في غمرة الأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة العراقية والمشاكل التي تواجهها في سداد مرتبات الموظفين في القطاع العام، اشتكت بغداد من أن طهران لا تسمح بمرور شحنات النفط العراقي عبر مضيق هرمز. وفُسّر الإعلان العراقي بأنه يمثّل انتقاداً ضمنياً للموقف الإيراني، وأيضاً لتبرير العجز المالي للحكومة العراقية عن تسديد المرتبات.
وجاء الإعلان العراقي على لسان المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي الذي قال في مقابلة تلفزيونية، مساء الأحد، إن «العراق تلقى تطمينات مباشرة من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان باستثناء صادرات النفط العراقية من قيود المرور عبر مضيق هرمز، لكن التطمينات لم تُترجم إلى إجراءات عملية حتى الآن، إذ لا تزال الناقلات العراقية غير قادرة على الاستفادة من الاستثناء المعلن».
وأضاف العبودي أن «الجانب الإيراني أبلغ العراق بأن تطبيق استثناء فعلي لصادراته النفطية قد يُضعف من قيمة مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية في ظل التوترات الإقليمية».
ورغم أن المتحدث العبودي لم يأتِ بجديد في شأن توقف صادرات البلاد النفطية، فإن ما أعلن عنه يكشف، كما يبدو، عدم صحة الإعلان الإيراني مطلع أبريل (نيسان) الماضي، بخصوص أن «العراق الشقيق مستثنى من أي قيود فرضناها في مضيق هرمز وأن الإجراءات تقتصر على الدول المعادية»، بحسب ما قال آنذاك متحدث باسم عمليات هيئة الأركان الإيرانية (أو ما يُعرف بمقر «خاتم الأنبياء»).
وتكشف تصريحات العبودي بخصوص عدم سماح إيران بمرور النفط العراقي عبر هرمز أن هناك بعض الاستياء في بغداد من إيران وحلفائها في العراق الذين يصرون على «وحدة المصير» العراقي - الإيراني في حين أن إيران تتمسك بمصالحها الخاصة بعيداً عن المصالح العراقية. ويأتي ذلك في وقت بدأ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي زيارة للنجف اليوم (الاثنين) للمشاركة في مراسم دينية.
وخلال شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران) الماضيين، تمكن العراق من بيع أكثر بقليل من 32 مليون برميل نفط، بإيرادات مالية تجاوزت 2.3 مليار دولار، بينما كان يبيع نحو 3.5 مليون برميل يومياً قبل اندلاع الحرب الأميركية - الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز. وعرّض هذا الانخفاض في الصادرات النفطية البلاد إلى أزمة مالية خانقة، ويخشى كثير من المحللين والخبراء الاقتصاديين الوصول إلى حافة الإفلاس خلال الأشهر المقبلة واحتمال أن تجد الحكومة نفسها أمام عجز تام عن الإيفاء بالتزاماتها المالية في حال استمرار الاضطرابات الإقليمية وإغلاق المضيق الحيوي.

أسباب الموقف الإيراني
وتتعدد الأسباب التي تدفع إيران إلى اتخاذ موقف عدائي تجاه العراق وعدم السماح له بتصدير نفطه، ومن بين الأسباب التي يراها الأكاديمي رئيس «مركز التفكير السياسي» إحسان الشمري، تلك المتعلقة بـ«محاولة طهران الحد من توجهات رئيس الوزراء علي الزيدي الداخلية والخارجية، إذ باتت تنظر إليها بوصفها تهديداً لنفوذها داخل العراق، خاصة بعد زيارته الأخيرة لواشنطن، كما أنها تريد القول له إنها مَن يتحكم بالأمور ولا بد له من العودة لطهران وأن واشنطن غير قادرة على تقديم أي شيء له».
وقال الشمري لـ«الشرق الأوسط» إن «إيران تعتقد أن إبداء مرونة مع أي طرف وبالتحديد مع العراق، من شأنه أن يُضعف ورقة مضيق هرمز التي تعوّل عليها كثيراً، وترى أن التساهل فيها يقلل من أوراق الضغط لديها».
ويضيف الشمري سبباً آخر للتعنت الإيراني حيال العراق، وهو «إدراك طهران أن واشنطن لا تريد لحكومة الزيدي أن تنهار وبالتالي يمثّل ذلك ضغطاً عليها وهي الداعمة له. إيران ترغب في أن تخفف واشنطن اشتراطاتها فيما يرتبط بوجودها ومصالحها في العراق».
ولا يستبعد الشمري وجود «عوامل توتر» في العلاقة بين رئيس الوزراء العراقي وإيران، لكنها برأيه «لا تصل إلى مرحلة القطيعة، بيد أن طهران باتت تضع الزيدي في مساحة من الاستفهام والاختبار».
كما لا يستبعد الشمري أن تكون وراء إعلان بغداد عدم سماح طهران بمرور نفطها عبر هرمز، أسباب ترتبط بالأزمة المالية التي تعانيها الحكومة العراقية، بمعنى أنها تريد القول إن «عدم مرور النفط بسبب رفض إيران هو السبب وراء الأزمة المالية وأنها (الحكومة العراقية) لا تتحمل المسؤولية. المشكلة، برأي الحكومة، أسبابها خارجية وليست نتيجة عجز أو فشل حكومي».

مصالح إيرانية
من جهته، رأى الكاتب والصحافي فلاح المشعل أن إيران دولة تضع مصالحها القومية فوق أي شيء آخر، مشيراً إلى أن المصالح الاقتصادية والأمنية تتماشى مع استراتيجية إيران، سواء في الحرب أو في السلم.
وقال المشعل لـ«الشرق الأوسط»: «إننا في العراق خبرنا هذا السلوك والمنهج الثابت لإيران، خصوصاً في تعاملها مع دول الجوار العربي وتحديداً العراق، وهو سلوك قائم على علاقة من طرف واحد، أي تأخذ إيران ما تريد بحكم الترابط العقائدي والعلاقات التاريخية والتجاور الجغرافي، ولا تعطي شيئاً مقابل ذلك».
وأضاف أن «إيران سوّفت موضوع طلب العراق بالسماح لمرور النفط ولم تسمح بمرور ناقلاته بينما مرت ناقلات صينية وكورية ومن جنسيات أخرى، رغم أنها تعرف أن النفط المصدر الرئيسي لمعيشة العراقيين».
وتابع المشعل أن «مواقف إيران واضحة في التعامل مع العراق، وكيف تستغل موضوع تجهيز الغاز الذي يشتريه منها العراق بأسعار مضاعفة، لكنها عادة ما تجعل منه ورقة ضغط سياسي على الرغم من كون العراق رئة اقتصادية كانت تتنفس منها خلال سنوات الحصار الذي تفرضه عليها أميركا».
ويخلص المشعل إلى القول إن «كل ذلك يؤكد أن إيران دولة استعلائية تتعامل بفوقية وتستثمر في التعاطف الطائفي لدى بعض من العراقيين».
