واصل الاتحاد الأوروبي مسلسل التسويف والمماطلة لعدم اتخاذ موقف حازم بشأن المبادلات التجارية مع المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية، رغم المطالب المستمرة من السواد الأعظم من المواطنين الأوروبيين وغالبية الدول الأعضاء منذ أشهر.
أحدث حلقة في هذا المسلسل الذي يراه المناوئون الأوروبيون لإسرائيل مملاً، كان الاجتماع الصاخب الذي عقده مجلس وزراء خارجية الاتحاد يوم الاثنين، واستمر حتى ساعة متأخرة من الليل، خرجت في نهايته مسؤولة السياسية الخارجية كايا كالاس لتقول إن «الخيار» الذي لقي الدعم الأوسع بين الدول الأعضاء كان الحظر الكامل للتبادل التجاري بين الاتحاد ومستعمرات الضفة الغربية، وإن الملف «ليس ناضجاً» بعد لاتخاذ قرار تنفيذي مستوٍ بشأنه.

كانت كالاس تدرك جيداً أنها بتصريحاتها تلك تواصل اللعب على حبال الكلام الدبلوماسي الذي أتقنه الأوروبيون في معالجة هذا الملف، ولكنها لم تتمكن في مؤتمرها الصحافي من إخفاء الاستياء الذي أبدته خلال مناقشات المجلس المغلقة، عندما انضمت إلى الدول الأعضاء التي أعربت عن امتعاضها الشديد من «مناورة» المفوضية، ورئيستها أورسولا فون دير لاين، التي تأخرت في إرسال الوثيقة التي تتضمن الخيارات الثلاثة المطروحة على المجلس حتى نهاية الأسبوع الماضي، وأرفقتها بإشارة إلى أن هذه الخيارات التي هي تجارية بطبيعتها، يمكن إدراجها أيضاً في خانة العقوبات السياسية، الأمر الذي يقتضي موافقة بالإجماع، وليس بأغلبية 55 في المائة من الدول الأعضاء التي تمثِّل 65 في المائة من سكان الاتحاد.

ورغم أن الموقف الأوروبي الموحَّد هو أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية ليست شرعية، استناداً إلى أحكام القانون الدولي، وإلى قرار محكمة العدل الدولية، وأنها تشكِّل التهديد الأكبر حالياً لتفعيل حل الدولتين، فما زال وزراء خارجية الاتحاد عاجزين عن اتخاذ قرار بحظر التبادل التجاري مع هذه المستوطنات، وذلك بسبب الضغوط التي تمارسها دول وازنة مثل ألمانيا وإيطاليا.
غير أن الأغرب من ذلك هو أن «الخيار» الذي قالت كالاس إنه لقي التجاوب الأوسع بين البلدان الأعضاء، لم يُطرح حتى على التصويت الذي يشكِّل الخطوة الممهدة لرفعه إلى مرتبة الاقتراح، علماً بأنه يحظى بتأييد الأغلبية الكافية من أجل إقراره كتدبير تجاري.
وقد خرج المجلس بقرار يكلف السفراء المندوبين الدائمين «مواصلة العمل»، علماً بأن مجلس وزراء الخارجية لن يعود إلى الاجتماع قبل أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، أي في خضمِّ حملة الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. وقد أعادت هذه المناورة طرح شروط إقرار التدابير التجارية للنقاش، بينما كانت أصابع الاتهام تشير إلى وقوف فون دير لاين وراءها.

وسبق لعدد من كبار المسؤولين في المؤسسات الأوروبية والدول الأعضاء الضالعين في الشأن القانوني، أن أيدوا فكرة عدم الحاجة لقاعدة الإجماع للموافقة على التدابير التجارية؛ خصوصاً عندما تكون مطبَّقة أصلاً بشكل أحادي من بعض الدول الأعضاء.
وكان رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق إنريكو ليتَّا قد شدد على أن القرار الصريح الصادر عن محكمة العدل الدولية حول عدم شرعية المستوطنات واستمرار الحكومة الإسرائيلية في توسعتها، يستدعيان موقفاً أوروبياً موحداً بشأنها، والتعامل معها بما يتَّسق مع المبادئ المؤسِّسة للاتحاد.
وفي تصريحات له قبيل بداية مناقشات المجلس، أعرب وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس عن استيائه من «الفخ» الذي نصبته المفوضية، عندما طرحت فكرة الإجماع للموافقة على هذه التدابير، وقال: «يؤسفني ويقلقني أننا أمام مناورة تسويفية، نناقش ونناقش موضوعاً من المفترض أنه ليس بحاجة للنقاش».

أما وزير خارجية لوكسمبورغ، كزافييه بيتيل، فقد رأى أن المفوضية ما زالت «تماطل وتناور لمنع التصويت بالأغلبية على هذه التدابير التي منذ أشهر تطالب دول أعضاء عدة بطرحها كمقترح تنفيذي يوجه رسالة قوية إلى حكومة نتنياهو، حتى ولو كانت رمزية».
ولا شك في أن مثل القرار، في حال اتخاذه، لا يعدو كونه رمزياً بسبب تأثيره الذي لا يُذكَر على الاقتصاد الإسرائيلي؛ إذ تقدِّر المفوضية أن حجم المبادلات التجارية بين المستوطنات وبلدان الاتحاد لا يتجاوز 75 مليون دولار سنوياً، من أصل مجموع الصادرات الإسرائيلية إلى الدول الأعضاء، والتي بلغت 15.3 مليار يورو في العام الماضي.
وفي نهاية مناقشات المجلس، رأست مفوضة شؤون المتوسط في الاتحاد دوبرافكا سويكا، إلى جانب رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، الاجتماع الثاني لمجموعة المانحين من أجل فلسطين التي تتولى تنسيق الجهود الدولية لإعادة إعمار غزة؛ حيث بلغ حجم التبرعات لمشاريع النهوض المبكر في القطاع 900 مليون يورو.






