ماذا كان وراء «استنفار الجيش السوري» الثلاثاء؟

الدفاع نحو إنهاء آخر مظاهر «الفصائلية» لصالح السلطة المركزية… وأحدهم تمرد

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
TT

ماذا كان وراء «استنفار الجيش السوري» الثلاثاء؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)

لم يكن مفاجئاً بالنسبة لقسم من السوريين التوتر الذي شهدته العاصمة دمشق ومحافظة حماة، الثلاثاء الماضي، واستنفار الفرقة 62 التي يقودها العميد محمد جاسم المعروف باسم «أبو عمشة»، بالنظر إلى طبيعة التشكيلات المسلحة التي تحولت نواةً المؤسسة العسكرية الجديدة وحتمية ظهور خلافات النفوذ واستمرار النزعة الفصائلية.

تزامن التوتر المحلي مع عملية نقل قوات عسكرية «روتينية تدريبية للوحدات المنتشرة على الحدود السورية، شرقاً مع العراق وغرباً مع لبنان»، وفُسّرت الأمور بأنها حالة استنفار تطول مجمل البلاد».

ما حصل في الواقع، أن المؤسسة العسكرية في الفترة الأخيرة، كانت تشهد سلسلة قرارات تتعلق بإعادة هيكلة تشكيلات منخرطة في وزارة الدفاع، تشمل إعفاء وتعيين ونقل لعدد من القادة، لتعزيز مركزية القرار العسكري، وتقليص النفوذ الذي تتمسك به بعض الفصائل خلال سنوات الحرب السورية.

في ظل هذه الأجواء، شهدت مدينة حماة، الثلاثاء الماضي، استنفاراً عسكرياً وانتشاراً للآليات والعناصر في محيط المدينة ومناطق الريف القريب، حيث مقار الفرقة 62 التابعة للجيش السوري، قابله انتشار أمني مكثف ووصول تعزيزات عسكرية إلى المنطقة.

الاستنفار في حماة تزامن مع صدور قرار بتعيين العميد محمد الجاسم نائباً لقائد فيلق المنطقة الوسطى، وتنحيته من قيادة الفرقة 62، وهي أوامر صدرت أثناء وجود الجاسم في مقر قيادة الجيش السوري واجتماعه مع وزير الدفاع مرهف أبو قصرة وقيادات عسكرية في العاصمة دمشق؛ ما عُدّ تقليصاً لنفوذ الجاسم.

ترميم ومواقع قيادية

أوضحت المصادر، أن الهيكلة الجديدة للجيش السوري وما تحمله من عملية ترميم وإعادة ترتيب المناصب والمواقع القيادية، ستشمل إنهاء مهام كثير من قادة الفرق والأولوية العسكرية، وإعادة نقلهم وتعيينهم في مواقع ورتب جديدة ضمن المؤسسة العسكرية.

على ذلك، فإن القرارات لم تخص الجاسم وحده، فقد شملت تغيير قادة الوحدات والفرق العسكرية التي من المفترض أن تنضوي تحت مظلة الفيلق الثاني المسؤول عن قيادة المنطقة الشمالية، والذي يضم الفرقة 62 والفرقة 76 والفرقة 60 والفرقة 80.

اجتماع الهيئة الاستشارية بوزارة الدفاع مع مدير إدارة التدريب في الجيش السوري لبحث برامج الإعداد والتأهيل وخطط التدريب وتعزيز قدرات الكوادر الشهر الماضي (وزارة الدفاع)

كانت العاصمة تشهد حضوراً عسكرياً وأمنياً مكثفاً في ذلك اليوم، ضم إلى جانب قيادة المؤسسة العسكرية، سيف أبو بكر قائد الفرقة 76، وقائد الفرقة 74 جميل الصالح، ومعهم محمد الجاسم قائد الفرقة 62، ومعتصم عباس، القائد السابق لفرقة المعتصم، شمال حلب، وثائر معروف، قائد لواء سمرقند، وعبد الناصر أبو جلال، القيادي في الفرقة التاسعة سابقاً، وإنهاء مهامهم ضمن الفرقة 80.

بعد الاجتماع، وحسب مصادر قريبة من أجوائه، أبلغ قائد الفرقة 76 سيف أبو بكر قيادة وزارة الدفاع بقرار استقالته والبدء في عملية تسليم مهام قيادة الفرقة الموجودة شمال مدينة حلب، لصالح «محمود درغام حامدي» المعروف باسم «أبو عدي سرايا».

لكن ردود الفعل التي صدرت على القرار من وحدات الفرقة 62، جاءت على ما يبدو نتيجة عوامل، في مقدمتها الخلاف الموجود بين محمد الجاسم (أبو عمشة) والقيادة العسكرية، بسبب رفضه نشر ألوية تابعة لفصيله في الجنوب السوري والحدود السورية - اللبنانية بريف دمشق، ورفضه أيضاً الانسحاب من الشمال السوري الذي يُعدّ مقره الأول؛ بسبب ما عدّه أبو عمشة «محاولة لتفكيك وتشتيت قواته».

غير أن المصادر أكدت على «انتهاء التوتر واحتوائه فوراً»، بفضل التزام الفرقة 62 بقرارات القيادة العسكرية وتحققها من زيف الشائعات التي تحدثت عن اعتقال قائدها، وأيضاً إعلان الجاسم قبوله بالمنصب الجديد «الذي يمنحه صلاحيات وتكليفات جديدة، عكس ما يجري الحديث حول عزله وإنهاء خدماته».

قوات من «قسد» متوجهة إلى النبك بريف دمشق للتدريب استعداداً للانضمام إلى الجيش السوري (مرصد الحسكة)

انتهت الأزمة ليلتها، لكن زوبعة الأخبار التي انتشرت لم تنته سريعاً. ونفت مصادر متعددة للشرق الأوسط، وجود «أي رابط بين ما شهدته المنطقة الوسطى، الثلاثاء، وما تعيشه المنطقة من توترات وتطورات إقليمية، دفعت إلى تأويل التحركات الروتينية على الحدود السورية مع لبنان والعراق، أو نسبته إلى مطالب داخلية، من قبيل اشتراط قيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تفكيك وعزل قادة عسكريين محددين».

جيش مركزي وتقليص نفوذ

تؤكد المعطيات المتاحة على أن القرارات الأخيرة جاءت لتقليص نفوذ بعض قادة الفصائل العسكرية؛ تمهيداً لإخراجهم من دائرة الإعلام والأضواء، بالنظر مثلاً إلى العقوبات التي فرضت على محمد الجاسم وفصيله «السلطان سليمان شاه» وسيف أبو بكر، قائد فرقة الحمزة، من قِبل وزارة الخزانة الأميركية والاتحاد الأوربي وبريطانيا، بعد أحداث الساحل السوري، مارس (آذار) 2025، وهي خطوة ضمن سلسلة خطوات تقوم على تفكيك هذه الفصائل؛ كي لا تتضرر المؤسسة العسكرية من العقوبات.

حفل تخريج أكثر من 1000 صف ضابط من الكلية الجوية يوليو الماضي (وزارة الدفاع)

وسبق لوزارة الدفاع، أن أطلقت مشروعاً لهيكلة المؤسسة العسكرية بنظم جديدة، تقوم على تشكيل ستة فيالق عسكرية، وتقليص دور وصلاحيات الفرق العسكرية حسب المنهجية الإدارية المعمول بها سابقاً، وتغطية الجغرافيا السورية ضمن منظومة الفيالق، وإنهاء ما تبقى من مظاهر الفصائلية.

إجراءات عسكرية روتينية

تشير التطورات العسكرية الأخيرة في محافظة حماة، والمتعلقة بنقل قائد الفرقة 62، إضافة إلى نقل قادة آخرين في الشمال السوري، إلى جهود مستمرة ضمن عملية إعادة هيكلة الجيش السوري. حسب ضياء قدور، الباحث المختص بالشؤون العسكرية والأمنية،

رأى في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الخطوات تهدف أساساً إلى «تعزيز المركزية والانضباط المؤسسي، وتقليص التأثيرات الفصائلية المتبقية التي قد تعيق بناء مؤسسة عسكرية موحدة».

يضيف، أن هذا الإجراء يندرج بالدرجة الأولى ضمن مسار إعادة الهيكلة الشامل، مع إمكانية وجود عوامل إضافية تتعلق بتحسين الأداء المهني وتعزيز الولاء المؤسسي على حساب الولاءات السابقة، وتجنب تداعيات قانونية دولية.

كما يرى قدور أن التوتر الذي رافق القرار، كان «متوقعاً في ظل النزعات الفصائلية التي ما زالت تظهر لدى بعض التشكيلات، رغم اندماجها الشكلي في الجيش».

من جهته، يتفق الخبير العسكري العميد عماد شحود، مع فكرة ضرورة بناء جيش عصري وموحد، يكون انتماؤه خالصاً لسوريا، مشيراً في الوقت ذاته، إلى أن «عملية نقل القادة وآمري الفرق والألوية العسكرية، يعدّ إجراءً روتينياً في غالبية المؤسسات العسكرية؛ بهدف ضمان انتماء الأفراد وتجنب ظهور ولاءات داخلية قد تهدد وحدة الجيش».

وتظهر تحركات الحكومة السورية، حسب شحود، مساعي جدية لبناء جيش وطني موحد يضم مختلف شرائح المجتمع وانتماءاتهم، بداية من العناصر وصولاً إلى القيادات العليا، ولاؤها للدولة والمؤسسات السورية، ببنية وطنية تتجاوز حدود المناطقية والقومية والعقائدية، وهو الأمر الصحي الذي بدأته الدولة السورية فعلياً.


مقالات ذات صلة

سوريا بدأت تدمير أسلحة كيميائية تعود إلى عهد الأسد

المشرق العربي  مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي (حسابه عبر منصة «إكس»)

سوريا بدأت تدمير أسلحة كيميائية تعود إلى عهد الأسد

أبلغت سوريا مجلس الأمن الدولي، الخميس، أنها بدأت عملية تدمير المواد الكيميائية التي تعود الى حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية عناصر من «قسد» خلال دورية في الحسكة بعد اندماجهم في صفوف الجيش السوري (أ.ب)

تركيا تنفي عودة عناصر من «قسد» إليها بعد انتهاء دمجها

نفت تركيا ادعاءات بشأن عودة عناصر أجنبية نشطت ضمن «قسد» إليها بعد إعلان حلها وانتهاء دمجها في مؤسسات الدولة السورية، مجددةً دعمها لدمشق في هذه المرحلة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي لبنانيون وسوريون يحتفلون في بيروت بسقوط النظام السوري ورئيسه بشار الأسد (أ.ف.ب)

دمشق طالبت لبنان بتسليم العشرات من فلول الأسد في قائمتين

مع الإعلان عن إحباط السلطات اللبنانية مخططاً أمنياً يستهدف الأمن في لبنان وسوريا، وتفكيك شبكة أمنية خطيرة تنشط بين البلدين وتتبع «حزب الله» وفلول النظام السوري

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مقاتلات «وحدات حماية المرأة» يشاركن في التدريبات العسكرية في الحسكة شمال شرقي سوريا - 22 أغسطس (رويترز)

مقاتلات كرديات يبحثن عن دور في سوريا الجديدة

قالت قائدة «وحدات حماية المرأة»، نوروز أحمد، إنها أُبلغت في اجتماعات مع الرئيس السوري أحمد الشرع، الأسبوع الماضي، في دمشق، بأن مقاتلاتها لا مكان لهن في الجيش.

«الشرق الأوسط» (القامشلي (سوريا))
المشرق العربي ضابط في «بيشمركة روج» التابعة للمجلس الوطني الكردي السوري

مسؤول سوري ينفي وجود مباحثات لدمج «بيشمركة روج» بالجيش

نفى نائب محافظ الحسكة ما ورد في تقارير صحافية عن مقترح من الحكومة السورية يقضي بدمج قوات «بيشمركة روج» السورية الكردية الموجودة حالياً في إقليم كردستان العراق

موفق محمد (دمشق)

سوريا بدأت تدمير أسلحة كيميائية تعود إلى عهد الأسد

 مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي (حسابه عبر منصة «إكس»)
مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي (حسابه عبر منصة «إكس»)
TT

سوريا بدأت تدمير أسلحة كيميائية تعود إلى عهد الأسد

 مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي (حسابه عبر منصة «إكس»)
مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي (حسابه عبر منصة «إكس»)

أبلغت سوريا مجلس الأمن الدولي، الخميس، أنها بدأت عملية تدمير المواد الكيميائية التي تعود إلى حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وقال مندوب دمشق لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي: «هذه هي عملية التدمير الأولى منذ تحررنا من النظام السابق».

وأضاف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «هي أيضاً الأولى من نوعها لتدمير مواد كيميائية على الأراضي السورية منذ أكثر من عقد».


إسرائيل توسّع عملياتها في جنوب لبنان... اعتقالات وتوغلات وتفجيرات في بلدات حدودية

دخان يتصاعد إثر غارات إسرائيلية على منطقة المنصوري جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد إثر غارات إسرائيلية على منطقة المنصوري جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل توسّع عملياتها في جنوب لبنان... اعتقالات وتوغلات وتفجيرات في بلدات حدودية

دخان يتصاعد إثر غارات إسرائيلية على منطقة المنصوري جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد إثر غارات إسرائيلية على منطقة المنصوري جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وسّعت إسرائيل، الخميس، عملياتها في جنوب لبنان، بين التوغلات والاعتقالات والتفجيرات والقصف المدفعي، في تصعيد امتد من حاصبيا إلى النبطية والقطاعين الأوسط والغربي، وبرز فيه اعتقال 3 لبنانيين خلال توغل قوة إسرائيلية داخل بلدة حلتا، إلى جانب تفجير ضخم في كفر تبنيت وتحركات عسكرية داخل المنصوري.

هذا في وقت نقلت فيه وكالة «رويترز» عن 3 مسؤولين مطلعين قولهم إن «إيران حذّرت الولايات المتحدة من أنها ستردّ بقوة على أي هجوم إسرائيلي على تلة علي الطاهر في جنوب لبنان، حيث يتحصن عسكريون إيرانيون ​إلى جانب مقاتلي جماعة (حزب الله)».

ونقلت الوكالة أيضاً عن مصادر أمنية لبنانية: «إنه من المعتقد أن (حزب الله) أنشأت مركز قيادة تحت الأرض ومخازن أسلحة داخل تلة علي الطاهر، التي تطل على جنوب شرقي لبنان، وأصبحت واحدة من أبرز ساحات المواجهة في الحرب بين إسرائيل والجماعة، في الوقت الذي تدخل فيه الحرب الدائرة في المنطقة شهرها السابع.

والخميس توغلت قوة إسرائيلية صباحاً داخل حلتا في قضاء حاصبيا، وحاصرت عدداً من المنازل ومنعت الأهالي من مغادرتها، قبل أن تعتقل 3 من أبناء البلدة، هم قاسم وحاتم وزعل عبد العال».

وبالتزامن، نفّذت القوات الإسرائيلية تفجيرات في القنطرة وحداثا ووادي برعشيت وبني حيان، فيما نفّذ الجيش الإسرائيلي بعد الظهر تفجيراً ضخماً في كفر تبنيت، وُصف بأنه الأكبر من نوعه في البلدة، وأحدث دوياً تردد في مناطق مختلفة من الجنوب، وتصاعدت إثره سحب كثيفة من الدخان شوهدت من مسافات بعيدة.

واستهدف قصف مدفعي إسرائيلي المنصوري، بينما ألقت مسيّرة قنبلتين صوتيتين على طريق العزية - المنصوري، بالتزامن مع نقل آليات إسرائيلية غالونات مفخخة باتجاه البلدة، وتوغل دبابة «ميركافا» وجرافة «D9» داخلها. وفي القطاع الشرقي، أطلقت المدفعية الإسرائيلية فجراً 5 قذائف باتجاه مجرى نهر الليطاني - الخردلي، غرب دير ميماس، وشرق قلعة الشقيف، فيما سجل تحليق للطيران المسيّر الإسرائيلي فوق منطقة صور.

صورة التقطتها الأقمار الاصطناعية تُظهر أضراراً في مرتفعات علي الطاهر قرب النبطية جنوب لبنان (رويترز)

النبطية تحت ضغط الضربات

وجاءت التطورات امتداداً لعمليات إسرائيلية واسعة شهدتها منطقة النبطية ومحيطها، وطالت علي الطاهر والدبشة ودوحة كفررمان والنبطية الفوقا، وصولاً إلى أحياء سكنية في مدينة النبطية، إلى جانب تفجيرات وعمليات تمشيط في حولا وكفر تبنيت وبيت ليف.

ورفعت العمليات الحصيلة التراكمية للعدوان الإسرائيلي إلى 8921 قتيلاً و30559 جريحاً، وفق أرقام وزارة الصحة العامة الواردة في المعطيات المنشورة.

دخان يتصاعد من حرائق اندلعت إثر قصف إسرائيلي استهدف سهل مرجعيون في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

من جبل الشيخ إلى علي الطاهر

وفي قراءة عسكرية للتوغلات الأخيرة ودلالاتها، قال العميد الركن المتقاعد يعرب صخر لـ«الشرق الأوسط»: «الاعتقالات في منطقة حلتا يجب النظر إليها ضمن الصورة العسكرية الأوسع في القطاع الشرقي، إذ إن إسرائيل تحتفظ بقوة عسكرية كبيرة في منطقة جبل الشيخ، المتصلة جغرافياً بمحور راشيا وحاصبيا والبقاع الغربي، وصولاً إلى المرتفعات المؤدية نحو إقليم التفاح وجزين».

وأضاف: «يمكن قراءة هذه التحركات كرسالة إسرائيلية مرتبطة بما يجري في مرتفعات علي الطاهر، لأن هذه المنطقة تشكل، من الناحية العسكرية، مفتاحاً للانتقال باتجاه إقليم التفاح ومرتفعات جزين وجبل الريحان، ومنها إلى تخوم البقاع الغربي. وهذه الجغرافيا مترابطة، فيما يتركز الضغط الإسرائيلي حالياً على علي الطاهر والتلال المحيطة بها باعتبارها نقطة مفصلية».

وتابع صخر: «وفق القراءة العسكرية للمشهد، أصبحت مرتفعات علي الطاهر مكشوفة إلى حد كبير بالنار، سواء فوق الأرض أو عند مداخلها ومخارجها، بما في ذلك النقاط التي تعتقد إسرائيل أنها قد تشكل مداخل أو مخارج لمنشآت تحت الأرض في القرى والبلدات المحيطة».

ورأى أن «الانتقال من السيطرة بالنار إلى محاولة الاقتحام، إذا اتُخذ قرار إسرائيلي بذلك، قد يفتح الطريق أمام التقدم لاحقاً شمالاً أو شمالاً شرقياً باتجاه إقليم التفاح ومرتفعات جزين وجبل الريحان وصولاً إلى تخوم البقاع الغربي. وفي المقابل، تنشط القوات الإسرائيلية المتمركزة في جبل الشيخ على المحور الشرقي، وتنفذ بين حين وآخر تحركات ميدانية باتجاه مناطق مختلفة، تتخللها إقامة حواجز مؤقتة وعمليات توقيف».

وقال صخر إن «ما تقوم به إسرائيل في جنوب لبنان يندرج، ضمن محاولة ترسيخ السيطرة، سواء عبر الوجود العسكري المباشر أو من خلال السيطرة بالنار والاستطلاع والمراقبة، وإذا أخذنا المساحة التي تتعامل معها إسرائيل باعتبارها نطاقاً أمنياً».

وأضاف: «يمكن ملاحظة هذا النهج في القطاع الغربي، ولا سيما محور المنصوري والخط الساحلي، وفي القطاع الأوسط في محيط بنت جبيل، وصولاً إلى القطاع الشرقي عند الخيام ومحيطها. ويتركز الاهتمام حالياً شمال هذا القطاع، وتحديداً على علي الطاهر، حيث تتواصل الضربات والاستهدافات في إطار ترسيخ السيطرة وتهيئة الأرض لأي تحرك عسكري محتمل»، معتبراً أنّ إسرائيل «تسعى وفق أهدافها المعلنة وممارساتها الميدانية إلى إزالة أي وجود مسلح تعتبره تابعاً لـ(حزب الله) جنوب الليطاني، فيما تبقى عقدة شمال الليطاني بالنسبة إليها. ومن هنا تكتسب علي الطاهر أهمية خاصة، لأن السيطرة عليها، إذا حصلت، ستكون ذات أهمية في محاولتها ضرب منظومة القيادة والسيطرة التابعة للحزب في جنوب لبنان وعلى جانبي الليطاني».

دخان يتصاعد إثر غارات إسرائيلية على منطقة المنصوري في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أهالي الحدود يطالبون بوقف التدمير

وفي موازاة التصعيد، حذّر «تجمع أبناء البلدات الجنوبية الحدودية» من أن القرى الحدودية والمتاخمة لها تتعرض، بحسب بيانه، للتدمير والجرف ومحو المعالم وطمس الهوية والتراث والذاكرة، منتقداً غياب تحرك قانوني ودبلوماسي وسياسي يوازي حجم ما تتعرض له المنطقة.

وطالب التجمع بتحرك شعبي ورسمي واحتجاج دبلوماسي، ودعم من المجتمع المدني والنواب والوزراء والمسؤولين، وتقديم شكوى إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن والهيئات الدولية القانونية والإنسانية، إلى جانب التفاف وطني حول قضية القرى الحدودية والعمل العاجل على وقف الجرف والتدمير وتأمين عودة الأهالي.

كما دعا إلى إيجاد حلول فورية لأوضاع النازحين ومشكلاتهم، خصوصاً مع اقتراب فصل الشتاء وبدء العام الدراسي وما يرافقهما من أعباء ومصاريف إضافية.

روايات إسرائيلية عن علي الطاهر والسيبراني

وفي موازاة الوقائع الميدانية، واصلت وسائل إعلام إسرائيلية نشر معلومات بشأن علي الطاهر. وقالت صحيفة «معاريف» إن «القوات الإسرائيلية تتحرك بحذر خشية وجود عبوات أو وسائل هجومية داخل ما تصفه بشبكة أنفاق ومنشآت، وإنها تعمل على تفكيك بنى عسكرية والتحقق من منشآت وأنفاق ووسائل قتالية»، مع إصرار الجيش الإسرائيلي، بحسب الصحيفة، على استكمال عملياته في المنطقة وربطها بعمليات يقول إنه نفّذها في القنيطرة ومجدل زون وقلعة الشقيف.

وفي سياق موازٍ، نقلت القناة «12» الإسرائيلية تقديرات منسوبة إلى الجيش الإسرائيلي تعتبر فيها أن «حزب الله»، بالتعاون مع إيران، يطور منظومة هجومية سيبرانية تتيح له مواصلة استهداف إسرائيل عندما تتراجع المواجهة العسكرية المباشرة. وأشارت إلى أن الحزب نفّذ خلال الحرب أكثر من 600 محاولة هجوم سيبراني من دون تحقيق اختراقات كبيرة أو نتائج واسعة التأثير. مشيرة إلى شعبة الدفاع السيبراني التابعة لشعبة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في الجيش الإسرائيلي تتولى مواجهة هذه المحاولات، بالتنسيق مع أجهزة أمنية أخرى.


«سباق مع الزمن»... «حماس» تسعى لتأمين الدوائر القريبة من العرابيد

TT

«سباق مع الزمن»... «حماس» تسعى لتأمين الدوائر القريبة من العرابيد

فلسطينيان يبكيان فوق جثمان آخر في مستشفى الشفاء بمدينة غزة يوم الخميس بعد مقتله في غارة إسرائيلية (د.ب.أ)
فلسطينيان يبكيان فوق جثمان آخر في مستشفى الشفاء بمدينة غزة يوم الخميس بعد مقتله في غارة إسرائيلية (د.ب.أ)

دخلت حركة «حماس» في «سباق مع الزمن» لمحاولة تأمين الدوائر ذات الصلة بضابطها الكبير معين العرابيد، بعدما اختطفته قوة إسرائيلية الثلاثاء الماضي، عبر عملية نادرة جرت في مدينة غزة، حيث عمق مناطق سيطرة الحركة.

وتحدثت 3 مصادر في «حماس» لـ«الشرق الأوسط» عن فرض حالة أمنية طارئة بعد اختطاف العرابيد، عبر إجراءات سريعة تهدف لمنع امتلاك إسرائيل معلومات أمنية «قد تكون مهمة جداً»، وفق قول أحد المصادر.

وتحدثت المصادر إلى «الشرق الأوسط» في إفادات منفصلة عن أن الهدف من تلك الإجراءات هو قطع الطريق على أي هجوم إسرائيلي مفاجئ؛ مثل اغتيال قيادات، أو رموز وشخصيات أمنية كان العرابيد على تواصل مباشر معهم.

ووفقاً لأحد المصادر، فإن الحركة «في سباق مع الزمن؛ حيث نُقل بعض المسؤولين الذين كان العرابيد على تواصل معهم، إلى (أماكن آمنة)، كما نقلت وثائق كانت في المواقع التي يتردد عليها، وأخرى كان يعرف أماكنها».

كما أكد مصدران أن الأجهزة الأمنية للحركة «ألغت بعض الآليات المتبعة لنقل وتبادل الرسائل عبر أشخاص، واستبدالهم». واتفقت المصادر على أن الحركة تسعى سريعاً إلى «تقليل الخطر» قدر الإمكان من خلال إجراءات سريعة بعد تأكد اختطاف العرابيد حياً.

بنك أهداف جديد

وقدّر أحد المصادر أن هدفاً رئيساً لإسرائيل من عملية الاختطاف هو «جمع معلومات أمنية جديدة حول تركيبة (حماس) في غزة بعدما تغيرت الصورة الأمنية المعروفة عنها سابقاً في ظل الاغتيالات المكثفة، ومحاولة معرفة من يقف خلف إدارة التنظيم، وجمع بنك أهداف جديد».

وأكدت المصادر أن حصيلة المعلومات التي جمعتها أجهزة «حماس» خلال اليومين الماضيين أظهرت أن القوة الإسرائيلية التي اختطف العرابيد حصلت على «مساعدة جزئية، ومحدودة» من عصابات فلسطينية مسلحة تدعمها تل أبيب كانت تعمل منذ فترة ليست بالقصيرة في المنطقة، سواء من خلال المراقبة، أو التحرك في مكان العملية، ورصد الأماكن المحيطة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال وجوده في منطقة تحتلها قواته في غزة يوم الأربعاء (صفحته على «إكس»)

وبينما لجأت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى تأكيد مشاركة العصابات المسلحة بناءً على تصريحات من مصادر فلسطينية؛ إلا أن مراسلين عسكريين في قنوات عبرية سارعوا بنقل نفي لتلك الرواية على لسان مصادر أمنية في جهاز «الشاباك»، وأكدوا أن الجهاز «أشرف بشكل كامل على العملية، ونفذها بشكل محترف جداً»، على حد تعبير القناة «12» العبرية.

تأهب إسرائيلي

بدورها، رفعت القوات الإسرائيلية حالة التأهب على حدود قطاع غزة، خشيةً مما زعمت أنها هجمات قد تُقدم «حماس» على تنفيذها انتقاماً لعملية اختطاف العرابيد. وبحسب القناة «الرابعة عشرة» العبرية؛ فقد «سُجلت حالة تأهب أمني قصوى إثر ورود معلومات استخباراتية دقيقة تفيد بنية (حماس) شن هجوم على القوات المنتشرة بالمنطقة»، وفق القناة.

ووفقاً للقناة العبرية، فإن الجيش الإسرائيلي جهز قواته في مواقعها لإحباط أي سيناريو هجومي من قبل «حماس»، إلا أنه في نهاية المطاف لم تقع أي عمليات على مدار اليومين الماضيين. معتبرةً مجرد وجود معلومات استخباراتية حول مثل هذه النوايا يظهر تزايد دوافع الحركة لتنفيذ هجمات ضد القوات المنتشرة قرب الخط الأصفر الافتراضي الفاصل بين المناطق التي تحتلها إسرائيل، والأخرى الواقعة ضمن سيطرة الفصائل الفلسطينية.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

لكن صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية نقلت أن رفع حالة التأهب جاءت خلال وبعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منطقة الخط الأصفر، قبالة جباليا شمال قطاع غزة، بعد يوم واحد من اختطاف المسؤول الأمني. وتفاخر نتنياهو خلال زيارته لقطاع غزة بعملية اختطاف مسؤول جهاز الأمن الداخلي في «حماس»، مؤكداً أن قواته ستواصل مهامها، ولن تنسحب من القطاع من دون نزع سلاح الحركة وغزة بالكامل.

وفي السياق، صعد الجيش الإسرائيلي ميدانياً في قطاع غزة، الخميس، حيث قتلت هجماته شخصين أحدهما طفل، نتيجة إطلاق نار تجاههم عند الخط الأصفر في بلدة بيت لاهيا شمال القطاع، والتي شهدت توغلاً برياً محدوداً للقوات في محيط مستشفى كمال عدوان، الأمر الذي أدى لوقف العمل فيه مؤقتاً بسبب وصول بعض الطلقات النارية إلى المستشفى.

كما أصيب 4 فلسطينيين في عمليات إطلاق نار مماثلة قرب الخط الأصفر في مناطق متفرقة من خان يونس جنوبي القطاع، وكذلك وسط القطاع، وتحديداً شرق دير البلح.

وكان 4 فلسطينيين قتلوا في سلسلة من الخروق الإسرائيلية، يوم الأربعاء، بينهم محمد القاضي أحد قادة «النخبة» في «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس» الذي قصفته طائرة مسيرة بينما كان داخل خيمة في مواصي خان يونس جنوب غزة