ارتفاع ضحايا الهجوم على كنيس جربة التونسية إلى 6 قتلى

إدانة محلية ودولية للهجوم... ومخاوف من تداعيات سلبية للحادث على السياحة

TT

ارتفاع ضحايا الهجوم على كنيس جربة التونسية إلى 6 قتلى

إجراءات أمنية مشددة في جزيرة جربة بعد الهجوم الإرهابي (أ.ف.ب)
إجراءات أمنية مشددة في جزيرة جربة بعد الهجوم الإرهابي (أ.ف.ب)

قالت مصادر طبية، اليوم الأربعاء، لوكالة «رويترز» للأنباء إن شرطياً آخر توفي متأثراً بجراحه بعد إصابته في هجوم إطلاق نار وقع، أمس الثلاثاء، خارج كنيس يهودي في جزيرة جربة التونسية، ليرتفع بذلك عدد القتلى إلى 6، بينهم المهاجم.

وقتل المهاجم، وهو من قوات الحرس البحري، زميلاً له في مركز للحرس بجربة، ثم توجه إلى الكنيس، حيث كانت تُقام احتفالات يهودية سنوية، وفتح النار على أفراد الشرطة والزوار، قبل أن يُقتل برصاص الشرطة. وخلال الهجوم قتل المهاجم ابني عم يهوديين، أحدهما فرنسي من أصل تونسي، والآخر إسرائيلي تونسي، إلى جانب ضابط شرطة توفي في مكان الحادث، وآخر في المستشفى اليوم الأربعاء.

وقالت مصادر طبية إن 4 آخرين من رجال الشرطة أُصيبوا، أحدهم في حالة خطرة، إلى جانب 4 زوار آخرين. ولم تحدد السلطات بعد دافع الهجوم، كما لم تذكر ما إذا كان أي شخص آخر متورطاً في الهجوم الأكثر دموية منذ سنوات، والذي وقع في جزيرة تعد مقصداً رئيسياً لصناعة السياحة في تونس.

ووصفت وزارة الخارجية الإسرائيلية هجوم الثلاثاء بأنه «حادث إطلاق نار مميت»، وقال متحدث باسمها إنه لا يزال قيد التحقيق، فيما أكد وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين في بيان، أن بلاده «تقف إلى جانب الجالية اليهودية في الأوقات الصعبة».

حجاج يهود يحتفلون بطقوسهم قبل حدوث الهجوم على محج الغريبة (أ.ف.ب)

ووصف يهود حضروا الاحتفالات مشهد الذعر بعد دوي طلقات الرصاص، بينما كان الناس يحاولون الاختباء في غرف مختلفة بالكنيس. وقال بيريز الطرابلسي، رئيس الجالية اليهودية في جربة، لـ«رويترز»: «كان الناس سعداء ويرقصون حتى سمعنا الكثير من إطلاق النار. هرب الجميع... واختبأ البعض في مكتبي والبعض الآخر في الغرف الأخرى. وكان هناك الكثير من الخوف والذعر».

من جهته، قال رينيه الطرابلسي، وزير السياحة التونسي السابق، وأحد منظمي الحج اليهودي، إن المهاجم وصل على دراجة رباعية للحرس، وكان يرتدي سترة واقية من الرصاص، مضيفاً أن ابني العم القتيلين حاولا الاختباء خلف حافلة خارج الكنيس، لكن المهاجم أصابهما بالرصاص. وأضاف موضحاً: «سمعنا إطلاق النار، وعرفنا أن الأمر يتعلق بهجوم»، مردفاً أنه كان داخل الكنيس مع أسرته عندما بدأ إطلاق النار.

ويجتذب الحج إلى أقدم كنيس يهودي في أفريقيا بشكل منتظم مئات اليهود من أوروبا وإسرائيل إلى جزيرة جربة، الواقعة على بعد نحو 500 كيلومتر من العاصمة تونس. وقد فُرضت إجراءات أمنية مشددة على الاحتفالات اليهودية، منذ أن هاجم متشددو تنظيم «القاعدة» المعبد عام 2002 بشاحنة ملغومة، مما أسفر عن مقتل 21 سائحاً غربياً. علماً بأن تونس، ذات الأغلبية المسلمة، تعد موطناً لواحدة من أكبر الجاليات اليهودية في شمال أفريقيا، حيث تضم زهاء 1800 شخص.

عودة الهدوء لجربة

وفيما كشفت السلطات التونسية الرسمية، ممثلة في وزارتي الداخلية والخارجية، عن هوية الشخصين اللذين قتلا في هذا الهجوم، إلا أنه لم يتم حتى الآن تصنيف هذا الهجوم ضمن الهجمات الإرهابية، في انتظار إجراء مزيد من التحريات الأمنية.

وأكدت وزارة الداخلية عودة الهدوء واستعادة الحياة لنسقها الطبيعي، بعد الاستنفار الأمني المكثف الذي تواصل حتى ساعات متأخرة من الليل، وتطويق عدة مقرات أمنية ومعبد الغريبة اليهودي، وتشديد الحراسة الأمنية والوجود الأمني بالمستشفى الجهوي «الصادق المقدم»، وعدة مفترقات طرقات؛ خشية أن تكون العملية الهجومية متبوعة بهجمات أخرى يتم الإعداد لها.

وبخصوص تطورات الحالة الصحية للمصابين، أكد مصدر صحي من المستشفى الجهوي «الصادق المقدم» بجربة، وفاة عون أمن بالمستشفى بسبب إصابته البليغة، ووجود 4 مصابين في صفوف الأمن، اثنين بقسم الإنعاش، حالة أحدهما حرجة، وسيتم نقله إلى المستشفى العسكري بالعاصمة التونسية، بسبب تعرضه لنزيف في الرأس، في حين يقيم مصابان آخران بقسم الأعضاء بعد أن أجريت لهما عمليتان جراحيتان.

انتقادات لأجهزة الأمن

ولئن أشادت عدة أطراف داخلية وخارجية بتفادي تونس كارثة كبيرة لو تمكن المهاجم من قتل عدد كبير بين الزائرين، فإن بعض الأطراف الأخرى قد انتقدت نقص القوات الأمنية في محيط كنيس الغريبة اليهودي من ناحية، والبطء في التعامل مع رجل أمن كان وفق مصادر مطلعة في عطلة، لكنه تنقل إلى الجزيرة دون دواعٍ مهنية، قبل إطلاق النار على زميله، علاوة على تنقله من مقر العمل على متن دراجة «كواد» إلى محيط معبد الغريبة، الذي يبعد نحو 25كلم، دون أن يعترض سبيله أحد، حيث قام بإطلاق النار بصفة عشوائية على رجال أمن كانوا يؤمنون المكان، وأيضاً على بعض الزائرين.

السلطات الأمنية بادرت بإغلاق المنطقة المحيطة بمعبد الغريبة في إطار الاحترازات الأمنية بعد وقوع الهجوم (أ.ف.ب)

وأضاف بيريز الطرابلسي في تصريح لقناة «الوطنية» الأولى (حكومية)، أن الوضع في جزيرة جربة أصبح مستقراً، وأشاد بجهود قوات الأمن، مؤكداً أنها «تدخلت في وقت قياسي وأحسنت التصرف، وأحاطت بالزوار وبمحيط الغريبة»، رغم أن المهاجم فاجأ رجال الأمن؛ لأنه كان يرتدي زيّ رجال الأمن، وأطلق النار بصفة عشوائية.

إدانة محلية ودولية للهجوم

وفي أول ردود الفعل الخارجية عن الهجوم المسلح، دانت فرنسا، اليوم الأربعاء، «بأكبر قدر من الحزم» الهجوم، الذي وقع بالقرب من كنيس الغريبة في جزيرة جربة، واصفة إياه بالعمل «الشنيع». وتعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمكافحة «معاداة السامية»، قائلاً: «دائماً، وبلا كلل، سنكافح معاداة السامية». وأضاف ماكرون في رسالة على «تويتر» أن الهجوم على كنيس الغريبة «يقلقنا. ونحن نفكر بألم بالضحايا، بالشعب التونسي، بأصدقائنا. ونقف إلى جانب عائلة مواطننا الذي قتل».

من جهتها، قالت «آن - كلير لوجاندر»، المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية، إن الهجوم «يذكر بشكل مؤلم بالهجوم الانتحاري الذي أوقع 21 قتيلاً في الكنيس ذاته عام 2002». كما أعلنت السفارة الفرنسية في تونس، اليوم الأربعاء، أنها أنشأت «وحدة أزمة» وخط طوارئ ساخناً، بعد هذا الهجوم الذي قتل فيه مواطن فرنسي.

الرئيس ماكرون دان الهجوم وتعهد بـ«مكافحة معاداة السامية»

في السياق ذاته، أعربت الخارجية الأميركية عن استنكارها للهجوم بالقرب من معبد الغريبة أول من أمس (الثلاثاء)، إذ قال ماثيو ميلر، المتحدث باسم الخارجية، إن «الولايات المتحدة تستنكر الهجوم الذي وقع في تونس بالتزامن مع موسم الزيارة السنوية، التي يقوم بها اليهود من مختلف أنحاء العالم لكنيس الغريبة»، وناشدت قوات الأمن التونسية التحرك السريع.

في سياق ذلك، أعربت عدة أطراف تونسية، من بينها حركة «النهضة» و«اتحاد الشغل»، عن إدانتها للهجوم المسلح، ودعا «اتحاد الشغل» إلى عدم توظيف هذا الهجوم للحديث عن معاداة السامية، المقصود منه الإساءة إلى تونس.

مخاوف من تأثر السياحة بالهجوم

جدد الهجوم على كنيس الغريبة مخاوف التونسيين والعاملين في قطاع السياحة من تأثير وتداعيات هذا الحادث على القطاع، الذي يعد مصدراً رئيسياً للعملة الأجنبية للحكومة التي تعاني وضعاً اقتصادياً صعباً، وتسعى للحصول على مساعدة مالية لتجنب انهيار في المالية العامة، وتحدث البعض عن تضرر صناعة السياحة خلال الأسابيع المقبلة، كما حدث بعد الهجمات الكبيرة لعام 2015، التي قتل فيها عشرات السياح الغربيين، قبل أن تتعافى قليلاً بعد جائحة «كوفيد».

ولتبديد هذه المخاوف، بدأ وزير السياحة التونسي معز بلحسين، اليوم، زيارة فنادق جربة والكنيس اليهودي، سعياً لبث رسائل طمأنة بعد الهجوم، وأكد أن الحادث الذي وقع أمس على معبد الغريبة اليهودي «يزيد من تماسك تونس وعزمها على المضي قدماً في النهوض بالاقتصاد والسياحة».

ونقلت وكالة «تونس أفريقيا» الرسمية للأنباء، عن الوزير قوله إنه لا يوجد بلد «بمنأى عن هذه الحادثة... وكل المتدخلين يواصلون العمل بالنسق نفسه والبرمجة لإنجاح الموسم السياحي، وتوفير كل الظروف لحسن إقامة السياح واستقبالهم»، مؤكداً استمرار كل رحلات القدوم والمغادرة على نسقها العادي، وأن الحجوزات «حافظت على نسقها دون أي إلغاء بما يعتبر مؤشراً إيجابياً».

ويعتبر الحج السنوي اليهودي إلى كنيس الغريبة مؤشراً على نجاح الموسم السياحي في تونس. وفي تصريحات سابقة لوكالة أنباء «العالم العربي»، توقع رئيس هيئة تنظيم حج الغريبة بيريز الطرابلسي أن يبلغ عدد الزائرين نحو 7 آلاف زائر. لكن وفقاً للمنظّمين، فقد أتى هذا العام أكثر من 5 آلاف يهودي، معظمهم من الخارج، للمشاركة في حجّ الغريبة الذي استؤنف السنة المنصرمة بعد انقطاع دام عامين بسبب «كوفيد - 19».

جدد الهجوم على كنيس الغريبة مخاوف العاملين في قطاع السياحة من تأثير هذا الحادث على عودة السياح اليهود إلى تونس (أ.ف.ب)

حقائق

1500

عدد اليهود في تونس ويعيش معظمهم في جربة.

ويُنظّم الحج إلى كنيس الغريبة سنوياً في اليوم الثالث والثلاثين من عيد الفصح اليهوديّ، وهو في صميم تقاليد اليهود التونسيّين الذين لا يزيد عددهم على 1500، يعيش معظمهم في جربة، في مقابل 100 ألف قبل الاستقلال عام 1956. كما يأتي حجّاج أيضاً من الدول الأوروبّية أو الولايات المتحدة أو حتّى إسرائيل، لكنّ عددهم تضاءل إلى حدّ كبير بعد اعتداء عام 2002.

ويأتي هذا الهجوم في وقتٍ تُسجّل فيه السياحة انتعاشاً قوياً في تونس، بعد تباطؤ حادّ خلال الجائحة.



الجيش الأميركي يعثر على رفات عسكري فُقد خلال مناورات بالمغرب

قوات ومركبات مدرعة مشاركة في مناورة «الأسد الأفريقي» بالمغرب (أ.ف.ب)
قوات ومركبات مدرعة مشاركة في مناورة «الأسد الأفريقي» بالمغرب (أ.ف.ب)
TT

الجيش الأميركي يعثر على رفات عسكري فُقد خلال مناورات بالمغرب

قوات ومركبات مدرعة مشاركة في مناورة «الأسد الأفريقي» بالمغرب (أ.ف.ب)
قوات ومركبات مدرعة مشاركة في مناورة «الأسد الأفريقي» بالمغرب (أ.ف.ب)

أعلن الجيش الأميركي، الأحد، العثور على رفات عسكري من الجيش الأميركي فُقد خلال مناورات عسكرية في المغرب منذ أسبوع.

وكان كندريك لامونت كي جونيور، وهو ضابط مدفعية دفاع جوي، أحد عسكريين أميركيين اثنين سقطا من منحدر أثناء رحلة استجمام ترفيهية في المغرب. ويبلغ من العمر 27 عاماً، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وقال مسؤول بوزارة الدفاع الأميركية إن عمليات البحث عن العسكرى الثاني المفقود لا تزال مستمرة.

وقد تم الإبلاغ عن فقدان العسكريين الأميركيين في 2 مايو (أيار) بعد مشاركتهما في مناورات «الأسد الأفريقي»، وهي مناورات عسكرية سنوية متعددة الجنسيات جرت في المغرب.


تمسّك الدبيبة بـ«الدستور أولاً» يعيد الجدل في ليبيا

الدبيبة مجتمعاً مع عدد من أعضاء هيئة صياغة الدستور في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مجتمعاً مع عدد من أعضاء هيئة صياغة الدستور في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)
TT

تمسّك الدبيبة بـ«الدستور أولاً» يعيد الجدل في ليبيا

الدبيبة مجتمعاً مع عدد من أعضاء هيئة صياغة الدستور في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مجتمعاً مع عدد من أعضاء هيئة صياغة الدستور في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

أبدى رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، تمسكه بضرورة اعتماد الدستور الليبي أولاً باعتباره السبيل الوحيد لإجراء الانتخابات العامة، وجدد في الوقت ذاته «رفضه القاطع» لوصول من وصفهم بـ«العسكر» إلى سدة الحكم.

وأعادت تصريحات للدبيبة، الأسبوع الماضي، بشأن الدستور حالة من الجدل إلى البلاد. فيما يرى متابعون أنه اكتنفها «التناقض»، مشيرين إلى أنه يتمسك بتفعيل الدستور وضرورة إقراره قبل الانتخابات، وفي الوقت نفسه ينخرط وفد تابع لحكومته في اجتماعات لجنة «4+4» الأممية المعنية بصياغة قوانين انتخابية تمهيداً لإجراء الاستحقاق.

الدبيبة مستقبلاً رئيس هيئة صياغة الدستور مراجع نوح في نوفمبر 2025 (مكتب الدبيبة)

وفي هذا السياق، وصف عضو مجلس النواب الليبي، عمار الأبلق، تصريحات الدبيبة بـ«المتناقضة»، متسائلاً: «على ماذا يتفاوض وفد الدبيبة في اجتماعات اللجنة الأممية إذا كان متمسكاً بالدستور؟».

ولفت الأبلق في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن وفد الحكومة اجتمع في روما مع وفد ممثل للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، وتساءل: «لماذا يرتضي التفاوض مع مَن يصفهم بالعسكر؟».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً منذ سنوات بين حكومتين متنافستين: «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة في طرابلس غرب البلاد، وحكومة مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد في الشرق وبعض مناطق الجنوب الليبي، وتحظى بدعم حفتر.

ويرى الأبلق أن عودة الدبيبة إلى التلويح بملف الدستور أولاً تهدف إلى «عرقلة» نتائج لجنة «4+4» الأممية، معتقداً أن «انخراط القوى الفاعلة شرقاً وغرباً في المبادرة الأميركية واللجنة الأممية جاء تفادياً لإغضاب واشنطن لا عن قناعة».

وهو يعتقد أن الدبيبة «ربما يخشى نجاح اللجنة الأممية في تجاوز معضلة القوانين الانتخابية التي أعاقت الانتخابات سنوات، والتي لو تمت فستزيح السلطات الموجودة كافة من المشهد السياسي، فأراد استباق النتائج للحفاظ على موقعه، مع تطمين أنصاره الغاضبين في المنطقة الغربية، وأيضاً إظهار قدرته على تحريك الشارع هناك أمام المجتمع الدولي».

بدوره، رأى الناشط السياسي الليبي أحمد التواتي أن «التلويح بالدستور هو محاولة استباقية لعرقلة أي مسار انتخابي تفرزه اللجنة الأممية».

ولفت التواتي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «العرقلة تتم دائماً عبر الدفع بخيارات تبدو أكثر قانونية، مثل الاستفتاء على مسودة الدستور الصادرة عام 2017، رغم إدراك الجميع صعوبة تحقيق ذلك، لوجود خلافات غير هينة حولها في المجتمع».

ويصف التواتي المشهد الراهن بأنه «ساحة للتلاعب بالتصريحات السياسية، إذ يوجه كل طرف خطاباً للاستهلاك المحلي لإرضاء مؤيديه بعيداً عما يجري فعلياً».

وأوضح: «صمت القوى الفاعلة وتحفظها أو رفضها الإقرار بتبني مبادرة بولس لكونها بالأساس تعد تقاسماً للسلطة والثروة بينهما فقط، وهو ما يولد عداء متزايداً من بقية القوى الموجودة بالساحة الرافضة إقصاءها»، مشيراً إلى مبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي.

في المقابل، وبمعزل عن التشكيك في نوايا الدبيبة، ثمنت عضو الهيئة التأسيسية لمشروع الدستور، نادية عمران، «الدعوة مجدداً لإقرار الدستور قبل الانتخابات». وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن الاستفتاء على مسودة الدستور هو «أيسر الاستحقاقات لإمكانية إجرائه إلكترونياً».

وأضافت أن ذلك «ليس مسؤولية حكومة (الوحدة) فقط، وإنما من الضروري تبنيه من كل الأطراف الفاعلة والمجتمع الدولي إذا ما رغبوا في حل معضلة تجديد الشرعية وحل الأزمة السياسية للبلاد».

ويرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن تصريحات الدبيبة جاءت «بوصفها رسالة سياسية تستهدف حماية موقعه عبر إعادة تموضعه داخل التيار المدني بالتأكيد على أولوية الدستور، دون أن تكون في الوقت ذاته إعلان قطيعة مع التفاهمات الاقتصادية القائمة بين دوائر نفوذ مقربة منه وقوى فاعلة مرتبطة بالقيادة العامة».

وقال الشبلي لـ«الشرق الأوسط» إن تصريحات الدبيبة جاءت «لاحتواء الغضب المتصاعد مؤخراً بمواجهة المبادرة المنسوبة لمسعد بولس، من قِبَل قوى مدنية وعسكرية في غرب البلاد، وتحديداً مسقط رأسه مدينة مصراتة صاحبة الثقل والتأثير الواسع».

ويعتقد الشبلي أن إشارة الدبيبة إلى الدستور والقوانين كانت «محاولة ذكية لإلقاء المسؤولية في ملعب لجنة (4+4) والمسارات الأممية، للبحث عن قوانين توافقية تُقبل من غالبية الليبيين باعتبارها مسؤوليتهم وليست اختصاصاً مباشراً للحكومة، أي أنها مناورة جديدة تستهدف تهدئة الشارع وتحميل الآخرين عبء الاستحقاق المؤجل».

وتقضي مبادرة بولس بتولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من محمد المنفي، مع إبقاء الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.


موريتانيا: المعارضة تخرج للشارع ضد «الغلاء والتضييق»

المكتب السياسي لحزب «الإنصاف» الموريتاني الحاكم خلال اجتماعه بنواكشوط مساء السبت (حزب الإنصاف)
المكتب السياسي لحزب «الإنصاف» الموريتاني الحاكم خلال اجتماعه بنواكشوط مساء السبت (حزب الإنصاف)
TT

موريتانيا: المعارضة تخرج للشارع ضد «الغلاء والتضييق»

المكتب السياسي لحزب «الإنصاف» الموريتاني الحاكم خلال اجتماعه بنواكشوط مساء السبت (حزب الإنصاف)
المكتب السياسي لحزب «الإنصاف» الموريتاني الحاكم خلال اجتماعه بنواكشوط مساء السبت (حزب الإنصاف)

خرجت مظاهرات في وسط العاصمة الموريتانية نواكشوط، مساء الأحد، بعدما دعت إليها المعارضة احتجاجاً على «غلاء المعيشة» و«التضييق على الحريات»، وذلك بعد زيادات متتالية في أسعار المحروقات واعتقال ناشطين سياسيين وحقوقيين ونواب في البرلمان.

وهذه ثالث مرة تخرج فيها جميع أطياف المعارضة إلى الشارع في مظاهرة مشتركة منذ وصول محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الحكم عام 2019 وإعلان انفتاحه على التشاور مع المعارضة، فيما سماه «التهدئة السياسية».

ووجهت الدعوة إلى التظاهر تشكيلات المعارضة الموريتانية الثلاثة، وفي مقدمتها «مؤسسة المعارضة الديمقراطية» التي يتزعمها حمادي ولد سيدي المختار رئيس حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، وهو حزب ذو مرجعية إسلامية، ويعد الحزب المعارض الأكثر تمثيلاً في البرلمان.

كما دعا للتظاهر «ائتلاف التناوب الديمقراطي - 2029»، وهو كتلة سياسية داعمة للمرشح السابق للرئاسيات والناشط الحقوقي بيرام الداه أعبيد، وهو الذي حل ثانياً في الانتخابات الرئاسية الثلاثة الأخيرة في موريتانيا (2014 - 2019 - 2024)، ويستعد للترشح لرئاسيات 2029.

وضمت قائمة الطيف المعارض الذي دعا للتظاهر «ائتلاف المعارضة الديمقراطي» الذي يرأسه المختار ولد الشيخ، بالإضافة إلى حركات سياسية شبابية.

تعبئة وحشد

وتسعى المعارضة من خلال هذه المظاهرة إلى إثبات قدرتها على تحريك الشارع، وذلك بعد فشل جلسات الحوار الوطني مع أحزاب الأغلبية والحكومة. وتستخدم المعارضة وسائل التواصل الاجتماعي لحشد أنصارها وحثهم على الخروج.

ورغم أن السلطات الموريتانية رفضت خلال الأسابيع الماضية الترخيص لعدة مظاهرات، بعضها لم يكن له أي طابع سياسي، أصدرت وزارة الداخلية الترخيص وسمحت بالمظاهرة.

في غضون ذلك، قال زعيم المعارضة الديمقراطية حمادي ولد سيدي المختار، إن المظاهرة «فرصة لكافة المتضررين من سياسات النظام في التعاطي مع الأزمة الاقتصادية، وكذا للمتضررين من التضييق على الحريات وآلية معالجة ملف الوحدة الوطنية».

وأضاف ولد سيدي المختار خلال كلمة حث فيها أنصار حزبه على التظاهر، أن الخروج للشارع «خطوة ميدانية للضغط على الحكومة من أجل تغيير نمط تسييرها وتعاطيها مع الأزمات»، وشدد على ضرورة أن «ينتفض الجميع من أجل فرض سياسة تسيير عادلة تقوم على رعاية المواطن والدفاع عنه».

رد الأغلبية

وتنتقد المعارضة قرارات الحكومة برفع أسعار المحروقات بسبب الحرب الدائرة في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، كما أنها تتهم الحكومة بالتضييق على الحريات، وذلك بعد اعتقال مجموعة من الناشطين الحقوقيين خلال مظاهرة في نواكشوط، وإحالة نواب ومحامين إلى السجن على خلفية اتهامات بالتشهير والمساس بالرموز الوطنية.

وفي هذا السياق، دافع عضو اللجنة الدائمة لحزب «الإنصاف» الحاكم، يرب ولد المان، بشدة عن سياسات الحكومة، خاصة فيما يتعلق بالحريات، وبرّر الاعتقالات الأخيرة بأنها استهدفت أشخاصاً كانوا يشاركون في مسيرات «غير مرخصة» وترفع «شعارات متطرفة وعنصرية».

كما عقد المكتب السياسي لحزب «الإنصاف» الحاكم، السبت، دورته العادية، وقال في ختامها إنه يدعم بقوة توجهات الحكومة «فيما يتعلق بحماية القدرة الشرائية للمواطنين، وتعزيز الاستقرار الوطني، وترسيخ مناخ التهدئة والانفتاح السياسي».

وشدد الحزب الحاكم على ضرورة «التصدي لخطاب الكراهية وكل أشكال التحريض والتفرقة؛ لما تمثله من تهديد للسلم الاجتماعي والوحدة الوطنية»، وذلك في إشارة إلى خطاب أطراف في المعارضة كثيراً ما تتهمها الأغلبية الحاكمة بالتطرف، وخاصة الناشط الحقوقي بيرام الداه أعبيد.