لماذا «تتعثر» الملاحقة المصرية لـ«الشائعات»؟

مجلس الوزراء يعلن زيادتها بأكثر من 3 أضعاف خلال 5 سنوات

نهر النيل ليلاً بالعاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)
نهر النيل ليلاً بالعاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

لماذا «تتعثر» الملاحقة المصرية لـ«الشائعات»؟

نهر النيل ليلاً بالعاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)
نهر النيل ليلاً بالعاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)

رصدت الحكومة المصرية ارتفاعاً ملحوظاً في كثافة الشائعات وتفاقم وتيرتها، رغم جهودها لملاحقاتها؛ إذ بلغت الشائعات ذروتها في عام 2025.

ووفق تقرير سنوي صادر عن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري، تضمن عدداً من الإنفوغرافات، فإن نسبة الشائعات ارتفعت إلى 14.5 في المائة عام 2025، مقارنة بـ13.8 في المائة بالعام السابق، وإن قطاعات الاقتصاد والتعليم والصحة والسياحة هي الأكثر استهدافاً.

وأرجع التقرير زيادة الشائعات بأكثر من 3 أضعاف خلال الفترة من 2020 إلى 2025، مقارنة بالفترة من 2014 إلى 2019، إلى «تأثير الجهود التنموية والتداعيات السلبية للأزمات العالمية على معدل انتشار الشائعات في مصر خلال السنوات الأخيرة».

وتتبنى الحكومة المصرية «نهجاً تواصلياً يعتمد على إصدار بيانات دورية وإنفوغرافات لتفنيد الشائعات»، وفق التقرير. لكن رغم ذلك، تُظهر الأرقام أن الشائعات لا تزال تجد طريقها إلى الجمهور، ما يثير تساؤلاً حول سرعة انتشار الشائعات، التي أشار التقرير إلى «تنوع أساليب ترويجها، مدفوعة بالتطورات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم».

إنفوغراف عن أكثر القطاعات المصرية تعرضاً للشائعات في 2025 (مجلس الوزراء المصري)

وبحسب التقرير فإن «أخطر شائعات 2025» تمثلت في «بيع منطقة وسط البلد لإحدى الدول الخليجية، وكذلك غرق بهو المتحف المصري الكبير نتيجة تسرب كميات كبيرة من مياه الأمطار داخله، فضلاً عن اعتزام الحكومة بيع المطارات المصرية، بالإضافة إلى شائعة اتصال البنوك بالعملاء هاتفياً بدعوى تحديث بيانات حساباتهم».

وكذلك شائعة «منح الممر الملاحي لقناة السويس بنظام حق الانتفاع، وانتشار جنيهات أو سبائك ذهبية مغشوشة بالأسواق لغياب الرقابة، فضلاً عن انتشار فيروس مجهول عالي الخطورة في مصر، وتزايد حالات الوفيات في المدارس، إلى جانب وجود أزمة في الغذاء نتيجة تراجع الحكومة في شراء القمح المحلي، بالإضافة إلى شائعة عودة تخفيف الأحمال وقطع الكهرباء خلال فصل الصيف».

عضو مجلس الشيوخ المصري، ناجي الشهابي، رئيس حزب «الجيل الديمقراطي» قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «تصاعد الشائعات في مصر خلال عام 2025، ينُم عن حالة توتر وقلق مجتمعي ناتجة عن ضغوط اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة، جعلت المواطن أكثر حساسية لأي معلومة تمس أمنه ومستقبله».

وأوضح أن «الشائعات لا تنشأ في الفراغ؛ بل تجد بيئة خصبة حين تتسع الفجوة بين ما يعيشه المواطن على الأرض وما يصل إليه من معلومات، أو حين يتأخر التوضيح الرسمي»، مؤكداً أن «غياب التواصل السريع والشفاف يفتح المجال أمام الأخبار الكاذبة لتملأ الفراغ وتضخم المخاوف».

وأشار رئيس «حزب الجيل» إلى أن «عام 2025 شهد اتساعاً غير عادي في الشائعات، بسبب تزامن إصلاحات اقتصادية قاسية مع تحديات إقليمية وضغوط خارجية تستهدف الدولة المصرية».

ويؤمن الشهابي بأن مواجهة الشائعات «لا تكون بالإجراءات الأمنية وحدها؛ بل باستعادة الثقة عبر المكاشفة، والعدالة الاجتماعية، وسرعة إتاحة المعلومة الصحيحة، وإشراك القوى الوطنية في شرح التحديات بصدق».

ونقل التقرير الحكومي توجيهات رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، للمسؤولين، الشهر الماضي، للتصدي للشائعات؛ منها سرعة إعداد وإصدار القانون الخاص بتنظيم تداول البيانات والمعلومات الرسمية، كما وجه بتفعيل دور المكاتب الإعلامية بالوزارات للتصدي للشائعات، إلى جانب التوجيه بإطلاق المنصة الرقمية للمركز الإعلامي لمجلس الوزراء، للتحقق من صحة الأخبار المنشورة بشكل سريع.

إنفوغراف عن أخطر شائعات واجهتها مصر عام 2025 (مجلس الوزراء المصري)

ويرى الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن «تصاعد الشائعات وتعثر مواجهتها ليس مجرد نتيجة لجهود مغرضة أو حملات تضليل خارجي فقط؛ بل انعكاس مباشر لتراجع الشفافية، ما يخلق بيئة خصبة لتكاثر المعلومات المضللة»، كما لفت إلى «عوامل نفسية واجتماعية تجعل الجمهور أكثر قابلية لتصديق الشائعات».

ويقول صادق لـ«الشرق الأوسط»: «حين تعلن وزارة البترول مثلاً إنها لن ترفع الأسعار، ثم يُفاجأ الناس بزيادات فعلية بعد أيام، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن هي أن الحكومة لا تقول الحقيقة، فهذا التناقض يفتح الباب واسعاً أمام الشائعات»، مشيراً إلى أن «الصمت الرسمي أو التضارب في التصريحات بمثابة دعوة مفتوحة للشائعات، ويسمح بوجود فراغ معلوماتي يعدّ تربة تنمو فيها الشائعات».

هذا «الفراغ» يشير إليه أيضاً المدرّب المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، مؤكداً «ضرورة تصدي الحكومة للشائعات لتفادي تأثيرها على المجتمع بصورة سلبية تضرب قطاعاته الحيوية، وتصحيح ما ورد بحقها بكل وسائل الإيضاح».

ويضيف نادي لـ«الشرق الأوسط»: «هناك ضرورة تتعلق بصدور قانون إتاحة المعلومات، مع انخراط الدولة في إدارة منظومة تشغيل تتضمن فرق عمل تتولى المسؤولية عن منصة تحققّ موحدة قابلة للبحث، ومُحدثة باستمرار عبر الاستعانة بأشكال تواكب العصر الرقمي؛ من فيديوهات قصيرة، ومشاهير لديهم الثقة والاحترام، وبطاقات أو صور وقوالب مرئية، والرد على الأسئلة الشائعة، وغيرها من الأمور التي تساعد في درء ووأد الشائعات بشكل فوري عبر حسابات الحكومة الرسمية والوزارات، مع وجود متحدثين إعلاميين للرد بشكل سريع ودقيق عما يشغل بال المواطنين».

أما الذكاء الاصطناعي، بحسبه، فيصبح صاحب الفائدة الكبرى، بشرط قدرة الإنسان على هندسته والتحكم فيه ومراجعته بدقة عبر الاستعانة ببرامج معاونة لها القدرة في العمل بوصفها نظام إنذار مبكر قبل أن تظهر الشائعات على رادار «الترندات».


مقالات ذات صلة

تعديل الدستور المصري... مقترحات مستمرة فهل تجد صدى؟

شمال افريقيا مناقشات داخل مجلس الشيوخ بشأن انتخابات المحليات تطرقت إلى مسألة تعديل الدستور (وزارة الشؤون النيابية)

تعديل الدستور المصري... مقترحات مستمرة فهل تجد صدى؟

تكررت مقترحات وأحاديث عن تعديل الدستور المصري بعد 6 سنوات على آخر تعديلات جرت عليه وقبل نحو 4 سنوات على نهاية الولاية الأخيرة للرئيس عبد الفتاح السيسي

أحمد جمال (القاهرة)
الرئيس المصري وسط الوزراء ونوابهم في حكومة مدبولي عقب أداء اليمين الدستورية الشهر الجاري (الرئاسة المصرية)

أحزاب مصرية تتهيأ للانتخابات المحلية بعد غياب 18 عاماً

تتهيأ أحزاب مصرية لخوض انتخابات «المجالس المحلية» بعد غياب 18 عاماً، تزامناً مع مشاورات برلمانية متواصلة لاستكمال الاستحقاق الدستوري.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا قائد القوات الجوية المصرية خلال لقاء قائد القوات الجوية التركية في القاهرة الأربعاء (المتحدث العسكري المصري)

محادثات عسكرية مصرية - تركية تناقش تعزيز الشراكة

التقى قائد القوات الجوية المصرية الفريق عمرو صقر، الأربعاء، قائد القوات الجوية التركية الفريق أول ضياء جمال قاضى أوغلو، في القاهرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس عبد الفتاح السيسي وجَّه الثلاثاء بضرورة المتابعة اليومية والمستمرة لتوافر السلع (الرئاسة المصرية)

الحكومة المصرية تستنفر لرمضان بـ«مخزون سلع استراتيجية»

شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على «ضرورة استخدام كل آليات ضبط السوق والأسعار لتفادي غلاء الأسعار أو المضاربات».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس الكيني ويليام روتو يلتقي وزير الخارجية المصري ويتسلم رسالة خطية من السيسي (وزارة الخارجية المصرية)

مصر تتمسك بـ«توافق» دول حوض النيل ورفض الأحادية

تتمسك مصر بضرورة تحقيق التوافق بين دول حوض النيل، ورفض الإجراءات الأحادية، بما يضمن تحقيق المنفعة المشتركة لجميع الأطراف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

البعثة الأممية تقربفشل وساطتها في ليبيا

رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)
رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)
TT

البعثة الأممية تقربفشل وساطتها في ليبيا

رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)
رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

أقرت هانا تيتيه، رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا «أنسميل» الممثلة الخاصة للأمين العام أنطونيو غوتيريش، بفشل الوساطة التي تقودها بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة للشروع في تنفيذ «خريطة الطريق» السياسية نحو التسوية في البلاد.

وأسفت المبعوثة الأممية أمام أعضاء مجلس الأمن لأنه «لم يُحرز أي تقدم ملموس بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في إنجاز الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق، على رغم جهود (أنسميل)». وقالت إن الوضع في ليبيا «يتدهور على جبهات عديدة»، بما في ذلك عبر النظام القضائي، «مما يُنذر بتداعيات خطيرة على وحدة البلاد».

وأوضحت أن هذا الأمر «خط أحمر، وتجاوزه يُقوّض وحدة الدولة»، داعيةً القادة الليبيين إلى «الامتناع عن اتخاذ إجراءات تصعيدية، والتعاون مع لجنة الوساطة الليبية المستقلة، المشكَّلة من خبراء قضائيين وقانونيين ليبيين ملتزمين الحفاظ على قضاء موحد».


مجلس الأمن يبحث «خريطة ليبيا»... نقطة تحول أم فرصة أخرى للأفرقاء؟

تيتيه خلال إحاطتها أمام جلسة مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)
تيتيه خلال إحاطتها أمام جلسة مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)
TT

مجلس الأمن يبحث «خريطة ليبيا»... نقطة تحول أم فرصة أخرى للأفرقاء؟

تيتيه خلال إحاطتها أمام جلسة مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)
تيتيه خلال إحاطتها أمام جلسة مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)

استعرضت مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، في إحاطتها الدورية أمام مجلس الأمن، الأربعاء، مسارات ومآلات «خريطة الطريق» التي أقرها المجلس في أغسطس (آب) الماضي لحل الأزمة الليبية. لكن تيتيه تركت خلفها تساؤلات بين أوساط النخب السياسية حول ما إذا كان ما طرحته في إحاطتها «حلاً جذرياً»، أم مجرد محطة جديدة في سياق الجهود الدبلوماسية المتعثرة.

وسادت في الأوساط الليبية حالة ترقّب واسعة قبيل جلسة مجلس الأمن، في ظل تقديراتٍ لمراقبين رجّحت احتمال طرح خيارات بديلة، وُصفت بـ«الجذرية»، كانت تيتيه قد لمّحت إليها مراراً.

وتشمل هذه الخيارات، وفق تلك التقديرات، مساراتٍ قد تتجاوز دور مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في ملفات تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، وصياغة القوانين الانتخابية، بهدف الدفع نحو إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية طال انتظارها.

لكن حديث المبعوثة الأممية، خلال جلسة مجلس الأمن عن أن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة «غير قادرين أو غير راغبين في إنجاز أول معلم لخريطة الطريق»، ترافق مع إفصاحها عن عزم البعثة على «تشكيل مجموعة صغيرة مكلفة بحل الخطوتين الأساسيتين من خريطة الطريق»، وقالت إنه «في حال فشلها سيكون من الضروري عقد اجتماع أوسع للمضي قدماً في تنفيذ الخريطة».

تيتيه خلال جلسة مسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان المنبثق عن الحوار المهيكل الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

ولم تعرض المبعوثة الأممية تفاصيل وملامح الحل السياسي، الذي اقترحته أمام الدول الأعضاء بالمجلس، غير أن عضو ملتقى الحوار السياسي الليبي السابق في جنيف أبو بكر مصباح أبدى تشاؤمه حيال فرص التوصل إلى حل جذري عبر المسارات الدولية في مجلس الأمن، عاداً أن «جوهر المشكلة في ليبيا يتمثل في صراع سياسي مصطنع، ازداد تعقيداً بفعل تدخلات الأطراف الخارجية».

وقال مصباح لـ«الشرق الأوسط» إن تجربة ملتقى جنيف «وما تلاها من مسارات» تؤكد أن «الحل لن يكون مستداماً؛ إلا إذا كان ليبياً خالصاً»، مشيراً إلى أن الطروحات المتداولة بشأن «خيارات جذرية بديلة تزيح الأجسام السياسية، وتؤسس لمرحلة انتقالية جديدة» تبدو «غير قابلة للتحقق في الظروف الراهنة».

وانتقد مصباح ما وصفه بـ«نزوع لإعادة إنتاج جولات وحلول سابقة تعطلت بفعل التدخلات الدولية»، عاداً أن هذا المسار يعكس «إدارة للأزمة أكثر من كونه حلاً لها»، كما وجّه انتقاداً للبعثة الأممية، قائلاً إن هناك «رغبة في إطالة أمد الأزمة وإدارة الصراع بدلاً من حسمه»، محذراً من أن استمرار حالة الجمود «قد يفاقم الانقسامات ويطيل أمد المرحلة الانتقالية».

وتستند «خريطة الطريق» التي عرضتها المبعوثة الأممية أمام مجلس الأمن، في أغسطس (آب) الماضي، إلى 3 ركائز أساسية: اعتماد قانون انتخابي سليم للرئاسية والبرلمانية، وتوحيد المؤسسات عبر حكومة موحدة، ومواصلة «الحوار المهيكل» لمعالجة ملفات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة، مع تعزيز قدرة واستقلالية المفوضية الوطنية العليا للانتخابات كمحور أي استحقاق انتخابي.

ورغم أن المحلل السياسي حسام العبدلي يرى أن تيتيه لم تأتِ بجديد في إحاطتها، بل إنها «منحت فرصة أخرى» للأفرقاء الليبيين، فإنه يلحظ دخولاً أميركياً قوياً مباشراً في تفاعلات العملية السياسية؛ خصوصاً مع حديث مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، في مداخلة أمام مجلس الأمن، الأربعاء، عن الجهود الأميركية لحل الأزمة السياسية.

وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الطرف الدولي الذي سيتدخل على نحو مباشر في العملية هو الطرف الأميركي بكل تأكيد، مقابل تراجع متوقع لدور البعثة الأممية على مسار الحل السياسي في ليبيا.

وضمن مداخلته أمام مجلس الأمن، قال بولس، الأربعاء، إن بلاده تعمل على جمع كبار المسؤولين بين الشرق والغرب في ليبيا لوضع خطوات ملموسة للاندماج والتكامل الاقتصادي والعسكري، مشيراً إلى أن القوات الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» ستشرف في أبريل (نيسان) على تدريبات سنوية في سرت مع القوات الليبية من الشرق والغرب، جنباً إلى جنب، وهذه خطوة أولى نحو المزيد من التدريب المشترك.

هذا التطور بدا من وجهة نظر الباحث في «المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة» جلال حرشاوي إشارة إلى أن الحديث عن «خيارات بديلة» لم يتعدَّ «نطاق التصريحات»، ما لم يقترن بدعم قوي من دول ذات نفوذ مباشر مثل الولايات المتحدة أو تركيا.

ويشير حرشاوي، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة الأممية تعمل منذ أغسطس الماضي على الدفع نحو انتخابات عبر مسارات سياسية واقتصادية وأمنية، ضمن إطار «حوار مهيكل»، مؤكداً أن هذا النهج الشامل يجعل أي تحول مفاجئ «أمراً غير مرجح».

في المقابل، بدا قطاع من السياسيين الليبيين أقل تشاؤماً، منهم عضو الأمانة العامة لحزب «ليبيا النماء» حسام فنيش، الذي رأى أن إحاطة تيتيه أمام مجلس الأمن «قد تعيد ترتيب أولويات المسارات السياسية». وأوضح أن السيناريو الذي طرحته المبعوثة الأممية يقوم على «تفعيل آلية تشاورية جديدة بين المؤسسات الرئيسية» لإدارة المرحلة الانتقالية زمنياً، مع وضع محددات قابلة للقياس تتعلق بالانتخابات وتوحيد بعض الملفات السيادية.

وقال فنيش إن هذا الخيار «قد يكون الأكثر واقعية في حال استمرار الانسداد السياسي»، محذراً من أن أي تباطؤ سياسي «ينعكس مباشرة على الاستقرار والخدمات العامة». وانتهى إلى القول إن المجتمع الدولي «يبدو أكثر ميلاً لربط التقدم السياسي بتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية»، متوقعاً تكثيف الوساطة والضغط المنسق لتفادي إطالة أمد الجمود المؤسسي.


تيتيه: الوساطة الأممية أخفقت في إحراز «تقدم ملموس» بين «النواب» و«الأعلى للدولة» الليبيين

رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)
رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)
TT

تيتيه: الوساطة الأممية أخفقت في إحراز «تقدم ملموس» بين «النواب» و«الأعلى للدولة» الليبيين

رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)
رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

أبلغت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا «أنسميل» الممثلة الخاصة للأمين العام أنطونيو غوتيريش، هانا تيتيه، أعضاء مجلس الأمن بأن الوساطة التي تقودها أخفقت في إحراز «أي تقدم ملموس» بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في إنجاز الخطوتين الأوليين من «خريطة الطريق» الأممية، نحو التسوية في البلاد.

وكانت المبعوثة الأممية تقدم إحاطة أمام أعضاء مجلس الأمن، الأربعاء، حيث ذكّرت أولاً بجهود «أنسميل» في تحريك خريطة الطريق السياسية، بما في ذلك إطلاق الحوار المنظم، عبر مجموعات العمل الخاصة بالاقتصاد والحوكمة والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، مضيفة أن «الشعور بضرورة حل المأزق السياسي وإجراء إصلاحات في الحوكمة والاقتصاد يتجلى بوضوح». لكنها سارعت مع ذلك إلى التعبير عن «الأسف» لأنه «لم يُحرز أي تقدم ملموس بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في إنجاز الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق، على الرغم من جهود (أنسميل)».

وعلاوة على ذلك، كشفت تيتيه أن «المؤسستين توصلتا إلى اتفاق بشأن وضع آلية لاختيار مجلس إدارة المجلس الأعلى للكفاءة الاقتصادية بحلول 11 ديسمبر (كانون الأول) الماضي». غير أن «هذا الاتفاق لم يُنفذ»، بل «اتُّخذت إجراءات أحادية لاحقة، أولاً من مجلس النواب، ثم من قبل المجلس الأعلى، مما زاد الوضع تعقيداً، ويهدد الآن وحدة اللجنة الوطنية العليا للانتخابات». مبرزة أنه «على الرغم من استمرار تواصل (أنسميل) مع المؤسستين، فإن عجزهما عن استخدام الآلية المتفق عليها والإجراءات الأحادية اللاحقة أدى إلى مزيد من تآكل صدقيتهما»، ومؤكدة أن الهيئتين «غير قادرتين أو غير راغبتين في العمل سوية لإنجاز المرحلتين الأوليين من خريطة الطريق».

في سياق ذلك، أشارت تيتيه إلى أنها حاولت اعتماد «نهج بديل» من خطوتين: «تشكيل فريق صغير لحل المرحلتين الحاسمتين من خريطة الطريق اللازمتين لإجراء الانتخابات»، وقالت إنه «في حال فشل هذه المجموعة في التوصل إلى اتفاق، فسيكون من الضروري عقد اجتماع أوسع نطاقاً للمضي في تنفيذ خريطة الطريق. ونحن لدينا فرصة لاستخدام الأدوات المتاحة ضمن الاتفاقيات الليبية القائمة لكسر هذا الجمود المطول، ونُقدّر دعم المجلس لتمكيننا من المضي قدماً».

من إحاطة رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه أمام أعضاء مجلس الأمن (المجلس)

وأضافت تيتيه: «يتدهور الوضع في ليبيا على جبهات كثيرة. فالنظام القضائي الليبي - الذي ظل تاريخياً موحداً إلى حد كبير على الرغم من التحديات السياسية المطولة، حيث تُعدّ المحكمة العليا في طرابلس، بما فيها غرفتها الدستورية، أعلى هيئة قضائية دستورية - يشهد الآن انقساماً كبيراً، مما يُنذر بتداعيات خطيرة على وحدة البلاد». وحذّرت من أنه «إذا لم تُتخذ إجراءات للحفاظ على وحدة القضاء وتماسكه واستقلاليته، فإن الأنظمة القانونية المتضاربة التي ستظهر ستؤثر على الاقتصاد والانتخابات والحكم والأمن وحقوق الإنسان». وقالت إنه «خط أحمر، وتجاوزه يُقوّض وحدة الدولة»، داعية القادة الليبيين إلى «الامتناع عن اتخاذ إجراءات تصعيدية، والتعاون مع لجنة الوساطة الليبية المستقلة، المشكّلة من خبراء قضائيين وقانونيين ليبيين ملتزمين بالحفاظ على قضاء موحد».

كما تحدثت المبعوثة الأممية أيضاً عن أوجه القصور المتواصلة في الحوكمة، وتشتت الرقابة، والتسربات المستمرة عبر التهريب، وشبكات المراجحة والإيجارات غير المشروعة في استنزاف الموارد السيادية. ونقلت عن تحقيقات مكتب المدعي العام أن آلية «الوقود مقابل النفط الخام»، التي انتهت في عام 2025، استنزفت ميزانية الدولة بمقدار 1.5 مليار مليار دولار سنوياً، مقارنةً بأسعار السوق العالمية. منبهة أيضاً إلى أن الأوضاع الاقتصادية تتدهور، والفقر والضغط على المجتمع يزداد، وقالت إن هذا الوضع، بالإضافة إلى هشاشة الوضع الأمني «يدعو للقلق، إذ قد تؤدي هذه الظروف إلى تحديات سياسية وأمنية غير متوقعة».