ارتفاع ضحايا الهجوم على كنيس جربة التونسية إلى 6 قتلى

إدانة محلية ودولية للهجوم... ومخاوف من تداعيات سلبية للحادث على السياحة

TT

ارتفاع ضحايا الهجوم على كنيس جربة التونسية إلى 6 قتلى

إجراءات أمنية مشددة في جزيرة جربة بعد الهجوم الإرهابي (أ.ف.ب)
إجراءات أمنية مشددة في جزيرة جربة بعد الهجوم الإرهابي (أ.ف.ب)

قالت مصادر طبية، اليوم الأربعاء، لوكالة «رويترز» للأنباء إن شرطياً آخر توفي متأثراً بجراحه بعد إصابته في هجوم إطلاق نار وقع، أمس الثلاثاء، خارج كنيس يهودي في جزيرة جربة التونسية، ليرتفع بذلك عدد القتلى إلى 6، بينهم المهاجم.

وقتل المهاجم، وهو من قوات الحرس البحري، زميلاً له في مركز للحرس بجربة، ثم توجه إلى الكنيس، حيث كانت تُقام احتفالات يهودية سنوية، وفتح النار على أفراد الشرطة والزوار، قبل أن يُقتل برصاص الشرطة. وخلال الهجوم قتل المهاجم ابني عم يهوديين، أحدهما فرنسي من أصل تونسي، والآخر إسرائيلي تونسي، إلى جانب ضابط شرطة توفي في مكان الحادث، وآخر في المستشفى اليوم الأربعاء.

وقالت مصادر طبية إن 4 آخرين من رجال الشرطة أُصيبوا، أحدهم في حالة خطرة، إلى جانب 4 زوار آخرين. ولم تحدد السلطات بعد دافع الهجوم، كما لم تذكر ما إذا كان أي شخص آخر متورطاً في الهجوم الأكثر دموية منذ سنوات، والذي وقع في جزيرة تعد مقصداً رئيسياً لصناعة السياحة في تونس.

ووصفت وزارة الخارجية الإسرائيلية هجوم الثلاثاء بأنه «حادث إطلاق نار مميت»، وقال متحدث باسمها إنه لا يزال قيد التحقيق، فيما أكد وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين في بيان، أن بلاده «تقف إلى جانب الجالية اليهودية في الأوقات الصعبة».

حجاج يهود يحتفلون بطقوسهم قبل حدوث الهجوم على محج الغريبة (أ.ف.ب)

ووصف يهود حضروا الاحتفالات مشهد الذعر بعد دوي طلقات الرصاص، بينما كان الناس يحاولون الاختباء في غرف مختلفة بالكنيس. وقال بيريز الطرابلسي، رئيس الجالية اليهودية في جربة، لـ«رويترز»: «كان الناس سعداء ويرقصون حتى سمعنا الكثير من إطلاق النار. هرب الجميع... واختبأ البعض في مكتبي والبعض الآخر في الغرف الأخرى. وكان هناك الكثير من الخوف والذعر».

من جهته، قال رينيه الطرابلسي، وزير السياحة التونسي السابق، وأحد منظمي الحج اليهودي، إن المهاجم وصل على دراجة رباعية للحرس، وكان يرتدي سترة واقية من الرصاص، مضيفاً أن ابني العم القتيلين حاولا الاختباء خلف حافلة خارج الكنيس، لكن المهاجم أصابهما بالرصاص. وأضاف موضحاً: «سمعنا إطلاق النار، وعرفنا أن الأمر يتعلق بهجوم»، مردفاً أنه كان داخل الكنيس مع أسرته عندما بدأ إطلاق النار.

ويجتذب الحج إلى أقدم كنيس يهودي في أفريقيا بشكل منتظم مئات اليهود من أوروبا وإسرائيل إلى جزيرة جربة، الواقعة على بعد نحو 500 كيلومتر من العاصمة تونس. وقد فُرضت إجراءات أمنية مشددة على الاحتفالات اليهودية، منذ أن هاجم متشددو تنظيم «القاعدة» المعبد عام 2002 بشاحنة ملغومة، مما أسفر عن مقتل 21 سائحاً غربياً. علماً بأن تونس، ذات الأغلبية المسلمة، تعد موطناً لواحدة من أكبر الجاليات اليهودية في شمال أفريقيا، حيث تضم زهاء 1800 شخص.

عودة الهدوء لجربة

وفيما كشفت السلطات التونسية الرسمية، ممثلة في وزارتي الداخلية والخارجية، عن هوية الشخصين اللذين قتلا في هذا الهجوم، إلا أنه لم يتم حتى الآن تصنيف هذا الهجوم ضمن الهجمات الإرهابية، في انتظار إجراء مزيد من التحريات الأمنية.

وأكدت وزارة الداخلية عودة الهدوء واستعادة الحياة لنسقها الطبيعي، بعد الاستنفار الأمني المكثف الذي تواصل حتى ساعات متأخرة من الليل، وتطويق عدة مقرات أمنية ومعبد الغريبة اليهودي، وتشديد الحراسة الأمنية والوجود الأمني بالمستشفى الجهوي «الصادق المقدم»، وعدة مفترقات طرقات؛ خشية أن تكون العملية الهجومية متبوعة بهجمات أخرى يتم الإعداد لها.

وبخصوص تطورات الحالة الصحية للمصابين، أكد مصدر صحي من المستشفى الجهوي «الصادق المقدم» بجربة، وفاة عون أمن بالمستشفى بسبب إصابته البليغة، ووجود 4 مصابين في صفوف الأمن، اثنين بقسم الإنعاش، حالة أحدهما حرجة، وسيتم نقله إلى المستشفى العسكري بالعاصمة التونسية، بسبب تعرضه لنزيف في الرأس، في حين يقيم مصابان آخران بقسم الأعضاء بعد أن أجريت لهما عمليتان جراحيتان.

انتقادات لأجهزة الأمن

ولئن أشادت عدة أطراف داخلية وخارجية بتفادي تونس كارثة كبيرة لو تمكن المهاجم من قتل عدد كبير بين الزائرين، فإن بعض الأطراف الأخرى قد انتقدت نقص القوات الأمنية في محيط كنيس الغريبة اليهودي من ناحية، والبطء في التعامل مع رجل أمن كان وفق مصادر مطلعة في عطلة، لكنه تنقل إلى الجزيرة دون دواعٍ مهنية، قبل إطلاق النار على زميله، علاوة على تنقله من مقر العمل على متن دراجة «كواد» إلى محيط معبد الغريبة، الذي يبعد نحو 25كلم، دون أن يعترض سبيله أحد، حيث قام بإطلاق النار بصفة عشوائية على رجال أمن كانوا يؤمنون المكان، وأيضاً على بعض الزائرين.

السلطات الأمنية بادرت بإغلاق المنطقة المحيطة بمعبد الغريبة في إطار الاحترازات الأمنية بعد وقوع الهجوم (أ.ف.ب)

وأضاف بيريز الطرابلسي في تصريح لقناة «الوطنية» الأولى (حكومية)، أن الوضع في جزيرة جربة أصبح مستقراً، وأشاد بجهود قوات الأمن، مؤكداً أنها «تدخلت في وقت قياسي وأحسنت التصرف، وأحاطت بالزوار وبمحيط الغريبة»، رغم أن المهاجم فاجأ رجال الأمن؛ لأنه كان يرتدي زيّ رجال الأمن، وأطلق النار بصفة عشوائية.

إدانة محلية ودولية للهجوم

وفي أول ردود الفعل الخارجية عن الهجوم المسلح، دانت فرنسا، اليوم الأربعاء، «بأكبر قدر من الحزم» الهجوم، الذي وقع بالقرب من كنيس الغريبة في جزيرة جربة، واصفة إياه بالعمل «الشنيع». وتعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمكافحة «معاداة السامية»، قائلاً: «دائماً، وبلا كلل، سنكافح معاداة السامية». وأضاف ماكرون في رسالة على «تويتر» أن الهجوم على كنيس الغريبة «يقلقنا. ونحن نفكر بألم بالضحايا، بالشعب التونسي، بأصدقائنا. ونقف إلى جانب عائلة مواطننا الذي قتل».

من جهتها، قالت «آن - كلير لوجاندر»، المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية، إن الهجوم «يذكر بشكل مؤلم بالهجوم الانتحاري الذي أوقع 21 قتيلاً في الكنيس ذاته عام 2002». كما أعلنت السفارة الفرنسية في تونس، اليوم الأربعاء، أنها أنشأت «وحدة أزمة» وخط طوارئ ساخناً، بعد هذا الهجوم الذي قتل فيه مواطن فرنسي.

الرئيس ماكرون دان الهجوم وتعهد بـ«مكافحة معاداة السامية»

في السياق ذاته، أعربت الخارجية الأميركية عن استنكارها للهجوم بالقرب من معبد الغريبة أول من أمس (الثلاثاء)، إذ قال ماثيو ميلر، المتحدث باسم الخارجية، إن «الولايات المتحدة تستنكر الهجوم الذي وقع في تونس بالتزامن مع موسم الزيارة السنوية، التي يقوم بها اليهود من مختلف أنحاء العالم لكنيس الغريبة»، وناشدت قوات الأمن التونسية التحرك السريع.

في سياق ذلك، أعربت عدة أطراف تونسية، من بينها حركة «النهضة» و«اتحاد الشغل»، عن إدانتها للهجوم المسلح، ودعا «اتحاد الشغل» إلى عدم توظيف هذا الهجوم للحديث عن معاداة السامية، المقصود منه الإساءة إلى تونس.

مخاوف من تأثر السياحة بالهجوم

جدد الهجوم على كنيس الغريبة مخاوف التونسيين والعاملين في قطاع السياحة من تأثير وتداعيات هذا الحادث على القطاع، الذي يعد مصدراً رئيسياً للعملة الأجنبية للحكومة التي تعاني وضعاً اقتصادياً صعباً، وتسعى للحصول على مساعدة مالية لتجنب انهيار في المالية العامة، وتحدث البعض عن تضرر صناعة السياحة خلال الأسابيع المقبلة، كما حدث بعد الهجمات الكبيرة لعام 2015، التي قتل فيها عشرات السياح الغربيين، قبل أن تتعافى قليلاً بعد جائحة «كوفيد».

ولتبديد هذه المخاوف، بدأ وزير السياحة التونسي معز بلحسين، اليوم، زيارة فنادق جربة والكنيس اليهودي، سعياً لبث رسائل طمأنة بعد الهجوم، وأكد أن الحادث الذي وقع أمس على معبد الغريبة اليهودي «يزيد من تماسك تونس وعزمها على المضي قدماً في النهوض بالاقتصاد والسياحة».

ونقلت وكالة «تونس أفريقيا» الرسمية للأنباء، عن الوزير قوله إنه لا يوجد بلد «بمنأى عن هذه الحادثة... وكل المتدخلين يواصلون العمل بالنسق نفسه والبرمجة لإنجاح الموسم السياحي، وتوفير كل الظروف لحسن إقامة السياح واستقبالهم»، مؤكداً استمرار كل رحلات القدوم والمغادرة على نسقها العادي، وأن الحجوزات «حافظت على نسقها دون أي إلغاء بما يعتبر مؤشراً إيجابياً».

ويعتبر الحج السنوي اليهودي إلى كنيس الغريبة مؤشراً على نجاح الموسم السياحي في تونس. وفي تصريحات سابقة لوكالة أنباء «العالم العربي»، توقع رئيس هيئة تنظيم حج الغريبة بيريز الطرابلسي أن يبلغ عدد الزائرين نحو 7 آلاف زائر. لكن وفقاً للمنظّمين، فقد أتى هذا العام أكثر من 5 آلاف يهودي، معظمهم من الخارج، للمشاركة في حجّ الغريبة الذي استؤنف السنة المنصرمة بعد انقطاع دام عامين بسبب «كوفيد - 19».

جدد الهجوم على كنيس الغريبة مخاوف العاملين في قطاع السياحة من تأثير هذا الحادث على عودة السياح اليهود إلى تونس (أ.ف.ب)

حقائق

1500

عدد اليهود في تونس ويعيش معظمهم في جربة.

ويُنظّم الحج إلى كنيس الغريبة سنوياً في اليوم الثالث والثلاثين من عيد الفصح اليهوديّ، وهو في صميم تقاليد اليهود التونسيّين الذين لا يزيد عددهم على 1500، يعيش معظمهم في جربة، في مقابل 100 ألف قبل الاستقلال عام 1956. كما يأتي حجّاج أيضاً من الدول الأوروبّية أو الولايات المتحدة أو حتّى إسرائيل، لكنّ عددهم تضاءل إلى حدّ كبير بعد اعتداء عام 2002.

ويأتي هذا الهجوم في وقتٍ تُسجّل فيه السياحة انتعاشاً قوياً في تونس، بعد تباطؤ حادّ خلال الجائحة.



تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
TT

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

انطلقت تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات، في ظل اضطرابات بمضيق هرمز من جراء حرب إيران.

هذه التحركات الأميركية تجاه أسمرة يراها خبراء بالشؤون الأفريقية والأميركية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، محاولة لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر، وسط مخاوف من تهديدات قد تطول مضيق باب المندب، وما قد يترتب عليها من تداعيات سلبية لاقتصاد العالم.

وتعتزم الولايات المتحدة الشروع في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، التي تمتد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 700 ميل، بعد 5 سنوات من فرضها عام 2021 بسبب نزاع أسمرة وأديس أبابا. وهذه التحركات يقودها حالياً كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ضبط العلاقات مع إريتريا، التي تسيطر على موقع جيوسياسي بالغ الأهمية على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه إيران، عبر جماعة الحوثي، حليفتها باليمن، بخنق ممر بحري حيوي ثانٍ (مضيق باب المندب)، وذلك على خلفية الحرب مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مصادر مطلعة، الخميس.

ترى مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، السفيرة منى عمر، أن الموقع الاستراتيجي المتميز الذي تتمتع به إريتريا على البحر الأحمر سبب رئيسي وراء رغبة أميركا في التقارب، خاصة في ظل توترات حرب إيران، بهدف تأمين قطعها البحرية الأميركية الموجودة هناك، ودعم نفوذها بتلك المنطقة التي تعج بالقواعد العسكرية.

من جهتها، تؤكد الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، أن توقيت هذا التحرك الأميركي يأتي لفرض نفوذ في ممر البحر الأحمر كمنطقة استراتيجية متنازع عليها، خاصة مع عسكرة طرق التجارة، وطموحات روسيا على طول الساحل. «ومن ثم لم تعد موانئ إريتريا أصولاً هامشية، بل أصبحت نقاط ارتكاز محتملة في بنية أمنية أوسع، تعيد واشنطن تقييمها مجبرة، خاصة أنه ليست هناك بدائل مناسبة، فيما لا تزال جيبوتي جارة أسمرة تعاني من وجود عسكري أجنبي مكثف، بما في ذلك الوجود الصيني»، وفق تسوكرمان.

بدوره، يوضح الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، أن السياسة الأميركية تجاه إريتريا تشهد تحولاً لافتاً، بهدف تعزيز حضورها في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، في ظل تطورات حرب إيران، واحتمال تحرك الحوثيين بالمضيق، واحتواء تنامي نفوذ قوى منافسة، مثل روسيا والصين، وتبني مقاربة براغماتية توازن بين القيم السياسية والمصالح الأمنية.

وكان مسعد بولس قد التقى، الاثنين الماضي، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، وأبلغه أن واشنطن تعتزم البدء قريباً في رفع العقوبات عن إريتريا، فيما أفادت الصحيفة الأميركية «وول ستريت جورنال» بأن «مصر تلعب دوراً في تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وإريتريا».

وتعتقد عمر أن «الموقف المصري يأتي في إطار المساعدة في رفع العقوبات المفروضة على الحليفة إريتريا، وليس دعم الوجود العسكري المباشر». بينما ترى تسوكرمان أن «مصر ستمضي في هذه الوساطة، حيث إن للقاهرة مصلحة في الحد من النفوذ الإثيوبي في كل من حوضي النيل والبحر الأحمر».

ويقول كلني إن الدور المصري مهم في هذا السياق لاعتبارات عديدة، منها امتلاكها علاقات متوازنة مع إريتريا، وتدشينها تحالفاً مع أسمرة ومقديشو، وكذا ارتباط أمنها القومي المباشر بأمن البحر الأحمر، ورغبتها في الحفاظ على توازنات إقليمية مستقرة، بخلاف إدراكها أن أي فراغ استراتيجي في المنطقة قد تستغله قوى منافسة، ما يعزز من دافعها للانخراط في تسهيل هذا التقارب.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بالقاهرة في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن «خطة إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا سبقت اندلاع الحرب على إيران».

وكان بولس قد عقد اجتماعاً خاصاً مع أفورقي في القاهرة أواخر العام الماضي، وسبقه لقاء مع وزير الخارجية الإريتري، عثمان صالح محمد في سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحسب الصحيفة. وجاءت تلك اللقاءات بعد سنوات من قيام وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 ضد أربعة كيانات رسمية إريترية بسبب المشاركة في دعم إثيوبيا ضد إقليم تيغراي وقتها، ومنها الجبهة الشعبية من أجل الديمقراطية والعدالة، بقيادة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الحزب الحاكم، بحسب ما نقلته «سي إن إن» الأميركية آنذاك.

وترى تسوكرمان أن العقوبات المفروضة يتطلب رفعها أو تخفيفها هو تبرير يتجاوز الضرورة الاستراتيجية لواشنطن، في ضوء الانتهاكات الموثقة ضد إريتريا، وهذا ما قد يُبطئ أو يُضعف أي محاولة لإعادة ضبط العلاقات، بسبب خلافات متوقعة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في هذا الصدد، بينما قد تقبل أسمرة بهذا التقارب في إطار استراتيجية قائمة على التنويع لا الشراكة، ما يحد من قدرة واشنطن على تحويل التقارب إلى نفوذ دائم.

ورغم العقوبات التي قد ترفع، فإن كلني يرى أن الانفتاح الأميركي على إريتريا يشي بأن المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل عميق في التوازنات ونفوذ القوى، قد يعيد رسم خريطة التحالفات، ويحدد ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة، معتقداً أن ما يجري اليوم ليس مجرد تقارب ثنائي، بل هو جزء من إعادة هندسة استراتيجية شاملة للبحر الأحمر، ستظل تداعياتها حاضرة في المشهد الدولي لفترة طويلة.


حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات نزع الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم، في ظل استمرار الاشتباه بقيام «قوات الدعم السريع» بزرع ألغام في عدد كبير من الأحياء السكنية خلال فترة سيطرتها على مساحات واسعة من المدينة. وتأتي هذه الجهود في إطار تهيئة الأوضاع الأمنية، بالتزامن مع تزايد موجات العودة الطوعية للمواطنين إلى منازلهم.

ورافقت مراسلة «الشرق الأوسط» أحد فرق المركز القومي لمكافحة الألغام في منطقة المقرن بوسط الخرطوم، الواقعة عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق، للوقوف ميدانياً على طبيعة عمل الفرق خلال عمليات الكشف عن الألغام المدفونة وإزالتها. وتُعد منطقة المقرن، بحسب تقييم المركز، من أكثر المناطق خطورة في العاصمة. وباشرت الفرق عملها في المنطقة فور استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في مايو (أيار) الماضي، حيث تم العثور على آلاف الألغام والأجسام غير المتفجرة في مواقع متفرقة.

المشرف على فريق العمل جمعة إبراهيم أبو عنجة متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

المشرف على فريق العمل، جمعة إبراهيم أبو عنجة، قال إن الفريق يتولى مهمة تطهير مساحة تُقدّر بنحو 45 ألف متر مربع في المقرن، مشيراً إلى أن المنطقة شهدت أعنف المعارك على خطوط التماس بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وأضاف أن المؤشرات ترجّح قيام الأخيرة بزرع آلاف الألغام في مناطق متعددة داخل قلب الخرطوم، خصوصاً في الشوارع والأحياء السكنية.

وأوضح أبو عنجة: «عثرنا على أكثر من 300 جسم خطر، بينها ألغام مزودة بعبوات أصغر ومواد شديدة الانفجار، صُممت لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا عند انفجارها». وأشار إلى أن الهدف من زرع هذه الألغام كان عرقلة تقدم قوات الجيش، وإلحاق خسائر في صفوفه، لافتاً إلى أن الفرق تمكنت من إزالة أنواع متعددة من الألغام، منها ألغام مخصصة للآليات العسكرية وأخرى مضادة للأفراد.

حقل الألغام

على خط مستقيم محدد بعلامات بيضاء، يتحرك فريق العمل بقيادة أبو عنجة بخطوات محسوبة، قبل أن يتوقف عند نقطة لا تتجاوز مساحتها نصف متر. يبدأ أحد العناصر بتمرير كاشف الألغام، بعد ضبطه بدقة عالية، للبحث عن أي أجسام مدفونة تحت سطح الأرض. وللمرة الثانية، يتوقف الفريق عند منطقة تأخذ شكلاً مثلثاً، تُعرف ميدانياً بـ«الخط الساخن»، في إشارة إلى كونها ضمن نطاق «حقل ألغام» محتمل. في هذه النقطة، يصبح كل احتمال وارداً؛ ما يستدعي التوقف مجدداً للتأكد من الالتزام الصارم بإجراءات السلامة. وقبل الوصول إلى موقع العمل، يحرص المشرف على التأكد من ارتداء الجميع للسترات الواقية المدرعة، وهو إجراء إلزامي خصوصاً عند مرافقة الصحافيين لفرق إزالة الألغام، مع التشديد على البقاء ضمن مسافة محددة خارج نطاق الخطر تحسباً لأي انفجار محتمل.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

يقطع الصمت صوت جهاز الكشف، ما يستدعي انتباه الجميع؛ فالإشارة الصوتية تعني وجود جسم مدفون، قد يكون لغماً أو جسماً غير متفجر. وفي بعض الحالات، يكون الصوت ناتجاً عن قطعة معدنية عادية، إلا أن التعامل مع كل إشارة يتم بأقصى درجات الحذر. وعند التأكد من وجود لغم، يباشر الفريق عملية استخراجه بهدوء شديد، وفق خطوات دقيقة ومدروسة لتفادي أي انفجار. ويشدد المشرف على ضرورة التقاط الصور من مسافة آمنة تُعرف لديهم بـ«المنطقة الآمنة»، وفقاً للبروتوكولات المعتمدة، مع منع الاقتراب بشكل قاطع في أثناء تنفيذ عملية إزالة الألغام أو التعامل مع الأجسام غير المتفجرة.

ويحرص فريق إزالة الألغام على وضع إشارات واضحة لتحديد مناطق الخطر، حيث تُثبت لافتات حمراء كُتب عليها «ألغام خطرة» لتحذير السكان من الاقتراب. وفي حال تحديد موقع لغم أو جسم متفجر، تُغرس علامة خشبية مطلية باللون الأخضر بارتفاع يقارب ربع متر، للدلالة على موقع الجسم تمهيداً للتعامل معه.

فريق التفجيرات يستعد لتفجير الألغام والمواد الخطرة (الشرق الأوسط)

أما الألغام المضادة للأفراد، فيجري التعامل معها بشكل فوري، إذ تُفجَّر في اليوم نفسه وفق إجراءات محكمة. وقبل تنفيذ التفجير، يتم إغلاق جسر النيل الأبيض الذي يربط بين الخرطوم وأم درمان لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، لضمان سلامة المواطنين. وعادة ما تُختار أوقات تقل فيها حركة المرور، لتفادي تعطيل السير.

حرب صامتة... وتوعية مستمرة

وفي موازاة الجهود الميدانية، يواصل «المركز القومي لمكافحة الألغام» حملات التوعية بين السكان، عبر الرسائل النصية، لحثهم على الإبلاغ عن أي أجسام مشبوهة، وتجنب الاقتراب منها، كما يُحذر السكان من حرق النفايات داخل الأحياء، خشية وجود مخلفات غير متفجرة قد تنفجر بفعل الحرارة.

وأوضح أبو عنجة أن الفرق تمكنت من تطهير نحو 80 في المائة من محيط المقرن، إلى جانب مناطق أخرى في الخرطوم، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، خصوصاً مع عودة أعداد كبيرة من السكان إلى منازلهم.

اللواء خالد حمدان مدير المركز القومي لمكافحة الألغام يراقب عملية التفجير (الشرق الأوسط)

ورغم التقدم المحرز، يواجه العمل تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل، الذي يؤثر في وتيرة عمليات إزالة الألغام، والتعامل مع المتفجرات. وأشار أبو عنجة إلى أن تأخر عمليات الإزالة يزيد من المخاطر، لافتاً إلى أن عشرات المدنيين فقدوا حياتهم، أو أصيبوا نتيجة انفجار ألغام ومخلفات حربية.

وكانت السلطات السودانية قد أعلنت في أغسطس (آب) الماضي بدء عمليات تفجير نحو 50 ألف جسم غير متفجر على مراحل، في محاولة للحد من المخاطر المتبقية.

وبينما تتواصل جهود إعادة الحياة إلى العاصمة، تبقى الألغام «عدواً خفياً» يهدد سلامة العائدين. وفي ظل هذه التحديات، تبرز أهمية تسريع عمليات التطهير، وتعزيز التوعية، لضمان عودة آمنة ومستقرة للسكان، في مدينة لا تزال آثار الحرب ماثلة في تفاصيلها اليومية.


مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)

قررت المصرية حبيبة أحمد تأجيل شراء الأجهزة الكهربائية التي ستحتاج إليها في ترتيب منزل الزوجية، لعدة أشهر، على أمل أن تنخفض أسعارها، في ظل تذبذب سعر الدولار، قائلة لـ«الشرق الأوسط»، إن «أسعار الثلاجات زادت نحو 30 في المائة خلال شهر واحد، وكذلك الغسالات».

ولا ترغب حبيبة، التي تسكن في منطقة فيصل، أن تخاطر بشراء ماركات أقل جودة لتعويض فارق الأسعار، رغم أن قرار التأجيل لا يخلو من المخاطرة أيضاً، في ظل توقعات خبراء اقتصاديين بأن يستمر عدم استقرار الأسعار، أو ارتفاعها حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير. ولذلك تضع حبيبة خطة احتياطية لشراء الأجهزة بالتقسيط إذا لم تنخفض خلال شهور، ووقتها تكون قد سددت أقساط ما سبق أن اشترته «بفيزا المشتريات».

ويحكم التردد العديد من قرارات المصريين الشرائية بسبب تذبذب سعر صرف الجنيه أمام الدولار، فبعدما صعد خلال الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً قبل الحرب، حتى وصل تدريجياً إلى نحو 55 جنيهاً، شهد تراجعاً بعد الهدنة حتى وصل إلى نحو 52 جنيهاً. وحتى الآن، لا يعرف الدولار استقراراً، حيث شهد الأسبوع الماضي هبوطاً في عدة أيام لما دون الـ52 جنيهاً، ثم ارتفع مجدداً ارتفاعاً طفيفاً نهاية الأسبوع.

ويعتبر الباحث في أسواق المال والكاتب الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الفترة الحالية، وإن كانت تشهد تذبذباً في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، فإنها «قد تكون أفضل من فترات مقبلة؛ إذ إنه من غير المتوقع أن تشهد الأسعار تراجعاً خلال الفترة المقبلة، بل إنها على العكس قابلة للارتفاع إذا ما عاود الدولار الارتفاع لـ55 جنيهاً، وهو أمر متوقع إذا ما تجددت الحرب الإيرانية».

ويتفق معه رئيس شعبة الأدوات الكهربائية في غرفة القاهرة التجارية، أشرف هلال، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن حركة البيع متراجعة حالياً في ظل تذبذب سعر الدولار وارتفاع الأسعار، والتي تعود لأسباب عديدة، ناصحاً في الوقت نفسه من يفكر في شراء أي شيء بأن يقوم بهذه الخطوة الآن وعدم التأجيل، في ظل عدم استقرار السوق، وما قد يأتي من زيادات جديدة.

ولفت عبد النبي إلى أن العديد من التجار والمصنعين يتعاملون في معاملاتهم التجارية بسعر تحوطي للدولار يتجاوز الـ55 جنيهاً، ما يتسبب في ارتفاع الأسعار، لكن تراجعها لن يحدث قريباً. بينما قال هلال إن «الارتفاعات تأتي من المصانع وليس التجار».

مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

وكان رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، قد قال في تصريح، الخميس، خلال مؤتمر صحافي، إنه في حال توقف الحرب الإيرانية حالياً فلن يعود سعر برميل النفط لما كان عليه قبل الحرب، حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير، «وهذه هي أفضل السيناريوهات المتفائلة... والدولة تحاول التعامل مع تداعيات الحرب».

وكانت مصر قد قررت في مارس (آذار) الماضي، رفع سعر المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية.

وتابع الباحث في أسواق المال، موضحاً أن تصريح مدبولي «يعزز توقعات الاقتصاديين بأن الأسعار لن تذهب في منحنى هبوطي قريباً، بل إن العكس هو الأكثر ترجيحاً»، لافتاً إلى أننا في مرحلة لا تسير فيها السوق وفق آليات العرض والطلب، بل وفق التوقعات.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

وعكس حبيبة، ترى سارة خالد (31 عاماً)، التي تعمل في مجال خدمة العملاء، أن الأسعار التي ترتفع لا تعود للانخفاض، «لذلك أشتري المفروشات والملابس استعداداً للزواج، مع تأجيل الأجهزة حالياً، ليس على أمل انخفاضها، ولكن لحين تدبير سعرها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

أما الشاب العشريني أحمد عطا الله، الذي أحبطت الحرب الإيرانية قبل شهر خطوته لشراء شقة، بعدما رفع البائع سعرها 100 ألف جنيه فجأة، إثر ارتفاع الدولار، فقد قرر تأجيل شرائها حالياً مع وضع خطة بديلة.

يقول عطا الله، الذي يعمل محاسباً، لـ«الشرق الأوسط»، إنه اشترى كمية من الذهب بمدخراته في الفترة التي انخفض فيها سعره خلال الحرب، على اعتبار أنه يحتفظ بقيمته، وقد يشهد زيادة بعدها، فيبيعه ويتمكن من شراء الشقة.

وتشهد أسعار الذهب تذبذباً أيضاً على غرار الدولار، لكنه يظل آلية استثمارية مضمونة، إذا ما كان بغرض الاستثمار طويل الأجل، بحسب مراقبين.