ماذا كان وراء «استنفار الجيش السوري» الثلاثاء؟

الدفاع نحو إنهاء آخر مظاهر «الفصائلية» لصالح السلطة المركزية… وأحدهم تمرد

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
TT

ماذا كان وراء «استنفار الجيش السوري» الثلاثاء؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)

لم يكن مفاجئاً بالنسبة لقسم من السوريين التوتر الذي شهدته العاصمة دمشق ومحافظة حماة، الثلاثاء الماضي، واستنفار الفرقة 62 التي يقودها العميد محمد جاسم المعروف باسم «أبو عمشة»، بالنظر إلى طبيعة التشكيلات المسلحة التي تحولت نواةً المؤسسة العسكرية الجديدة وحتمية ظهور خلافات النفوذ واستمرار النزعة الفصائلية.

تزامن التوتر المحلي مع عملية نقل قوات عسكرية «روتينية تدريبية للوحدات المنتشرة على الحدود السورية، شرقاً مع العراق وغرباً مع لبنان»، وفُسّرت الأمور بأنها حالة استنفار تطول مجمل البلاد».

ما حصل في الواقع، أن المؤسسة العسكرية في الفترة الأخيرة، كانت تشهد سلسلة قرارات تتعلق بإعادة هيكلة تشكيلات منخرطة في وزارة الدفاع، تشمل إعفاء وتعيين ونقل لعدد من القادة، لتعزيز مركزية القرار العسكري، وتقليص النفوذ الذي تتمسك به بعض الفصائل خلال سنوات الحرب السورية.

في ظل هذه الأجواء، شهدت مدينة حماة، الثلاثاء الماضي، استنفاراً عسكرياً وانتشاراً للآليات والعناصر في محيط المدينة ومناطق الريف القريب، حيث مقار الفرقة 62 التابعة للجيش السوري، قابله انتشار أمني مكثف ووصول تعزيزات عسكرية إلى المنطقة.

الاستنفار في حماة تزامن مع صدور قرار بتعيين العميد محمد الجاسم نائباً لقائد فيلق المنطقة الوسطى، وتنحيته من قيادة الفرقة 62، وهي أوامر صدرت أثناء وجود الجاسم في مقر قيادة الجيش السوري واجتماعه مع وزير الدفاع مرهف أبو قصرة وقيادات عسكرية في العاصمة دمشق؛ ما عُدّ تقليصاً لنفوذ الجاسم.

ترميم ومواقع قيادية

أوضحت المصادر، أن الهيكلة الجديدة للجيش السوري وما تحمله من عملية ترميم وإعادة ترتيب المناصب والمواقع القيادية، ستشمل إنهاء مهام كثير من قادة الفرق والأولوية العسكرية، وإعادة نقلهم وتعيينهم في مواقع ورتب جديدة ضمن المؤسسة العسكرية.

على ذلك، فإن القرارات لم تخص الجاسم وحده، فقد شملت تغيير قادة الوحدات والفرق العسكرية التي من المفترض أن تنضوي تحت مظلة الفيلق الثاني المسؤول عن قيادة المنطقة الشمالية، والذي يضم الفرقة 62 والفرقة 76 والفرقة 60 والفرقة 80.

اجتماع الهيئة الاستشارية بوزارة الدفاع مع مدير إدارة التدريب في الجيش السوري لبحث برامج الإعداد والتأهيل وخطط التدريب وتعزيز قدرات الكوادر الشهر الماضي (وزارة الدفاع)

كانت العاصمة تشهد حضوراً عسكرياً وأمنياً مكثفاً في ذلك اليوم، ضم إلى جانب قيادة المؤسسة العسكرية، سيف أبو بكر قائد الفرقة 76، وقائد الفرقة 74 جميل الصالح، ومعهم محمد الجاسم قائد الفرقة 62، ومعتصم عباس، القائد السابق لفرقة المعتصم، شمال حلب، وثائر معروف، قائد لواء سمرقند، وعبد الناصر أبو جلال، القيادي في الفرقة التاسعة سابقاً، وإنهاء مهامهم ضمن الفرقة 80.

بعد الاجتماع، وحسب مصادر قريبة من أجوائه، أبلغ قائد الفرقة 76 سيف أبو بكر قيادة وزارة الدفاع بقرار استقالته والبدء في عملية تسليم مهام قيادة الفرقة الموجودة شمال مدينة حلب، لصالح «محمود درغام حامدي» المعروف باسم «أبو عدي سرايا».

لكن ردود الفعل التي صدرت على القرار من وحدات الفرقة 62، جاءت على ما يبدو نتيجة عوامل، في مقدمتها الخلاف الموجود بين محمد الجاسم (أبو عمشة) والقيادة العسكرية، بسبب رفضه نشر ألوية تابعة لفصيله في الجنوب السوري والحدود السورية - اللبنانية بريف دمشق، ورفضه أيضاً الانسحاب من الشمال السوري الذي يُعدّ مقره الأول؛ بسبب ما عدّه أبو عمشة «محاولة لتفكيك وتشتيت قواته».

غير أن المصادر أكدت على «انتهاء التوتر واحتوائه فوراً»، بفضل التزام الفرقة 62 بقرارات القيادة العسكرية وتحققها من زيف الشائعات التي تحدثت عن اعتقال قائدها، وأيضاً إعلان الجاسم قبوله بالمنصب الجديد «الذي يمنحه صلاحيات وتكليفات جديدة، عكس ما يجري الحديث حول عزله وإنهاء خدماته».

قوات من «قسد» متوجهة إلى النبك بريف دمشق للتدريب استعداداً للانضمام إلى الجيش السوري (مرصد الحسكة)

انتهت الأزمة ليلتها، لكن زوبعة الأخبار التي انتشرت لم تنته سريعاً. ونفت مصادر متعددة للشرق الأوسط، وجود «أي رابط بين ما شهدته المنطقة الوسطى، الثلاثاء، وما تعيشه المنطقة من توترات وتطورات إقليمية، دفعت إلى تأويل التحركات الروتينية على الحدود السورية مع لبنان والعراق، أو نسبته إلى مطالب داخلية، من قبيل اشتراط قيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تفكيك وعزل قادة عسكريين محددين».

جيش مركزي وتقليص نفوذ

تؤكد المعطيات المتاحة على أن القرارات الأخيرة جاءت لتقليص نفوذ بعض قادة الفصائل العسكرية؛ تمهيداً لإخراجهم من دائرة الإعلام والأضواء، بالنظر مثلاً إلى العقوبات التي فرضت على محمد الجاسم وفصيله «السلطان سليمان شاه» وسيف أبو بكر، قائد فرقة الحمزة، من قِبل وزارة الخزانة الأميركية والاتحاد الأوربي وبريطانيا، بعد أحداث الساحل السوري، مارس (آذار) 2025، وهي خطوة ضمن سلسلة خطوات تقوم على تفكيك هذه الفصائل؛ كي لا تتضرر المؤسسة العسكرية من العقوبات.

حفل تخريج أكثر من 1000 صف ضابط من الكلية الجوية يوليو الماضي (وزارة الدفاع)

وسبق لوزارة الدفاع، أن أطلقت مشروعاً لهيكلة المؤسسة العسكرية بنظم جديدة، تقوم على تشكيل ستة فيالق عسكرية، وتقليص دور وصلاحيات الفرق العسكرية حسب المنهجية الإدارية المعمول بها سابقاً، وتغطية الجغرافيا السورية ضمن منظومة الفيالق، وإنهاء ما تبقى من مظاهر الفصائلية.

إجراءات عسكرية روتينية

تشير التطورات العسكرية الأخيرة في محافظة حماة، والمتعلقة بنقل قائد الفرقة 62، إضافة إلى نقل قادة آخرين في الشمال السوري، إلى جهود مستمرة ضمن عملية إعادة هيكلة الجيش السوري. حسب ضياء قدور، الباحث المختص بالشؤون العسكرية والأمنية،

رأى في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الخطوات تهدف أساساً إلى «تعزيز المركزية والانضباط المؤسسي، وتقليص التأثيرات الفصائلية المتبقية التي قد تعيق بناء مؤسسة عسكرية موحدة».

يضيف، أن هذا الإجراء يندرج بالدرجة الأولى ضمن مسار إعادة الهيكلة الشامل، مع إمكانية وجود عوامل إضافية تتعلق بتحسين الأداء المهني وتعزيز الولاء المؤسسي على حساب الولاءات السابقة، وتجنب تداعيات قانونية دولية.

كما يرى قدور أن التوتر الذي رافق القرار، كان «متوقعاً في ظل النزعات الفصائلية التي ما زالت تظهر لدى بعض التشكيلات، رغم اندماجها الشكلي في الجيش».

من جهته، يتفق الخبير العسكري العميد عماد شحود، مع فكرة ضرورة بناء جيش عصري وموحد، يكون انتماؤه خالصاً لسوريا، مشيراً في الوقت ذاته، إلى أن «عملية نقل القادة وآمري الفرق والألوية العسكرية، يعدّ إجراءً روتينياً في غالبية المؤسسات العسكرية؛ بهدف ضمان انتماء الأفراد وتجنب ظهور ولاءات داخلية قد تهدد وحدة الجيش».

وتظهر تحركات الحكومة السورية، حسب شحود، مساعي جدية لبناء جيش وطني موحد يضم مختلف شرائح المجتمع وانتماءاتهم، بداية من العناصر وصولاً إلى القيادات العليا، ولاؤها للدولة والمؤسسات السورية، ببنية وطنية تتجاوز حدود المناطقية والقومية والعقائدية، وهو الأمر الصحي الذي بدأته الدولة السورية فعلياً.


مقالات ذات صلة

سوريا: شركة اتصالات تفصل 40 موظفاً سرّبوا معلومات

المشرق العربي منظر عام لدمشق (أرشيفية-رويترز)

سوريا: شركة اتصالات تفصل 40 موظفاً سرّبوا معلومات

نسبت صحيفة «الثورة» السورية إلى مصدر مطّلع أن شركة MTN للاتصالات فصلت نحو 40 موظفاً، بعد ثبوت تورطهم بتسريب معلومات.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي يجنيان محصول التفاح قرب قرية مجدل شمس في الجولان يوم 25 سبتمبر الحالي (أ.ف.ب)

الجولان... «تلاسن» يكشف أحد أسباب توقف المفاوضات بين دمشق وتل أبيب

تكشف الردود المتبادلة بخصوص هضبة الجولان بين دمشق وتل أبيب جزءاً من الأسباب الحقيقية لجمود المفاوضات السورية - الإسرائيلية

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية نتنياهو يهاجم أمام الأمم المتحدة منتقديه وأعداءه ودولا غربية

نتنياهو يهاجم أمام الأمم المتحدة منتقديه وأعداءه ودولا غربية

هاجم نتنياهو منتقدي إسرائيل أمام الأمم المتحدة، بعد انسحاب عشرات المندوبين من كلمته، ودافع عن سياسات بلاده تجاه إيران وغزة والضفة وسوريا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)

آلاف السوريين يواجهون تبعات قانونية وقضائية معقدة

لا تزال التهم القضائية الصادرة بحق آلاف السوريين خلال فترة حكم النظام البائد، تطارد الناشطين والسياسيين الذين يكتشفون وجود أحكام غيابية لا تزال سارية بحقهم.

منصور حسين (دمشق)
المشرق العربي موقع غارة أميركية قتلت زعيم تنظيم «داعش» بمسيّرة في بلدة بزاعة بريف حلب يوليو 2023 (أ.ف.ب)

مطالبات لـ«التحالف ضد داعش» بتعويض المدنيين عن أضرار عملياته العسكرية

تُبحث مسؤولية كل دولة على حدة وفق دورها في الواقعة المحددة، سواء تعلق ذلك بتنفيذ الضربة، أو اختيار الهدف، أو تقديم معلومات الاستهداف، أو الإسناد العملياتي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تهريب البضائع... سبيل الغزيين لمواجهة القيود الإسرائيلية

فلسطينيون نازحون ينتظرون للحصول على وجبة طعام في مطبخ خيري بخان يونس يوم الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطينيون نازحون ينتظرون للحصول على وجبة طعام في مطبخ خيري بخان يونس يوم الجمعة (أ.ف.ب)
TT

تهريب البضائع... سبيل الغزيين لمواجهة القيود الإسرائيلية

فلسطينيون نازحون ينتظرون للحصول على وجبة طعام في مطبخ خيري بخان يونس يوم الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطينيون نازحون ينتظرون للحصول على وجبة طعام في مطبخ خيري بخان يونس يوم الجمعة (أ.ف.ب)

لم يكن لغزي يعيش في ظروف بائسة يتخيل وصول جهاز «آيفون برو ماكس 18»، الذي طُرح حديثاً للبيع في دول مختلفة حول العالم، في وقت تفرض فيه إسرائيل قيوداً مشددة على دخول البضائع إلى قطاع غزة، بما فيها الهواتف الجوالة الحديثة وأجهزة الكمبيوتر، فضلاً عن عشرات، إن لم يكن مئات، من الاحتياجات الأساسية والثانوية المفقودة في الأسواق.

ووصل سعر الهاتف، الذي طُرح في غزة بمبلغ كبير جداً مقارنة بأسعاره في أسواق الدول المجاورة، إلى أكثر من 28 ألف شيقل وفق آخر سعر حتى السبت، بعدما بلغ عند وصوله للمرة الأولى قبل نحو أسبوع 40 ألف شيقل، (سعر صرف الدولار 3.05 شيقل، وفق أسعار الصرف السبت). ويقارن ذلك بأقل من 6 آلاف شيقل، وهو سعر الجهاز نفسه في الضفة الغربية. وعلى الرغم من ارتفاع سعره في غزة، شهد الهاتف إقبالاً سريعاً من بعض أصحاب رؤوس الأموال والتجار وعائلاتهم.

تهريب عبر المعابر الإسرائيلية

ما يلفت الانتباه ليس فقط سعر الجهاز، لكن طريقة وصوله في ظل الحظر الشديد الذي تفرضه إسرائيل على دخول أي أجهزة. ويقول تاجر معرض للهواتف الجوالة في مدينة غزة لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا الجهاز وصل بكميات محدودة، بعد أن تم تهريبه عبر معابر ومنافذ القطاع التي تُسيطر عليها قوات الاحتلال الإسرائيلي بشكل كامل.

شاحنة فلسطينية تمر عبر معبر كرم أبو سالم الحدودي في رفح (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأوضح التاجر، الذي فضّل عدم ذكر هويته لأسباب خاصة، أنه اشترى الهاتف من كبار التجار في غزة، الذين ينشط بعضهم في تهريب بضائع معينة بطرق مختلفة. وقال إن بعض هؤلاء التجار ثبت تورطهم سابقاً في علاقات مع تجار إسرائيليين على صلة بضباط وجنود، إلى جانب ضباط في جهاز «الشاباك» الإسرائيلي، الذين سهلوا لهم خلال الحرب إدخال مواد تحظر إسرائيل دخولها، مثل الهواتف الجوالة ومعدات الطاقة الشمسية والسجائر، وغيرها من السلع التي لا يزال إدخالها ممنوعاً.

وتُشير معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من بعض التجار إلى أن هناك عمليات تهريب تتم بالتنسيق ما بين تجار من غزة وآخرين من الجانب الإسرائيلي، وأن الطرف الأخير هو مَن يقوم بدفع أموال لضباط وجنود لتسهيل وصول تلك البضائع، وأن بعض عمليات التهريب كانت تتم في بعض الأحيان عبر طائرات مسيّرة تصل من الجانب الإسرائيلي إلى القطاع، وتحمل مواد ممنوعة مثل المخدرات، وهواتف وغيره.

تهريب العصابات المسلحة

ويكشف تاجر من سكان خان يونس، جنوب قطاع غزة، ويعيش حالياً فيما باتت تُعرف بالعاصمة التجارية للقطاع، مدينة دير البلح في المنطقة الوسطى، عن أن عدد البضائع الممنوعة يتم تهريبها من قبل العصابات المسلحة الموجودة في مناطق سيطرة إسرائيل داخل القطاع باستخدام طرق احتيالية كثيرة.

وحسب التاجر الذي تحدّث لـ«الشرق الأوسط»، فإن هناك طرقاً كثيرة للالتفاف على القيود الإسرائيلية، لكن على الرغم من كل هذه الطرق فإن عمليات التهريب لا تلبي الاحتياجات الكافية واللازمة للسكان، ولا يمكن توفير كل شيء، والتركيز يتم على أجهزة الهواتف الجوالة، وبعض البضائع التكنولوجية والسجائر ومستلزماتها وغيره من المواد التي يمكن تهريبها بشكل أو بآخر.

وأوضح التاجر أن بعض المسؤولين في العصابات المسلحة تمكنوا من تزويد بعض التجار مقابل مبالغ مالية باهظة، لنقل زيوت وبطاريات للمركبات، إلى جانب شاشات هواتف جوالة وغيره، مشيراً إلى أن غالبية الأموال كانت تذهب لجيوبهم الخاصة، في وقت تأتي البضائع إليهم بأسعار بسيطة، لكن يتم بيعها للتجار بأسعار باهظة، وبدورهم عندما تعرض في الأسواق بطرق مختلفة يجري بيعها بأسعار أعلى، ما يدر ربحاً مالياً كبيراً.

ولد فلسطيني يضع طنجرة كبيرة على رأسه وهو متوجه للحصول على وجبة طعام ساخنة في مطبخ خيري بخان يونس يوم الجمعة (أ.ف.ب)

ويقول التاجر إن هناك حالة من «الفلتان» وعدم السيطرة، سواء من قبل إسرائيل أو «حماس»، لضبط الأوضاع على المعابر ودخول البضائع، يسمح بالواقع الحالي، مشيراً إلى أن هناك تورطاً واضحاً لأطراف عديدة في عمليات التهريب المستمرة، وهذا الأمر أفرز تجاراً جدداً بات يطلق عليهم «تجار الحرب»، كانوا قبلها لا يملكون المال وأصبحوا اليوم هم رؤوس الأموال بالقطاع، في حين اختفى كثير من التجار الحقيقيين بعدما أودت الحرب بتجارتهم للهاوية، وخسروا ما لديهم.

بضائع ترفيهية على حساب الأساسية

وتدفع القيود الإسرائيلية كثيراً من التجار إلى البحث عن طرق لتهريب ما يمكن تهريبه، في محاولة لتعويض سكان القطاع عن بعض ما يفتقدونه. إلا أن غالبية ما يدخل بهذه الطرق يندرج ضمن السلع الثانوية أو الكمالية، رغم حاجة السكان إليها، مثل الهواتف الجوالة والسجائر، في وقت يفتقدون فيه كثيراً من الاحتياجات الأساسية، ومنها الخضار والفاكهة واللحوم التي لا تدخل بصورة منتظمة. وتتذبذب أسعار هذه السلع ارتفاعاً وانخفاضاً تبعاً للسماح بإدخالها أو منعها من الجانب الإسرائيلي، فيما ظلت أسعارها أعلى من مستويات ما قبل الحرب، ما حرم كثيراً من الفئات المهمشة من القدرة على الحصول عليها.

كما تمنع إسرائيل كثيراً من الأساسيات، مثل المواد الطبية والأدوية اللازمة لأصحاب الأمراض المزمنة كالسكري والقلب وغيره، في وقت يمنع أيضاً دخول المصاحف، وسكاكين المطابخ ومعداتها، والكتب الدراسية للمراحل التعليمية المختلفة. فيما تسمح بإدخال مواد وبضائع ترفيهية وثانوية مثل المشروبات بأنواعها المختلفة، والشوكولاته بمختلف الأنواع، والمكياج والعطور وغيرها من الاحتياجات الثانوية، لكنها في الوقت نفسه تفرض على هذه المعدات مبالغ مالية هائلة لتنسيق إدخالها، كما أنها في بعض الأحيان توقف إدخالها لإيجاد أزمات قبل أن تسمح بإدخالها مجدداً.

شاحنات مصرية تحمل مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة بعد خضوعها للتفتيش ​​عند معبر «كيرم شالوم» (إ.ب.أ)

ويواجه سكان غزة نقصاً حاداً في الخيام والشوادر والأخشاب والحديد وغيرها من المستلزمات اللازمة لتوفير مساكن مؤقتة؛ إذ يُسمح أحياناً بإدخال بعض الخيام والشوادر، سواء لمؤسسات أو لتجار يبيعونها بأسعار باهظة. كما لا يتوفر الدقيق (الطحين) بصورة منتظمة، ما يؤدي إلى تذبذب أسعاره صعوداً وهبوطاً تبعاً لحجم الكميات التي يُسمح بإدخالها. ويعاني السكان كذلك نقصاً حاداً في الزيوت والفلاتر والمحروقات وسائر المستلزمات المرتبطة بتشغيل المركبات والمولدات الكهربائية، التي تمنع إسرائيل إدخالها بالكامل، ما يدفع بعض التجار إلى تهريب كميات منها بطرق مختلفة وبيعها بأسعار مرتفعة. وقد أسهم ذلك في زيادة تكاليف المواصلات وأسعار الكهرباء التي توفرها المولدات التجارية، ما زاد من أعباء المعيشة على السكان.

وفي يوليو (تموز) من العام الماضي، كشفت «الشرق الأوسط» عن تلقي ضباط إسرائيليين رشى مقابل إدخال بضائع يحظر الجانب الإسرائيلي دخولها إلى قطاع غزة، الذي كان يعاني آنذاك أزمات شديدة، قبل الإعلان لاحقاً عن وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه. وبعد أشهر من كشف «الشرق الأوسط»، أظهرت تحقيقات إسرائيلية عن تورط ضباط كبار، بينهم شقيق رئيس جهاز «الشاباك» الإسرائيلي دافيد زيني، في عمليات تهريب، ما أدى إلى توجيه لوائح اتهام وفرض عقوبات على المتورطين.


تقرير: 12 خرقاً إسرائيلياً لوقف إطلاق النار في غزة منذ فجر اليوم

رجل يقف فوق مبنى ينظر إلى خيام فلسطينيين نازحين في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
رجل يقف فوق مبنى ينظر إلى خيام فلسطينيين نازحين في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

تقرير: 12 خرقاً إسرائيلياً لوقف إطلاق النار في غزة منذ فجر اليوم

رجل يقف فوق مبنى ينظر إلى خيام فلسطينيين نازحين في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
رجل يقف فوق مبنى ينظر إلى خيام فلسطينيين نازحين في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ارتكبت القوات الإسرائيلية، منذ فجر اليوم السبت، 12 خرقاً جديداً لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، شملت قصفاً مدفعياً وإطلاق نار مكثفاً استهدف مناطق في شمال القطاع وجنوبه، ما أسفر عن وقوع عدد من الإصابات، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وأصيب عدد من الفلسطينيين فجراً جراء قصف إسرائيلي استهدف مدنيين قرب مفترق «الإقليمي» في منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، وفق قناة «الأقصى» الفلسطينية.

وأشارت إلى «استشهاد شاب اليوم متأثراً بإصابته جراء قصف إسرائيلي استهدف حي الرمال في مدينة غزة قبل أسابيع»، لافتة إلى أن «مدفعية الاحتلال قصفت المناطق الشرقية لمدينة غزة، بالتزامن مع إطلاق آليات الاحتلال العسكرية النار باتجاه المناطق الشمالية للمدينة».

وقالت إن زوارق الاحتلال الحربية أطلقت صباحاً النار بكثافة تجاه شواطئ وبحر مدينة غزة، مشيرة إلى أن بحر مدينة غزة شهد خلال ساعات الفجر إطلاق نار مكثف من الزوارق الحربية الإسرائيلية.

وفي جنوب القطاع، أطلقت آليات إسرائيل العسكرية المتمركزة شرق بلدة القرارة، شمال خان يونس، النار باتجاه منازل وخيام النازحين.

كما أطلقت الطائرات المروحية النار تجاه المناطق الشرقية لمدينة خان يونس، بالتزامن مع إطلاق نار من الآليات العسكرية الإسرائيلية باتجاه المناطق الشرقية والجنوبية للمدينة.

وأفاد سكان محليون بأن الطيران المروحي الإسرائيلي أطلق النار غرب مدينة رفح جنوب قطاع غزة، فيما تجدد إطلاق النار من الآليات العسكرية الإسرائيلية تجاه خيام النازحين في مواصي رفح وجنوب مواصي خان يونس، مشيرين إلى أن «إطلاق نار مكثف من آليات الاحتلال استهدف خيام النازحين في محيط مدينة حمد شمال خان يونس».

وفي شمال قطاع غزة، أطلقت الدبابات الإسرائيلية النار بكثافة تجاه منطقتي السلاطين والعطاطرة غربي بلدة بيت لاهيا.


فتح باب الترشح للانتخابات التشريعية الفلسطينية

لافتة إعلانية عن الانتخابات قرب جنين في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
لافتة إعلانية عن الانتخابات قرب جنين في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
TT

فتح باب الترشح للانتخابات التشريعية الفلسطينية

لافتة إعلانية عن الانتخابات قرب جنين في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
لافتة إعلانية عن الانتخابات قرب جنين في الضفة الغربية (إ.ب.أ)

أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، اليوم السبت، فتح باب استقبال طلبات ترشح القوائم للانتخابات التشريعية 2026، التي ستقام في وقت واحد في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وقالت اللجنة، في بيان أوردته وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، إنها بدأت صباح اليوم استقبال طلبات الترشح في مقرها العام بمدينة البيرة، ومكتبها في مدينة دير البلح بقطاع غزة، على أن تستمر العملية لمدة 12 يوماً، حتى مساء الأربعاء 7 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، مشيرة إلى أن ساعات صباح اليوم الأول من الترشح شهدت إقبالاً كبيراً من القوائم المترشحة في مكتبيها برام الله ودير البلح.

وأوضحت أن الترشح لعضوية المجلس التشريعي يتم من خلال القوائم الانتخابية فقط، ولا تقبل طلبات الترشح الفردية، بحيث لا يقل عدد مرشحي القائمة عن 16 مرشحاً ولا يزيد على 132 مرشحاً، مع الالتزام بالحد الأدنى لتمثيل المرأة وفقاً لأحكام القانون.

خيام النازحين في خان يونس بقطاع غزة (أ.ف.ب)

وبيّنت أن طلب ترشح القائمة يقدم من قبل منسقها ومفوضها بعد استكمال النماذج والوثائق والمرفقات المطلوبة، مؤكدة أن الطلبات المقدمة تخضع للدراسة والتدقيق للتأكد من استيفائها الشروط القانونية، وأن تقديم الطلب لا يعني قبوله أو اعتماده.

وأكدت اللجنة جاهزية طواقمها في الضفة الغربية وقطاع غزة لاستقبال طلبات الترشح وتقديم الإرشاد والمعلومات اللازمة لممثلي القوائم، داعية الراغبين في الترشح إلى التأكد من استكمال كل المتطلبات قبل تقديم الطلب.

وتشكل مرحلة الترشح إحدى المراحل الرئيسية في الجدول الزمني للانتخابات التشريعية 2026، فيما من المقرر إجراء الاقتراع العام يوم 28 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.