جماعة هامشية من اليمين الإسرائيلي تتسلل إلى سوريا لإقامة بؤرة استيطانية

تدعي إنشاء «ممر إنساني» إلى جيب السويداء الدرزي عبر إخلاء المناطق المجاورة من سكانها

مجسم معدني على شكل رجل مسلح عند نقطة مراقبة على جبل تل الغرام في مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل 21 يوليو 2026 (أ.ب)
مجسم معدني على شكل رجل مسلح عند نقطة مراقبة على جبل تل الغرام في مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل 21 يوليو 2026 (أ.ب)
TT

جماعة هامشية من اليمين الإسرائيلي تتسلل إلى سوريا لإقامة بؤرة استيطانية

مجسم معدني على شكل رجل مسلح عند نقطة مراقبة على جبل تل الغرام في مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل 21 يوليو 2026 (أ.ب)
مجسم معدني على شكل رجل مسلح عند نقطة مراقبة على جبل تل الغرام في مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل 21 يوليو 2026 (أ.ب)

كان الجيش الإسرائيلي يستعد لشن غارة ليلية على مجموعة من الرجال في جنوب سوريا، عندما لاحظ الجنود خصلات شعر طويلة تتدلى من رؤوس الأشخاص الذين يستهدفونهم. وعليه، توقف الجنود عن إطلاق النار.

واتضح أن هؤلاء ليسوا مسلحين سوريين يحاولون اختراق الحدود الإسرائيلية، بل يهود متدينون تسللوا إلى سوريا وكانوا في طريق عودتهم.

وأسهمت هذه الحادثة، التي نشرتها هيئة البث الإسرائيلية الرسمية، الأسبوع الماضي، وأكدها الجيش الإسرائيلي لوكالة «أسوشييتد برس»، في تسليط الضوء على جماعة هامشية من المستوطنين الإسرائيليين، الذين نفذوا العديد من التوغلات في سوريا، حيث يأملون في إنشاء مستوطنات يهودية.

يحتل الجيش الإسرائيلي المنطقة الواقعة جنوب سوريا منذ أكثر من عام، لكن توغلات جماعات المستوطنين المدنيين في المنطقة لم تصبح حدثاً منتظم الحدوث إلا حديثاً.

محاولة عبور نحو 100 من حركة «رواد الباشان» المنطقة العازلة مع سوريا من جبل الشيخ 5 يوليو الماضي (حساب الحركة)

تحاول هذه الجماعات، التي يقدر عدد أفرادها بالعشرات، عبور الحدود من إسرائيل إلى سوريا كل بضعة أيام خلال الأسابيع الأخيرة. لكن الجيش يتحمل مسؤولية كبح جماحهم. وفي الوقت الذي يعدّهم فيه معظم الإسرائيليين حركة هامشية، فإن حركة الاستيطان الأوسع داخل إسرائيل تحظى بدعم قوي من الحكومة اليمينية المتطرفة بالبلاد.

وتعرف أبرز الجماعات التي تقف وراء التوغلات في سوريا باسم «رواد باشان»، نسبةً إلى منطقة باشان التوراتية.

ناشط إسرائيلي يميني يحمل لافتة كتب عليها «حان الوقت للاستقرار في الباشان» في مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل 21 يوليو (أ.ب)

تضم الجماعة نشطاء إسرائيليين يمينيين يسعون إلى إنشاء مستوطنات يهودية داخل سوريا. وتستهدف الجماعة منطقة في جنوب غربي سوريا، تضم محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء.

ويشكل جزء من هذه المنطقة ويضم قمة جبل الشيخ، «منطقة عازلة» أعلنتها إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2024، بعد فترة وجيزة من الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد.

ويزعم أعضاء الجماعة لأنفسهم حقاً تاريخياً في هذه الأراضي، ويجادلون بأن وجودهم هناك سيساعد إسرائيل في الدفاع عن مرتفعات الجولان، التي استولت عليها إسرائيل من سوريا خلال حرب 1967، ثم ضمتها لاحقاً، في خطوة لم يعترف بها معظم المجتمع الدولي.

ويزعم البعض أن الاستيطان الإسرائيلي في هذه المناطق سيوفر الحماية لأبناء الأقلية الدرزية بعد اندلاع أعمال عنف، العام الماضي، بين الجماعات الدرزية وعشائر البدو وقوات الأمن التابعة للحكومة السورية، أسفرت عن سقوط مئات المدنيين قتلى في هجمات انتقامية طائفية.

الحدود بين سوريا ومدينة مجدل شمس التي تسيطر عليها إسرائيل في الجولان 21 يوليو (أ.ب)

في هذا الإطار، قال عاموس عزاريا، أحد قادة جماعة «رواد باشان»، إن الجماعة تهدف إلى إنشاء «ممر إنساني» من إسرائيل إلى جيب السويداء الدرزي، عبر إخلاء المناطق المجاورة ذات الأغلبية السنية. وأضاف عزاريا، أستاذ علوم الحاسوب في جامعة أرييل بالضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل: «يجب تطهير منطقة درعا بأكملها من الأعداء الساعين إلى تدميرنا، وملؤها بدلاً من ذلك بالمستوطنات اليهودية».

وتسعى الجماعة إلى إنشاء بؤرة استيطانية يهودية في جنوب سوريا، بجوار مرتفعات الجولان التي تسيطر عليها إسرائيل. يذكر أن البؤرة الاستيطانية، التي تعني «مستوطنة فتية» بالعبرية، مصطلح يستخدمه المستوطنون لوصف مواقعهم الصغيرة في الأراضي التي يرغبون في الاستيطان فيها.

وعادةً ما يُنشئ المستوطنون بؤراً استيطانية، على أمل أن تُضفي عليها الحكومة الإسرائيلية غطاءً من الشرعية يوماً ما. وعلى هذا النحو، جاءت انطلاقة الكثير من المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية المحتلة، والتي تُعدّ، بحسب منظمات حقوق الإنسان، من الأسباب الرئيسة لعنف المستوطنين وتشريد الفلسطينيين.

الملاحظ أنه حتى الآن، كانت توغلاتهم في سوريا وجيزة. وقد طرد الجيش النشطاء قبل أن يتمكنوا من بناء أي شيء. وتُظهر مقاطع فيديو على حساب المجموعة على منصة «إكس»، بتاريخ الخامس من يوليو (تموز)، مجموعة من المراهقين المتدينين جالسين على الأرض متشابكي الأيدي، بينما يحاول الجنود تفريقهم.

ويُظهر مقطع فيديو آخر جنوداً يدفعون عدداً من النشطاء، ويقيدون أيديهم خلف ظهورهم. ويُظهر مقطع فيديو نشرته المجموعة في أبريل (نيسان) عشرات النشطاء يلوحون بالأعلام الإسرائيلية، ويهتفون على سطح منزل يُقال إنه يقع على مشارف قرية حضر السورية، في القنيطرة، بينما يراقبهم جنود إسرائيليون.

من جهته، أعلن الجيش الإسرائيلي أن الجماعة تُعرّض عملياته للخطر، مؤكداً أنه يتخذ موقفاً حازماً تجاه المتسللين عبر الحدود. وقد أدان مراراً وتكراراً الجماعة لتشتيتها انتباه القوات عن العمليات العسكرية، وتعريض أمنها للخطر. ويؤكد الجيش أنه يحتجز المدنيين الذين يُقبض عليهم في أثناء عبور الحدود ويسلمهم إلى الشرطة، قائلاً إنه «يتوقع من سلطات إنفاذ القانون تقديم المتورطين إلى العدالة».

وأفادت القناة الـ12 الإسرائيلية، الأسبوع الماضي، بأنه لم تُوجه لهم أي لوائح اتهام حتى الآن. وقال المتسللون إن لديهم علاقات وثيقة مع أعضاء في حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وأعرب العديد من الوزراء بالفعل عن دعمهم لقضيتهم، وتوثق منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بالجماعة اجتماعات عقدتها مع وزيرين على الأقل في الحكومة، هما أميحاي إلياهو وشلومو كارحي. وقال عزاريا: «لدينا دعم من أصدقاء في الحكومة والكثير من أعضاء الكنيست».

وتبدي الحكومتان السورية واللبنانية قلقاً أكبر بشأن الاحتلال العسكري. ولم يُعلّق المسؤولون السوريون علانية على محاولات جماعات المستوطنين الإسرائيليين دخول سوريا. وأدانت الحكومة السورية احتلال إسرائيل لجنوب سوريا، وتطالب باستمرار بانسحاب القوات الإسرائيلية وتدخل المجتمع الدولي. ونفذت القوات الإسرائيلية توغلات وغارات في مناطق سورية خارج المنطقة العازلة، واشتبكت بعض الأحيان مع السكان المحليين، الذين لجأوا بشكل متزايد إلى قطع الطرق لمنع دخولها.

كما لم تولِ الحكومة اللبنانية اهتماماً يُذكر لجماعة استيطانية إسرائيلية هامشية تُدعى «أوري تسافون» (استيقظ يا شمال)، توغلت في جنوب لبنان. ومثل المسؤولين السوريين، ركزت الحكومة اللبنانية على المطالبة بانسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان.

ومع ذلك، حذر البعض من تجاهل الجماعات الاستيطانية تماماً. وفي هذا الصدد، كتب نائب رئيس الوزراء اللبناني، طارق متري، عبر موقع «إكس» عن محاولات جماعة (أوري تسافون) دخول البلاد «صحيح أنها جماعة صغيرة وهامشية، وقد انسحبت بأوامر من الجيش الإسرائيلي».

إلا أنه أشار إلى أن حركة الاستيطان في الضفة الغربية، بدأت بمجموعة محاصرة من النشطاء الدينيين اليمينيين، والمعروفة باسم غوش إيمونيم، «والتي كانت في أيامها الأولى مجموعة صغيرة واجهت بعض العقبات والصعوبات».


مقالات ذات صلة

السلطات اللبنانية تضبط مجدداً مواد متفجرة مهرّبة من سوريا

المشرق العربي صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)

السلطات اللبنانية تضبط مجدداً مواد متفجرة مهرّبة من سوريا

أعلن الجيش اللبناني، الاثنين، ضبط مواد متفجرة بزنة نحو مئتي كيلوغرام في شرق البلاد، مهرّبة من سوريا المجاورة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي العاصفة الغبارية في دير الزور (سانا)

271 حالة اختناق في دير الزور جراء عاصفة غبارية تضرب شرق سوريا

تسببت العاصفة الغبارية التي ضربت، الاثنين، مناطق شرق سوريا، في أكثر من 271 حالة اختناق بمحافظة دير الزور وفق قناة الإخبارية السورية الرسمية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عثرت الوحدات الأمنية في منطقة القدموس بمحافظة طرطوس على مخبأ أسلحة وذخائر في إحدى المناطق الجبلية (الأمن الداخلي السوري)

ضبط مخبأ أسلحة وذخائر من النظام البائد في القدموس السورية

أعلن الأمن الداخلي في محافظة طرطوس العثور على مخبأ للأسلحة والذخائر في إحدى المناطق الجبلية، أثناء عمليات البحث والتمشيط في منطقة القدموس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي مستقبلاً وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني في مقر القيادة ببنغازي الأحد (القيادة العامة)

صدام حفتر يؤكد للشيباني استعداد «القيادة العامة» لدعم الشعب السوري

في أول زيارة له إلى بنغازي، بحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، عدداً من الملفات الأمنية.

جمال جوهر (القاهرة)
المشرق العربي محافظ الحسكة مع المسؤول الأمني مروان العلي يتفقدون الحواجز في المدينة (مديرية إعلام الحسكة)

هدوء حذر في الحسكة... وتخصيص هاتف يسهل شكاوى الأهالي

انتشرت دوريات للأمن الداخلي، فجر الأحد، في حي الصالحية بمدينة الحسكة، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار وضبط أي مخالفات محتملة للحفاظ على السلامة العامة.

سعاد جرَوس (دمشق)

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)
أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)
أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)

ذكرت هيئة البث الإسرائيلية العامة (كان)، مساء الأحد، أن إسرائيل وافقت، أخيراً، على دخول الشركة الأميركية المكلَّفة من قِبل «مجلس السلام» إلى قطاع غزة، خلال الأيام القليلة المقبلة، لبدء خطوات تتعلق بمواقع يُفترض أن تسلِّم حركة «حماس» سلاحها فيها.

وقالت في تقرير مساء الأحد، إن الشركة «ستبدأ في البحث، ومسح عدة مواقع، يمكن لـ(حماس) تسليم البنادق والأسلحة فيها، لإتلافها». وأكدت أن تسليم سلاح «حماس» يعد من النقاط الرئيسية في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وحسب التقرير، سيدخل فريق الشركة الأميركية إلى مواقع تخضع للسيطرة الإسرائيلية في منطقتَي رفح وخان يونس جنوبي قطاع غزة، على أن يُجري مسحاً ميدانياً «لتحديد مجمعات تضمن وصول الغزيين المسلحين إليها، وذلك تحت (إشراف أمني) ما من الجيش الإسرائيلي».

ولم تُحدَّد بعد آلية التسليم، وكيف سيُسلِّم مسلحو الحركة في غزة سلاحهم «من دون أن يشكلوا تهديداً لقوات الجيش الإسرائيلي».

وقال مسؤول أمني وصفه التقرير برفيع المستوى، إن واشنطن «تمارس ضغوطاً شديدة على إسرائيل للمضي قدماً في الخطة، رغم تشاؤم إسرائيل بشأن نجاحها، ورغم إعلان (حماس) ظاهرياً نيتها التخلي عن السلاح، إلا أنها في الواقع تعيد بناء قوتها في القطاع».

وتروِّج أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية -وفق التقرير- أن حركة «حماس» تكثِّف استعداداتها لاحتمال تجدد القتال في قطاع غزة، مستغلة الفترة الحالية لإعادة بناء قدراتها وتجميع السلاح، على أساس تقدير لدى الحركة بأن إسرائيل لن تحصل قبل الانتخابات الإسرائيلية والأميركية على ضوء أخضر أميركي، للعودة إلى العمليات العسكرية الواسعة في القطاع.

وكانت صحيفة «معاريف» قد نشرت الاثنين الماضي أن «صورة استخباراتية عُرضت على المستوى السياسي الإسرائيلي، تشير إلى أن (حماس) تعمل على تخزين السلاح ونقله، في إطار استعدادها لاحتمال تغيُّر الظروف السياسية بعد الانتخابات، واتساع هامش العمل العسكري الإسرائيلي في غزة».


زيتون جنوب لبنان في مرمى النيران الإسرائيلية

مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)
مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)
TT

زيتون جنوب لبنان في مرمى النيران الإسرائيلية

مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)
مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

حوّل الاستهداف الإسرائيلي لمؤهل أول متقاعد في الجيش اللبناني أثناء تفقده منزله وكرم الزيتون في بلدة ياطر، الأحد، موسم القطاف في جنوب لبنان إلى عنوان جديد للمخاطر التي تواجه المزارعين عند الوصول إلى أراضيهم. وتتزامن الحادثة مع استمرار حرمان أهالي قرى حدودية من مواسمهم منذ نحو ثلاث سنوات، ومع شكوى أمام القضاء الفرنسي تتهم الجيش الإسرائيلي باقتلاع نحو 600 شجرة زيتون معمّرة في زوطر الشرقية، في وقت يحذّر مسؤولون محليون من تداعيات اقتصادية واجتماعية تتجاوز خسارة المحاصيل.

استهداف أثناء تفقد الأرض

أعلن الجيش اللبناني، الأحد، مقتل المؤهل الأول المتقاعد علي عبد الحسن سويدان، وهو في العقد السابع من العمر، إثر استهدافه مباشرة بدبابة إسرائيلية أثناء تفقد ممتلكاته في بلدة ياطر بقضاء بنت جبيل، مشيراً إلى أن وحدة عسكرية واكبت سحب جثمانه بعد فقدان الاتصال به. وأوضحت بلدية ياطر أنه كان يتفقد منزله وكرم الزيتون على أطراف البلدة عندما تعرَّض للقصف من ناحية صربين، محذّرة الأهالي من بلوغ الأطراف غير الآمنة.

وتعيد الحادثة إلى الواجهة الصعوبات التي تعترض الوصول إلى الحقول في موسم اعتادت فيه العائلات التوجه إلى كرومها لجمع المحصول، بعدما صار الانتقال إلى أجزاء من الأراضي الزراعية محفوفاً بمخاطر أمنية متواصلة.

متطوعون من محافظة عكار (أقصى شمال لبنان) ومدينة صيدا يشاركون في مبادرة لقطف الزيتون بقرية جبشيت الجنوبية 11 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

600 شجرة في دعوى قضائية

في باريس تقدّم رجل أعمال فرنسي من أصل لبناني، يبلغ 37 عاماً، بشكوى ضد مجهولين في 22 سبتمبر (أيلول)، يتهم فيها الجيش الإسرائيلي باقتلاع نحو 600 شجرة زيتون من أرض عائلته في زوطر الشرقية. وحسب ما أعلنه محاموه ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، فإن بعض الأشجار يبلغ عمرها نحو 500 عام، وتزرع العائلة الأرض منذ 250 عاماً.

وتتناول الشكوى اتهامات بالسرقة والتدمير والإضرار بالممتلكات بوصفها جرائم حرب محتملة، في حين يشتبه مقدّمها في نقل الأشجار إلى إسرائيل من دون ثبوت ذلك قضائياً. ويقول إن منزل عائلته دُمّر بغارة إسرائيلية في أبريل (نيسان)، قبل اقتلاع الأشجار بعد سيطرة القوات الإسرائيلية على المنطقة.

نصف الحقول خارج متناول أصحابها

يقول رئيس بلدية رميش حنا العميل لـ«الشرق الأوسط»: «منذ بداية الحرب، قبل نحو ثلاث سنوات، حُرمنا من الوصول إلى جزء كبير من حقول الزيتون؛ لأن معظمها يقع بمحاذاة الحدود، حيث لا تتوافر الظروف الأمنية التي تسمح للأهالي بالوصول إليها وقطاف محاصيلها. وحتى اليوم، لا نعرف ما إذا كنا سنتمكن من قطاف الزيتون هذا العام، خصوصاً أننا لم نبدأ الموسم بعد، ولا تزال المخاطر الأمنية تحول دون الوصول إلى الأراضي».

ويوضح أن «نحو ثلاثة أرباع أراضي رميش تقع بمحاذاة الحدود، وأكثر من 50 في المائة من حقول الزيتون لم يتمكن أصحابها من قطافها طوال السنوات الثلاث الماضية»، لافتاً إلى أن «استمرار هذا الواقع يحرم العائلات من مورد رزق أساسي، في وقت تعاني فيه البلدة أوضاعاً اقتصادية بالغة الصعوبة نتيجة الحرب وتوقف الكثير من الأعمال».

متطوعون من محافظة عكار (أقصى شمال لبنان) ومدينة صيدا في مبادرة تضامنية لقطاف الزيتون بقرية جبشيت الجنوبية 11 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

ويضيف أن «الخسائر الزراعية لا تقتصر على الزيتون، بل تشمل أيضاً زراعة التبغ، التي تشكل النشاط الزراعي الأول في رميش، تليها زراعة الزيتون»، موضحاً أن «إنتاج التبغ هذا العام بلغ نحو 60 في المائة مما كان عليه قبل الحرب؛ ما يعني خسارة جزء كبير من المداخيل التي كانت تعتمد عليها العائلات».

وشدد العميل على أن «علاقة أبناء الجنوب بشجرة الزيتون تتجاوز قيمتها المادية ومردودها الاقتصادي، فهي جزء من تاريخنا وارتباطنا بأرضنا. زرعها أجدادنا، وواصل آباؤنا الاعتناء بها، ونحن نكمل هذه المسيرة، ونريد أن نورّثها لأبنائنا وأحفادنا ليواصلوا الاهتمام بها. إنها شجرة مباركة ورمز للسلام، فضلاً عن كونها مصدر رزق تنتظره عائلات كثيرة، خصوصاً في هذه الظروف الصعبة».

ويحذر العميل من التداعيات الاقتصادية المحتملة مع اقتراب انتهاء مهمة «يونيفيل»، قائلاً: «نعيش وضعاً اقتصادياً سيئاً جداً، وما يقلقنا أكثر هو المستقبل. نحن اليوم غير قادرين على استثمار أراضينا الزراعية، ومع انتهاء مهمة (يونيفيل)، نخشى أن يتدهور الوضع الاقتصادي أكثر فأكثر، وأن ينعكس ذلك سلباً على صمود الأهالي، وصولاً إلى نزوح اقتصادي يضطر فيه السكان إلى مغادرة بلداتهم بحثاً عن مصادر رزق».

امرأة لبنانية تقطف الزيتون في قرية «زوطر الغربية» بجنوب لبنان بالقرب من «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

ذاكرة عائلات وأجيال

ويؤكد رئيس بلدية زوطر الشرقية محمد إسماعيل لـ«الشرق الأوسط» أن «أشجار الزيتون في البلدة ليست مجرد أشجار أو مصدر رزق، بل هي تراث وتاريخ وذكريات أجيال، تحتضن الروابي والحقول، وتظلّل أزقة زوطر، وتنشر نسمات باردة تخفف من قيظ الصيف»، مشيراً إلى أنها «تشكل مصدر رزق للأهالي، ويستمد منها جزء كبير من أبناء البلدة حطب التدفئة».

ويقول إن «موسم قطاف الزيتون يشكل مناسبة سنوية تجتمع فيها العائلات بأكملها، كباراً وصغاراً، ليس لجمع المحصول فحسب، بل لتجديد الصلة بالأرض والأجداد الذين زرعوا هذه الأشجار واعتنوا بها، ولإبقاء الذاكرة المتوارثة بين الأجيال حية».

ويضيف: «اليوم، يأتي المحتل لينزع منا الروح، وليقطع صلتنا بالتاريخ والأجداد والحياة. يريد أن يمحو أثر الحياة من نفوسنا وعقولنا، وأن يمسح من ذاكرتنا عبقها»، عادَّاً أن «ما يجري لا يقتصر على اقتلاع الأشجار، بل هو اقتلاع للقلوب من الصدور، ومحاولة لاقتلاع ذاكرة الأهالي وارتباطهم بأرضهم»، ومؤكداً: «لن ننسى، لن نستسلم. سنعود ونعيد الحياة إلى قريتنا، وبدل الشجرة سنزرع عشر أشجار».

الزيتون جزء من الهوية

يقول نائب رئيس بلدية ياطر إبراهيم سويدان لـ«الشرق الأوسط» إن «كروم الزيتون أصبحت جزءاً من هوية الجنوب، وشجرة الزيتون ليست مجرد شجرة بالنسبة إلى الجنوبي، بل هي جزء من هويته وانتمائه إلى أرضه»، عادَّاً أن «أكبر دليل على هذا التعلّق هو عودة الجنوبيين إلى قراهم ومنازلهم، رغم الظروف الأمنية الصعبة، وإصرارهم على البقاء فيها والتمسك بأرضهم».

مزارع لبناني يعرض ثمار الزيتون التي تم قطفها بقرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

ويرى أن «استهداف أشجار الزيتون واقتلاعها يحمل دلالات تتجاوز الأضرار الزراعية المباشرة؛ إذ إن الانتقام من شجرة الزيتون هو في جوهره استهداف لما تمثّله من رمزية وهوية وانتماء».

ويشير سويدان إلى أن «بلدة ياطر تعرَّضت خلال العدوان الأخير لدمار كبير طال المؤسسات والمرافق العامة، وبينها مبنى البلدية والمدرسة والمنشآت الاجتماعية وقاعات المناسبات، فضلاً عن منظومات الطاقة الشمسية وشبكة الكهرباء التي تعرضت لأضرار واسعة»، عادَّاً أن «استهداف الأراضي الزراعية والمرافق العامة والمنازل يندرج في سياق واحد، يقوم على ضرب مقوّمات بقاء السكان في قراهم، ومحاولة المساس بكل ما يربط الجنوبي بأرضه وهويته».

ويشدد على أن «أهالي الجنوب أثبتوا، رغم الاعتداءات والدمار والظروف الأمنية الصعبة، أنهم متمسكون بأرضهم وقراهم، وأن لديهم من الصمود والتعلّق بأرضهم وهويتهم ما يكفي لمواجهة هذه الظروف والاستمرار فيها».


السلطات اللبنانية تضبط مجدداً مواد متفجرة مهرّبة من سوريا

صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)
صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)
TT

السلطات اللبنانية تضبط مجدداً مواد متفجرة مهرّبة من سوريا

صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)
صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)

أعلن الجيش اللبناني، الاثنين، ضبط مواد متفجرة بزنة نحو مئتي كيلوغرام في شرق البلاد، مهرّبة من سوريا المجاورة، وذلك بعد ساعات من تأكيد رئيس الحكومة نواف سلام، أن السلطات ستتعامل بحزم مع أي سلاح خارج إطار الشرعية، على خلفية ضبط شحنة أخرى قبل أيام يُشتبه بارتباطها بجماعة «حزب الله»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهي المرة الثالثة التي تُحبط فيها السلطات اللبنانية تهريب مواد متفجرة شديدة الانفجار منذ مطلع الشهر الحالي. وتمّ في المرّة الأولى توقيف رجلين مرتبطين بـ«حزب الله» خلال العملية.

وفي بيان بعد ظهر الاثنين، أعلن الجيش اللبناني أنه ضبط «في منطقة القصر في الهرمل (شرق) نحو مئتي كيلوغرام من المواد المتفجرة، موضّبة داخل أكياس ومعدّة للتهريب من الأراضي السورية إلى الأراضي اللبنانية».

وذكر البيان أن المهرّبين تمكّنوا من الفرار إلى داخل الأراضي السورية.

وقال مصدر قضائي لوكالة الصحافة الفرنسية إن المواد المتفجرة، وهي من «مادة (سي فور) كانت تُنقل بواسطة حمار عبر معبر غير شرعي في بلدة القصر».

وسبق للجيش اللبناني أن أعلن مطلع الشهر الحالي ضبط ربع طن من مادة «تي إن تي» الشديدة الانفجار، بعد تهريبها من الجانب السوري، مشيراً أيضاً إلى فرار المهربين إلى سوريا.

وأفاد مصدر قضائي لبناني «وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت، بأن القوات الأمنية في منطقة ضهر البيدر على الطريق الدولي المؤدي إلى سوريا، أوقفت، الخميس، رجلين يُشتبه بانتمائهما إلى «حزب الله» في أثناء نقلهما 500 كيلوغرام من المواد المتفجرة، موزَّعة بين «250 كيلوغراماً من المتفجرات من نوع (تي إن تي)، و250 كيلوغراماً من نوع (سي فور) الشديد الانفجار».

وعلّق رئيس الحكومة نواف سلام، الاثنين، على هذه العملية التي تمّ خلالها ضبط «مئات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة» على متن شاحنة، وقال في منشور على منصة «إكس»، «لن نتهاون في متابعة التحقيق والتوسّع فيه، للوصول إلى تحديد هوية كل المتورطين في هذه العملية الإجرامية، ومن وراءهم، والكشف عن مخططاتهم وأهدافهم» ومقاضاتهم.

وأضاف أن حكومته «ستتعامل بالحزم المطلوب مع أي سلاح خارج إطار الشرعية، حيازةً ونقلاً واستخداماً».

وأقرّت الحكومة اللبنانية عام 2024 خطة لنزع سلاح «حزب الله» وكلّفت الجيش بتنفيذها.

ويعمل الجانبان، اللبناني والسوري، على ضبط التهريب عبر حدودهما المشتركة الممتدة على طول 330 كيلومتراً، والتي تضم عشرات المعابر غير الشرعية.

واعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي، الاثنين، قراراً بإنشاء بعثة دعم تابعة للاتحاد الأوروبي في لبنان، على أن تُقدِّم، وفق ما أورد في بيان، «المشورة والمساعدة للقوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي لتعزيز سيطرتها على أراضيها وأمن الحدود، والأمن الداخلي».