معالم جنوب لبنان الأثرية مهدَّدة بالقصف والنسف الإسرائيليين

وزير الثقافة لـ«الشرق الأوسط»: نسعى للجنة تحقيق خاصة لتوثيق الأضرار

قلعة صور من أبرز المواقع الأثرية في جنوب لبنان (يونيسكو)
قلعة صور من أبرز المواقع الأثرية في جنوب لبنان (يونيسكو)
TT

معالم جنوب لبنان الأثرية مهدَّدة بالقصف والنسف الإسرائيليين

قلعة صور من أبرز المواقع الأثرية في جنوب لبنان (يونيسكو)
قلعة صور من أبرز المواقع الأثرية في جنوب لبنان (يونيسكو)

يتشابه مئات آلاف النازحين اللبنانيين من أبناء قرى ومدن الجنوب مع الرسميين اللبنانيين، لجهة متابعة مصير المنازل والأحياء والمواقع التراثية من خلال مقاطع الفيديو المحدودة التي ينشرها الجيش الإسرائيلي أو التي تتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي... فقد باتت إمكانية رصد أحوال المواقع الأثرية والتراثية الواقعة في المناطق المحتلة أو تلك التي تشهد مواجهات عسكرية عنيفة، كما تقييم حجم الأضرار التي لحقت بها، محدودة للغاية، في ظل تعذر الوصول الميداني إليها، في حين تراجعت أيضاً فاعلية المتابعة عبر الأقمار الاصطناعية بسبب القيود المفروضة على الحصول على الصور الحديثة للمناطق الحدودية ومناطق النزاع؛ ما يجعل عملية التوثيق الدقيقة للأضرار مهمة شديدة التعقيد بانتظار توافر ظروف تسمح بإجراء مسوحات ميدانية شاملة.

وزير الثقافة غسان سلامة يتفقد الأضرار بموقع قلعة شمع في جنوب لبنان يناير 2026 (أرشيفية - وزارة الثقافة)

استنفار لمنع تدمير قلعة الشقيف

ولعل آخر وأبرز المواقع الأثرية التي باتت في قبضة الاحتلال جنوباً قلعة الشقيف الاستراتيجية؛ ما دفع وزير الثقافة غسان سلامة مؤخراً إلى إرسال كتاب إلى المدير العام لمنظمة «يونيسكو» الدكتور خالد العناني، يطالب فيه بـ«التدخل الفوري والعاجل من قِبل المنظمة، للتحرك لدى الجهات المعنية وتفعيل جميع الآليات الدولية المناسبة لمنع تدمير موقع قلعة الشقيف - بوفور، على أثر التهديد البالغ الخطورة الذي يستهدف هذا المعلم الأثري»، عادَّاً أنّ «الصمت أو عدم التحرك إزاء مثل هذا التهديد من شأنه أن يفتح الباب أمام انتهاكات لا يمكن تدارك آثارها بحق التراث الثقافي المحمي بموجب القانون الدولي».

جنود إسرائيليون في محاذاة قلعة الشقيف داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)

ويعدّ الوزير سلامة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «إسرائيل لا تبالي بنوعية المنشآت التي تستهدفها أكانت ثقافية أو صحية أو تربوية، وبالتالي هي لا تستثني المواقع الأثرية، كما يفرض عليها القانون الدولي»، لافتاً إلى أن «توثيق الضرر اللاحق بهذه المواقع ليس مهمة سهلة على الإطلاق باعتبار أن لا إمكانية للوجود المباشر على الأرض نتيجة الاحتلال والعمليات العسكرية المتواصلة؛ لذلك نعتمد على بعض صور الأقمار الاصطناعية، وعلى الأخبار التي ينقلها بالتواتر النازحون؛ ما يجعل الصورة غير كاملة وشاملة، إنما لا شك أن الصورة سلبية».

ما المواقع المتضررة؟

ويشير سلامة إلى أن «أبرز ما تم توثيقه، الدمار اللاحق بموقع شمع الذي يبعد 10 كلم عن الحدود، وهو موقع أثري وديني مهم تم تفجير 3 من القباب الـ4 التي تعلوه، علماً أننا كنّا رممناه مع الإيطاليين»، مشيراً إلى أن «تفجيره أخيراً يعني أنها عملية تمت عن قصد»، لافتاً إلى قذائف وقعت بمحيط المنطقة الأثرية في مدينة صور وإلى تضرر متحف صور ومدخله»، مضيفاً: «ننتظر وقف النار لتبيان حجم الأضرار في المباني الأثرية في مدينة صور التي قُصفت بشراسة، وعلينا أن نرى كيف أثَّرت الارتجاجات على هذه المواقع».

ويوضح سلامة أن التراث لا يعني فقط المواقع الأثرية «إنما الحارات والأسواق القديمة التي اعتاد الناس على العيش فيها من جيل لجيل»، متحدثاً في هذا المجال عن «تضرر سوقَي بنت جبيل والنبطية وأبنية تراثية تعود للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إضافة إلى السراي القديم في مدينة بنت جبيل والذي بُني في عهد العثمانيين وحولناه مكتبةً عامة، وتم تدميره بالكامل كما مكتبة الطيبة التي دُمّرت أيضاً، علماً أننا أعدنا ترميمها منذ فترة».

صورة تُظهر حُطاماً في أعقاب غارات جوية إسرائيلية بالقرب من الموقع الأثري لميدان سباق الخيل الروماني بمدينة صور جنوب لبنان 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

ويوضح سلامة أنه كان في «يونيسكو» مؤخراً، حيث التقى المدير العام للمنظمة، ولمس منه كامل التعاون والاهتمام بما هو حاصل في لبنان، وأضاف: «لقد طلبنا توثيق ما يحصل، علماً أن بعثتنا في (يونيسكو) تقوم بعمل متواصل للإبلاغ بكل المستجدات». ويضيف: «صحيح أنه قد صدر بيان شديد اللهجة من (يونيسكو)، لكن ذلك لا يكفي ونسعى لإرسال لجنة تحقيق خاصة تأتي إلى لبنان لتوثيق ما يحصل عندما تسمح الظروف العسكرية بذلك. أما نحن فسنقدم تقريراً شاملاً لاجتماع لجنة التراث العالمي في كوريا الجنوبية منتصف يوليو (تموز)، وقد أسهمنا في تقرير الحكومة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف بإضافة فصل عن تدمير المواقع الأثرية الذي يُعدّ مساساً بحقوق الإنسان، كما سنعمل على إعداد شكوى نتقدم بها إلى مجلس الأمن بعد توثيق دقيق لما يحصل».

مواقع أُزيلت بالكامل!

ويتابع علماء الآثار والمسؤولون المعنيون أحوالها بكثير من القلق التطورات العسكرية وما يرافقها من استهدافات للمواقع التراثية. ويرى الدكتور علي بدوي، مدير المواقع الأثرية في الجنوب اللبناني، أن «مواقع التراث الثقافي في الجنوب وفي البقاع تمر اليوم بحالة من الخطر بسبب الصراع المسلح والاعتداءات التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي»، لافتاً إلى أن «بعض هذه المواقع أُزيلت بالكامل وهي صغيرة، وبعضها تعرَّض لضرر كبير كقلعة شمع وبعضها لضرر جزئي كقلعة تبنين. أما الضرر في قلعة الشقيف التي دخلت تحت الاحتلال مؤخراً، فهو محدود حتى الآن، ولكن ما نخشاه أن يعاد تحويلها من قِبل الإسرائيليين موقعاً عسكرياً».

وزير الثقافة غسان سلامة في موقع قلعة شمع المعزز بجنوب لبنان يناير 2026 (وزارة الثقافة)

ويضيف بدوي لـ«الشرق الأوسط»: «الكثير دُمّر... هناك 60 قرية دُمّرت أو تعرضت لضرر جزئي أو كلي، وكل هذه القرى تمتلك وسطاً تاريخياً يعود للعصر الفينيقي وحتى قبله. كالوسط التاريخي لعيتا والقوزح ومروحين وبليدا»، مشيراً إلى دمار «مبانٍ دينية كمسجدَي بنت جبيل وبليدا وكنيسة يارون والدير الملحق بها». وأضاف: «قلعة شمع تعرضت للاعتداء للمرة الثالثة بعد اعتداءات في حروب سابقة. وكان اللافت مقتل عالم آثار إسرائيلي كان يرافق جيش الاحتلال بمحاولة واضحة لتحوير بعض الحقائق التاريخية وربطها بالتراث الإسرائيلي».

ويوضح بدوي أن «المواقع الأثرية في مدينة صور تأثرت ونحن في حاجة إلى التدقيق بمدى الضرر إضافة إلى مبانٍ تاريخية في المدينة».

صور الأقمار الاصطناعية محجوبة!

ويواجه علماء الآثار والمسؤولون المعنيون بمتابعة أحوالها صعوبات كبيرة في تحديد وضعيتها. وعن هذا يقول بدوي: «لا نملك الكثير من وسائل المراقبة والتحقق. حتى الوسيلة المتاحة بالأقمار الاصطناعية هي محجوبة وممنوعة؛ لأن المؤسسات الأميركية التي تسيطر على هذه الأقمار منعت بيع أي صور لأسباب مرتبطة بالحرب».

ويوضح بدوي، أنه وبإطار الخطوات الاستباقية التي اتُخذت لحماية المواقع الأثرية، تم العمل في السنوات القليلة الماضية على «توثيق القلاع القائمة في جنوب لبنان، وقد فعّلنا خطط الطوارئ لحماية القطع الأثرية الموجودة في بعض المناطق وحتى نقلنا بعضها ذات الأهمية العالية إلى مخازننا في بيروت»، مشيراً إلى «إدراج 73 موقعاً على لائحة الحماية المعززة؛ ما يعطيها حصانة عالية، إضافة إلى أن الاتصالات الدولية التي يقوم بها وزير الثقافة قادرة إلى حد كبير على تحييد الكثير من هذه المواقع».


مقالات ذات صلة

قاسم: لا يعنينا مَن يحكم إسرائيل... ولا نقاش في سلاح «حزب الله»

المشرق العربي أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

قاسم: لا يعنينا مَن يحكم إسرائيل... ولا نقاش في سلاح «حزب الله»

قال الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، الأربعاء، إن حزبه لا يعنيه من يحكم إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مبانٍ دمّرها القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت وبدا عَلم لـ«حزب الله» 6 مايو الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)

القضاء اللبناني يحدّد 7 متورطين في متفجرات «حزب الله»

اقترب القضاء اللبناني من ختم التحقيق الأولي في ملف متفجرات ضهر البيدر التابعة لـ«حزب الله»؛ تمهيداً للادعاء على المشتبه بتورطهم في القضية.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)

لبنانيون يطبِّقون وضعية الاستعداد لمواجهة أي حرب مقبلة

يعيد خبر أمني أو تهديد محتمل اللبنانيين، خلال دقائق، إلى نقطة الصفر؛ ترتفع وتيرة الاتصالات، وتُفتح مجموعات العائلة على تطبيقات المراسلة.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي مُناصِرة لـ«حزب الله» ترفع شعار: «لن نترك السلاح» في الذكرى الثانية لاغتيال الأمينين العامّين الأسبق حسن نصر الله والسابق هاشم صفي الدين (أرشيفية - إ.ب.أ)

ماذا طبّق لبنان من قرار حظر الجناح العسكري لـ«حزب الله»؟

يعيد توقيف شحنة المتفجرات في منطقة ضهر البيدر في شرق لبنان أخيراً، النقاش حول قرار الحكومة اللبنانية الشهير بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ«حزب الله».

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي صورة ملتقطة من بلدة زوطر الغربية تُظهر جنوداً إسرائيليين ودبابة خلال عملية لهم في البلدة... جنوب لبنان يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

عمليات نسف وتفجير وإحراق منازل ينفّذها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

نفّذت القوات الإسرائيلية عمليات نسف وأحرقت منازل في جنوب لبنان، بالتزامن مع قصف مدفعي طال بلدات عدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

كيف يمكن تعويض سنوات التعليم الضائعة من أطفال غزة؟

أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

كيف يمكن تعويض سنوات التعليم الضائعة من أطفال غزة؟

أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

يواجه أطفال قطاع غزة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، مساراً طويلاً لاستعادة ما فاتهم من التعليم، في ظل فجوات في القراءة والكتابة والحساب، ومدارس مدمّرة، وأعباء نفسية ومعيشية تعرقل انتظام الدراسة.

ويرى خبيران تحدثا إلى «الشرق الأوسط»، أن معالجة ما فقده أطفال غزة قد تتطلب برامج تمتد لسنوات، تبدأ بتحديد ما يعرفه كل طفل وما يحتاج إلى تعلّمه.

مشاكل القراءة والكتابة

خلال وجوده في غزة، عاين الدكتور أحمد كمال جنينة، رئيس قسم اللغة الإنجليزية في جامعة الأقصى بغزة، آثار انقطاع أطفال القطاع عن التعليم من خلال تجربته مع أبنائه، وحديثه مع أقارب وأولياء أمور التلاميذ ليكتشف أن أبرزها عجز الأطفال عن القراءة والكتابة من الأساس.

ويقول جنينة الذي يشارك كزميل مقيم في معهد رادكليف للدراسات المتقدّمة بجامعة هارفارد الأميركية لـ«الشرق الأوسط»: «أرى أننا أمام فاقد تعليمي عميق يتراكم مع مرور الوقت، ويتفاوت حجمه من طفل إلى آخر».

وتحمل العودة إلى الدراسة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب في قطاع غزة، أسئلة عن مستوى الأطفال الفعلي، وما تتيحه ساعات التعليم المتاحة، وكيفية بناء برامج تساعدهم على متابعة دراستهم دون أن تتراكم فجوات جديدة.

وتشمل الفجوات مهارات تعلّمها الأطفال ثم ضعفت بسبب غياب الممارسة، وأساسيات لم تُتح لآخرين فرصة اكتسابها أصلاً. ومع الانتقال الإداري إلى صفوف أعلى، قد يبقى ضعف القراءة عائقاً أمام متابعة مواد أخرى، فتتراكم صعوبات جديدة فوق ما لم يُعالج من قبل. وتُضاف إلى ذلك خسارة الروتين المدرسي والتفاعل اليومي مع المعلّمين والأقران، وما يتيحه هذا التواصل من علاقات وتجارب تسهم في تكوين الشخصية وتنمية المهارات الاجتماعية والحياتية، وفقاً لجنينة.

طلاب فلسطينيون خلال حصة فنية في مدرسة أُنشئت بدعم من منظمة «يونيسف» داخل مخيم للنازحين في بلدة القرارة بمدينة خان يونس عام 2025 (أ.ف.ب)

وفي مؤشر إلى محدودية فرص التعلّم، يستشهد جنينة بمسح أجرته «يونيسف» بين ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، وشمل 2071 أسرة في غزة. وأظهر أن 68 في المائة من الأطفال بين الخامسة والحادية عشرة شاركوا في أنشطة تعليمية لمدة ثلاثة أشهر أو أقل منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وحتى إجراء المسح. وتصف هذه النسبة مدة المشاركة في التعليم، أما تحديد مقدار التراجع في المهارات، فيحتاج إلى تقييم مباشر.

احتياجات تسبق الاستفادة من الدرس

وقد تتعثر استفادة الطفل من التعليم بسبب احتياج صحي أو نفسي لم يُنتبه إليه. هنا، يستحضر جنينة تجربة وثّقتها منظمة «وور تشايلد»، المتخصصة في دعم الأطفال المتأثرين بالحروب ومقرّها هولندا، لطفل فلسطيني يبلغ من العمر 7 سنوات يدعى «كريم»، في دير البلح وسط القطاع.

بعد فقدان والده ومنزله، واجه كريم صعوبة في المشاركة والبقاء في مركز التعلّم، ومع الدعم النفسي والأنشطة الجماعية والتعليم التعويضي، وتوفير نظّارات لمعالجة صعوبة بصرية، بدأ يشارك بثقة أكبر.

وفي تحليل لجنينة، تُبيّن هذه الحالة أهمية معالجة احتياجات قد تتوقف عليها قدرة الطفل على التفاعل مع المعلّم والاستفادة من الدرس.

أطفال فلسطينيون نازحون يشاركون في جلسات دعم نفسي داخل مرسم يستخدم حيوانات أليفة وطيوراً في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة عام 2026 (أ.ف.ب)

وتَرِد مؤشرات أخرى في مسح «يونيسف»، الذي أبلغ فيه أهالٍ عن اضطرابات نوم وانسحاب اجتماعي وتغيّرات سلوكية لدى أطفالهم، بما يستدعي مراعاة احتياجاتهم النفسية والاجتماعية عند استعادة الدراسة.

ويقول جنينة: «أعتقد أنه لا يمكن فهم ما يواجهه الطفل داخل الصفّ بمعزل عن ظروف حياته خارجه»، فمكان النوم، والشعور بالأمان، وتوافر مساحة للدراسة، وشخص يساعد في متابعة الدروس، كلها عوامل تدخل في قدرته على التركيز والاستمرار.

وقد عاين الدكتور جنينة أثر غياب الاستقرار أيضاً لدى طلبته الجامعيين؛ فمنهم من عرقل النزوح المتكرر دراسته، ومنهم من انتظر الليل بحثاً عن الهدوء، وسط صعوبات تأمين الإنترنت وشحن الهواتف والوصول إلى المواد التعليمية. وهذه شهادات تخصّ التعليم الجامعي، لكنها توضح جانباً من المشقة التي بات يتطلّبها الوصول إلى الدرس قبل البدء بمتابعته وفهمه.

تجربة سابقة وحدود المقارنة

توجد خبرات سابقة تشير إلى إمكان تحقيق تقدّم في المهارات الأساسية عبر التعليم التعويضي. ومن بينها برنامج وثّقته «يونيسف» عام 2021، وأكمله خمسة آلاف طفل من الصفوف الأول إلى الرابع في غزة، ارتفع فيه متوسط نتائج اختبار الرياضيات من 37 في المائة قبل البرنامج إلى 95.5 في المائة بعده، بحسب المثال الذي يستحضره جنينة.

لكن الفارق بين ظروف تلك التجربة والواقع الراهن يمنع استخدامها لتحديد مدة التعويض اليوم. ويشرح جنينة: «نتعامل مع نظام تعليمي فقد معظم مدارسه ومرافقه، إلى جانب ما تعرّض له المعلّمون والأطفال وأُسرهم من قتل ونزوح وفقدان وجوع وظروف معيشية قاسية. ولذلك لا يمكن القياس على تجربة عام 2021 لتقدير المدة التي يحتاج إليها الأطفال للتعافي من آثار الحرب الحالية».

وتبقى قيمة التجربة في إظهار إمكان الاستفادة من التدخّلات التعويضية، مع الاستعداد لبرامج تمتد لسنوات، تُراجَع أهدافها ونتائجها باستمرار. ويحذّر جنينة من أن يتحوّل العمل إلى سباق لإنهاء المناهج وإجراء الامتحانات وترفيع الطلبة: «فالغاية هي أن يتعلّم الطفل فعلاً ويمتلك المهارات التي يحتاج إليها لمواصلة تعليمه دون أن تتراكم عليه فجوات جديدة».

أطفال فلسطينيون يحملون حقائبهم المدرسية ويسيرون بين خيام مؤقتة في مدينة غزة يوم 28 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

المعلّمون وشركاء التعافي

تحتاج هذه البرامج إلى معلّمين قادرين على الاستمرار في عملهم، بينما يعيشون هم أنفسهم ظروف الحرب والنزوح والفقدان والضغوط المعيشية والنفسية. ويضع جنينة توفير دخل مستقر ودعم نفسي ومهني لهم في صلب استعادة التعليم، حتى يستطيعوا متابعة الأطفال والتعامل مع التجارب القاسية التي مرّوا بها.

وتبقى الأولوية لتحقيق التعافي، وفق جنينة، «وقف الاعتداءات والقتل المستمر، وضمان سلامة الأطفال والمعلّمين، وتوفير أماكن آمنة يمكنهم الوصول إليها والتعلّم فيها». ويرى أنه بالتوازي مع مواصلة التعليم في المساحات المؤقتة، لا بدّ من إصلاح المدارس المتضررة وتلبية الاحتياجات الأساسية للأطفال بما يُمكّنهم من الانتظام في الدراسة.

أما وضع الخطط وتنفيذها، فيقتضي مشاركة أساسية من أصحاب الخبرة المحلية. وفي تعبير جنينة: «والأهم أن يكون للمعلّمين والمؤسسات التعليمية الفلسطينية دور أساسي في وضع خطط التعافي وتنفيذها، بمشاركة أهالي الطلبة، فهم الأعرف باحتياجات الأطفال وبالظروف التي يعيشونها».

حين تُستهلك الحصة في المراجعة

وفي تفاصيل العمل اليومي داخل الصفوف والمساحات المؤقتة، تظهر عقبات أمام تحويل خطط التعويض إلى تقدّم مستمر. ويشرح رائد أبو مخدة، المتخصص في الإدارة المدرسية والتعليم في ظروف الطوارئ، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، كيف يعطّل غياب أيام الدوام المتواصلة البناء على ما يتعلّمه الأطفال.

ويصف أبو مخدة ذلك بقوله: «نبدأ مهارة، ثم ينقطع الحضور، فنعود إلى مراجعتها بدل البناء عليها. ويصبح جزء كبير من الوقت المتاح مخصصاً لاستعادة ما سبق شرحه».

أطفال فلسطينيون يجلسون في فصلهم الدراسي في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد داخل مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات بوسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

لذلك، لا يكفي عدّ أيام الغياب لتقدير ما خسره الطفل. فأيام الحضور نفسها قد تكون قصيرة ومتباعدة، أو يصل فيها الطفل مرهقاً أو جائعاً أو خائفاً، فتضعف استفادته من الوقت المتاح، وفق أبو مخدة.

وفي المساحات المؤقتة، يواجه المعلّم قيوداً إضافية؛ يوضح أبو مخدة: «الضوضاء وتقارب المجموعات قد يجعلان الاستماع والتركيز صعبين، ويحدّ ضيق المكان من الأنشطة والعمل في مجموعات ومتابعة كل طفل». ويشير إلى افتقار الخيام إلى الحماية المناسبة من تقلّبات الطقس، وقد تنقصها المقاعد والسبورة والكتب والوسائل التعليمية والمرافق الصحية الملائمة.

أما اختصار الدوام فيقلّص وقت الشرح والتدريب والتقييم، وقد ينتهي الدرس قبل التأكد من فهم الأطفال أو مساعدة المتعثرين. ويلخّص أبو مخدة حدود هذه الاستجابة بقوله: «الخيمة قد توفر مكاناً للدرس، لكنها لا توفر وحدها مقوّمات مدرسة قادرة على معالجة فاقد متراكم».

مجموعات بحسب المهارة

تبدأ المعالجة، في التصوّر الذي يطرحه أبو مخدة، بتقييم تشخيصي للقراءة والكتابة والحساب، ثم توزيع الأطفال على مجموعات بحسب مستوى المهارة، وتقديم تعليم علاجي منتظم بأهداف محدّدة ومتابعة مستمرة.

ويقتضي ذلك تدريب المعلّمين على التعامل مع تفاوت المستويات، وتوفير مواد تعليمية مناسبة، وإتاحة وقت كافٍ للتدريب والتحقق من الفهم. فلا يصحّ افتراض امتلاك الطفل مهارات الصف الذي وصل إليه بحسب عمره، قبل معرفة ما يستطيع إنجازه فعلياً.

وتختلف القدرة على التعويض بحسب العمر والمستوى السابق وطول الانقطاع والظروف النفسية والمعيشية؛ فقد تتحسّن مهارات محددة خلال أشهر إذا توافر انتظام حقيقي، فيما قد تستغرق معالجة الفجوات المتراكمة عدة سنوات. وهي تقديرات تربوية مشروطة، بحسب أبو مخدة، لا مواعيد مضمونة لإنجاز التعافي.

ويظل استمرار الدراسة شرطاً للحفاظ على أي تقدّم: «استمرار الانقطاع يعني أن الطفل يحاول التعويض بينما يتكوّن لديه فاقد جديد»، بحسب أبو مخدة.

طالب فلسطيني ينظر إلى داخل فصله الدراسي في أثناء حضوره اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

مَن يواجه الخطر الأكبر؟

تترك الفجوات آثاراً مختلفة تبعاً للمرحلة العمرية؛ ففي الصفوف الأولى، يمتد ضعف المهارات التأسيسية إلى بقية المواد، ويصبح فهم السؤال نفسه عقبة أمام متابعة الدرس أو أداء الاختبار. وبعبارة أبو مخدة: «الطفل الذي لا يستطيع قراءة السؤال لن يتمكن من إظهار معرفته حتى إن كان يفهم بعض محتواه».

أما الطلبة الأكبر سناً، فقد تدفعهم الحاجة إلى العمل أو المسؤوليات الأسرية أو فقدان الأمل في استكمال الدراسة إلى الابتعاد النهائي عن التعليم، وفق أبو مخدة الذي يشير إلى أن الأطفال ذوي الإعاقة، ومن تعرّضوا لإصابات أو فقدان أو نزوح متكرر، يواجهون صعوبات إضافية مع نقص الخدمات المتخصصة. ولهذا، يرى أن برامج التعويض تحتاج إلى متابعة المنقطعين والمعرّضين للتسرّب، وتقييم النجاح بما أصبح الطفل قادراً على قراءته وكتابته وفهمه، إلى جانب متابعة انتظامه واستمراره، دون الاكتفاء بأعداد المسجّلين والحصص المنفّذة.

ويختصر أبو مخدة شروط هذا العمل بقوله: «التعويض يحتاج إلى وقت واستقرار وموارد، والحديث عن التعافي التعليمي دون توفير هذه الشروط يحمّل الأطفال والمعلّمين مسؤولية ظروف لا يملكون تغييرها».


الشرع يفتح أبواباً للشراكة مع بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
TT

الشرع يفتح أبواباً للشراكة مع بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)

فتح الرئيس السوري أحمد الشرع أبواباً للشراكة مع بغداد، واستقبل في دمشق أمس، رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي.

وتعدّ زيارة الزيدي الأولى من نوعها لرئيس وزراء عراقي منذ سقوط نظام الأسد. وقالت مصادر مطلعة في دمشق إنها تشكّل «منعطفاً جوهرياً» في علاقات البلدين، في وقت تشير فيه المعطيات إلى توجه دمشق وبغداد نحو شراكة استراتيجية تخدم المصالح الاقتصادية والأمنية.

وسعى الزيدي إلى إظهار التقارب المذهبي عبر زيارته الجامع الأموي ومرقد السيدة زينب، وتبرعه من «حسابه الشخصي» بـ10 ملايين دولار لاحتياجات المعلمين الدينيين بالمناصفة.


سادس هجوم حوثي على مطار عدن

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

سادس هجوم حوثي على مطار عدن

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

استهدفت الميليشيات الحوثية مطار عدن الدولي بصاروخين باليستيين، أمس، في سادس اعتداء عليه خلال أيام، ما أسفر عن وقوع إصابات بين المدنيين وأضرار مادية.

وأوضحت القوات المسلحة اليمنية، في بيان، أن هذا الاعتداء يؤكد استمرار نهج الميليشيات العدائي وانتهاكاتها السافرة.

ودخلت عملية «فجر اليمن»، أمس، يومها الرابع والعشرين، مع تصاعد القتال في الجبهات الجنوبية لمدينة تعز، واستمرار المعارك في جبهاتها الغربية، وتوسع العمليات العسكرية إلى محور باب المندب.

واتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن، مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية بريف محافظة لحج ومحيط تعز. وأفاد «تحالف دعم الشرعية» في اليمن بأن الدفاع الجوي السعودي اعترض ودمّر صاروخاً باليستياً أطلقه الحوثيون باتجاه محافظة الطائف.