استهدافات إسرائيلية تربك محاولات إطلاق هدنة غزة

اجتماع بين «حماس» و«الجهاد الإسلامي» لاحتواء الاعتراضات على الاتفاق

سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية الأحد في دير البلح وسط غزة (رويترز)
سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية الأحد في دير البلح وسط غزة (رويترز)
TT

استهدافات إسرائيلية تربك محاولات إطلاق هدنة غزة

سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية الأحد في دير البلح وسط غزة (رويترز)
سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية الأحد في دير البلح وسط غزة (رويترز)

هدّدت الغارات الإسرائيلية المكثفة على قطاع غزة، الأحد، الآمال ببدء هدنة مؤقتة كان الوسطاء قد أبلغوا الفصائل بقرب تنفيذها. وبينما أسفر القصف عن مقتل 18 فلسطينياً، بينهم قيادي في حركة «حماس»، تحركت الأخيرة في القاهرة لاحتواء تحفظات «الجهاد الإسلامي» على الاتفاق الذي كشفت تقارير إسرائيلية عن اعتراضات تل أبيب على عدد من بنوده.

وأكد مصدر قيادي في «حماس» لـ«الشرق الأوسط» أن حركته تلقت معلومات مؤكدة من الوسطاء حول بدء تطبيق الاتفاق الأحد، إلا أنه أكد أن حركته فوجئت باستمرار عمليات القصف، واستهداف شقق سكنية وخيام للنازحين ومواقع أخرى.

وكان محمد دحلان، مسؤول التيار الإصلاحي الديمقراطي المنشق عن حركة «فتح»، أعلن بعد منتصف ليل السبت - الأحد، توصله إلى اتفاق مع المبعوث الأميركي جاريد كوشنر، على بدء وقف إطلاق نار الأحد، بعد اتفاق مع الجانب الإسرائيلي على ذلك. وتقاطع ذلك مع ما أبلغ به الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، الوسطاء، ونُقل إلى الفصائل لاحقاً.

مقتل قيادي من «حماس» وناشطين

وقتل 18 فلسطينياً في سلسلة غارات نفذتها إسرائيل، منذ منتصف ليل الأحد وحتى ساعات الصباح، فيما قُتل 3 آخرون في غارات وقعت مساء السبت.

وقتلت أبرز الغارات قائد حركة «حماس» في دير البلح كمال أبو معيلق الذي استهدفت مسيّرة منزله في منطقة المشاعلة، جنوب المدينة نفسها، ما أدى إلى مقتله برفقة زوجته.

مشيّع يحمل جثمان طفل قُتل بغارة إسرائيلية في غزة الأحد (رويترز)

واستهدفت مسيّرة ناشطاً بارزاً في وحدة «النخبة» بكتيبة الشجاعية، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، في شقة بحي الصبرة جنوب غربي مدينة غزة؛ كما علمت «الشرق الأوسط» من مصادر ميدانية. وكان برفقة الناشط زوجته وطفلاه.

وقتلت غارة ثالثة ناشطاً آخر من «القسام» برفقة زوجته وطفليه، إثر استهداف شقة بمنطقة القرارة شمال مدينة خان يونس جنوب القطاع، فيما استهدفت غارة رابعة في ساعات الصباح الباكر ناشطاً آخر من «القسام» في مخيم جباليا شمال القطاع. وعلمت «الشرق الأوسط» أن المستهدف ينشط في جهاز استخبارات الحركة، وعمل مؤخراً بشكل كبير للتصدي للعصابات المسلحة المنتشرة في محيط جباليا وبيت لاهيا.

وقُتل بعد ظهر الأحد فلسطينيان في غارة استهدفت شقيقين من سكان رفح، كانا على متن مركبة قصفت عند مدخل مدينة دير البلح وسط القطاع، فيما أصيب 5 في غارة استهدفت خيمة بمواصي خان يونس، ووصفت بعض الإصابات بأنها خطيرة.

مشيعون خلال جنازة فلسطيني قتلته غارة إسرائيلية مع زوجته وطفليه في غزة الأحد (د.ب.أ)

وأقدمت قوات إسرائيلية، فجر الأحد، على توسيع الخط الأصفر من خلال تقديم المكعبات إلى غرب مفترق دولة في حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، ليصبح للمرة الأولى في المنطقة الواقعة غرب شارع صلاح الدين الرئيس الذي يربط شمال القطاع بوسطه وجنوبه.

وقصفت مسيّرة إسرائيلية خيمة وسط مدينة غزة، ما أدى إلى مقتل فلسطينيَين بينهما طفل، وإصابة 8 بجروح متفاوتة، فيما قتلت غارة على سيارة في حي الثلاثيني وسط غزة أربعة أشخاص.

وانفجرت 5 طائرات انتحارية في نادي حي الزيتون القريب بهدف إخراج بعض العائلات النازحة في محيطه، وإجبارها على النزوح من الحي إلى خارجه، كما كانت تفعل القوات الإسرائيلية في الأيام الأخيرة بمناطق أخرى من الحي نفسه الذي تسيطر على أقل من نصفه بقليل.

هدنة مؤجلة

وجاء هذا التصعيد فيما لا تزال إسرائيل تماطل بالاتفاق الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وجهات فلسطينية، وأخرى من الدول الوسيطة.

وتراجع دحلان في تغريدته المشار إليها لاحقاً عن تحديد يوم الأحد لبدء الهدنة المؤقتة المشار إليها في الاتفاق لمدة 14 يوماً، إلى حين تحديد جداول زمنية لتنفيذ اتفاق المرحلة الثانية، خصوصاً حصر السلاح. وسيتم خلال هذه الفترة الالتزام بالبروتوكول الإنساني المتعلق بإدخال 600 شاحنة على الأقل يومياً إلى القطاع من مساعدات وقطاع تجاري، بما يشمل 50 شاحنة محروقات يومياً. وأشار دحلان إلى استمرار الجهود من قبل كوشنر لوقف الهجمات في غزة، وضمان تأمين وتنفيذ الاتفاق.

وكانت «الشرق الأوسط» كشفت في الأيام الأخيرة عن دور كبير يلعبه دحلان وقيادات من تنظيمه في عملية المفاوضات الأخيرة التي جرت في القاهرة، وكان حلقة وصل مهمة بين الولايات المتحدة و«حماس» التي باتت تعول على دور القيادي المفصول من «فتح» في تحسين واقع غزة بعدما قاد كثيراً من المشاريع في القطاع خلال السنوات الأخيرة بتنسيق مع الحركة نفسها، رغم أنها كانت في عداء شديد معه لعقود خلال وجوده داخل قيادة «فتح» والسلطة الفلسطينية.

بحث بين حطام شقة سكنية استهدفتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة ليل السبت - الأحد (أ.ف.ب)

وقال المصدر القيادي من «حماس» إن الحركة لا تزال تنتظر من الوسطاء تحديثات جديدة حول ما ستؤول إليه الأوضاع. وعقد الرئيس المؤقت لفريق التفاوض عن «حماس»، زاهر جبارين، اجتماعاً مع زياد النخالة، الأمين العام لحركة «الجهاد الإسلامي»، في القاهرة، لوضعه في صورة التطورات، خصوصاً بعد تحفظ حركته على الاتفاق المعلن. وصدر بيان عن الجانبين يؤكد وحدة الموقف الفلسطيني إزاء ذلك.

ويبدو أن «حماس» كانت تحاول إرضاء «الجهاد الإسلامي»، بصفتها أكثر الحركات قرباً منها في السنوات الأخيرة، وهناك توافقات بين الجانبين في كثير من القضايا.

اشتراطات إسرائيلية

ومع استمرار التزام إسرائيل رسمياً الصمت إزاء ما جرى في القاهرة، كشفت صحيفة «هآرتس» العبرية أن حكومة بنيامين نتنياهو أبلغت «مجلس السلام» باعتراضها على عدد من النقاط بشأن اتفاق «خريطة الطريق»، بينها رفضها حصر السلاح أو تخزينه، بل العمل على تدميره، إلى جانب معارضتها مشاركة قطر وتركيا في لجنة التحقق من مراحل تنفيذ الاتفاق، ورفضها تقييد تحركاتها وعملياتها العسكرية داخل القطاع.

ونقلت الصحيفة العبرية عن مصدر مطلع قوله إن مسألة عدم تدمير الأسلحة غير مقبولة لإسرائيل، لأنه وفقاً للاتفاق سيتم جمع الأسلحة وتخزينها مركزياً، لكنها ستبقى تحت السيطرة الفلسطينية، وتحديداً لجنة التكنوقراط، من دون توضيح مصيرها في النهاية.

وقال مصدر أمني إسرائيلي للقناة الثانية عشرة إن إسرائيل لا تعتزم وقف هجماتها داخل غزة، ما دامت «حماس» لا تقبل بفكرة نزع سلاحها كاملاً.


مقالات ذات صلة

هلع في غزة من تصعيد الاغتيالات بموازاة استئناف الدراسة

المشرق العربي سيارة مدمرة عقب تعرضها لغارة إسرائيلية في حي تل الهوى بمدينة غزة يوم الأحد (د.ب.أ)

هلع في غزة من تصعيد الاغتيالات بموازاة استئناف الدراسة

تُسيطر حالة من الهلع المتزايد في شوارع قطاع غزة، بعد تزامن الاغتيالات الإسرائيلية مع عودة العام الدراسي، وتنفيذ غارتين في مواعيد خروج تلاميذ المدارس وعودتهم.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي اجتماع «المجلس الثوري لحركة فتح» في رام الله (وكالة «وفا»)

«فتح» تطالب باعتذار عن «كارثة 7 أكتوبر»... و«حماس» ترد

ثار جدل واسع في الأوساط الفلسطينية بعد تصريحات لقيادي في «فتح» طالب فيها «حماس» بالاعتذار عن «كارثة 7 أكتوبر».

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون قرب منزل المسؤول الأمني في «حماس» الذي تعرض لهجوم إسرائيلي أسفر عن اختطافه يوم الثلاثاء الماضي (إ.ب.أ)

خاص هكذا اختطفت إسرائيل مسؤولاً أمنياً بارزاً في «حماس» من قلب غزة

مطلع سبتمبر الحالي، اختطفت قوة خاصة إسرائيلية المسؤول الأمني البارز في «حماس»، معين العرابيد، من قلب المنطقة التي تسيطر عليها الحركة في غرب مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي قوات إسرائيلية في الضفة الغربية (د.ب.أ) p-circle 00:42

«حماس» تحذر من عملية عسكرية إسرائيلية في القدس

حذرت حركة «حماس» الفلسطينية، الجمعة، من «جرائم الحرب المتصاعدة» التي ترتكبها إسرائيل ومن «تداعيات إعلانها عن عملية عسكرية واسعة النطاق» في القدس.

«الشرق الأوسط» (القدس)
أوروبا نقطة مراقبة للشرطة الألمانية في برلين (أ.ف.ب) p-circle

ألمانيا تتهم 7 يشتبه في انتمائهم لـ«حماس» بالتخطيط لهجوم

قال الادعاء الاتحادي الألماني، الجمعة، إنه وجه اتهامات لـ7 أشخاص يُشتبه في انتمائهم لـ«حماس» في برلين، بالانضمام إلى منظمة إرهابية أجنبية والتحضير لهجوم.

«الشرق الأوسط» (برلين )

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
TT

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)

مع اقتراب موعد اكتمال الانسحاب الأميركي من العراق والمحدد بنهاية سبتمبر (أيلول) الجاري، ما زالت قضية حصر السلاح الموجود خارج إطار الدولة تواجه تعقيدات، وسط معلومات عن أن ترسانة الفصائل باقية حتى 2028.

ووفق مصادر عدة تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، يبدو أن الفصائل نجحت بمساعدة إيرانية في «إفراغ خطة حصر السلاح بعدما حاصرت رئيس الحكومة علي الزيدي سياسياً وانتزعت منه أدوات الضغط والتنفيذ».

وخلال الأسابيع الماضية، قضى أعضاء لجنة التفاوض على حصر السلاح، وهم نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، ومحمد شياع السوداني، رئيس الوزراء السابق، وهادي العامري، مسؤول «منظمة بدر»، ساعات في أربعة اجتماعات على الأقل، للتفاوض على تسوية أساسها «عدم استخدام السلاح» لكن بشرط «عدم التفريط فيه»، وفق المصادر.

ورغم هذه الصيغة «الصورية»، زرع ممثلو الفصائل «قنبلة موقوتة» في التسوية، تعتبر «أي اتفاق على عدم استخدام السلاح ملغى في ظروف محددة»، بينما توصل الجانبان إلى جدول زمني يستمر حتى مطلع 2028 حتى توافق الفصائل في النهاية على حصر سلاحها.

والحال أن اليأس يطبق على مسؤولين في سلطات مختلفة ببغداد. فخلال اجتماع مع مسؤول أميركي زار العراق أخيراً، خاطبه مسؤول كردي كبير قائلاً: «النظام السياسي الآن يشبه حافلة قديمة تنطلق بسرعة على منحدر من دون مكابح».


اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
TT

اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)

اتسعت المظاهرات الرافضة لقرار رفع أسعار الوقود في سوريا، أمس الاثنين، لليوم الثاني على التوالي، إذ شهدت مدينة الشحيل في ريف دير الزور (شرق) تجدد الاحتجاجات التي جرى خلالها إشعال إطارات، كما قطع محتجون الطريق الدولي بين العراق وسوريا في ريف البوكمال شرق المحافظة، وكذلك طريق حقل العمر النفطي.

وأغلق الأهالي في مدينة تل تمر الطريق الدولي «إم 4»، ما أدى إلى توقف حركة مئات صهاريج نقل النفط. وشهد معبر باب السلامة مع تركيا في محافظة حلب، إغلاق محتجين للمعبر أمام شاحنات البضائع ومنعوا حركة خروج السيارات بشكل كامل.

وشمل تجدد الاحتجاجات أيضاً مدينة الرقة، إذ أقدم مدنيون على قطع الطريق أمام مقر صوامع الحبوب. وتجمع الأهالي في مناطق بمحافظة الحسكة (شمال) بينها الشدادي وتل براك، مشعلين الإطارات وقطعوا الطرقات، وسط مطالب بالتراجع عن القرار الذي أصدره وزير الطاقة الذي طلب منه مجلس الشعب جلسة استماع الخميس المقبل.

ويعتقد مراقبون أن الاحتجاجات جاءت نتيجة عدم تحسن الوضع المعيشي للسوريين وما كانوا يأملونه أن يتحقق على يد السلطات الجديدة عقب إسقاط نظام الأسد، خاصة أن غالبية المحتجين يعدون من الحاضنة الاجتماعية لحكومة الرئيس أحمد الشرع.


توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
TT

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)

زيارة قصيرة ولكنها حافلة قام بها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، يرافقه وفد رسمي كبير، إلى باريس، محطته الأوروبية الأولى منذ تسلمه رئاسة الوزراء، في حين ستكون برلين محطته الثانية قبل عودته إلى بغداد. وعكس البيان المشترك الذي وزّعه قصر الإليزيه، عصر الاثنين، المروحة الواسعة من الملفات التي تناولها الطرفان، على مستوى الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء علي الزيدي، ولكن أيضاً على المستوى الوزاري بين الجانبين ومع الشركات الفرنسية، ومنها شركة «توتال إنرجيز» الساعية لتوسيع حضورها في العراق.

وقال رئيس الوزراء العراقي، في مقالة له نشرتها صحيفة «لو فيغارو» ظهر الاثنين، إن بلاده تمثل رابع احتياطي نفطي مؤكد في العالم بما يقدّر بـ145 مليار برميل. وفي المقالة ذاتها، عرض الزيدي رؤيته للعلاقات الجديدة التي يريد لبلاده أن تبنيها مع فرنسا بحيث «يكون فيها العراق شريكاً فاعلاً، لا دولة تأتي محمّلة بقائمة من المطالب أو تبحث عن مظلة سياسية». وفي نظره، فإن زيارته «تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى توقيتها»، ولكن أيضاً لأنها تحل «في مرحلة يسود فيها قدر كبير من عدم اليقين في الشرق الأوسط، حيث باتت فيه الحاجة ملحّة إلى جهود إقليمية وأوروبية ودولية لاحتواء التوترات وإعادة الهدوء إلى المنطقة».

وفي نظر الزيدي، فإن أهمية الزيارة «تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين العراق وفرنسا؛ فهي تتيح للعراق توسيع دائرة شراكاته وانخراطه في أوروبا، وتعزيز دوره في الجهود الجماعية الرامية إلى ترسيخ الاستقرار في المنطقة».

وبحسب البيان المشترك، فإن الغرض الأسمى للزيارة يكمن في «تعزيز الشراكة الاستراتيجية وعلاقات الصداقة بين فرنسا والعراق».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يشرفان على توقيع عدد من المذكرات والتفاهمات في قصر الإليزيه بعد ظهر الاثنين (أ.ف.ب)

يتكون البيان من عشرين فقرة تتناول كل ما حصل خلال الزيارة، بما في ذلك الاتفاقات وإعلانات النوايا والتفاهمات التي فصّلها بيان منفصل صادر عن الرئاسة الفرنسية، ومنها ستة اتفاقات وُقّعت بحضور ماكرون والزيدي. وكانت لافتة الإشارة إلى «الرؤية المشتركة» للطرفين حول كيفية التعامل مع أزمات الشرق الأوسط وكيفية تعزيز الأمن والاستقرار فيه «على أساس احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل، وحسن الجوار، وسلامة الأراضي، واحترام القانون الدولي، واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية للتعامل مع الأزمات والتهديدات المشتركة التي تواجهها المنطقة». وفي الفقرة تلميح للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، ورؤية الطرفين أن الانتهاء منها يجب أن يمر عبر الحلول الدبلوماسية.

وإذ تضمن البيان المشترك إشادة ماكرون بـ«السياسة الخارجية المتوازنة التي ينتهجها العراق»، و«الدور الذي يضطلع به هذا البلد في إقامة الروابط وتعزيز الحوار وتشجيع التعاون الإقليمي»، فإن الزيدي حرص في مقالته على طرح العراق «منصة للحوار»، مضيفاً أنه «لن يسمح بأن تتحول أراضيه إلى قاعدة لشن تهديدات ضد الدول المجاورة، أو إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية». ووفق ما قاله، فإن العراق «مستعد لاستضافة حوارات مباشرة بين أطراف النزاع متى توافرت الإرادة السياسية اللازمة».

ويشكل الملف الأمني أحد أهم الملفات التي تمت مناقشتها في اجتماع الإليزيه. وجاء في البيان المشترك أنه «نظراً إلى الدور الإيجابي الذي تؤديه فرنسا ضمن (التحالف الدولي)، اتفق رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس الوزراء العراقي على مواصلة وتعميق التعاون العسكري، ولا سيما تعزيز القدرات العراقية بهدف حماية الحدود ودعم سيادة العراق على أراضيه، وذلك في إطار ثنائي يحترم سيادة البلدين، وسيتم الاتفاق عليه لاحقاً، بعد انتهاء مهمة (التحالف الدولي)».

الرئيس ماكرون في استقبال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في قصر الإليزيه (أ.ب)

ويندرج هذا التفاهم في إطار رغبة البلدين في تعزيز علاقاتهما بالاستناد إلى «معاهدة الشراكة الاستراتيجية الثنائية الموقعة عام 2023»، والتي صادقت عليها فرنسا بالفعل، في حين أن العراق «عازم على المصادقة عليها قريباً». وتبرز أهمية الجانب الأمني في توصل الطرفين إلى «خريطة طريق استراتيجية خاصة باستحواذ العراق على تجهيزات عسكرية فرنسية في إطار سعيه لإعادة بناء وتحديث قدراته العسكرية». كذلك وقّع الطرفان «رسالة نوايا» بشأن «أنظمة الدفاع الجوي الذاتية» بين وزارة الدفاع العراقية والشركة الفرنسية «هارماتان AI». وترى باريس في هذين العنصرين «تأكيداً لرغبة الطرفين في مواصلة تعاونهما في مجال تعزيز القدرات العسكرية ودعم العراق من أجل مهماته السيادية». وجاء في إحدى فقرات البيان المشترك أن الزيدي أعرب عن عزمه على «تشجيع المناقشات بين الشركات الفرنسية ووزارة الدفاع العراقية في مجالات الحركة الجوية، وأنظمة المدفعية، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة (C-UAS)، وأنظمة الدفاع والمراقبة الجوية».

ما سبق يعكس ميلاً عراقياً لتنويع مصادر تسلحه، وباريس تعد مدخلاً ملائماً لهذا الغرض. وإذا كان صحيحاً أنها تسعى إلى تعزيز حضور متعدد الأشكال (سياسياً ودبلوماسياً وثقافياً وصحياً) في العراق، فإنها تولي اهتماماً خاصاً لقطاعين رئيسيين هما الدفاع من جهة، والطاقة من جهة أخرى.

وكما في القطاع الدفاعي، فقد تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الكهرباء العراقية ومجموعة «توتال إنرجيز» من أجل تزويد العراق بالغاز الطبيعي المسال. وفي هذا السياق، استقبل علي الزيدي رئيسَ الشركة النفطية الفرنسية باتريك بويانيه. كذلك وقّع الطرفان مذكرة تفاهم خاصة ببرنامج تأهيل وتعزيز القدرات العراقية في قطاع الطاقة. بيد أن طموحات فرنسا النفطية والغازية في العراق تذهب أبعد من ذلك؛ فقد ورد في البيان المشترك أن العراق اتفق مع شركة «توتال إنرجيز» على الدخول في مناقشات بشأن عدد من مشاريع الطاقة «تقوم على استثمارات واسعة النطاق، وتهدف إلى تعزيز إنتاج النفط العراقي، والمساهمة في زيادة كفاءة الطاقة، وتعزيز السيادة في مجال الطاقة، ودعم التحول في مجال الطاقة» في العراق. وفي زمن يعاني فيه العالم من أزمة طاقة حادة، فإن اتفاقاً مع بلد يمتلك احتياطياً نفطياً كبيراً يعد لفرنسا إنجازاً بالغ الأهمية.