من أصل 150 مقعداً، ولم يدخل حيز التنفيذ بعد في ظل دراسة الحكومة آلياته.

الخبير الأمني المصري، اللواء فاروق المقرحي، يرى أن «هذه خطوة للأمام متأخرة لحصار خطر تلك الجماعة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الحراك يجب أن تتبعه قرارات بترحيل عناصر تلك الجماعة، لمحاسبتهم بالقانون على جرائمهم في حق مصر وشعبها».

فيما يضيف الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، منير أديب، لـ«الشرق الأوسط»، أن «حظر فروع جماعة (الإخوان) من واشنطن، ثم تحرك أمستردام، وإمكانية امتداده لدول أوروبية أخرى، يعكس نجاعة القاهرة في ملاحقة (الإخوان) وتنامي القناعات العربية والدولية بخطر تلك الجماعة».

ويتوقع أديب أن يصل الحظر إلى دول أوروبية أخرى تباعاً، مثل ألمانيا وبلجيكا، حتى يتم إدراج «الإخوان» على «قوائم الإرهاب»، ويتم التعامل معها كـ«القاعدة» و«داعش» باعتبارهما تنظيمين متطرفين وإرهابيين.

ووفق تقرير حديث لـ«مركز تريندز للبحوث» في الإمارات، فإن موافقة البرلمان الهولندي تعدّ تطوراً لافتاً يعكس تنامي الوعي الأوروبي بمخاطر الإسلام السياسي، ومحطة مفصلية في مسار المواجهة الأوروبية.

ويشير التقرير إلى أن التحرك الهولندي في هذا التوقيت يستفيد من زخم دولي غير مسبوق، دشّنته الإدارة الأميركية، مطلع عام 2026، عبر سلسلة من قرارات التصنيف الإرهابي التي شملت فروعاً رئيسية للجماعة في الشرق الأوسط؛ لتنتقل المواجهة من مربع المراقبة السلبية إلى مربع المواجهة المباشرة والتفكيك المؤسسي ونهاية سياسة الاحتواء.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، صنّفت واشنطن جماعة «الإخوان» بمصر، رفقة فرعيها في الأردن ولبنان، باعتبارها «منظمات إرهابية»، وتلاه في مارس الماضي وضع فرعها في السودان بالقائمة ذاتها.

ووافقت أغلبية بالبرلمان الفرنسي في يناير الماضي على دعوة المفوضية الأوروبية، لإضافة جماعة «الإخوان» وقادتها إلى قائمة المنظمات الإرهابية.

وتصنّف السلطات المصرية «الإخوان»، «جماعة إرهابية» منذ عام 2013، و«تنتشر الجماعة في واشنطن وأوروبا تحت لافتات إسلامية، لا ترفع اسم الجماعة صراحة»، بحسب مراقبين.

ويأتي هذا الحراك الأوروبي مع خطوات مصرية لتجفيف منابع الجماعة وملاحقة عناصرها، وأحدثها قبل أيام مع بثّ وزارة الداخلية اعترافات قيادي بحركة «حسم» الإرهابية بشأن مخططات تخريبية كانت تستعد الحركة للقيام بها ضد الدولة المصرية.

ويعتقد المقرحي أن الضربات، التي تلاحق الجماعة أميركيا وأوروبياً وعربياً، ستجعل «الإخوان» تنغلق على نفسها، خاصة أن الضربات الأمنية في مصر متواصلة ضد عناصرها، ولم يغلق ملفهم، ولن يغلق مهما مرت السنوات.

ويؤكد أديب أن «قرارات الحظر ستؤدي إلى فرض قيود صارمة على الجماعة، تشمل حركة الأموال، وتنقل القيادات، والأنشطة والفعاليات التي يقومون بها»، كما يشير إلى أن «أوروبا، التي كانت تمثل ملاذاً لهذه التنظيمات وتوفر لها منصات إعلامية وحاضنة، سوف تشهد قيوداً حقيقية على بقائهم وعملهم، ما سيؤثر بشكل عام على نشاطهم، وتدفع لترحيل عناصر منهم إلى مصر»، وفق رأيه.


ما حقيقة حصول حفتر على «مسيّرات قتالية» رغم الحظر الدولي؟

آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)
آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)
TT

ما حقيقة حصول حفتر على «مسيّرات قتالية» رغم الحظر الدولي؟

آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)
آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)

وجد «الجيش الوطني» الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، نفسه أمام تساؤلات عديدة مجدداً بشأن حصوله فيما يبدو على «أسلحة جديدة» في ظل الحظر الدولي المفروض على ليبيا منذ عام 2011.

وجاءت هذه التساؤلات بعد تقرير لوكالة «رويترز»، الخميس، عن وجود ثلاث طائرات «مسيرة قتالية» جديدة أظهرتها صور أقمار اصطناعية تجارية في قاعدة «الخادم» الجوية بشرق ليبيا، يعتقد خبراء أنها «صينية وتركية الصنع»، دون نفي أو تأكيدات رسمية من «الجيش الوطني».

وتأتي هذه الأنباء في ظل سعي «الجيش الوطني» للتسلح، وتطوير أسلحته بقصد الدفاع عن سيادة البلاد، لكن قياداته دائماً ما تشكو الحظر الأممي وتداعياته.

طائرات في عرض عسكري بحضور حفتر في شرق ليبيا مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)

وأمام أحاديث متضاربة بشأن إدخال الجيش أسلحة جديدة إلى ترسانته، فضّل مصدر عسكري ليبي عدم التحدث في هذا الأمر؛ لأنه غير مخوّل بالحديث إلى وسائل الإعلام، مكتفياً بالقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الملف «حساس وليس في سلطاتي الخوض فيه»، لتبقى الحقيقة معلقة أمام صور الأقمار الاصطناعية التي أظهرت الطائرات، بحسب «رويترز»، الخميس.

ونقلت «رويترز» عن ثلاثة خبراء، قالت إنهم بعد مراجعة صور الأقمار الاصطناعية «يرجحون» أن تكون إحدى المسيرات هي الطائرة فيلونغ - 1 (إف إل - 1) صينية الصنع، وهي طائرة استطلاع وهجوم متطورة. واتفق الخبراء الثلاثة على أن الطائرتين الأخريين تبدوان من طراز «بيرقدار تي بي 2» التركية الصنع، وهي طائرات أقل قوة، لكنهم لم يستبعدوا أن تكونا من طرازات أخرى.

ولا ينقطع الحديث عن سباق تسلح محموم بين طرفي النزاع في ليبيا، التي تخضع لحظر تصدير السلاح وفق قرار أممي، إبان الحرب الأهلية التي أعقبت «الثورة» ضد نظام الرئيس الراحل معمر القذافي.

المشير خليفة حفتر (الجيش الوطني)

الباحث العسكري محمد الترهوني فضل التذكير بقرار مجلس الأمن الدولي بتخفيف حظر التسلح على ليبيا في مطلع عام 2025، والذي يسمح بتوريد أسلحة ومعدات لأغراض «الدفاع ومكافحة الإرهاب»، بناءً على طلب حكومي، مشيراً إلى أن هذا القرار «أسهم في رفع مستوى التسليح والجاهزية».

ورأى الترهوني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن خطوة اقتناء الطائرات المسيرة «منطقية وضرورية»، بالنظر إلى ما أثبتته هذه الطائرات من كفاءة وفاعلية في ميادين القتال في الشرق الأوسط، مشيراً إلى «التحديات الأمنية على الشريط الحدودي مع دول الساحل والصحراء، بما في ذلك نشاط الجماعات المتطرفة العابرة للحدود».

وأضاف الترهوني موضحاً أن الطائرات توفر «أدوات مراقبة وهجوم حديثة لتعزيز قدرة الجيش على التصدي للتهديدات وحماية الأمن الوطني».

وتوصل «الجيش الوطني» الليبي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي إلى اتفاق لشراء معدات عسكرية، بقيمة أربعة مليارات دولار من باكستان، تشمل طائرات مقاتلة من طراز «جيه إف - 17»، التي تم تطويرها بالتعاون مع الصين.

ويعتقد الترهوني أن الجيش عزز التعاون العسكري والتدريبي مع دول ذات وزن عسكري، مثل روسيا وبيلاروسيا وباكستان ومصر وتركيا، حيث حصل أفراد عسكريون ليبيون على دورات تدريبية متقدمة، ما رفع من «القدرة على التسليح والتأهب العملياتي».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وأشار الترهوني إلى الانفتاح الملحوظ للسلطات في شرق ليبيا على تركيا في المجالات العسكرية والاقتصادية وإعادة الإعمار، مؤكداً أن زيارات نائب القائد العام للجيش، الفريق صدام حفتر، إلى أنقرة أسهمت في تعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي، بما في ذلك لقاءات مع رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالين ووزير الدفاع.

ومنذ أعوام، قطع «الجيش الوطني» خطوات لتعزيز قوته، حيث أعلن إطلاق خطة «2030» لتطوير الجيش، كما استعرض قوته العسكرية في عرض ضخم في مايو الماضي، بمناسبة ذكرى إطلاق عملية الكرامة ضد الجماعات المتطرفة في شرق ليبيا.

ورغم ذلك، لا يستبعد محللون أن يبقى الحديث عن التسليح في ليبيا مفتوحاً على تساؤلات أخرى، في ضوء الصراع المستمر في البلاد بين شرقها وغربها، والقيود الدولية في مقابل الاحتياجات الأمنية المتصاعدة، علماً بأن «الجيش الوطني» خاض مواجهات مع تشكيلات مسلحة و«جماعات إرهابية» في شرق ليبيا وعلى حدودها الجنوبية من عام 2014.

ولم تتمكن «رويترز» من تحديد الجهة التي وردت منها الطائرات المسيرة أو متى حدث ذلك. ولم يرد «الجيش الوطني» الليبي وحكومتا الصين وتركيا، والشركتان المصنعتان للطائرات المسيرة، وهما «تشونغ تيان فيلونغ» الدفاعية التي تتخذ من مدينة شيآن مقراً، و«بايكار» ومقرها إسطنبول، على أسئلة تفصيلية. كما لم تعلق الحكومة التي ‌تتخذ من طرابلس مقراً أيضاً.


مصر: علاوات مالية حكومية لا تبدد المخاوف من الغلاء

المصريون يشكون الزيادات المستمرة في الأسعار (إحدى أسواق منطقة السيدة زينب بالقاهرة - الشرق الأوسط)
المصريون يشكون الزيادات المستمرة في الأسعار (إحدى أسواق منطقة السيدة زينب بالقاهرة - الشرق الأوسط)
TT

مصر: علاوات مالية حكومية لا تبدد المخاوف من الغلاء

المصريون يشكون الزيادات المستمرة في الأسعار (إحدى أسواق منطقة السيدة زينب بالقاهرة - الشرق الأوسط)
المصريون يشكون الزيادات المستمرة في الأسعار (إحدى أسواق منطقة السيدة زينب بالقاهرة - الشرق الأوسط)

تابع الشاب حسن شيبة (33 عاماً) بترقب، قرارات زيادة الرواتب والعلاوات الحكومية التي أعلنها رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مؤخراً على أن يبدأ تطبيقها بعد ثلاثة أشهر، ورغم سعادته بالزيادة فإن ذلك لم يثنه عن قراره البحث عن عمل آخر لتحسين دخله، مع الزيادات المستمرة في الأسعار، وهو يعمل حالياً «أوفيس بوي» في أحد البنوك.

وقال رئيس الوزراء المصري، ‌الأربعاء، ⁠إن الحكومة سترفع ⁠الحد الأدنى للأجور للعاملين ⁠في ‌القطاع ‌العام إلى ‌8 آلاف ‌جنيه مصري (149.62 دولار) ‌شهرياً ابتداء من يوليو (⁠تموز) ⁠2026، وهو ما يترتب عليه زيادة كل الدرجات الوظيفية.

يبلغ راتب شيبة، الذي يسكن في منطقة إمبابة بمحافظة الجيزة، 8 آلاف جنيه حالياً، لكنه لا يتحصل فعلياً إلا على 6 آلاف جنيه (الدولار نحو 54 جنيهاً) فقط، بعد خصم التأمينات والضرائب وغيرها من البنود، لافتاً لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه تزوج حديثاً وليس لديه أطفال، ومع ذلك لا يستطيع العيش بهذا المبلغ «بعد دفع إيجار المنزل وفواتير المياه والكهرباء، لا نستطيع استكمال الشهر... لم نعد نشتري اللحمة أو نأكل طبق سلطة مع ارتفاع أسعار الخضراوات».

وعادة ما تتبع زيادة الرواتب في مصر زيادة جديدة في أسعار السلع بفعل تحريك التجار لها، حسب أستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية، الدكتور عاطف وليم، منتقداً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الفجوة الزمنية بين إعلان الحكومة للزيادة وبدء تطبيقها «ذلك يجعل التجار يحركون السعر مرتين، مرة عند الإعلان عنها ومرة عند بدء تطبيقها».

وكانت الحكومة وعدت قبل أسابيع، بزيادة «استثنائية» في الرواتب، غير أنها جاءت مساوية في قيمتها المادية للزيادة السابقة في العام المالي 2025- 2026، التي رفعت الحد الأدنى للرواتب من 6 آلاف جنيه إلى 7 آلاف جنيه.

ويرى أستاذ الاقتصاد أن الزيادة الأخيرة فعلياً ستكون أقل من الزيادات الماضية، بالنظر إلى القيمة الحقيقية للزيادات والعلاوات (القوة الشرائية) وليس قيمتها المادية المعلنة، لافتاً إلى أن ما يستطيع المواطن الحصول عليه مقابل الألف جنيه العام الماضي، لن يستطيع الحصول عليه هذا العام في ظل زيادة معدلات التضخم، خصوصاً مع التوقع أن ترتفع نسبته بقفزة كبيرة، تأثراً بالقرارات الحكومية لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية.

وكانت الحكومة قررت رفع أسعار المحروقات في مارس (آذار) الماضي، بنسبة تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة، وانعكست الزيادة في ارتفاع أسعار جميع السلع والخدمات. وبلغ معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وانتقد بعض النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي قيمة الزيادات المعلنة، التي لا تتوافق مع التداعيات الاقتصادية للحرب على ميزانية المواطن، بعد ارتفاع البنزين وسعر صرف الدولار مقابل الجنيه.

وكان الحد الأدنى للأجور السابق (7 آلاف جنيه) يُعادل نحو 146 دولاراً حين كان سعر الدولار يساوي 48 جنيهاً، بينما سيعادل الحد الأدنى للأجور الجديد (8 آلاف جنيه) نحو 148 دولاراً بعد ارتفاع سعر الدولار إلى 54 جنيهاً.

وتضمنت القرارات الحكومية صرف علاوة دورية (زيادة سنوية في الراتب) بقيمة 12 في المائة، وصرف زيادة 750 جنيهاً شهرياً للعاملين في القطاع الطبي، و1000 جنيه شهرياً حافزاً للمعلمين.

تنتظر المدرسة الأربعينية رحاب الزيات، الزيادة الجديدة في الراتب والحافز التعليمي، لمساعدتها في الصمود أمام ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادات الأسعار، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نقدر للحكومة الزيادات لكنها للأسف لن تكافئ الزيادات التي يشهدها العالم ومصر من ضمنه، بسبب الحرب أو الزيادات الأخرى بسبب التضخم». لدى رحاب 3 أبناء في مراحل تعليمية مختلفة، وتقطن في مدينة المنصورة في محافظة الدقهلية.

ويرى عاطف وليم أن أزمة مصر الاقتصادية أعمق من تداعيات الحرب الإيرانية، قائلاً: «ستنتهي الحرب لكن ستستمر الأزمة التي تكونت على مدار سنوات مع إنفاق الحكومة موارد الدولة على مشروعات لن تحصل على العائد منها سوى بعد سنوات، في حين زادت الديون وفاتورة الدين وابتلعت الموارد، ونعاني من نقص مستمر في الرواتب بقيمتها الحقيقية رغم الزيادات المعلنة، منذ عام 2014».