هل بدأ الغضب على إيران يتسلل إلى شيعة لبنان؟

سيدة تحمل جثة الطفلة مريم فحص التي تبلغ من العمر 6 أشهر خلال تشييعها وقد قُتلت بقصف إسرائيلي على بلدة السكسكية (أ.ب)
سيدة تحمل جثة الطفلة مريم فحص التي تبلغ من العمر 6 أشهر خلال تشييعها وقد قُتلت بقصف إسرائيلي على بلدة السكسكية (أ.ب)
TT

هل بدأ الغضب على إيران يتسلل إلى شيعة لبنان؟

سيدة تحمل جثة الطفلة مريم فحص التي تبلغ من العمر 6 أشهر خلال تشييعها وقد قُتلت بقصف إسرائيلي على بلدة السكسكية (أ.ب)
سيدة تحمل جثة الطفلة مريم فحص التي تبلغ من العمر 6 أشهر خلال تشييعها وقد قُتلت بقصف إسرائيلي على بلدة السكسكية (أ.ب)

يشهد الشارع الشيعي في لبنان حالة تذمُّر متزايدة، تتجاوز الخطاب السياسي التقليدي لـ«حزب الله» و«حركة أمل»، لتطول إيران بشكل مباشر، بعدما شعر كثير من الأهالي بأن الحرب التي فُتحت لإسناد إيران انتهت إلى تدمير قراهم وتشريد عائلاتهم وخسارة أبنائهم، بينما تُركوا وحدهم يواجهون الحرب والنزوح والفقر والدمار.

هذا التململ بدأ يظهر بوضوح على وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما في صفوف مناصري «حركة أمل» التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري، إضافة إلى مناصرين لـ«حزب الله»، بحيث لم تعد الشعارات العقائدية والسياسية قادرة على احتواء حجم الغضب واليأس.

ويأتي هذا الغضب رغم استمرار مسؤولي «حزب الله» في توجيه الشكر إلى إيران، والتأكيد على دورها في دعم «المقاومة»، إضافة إلى التعويل على طهران في الضغط لوقف الحرب.

وبات قسم كبير من البيئة الشيعية يرى تناقضاً بين هذا الخطاب وبين واقعهم اليومي؛ حيث يعيش عشرات آلاف النازحين أوضاعاً إنسانية قاسية، من دون أفق واضح للعودة أو إعادة الإعمار.

جرَّافة تزيل الأنقاض في موقع متجر للملابس الرياضية دُمِّر في غارة جوية إسرائيلية سابقة في الشياح إحدى ضواحي بيروت (أ.ب)

خطاب عقائدي يقابله غضب الجنوبيين

وفي هذا السياق، أثارت تصريحات الشيخ أسد قصير التابع لـ«حزب الله»، جدلاً واسعاً، بعدما اعتبر أن «الحفاظ على (الجمهورية الإسلامية) في إيران واجب ديني يتقدَّم على الحفاظ على الأفراد؛ لأنها تشكِّل ضمانة لحفظ الإسلام نفسه»، حسب رأيه.

واستند قصير في كلامه إلى أفكار منسوبة إلى المرشد الراحل الخميني، وإلى مفهوم التضحية الذي تجسَّد في واقعة كربلاء.

لكن هذا الخطاب لاقى ردود فعل رافضة من قبل شريحة واسعة من الأهالي الذين باتوا ينظرون إلى الحرب من زاوية خسائرهم في البشر والحجر.

وتقول زينب، وهي سيدة نازحة من الجنوب: «فُتحت الحرب تحت عنوان مساندة إيران، ولكننا اليوم نشعر بأننا تُركنا وحدنا. حتى نواب (حزب الله) و(حركة أمل) لا يسألون عن الناس الذين يعيشون في مراكز النزوح».

وتضيف: «أشعر بأن الموت تحت سقف بيتنا أهون من حياة النزوح التي نعيشها اليوم. لم نعد نحتمل هذا التعب النفسي والمعيشي، ولا أحد يشعر بما نمر به».

مبنى الدفاع المدني في صور بعد استهدافه بغارة إسرائيلية ما أدى إلى مقتل عدد من العناصر (أ.ف.ب)

«الجنوب أهم من كل الصراعات»

أما منى -وهي أم لطفلين تستأجر منزلاً في جبل لبنان- فتقول إن ما عاشه أهل الجنوب خلال الأشهر الماضية غيَّر قناعات كثيرين داخل البيئة المؤيدة للمقاومة: «بدأت الحرب تحت شعارات كبيرة، ولكن النتيجة كانت تدمير قُرانا وخسارة شبابنا وتشريد عائلاتنا. اليوم يشعر الناس بالقهر على الجنوب أكثر من أي شيء آخر».

وتضيف بمرارة: «وصل كثيرون إلى قناعة بأن الجنوب وأهله أهم من كل الصراعات الإقليمية. أهالي الجنوب باتوا يقولون: لتحترق إيران وكل العالم ويبقى الجنوب».

سقوط شعار «المحور الواحد»

كذلك تعبِّر أم محمد عن خيبة أمل عميقة من فكرة «المحور الواحد»، قائلة: «طوال السنوات الماضية كانوا يقولون لنا إننا محور واحد، وإن علينا أن نساند أي معركة يخوضها هذا المحور. ولكن عندما وقعت الحرب علينا شعرنا بأننا وحدنا».

وتضيف: «طهران كانت تقول إنها لن تدخل أي مفاوضات قبل وقف إطلاق النار في لبنان، ومن ثم قالت إنها توصلت إلى اتفاق وقف النار نتيجة المفاوضات مع أميركا، بينما القصف والاحتلال الإسرائيلي يتوسعان كل يوم».

خيار الدولة

وكما معظم اللبنانيين، تدعو ليلى إلى دعم الدولة اللبنانية في خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل وإنهاء الحرب، وتقول: «إيران تعمل لمصلحتها، وهذا حقها، ولكن لماذا لا نفكر نحن أيضاً في مصلحة أهلنا وبلدنا؟ تعبنا من الانتظار ومن ربط مصير الجنوب بحسابات دول أخرى».

وتلفت إلى أن «كثيرين باتوا يطالبون بأن تتولى الدولة اللبنانية وحدها إدارة ملف الحرب والتفاوض؛ لأن استمرار الوضع الحالي يعني مزيداً من الدمار والخسائر من دون أي أفق واضح».

غضب من تراجع الدعم الإيراني

ويتحدث المحلل السياسي علي الأمين عن «التبدل الواضح الذي تشهده البيئة الشيعية في نظرتها إلى إيران، وتصاعد مشاعر الغضب والخيبة داخل جمهور (حزب الله) نتيجة ما يجري في الجنوب اللبناني».

ويقول الأمين لـ«الشرق الأوسط»، إن «قوة النفوذ الإيراني لم تكن قائمة على البعد المذهبي أو السياسي فقط؛ بل أيضاً على شبكة الدعم والخدمات التي وفَّرها الحزب بدعم إيراني، شكَّلت لسنوات مصدر أمان لكثير من العائلات».

عناصر في الجيش والدفاع المدني في موقع استهداف سيارة بغارة إسرائيلية عند مدخل مدينة صيدا (أ.ف.ب)

ويشير الأمين إلى أن هذا الشعور بدأ يتراجع مع مشاهد تدمير القرى الجنوبية، وتهجير السكان، وسقوط القتلى والجرحى، في وقت لا يرى فيه كثيرون أي دعم إيراني فعلي يوازي حجم الخسائر.

ويلفت إلى أن جزءاً كبيراً من بيئة «حزب الله» بات يتساءل عن سبب غياب الرد الإيراني المباشر، أو ممارسة ضغط عسكري حقيقي على إسرائيل، رغم الحديث الدائم عن «وحدة الساحات» وقدرات إيران الصاروخية.

انتقادات غير مسبوقة

ويضيف الأمين أن «هذا الواقع ولَّد لدى البعض شعوراً بأن إيران تستخدم (حزب الله) والبيئة الشيعية ضمن حساباتها الإقليمية، من دون أن تكون مستعدة لدفع تكلفة فعلية لحماية لبنان، أو الحد من استمرار الحرب والدمار».

من هنا، يقول: «هذه الخيبة فتحت الباب أمام انتقادات غير مسبوقة داخل البيئة الشيعية تجاه الدور الإيراني، والسياسات التي يعتبرها البعض مرتبطة بمصالح النظام الإيراني أكثر من ارتباطها بمصلحة اللبنانيين في الجنوب».

ويتابع: «إيران كانت تقول إن وقف إطلاق النار في لبنان جاء نتيجة اتفاق إيران مع أميركا في إسلام آباد، وبالتالي ما دامت إسرائيل خرقت وقف النار فيفترض أن تخرق إيران وقف النار، وتعمل على الضغط على إسرائيل كي توقف على الأقل عدوانها وتمددها، والحد من تهجير السكان من عشرات القرى الجنوبية».


مقالات ذات صلة

قتيل وجريح في ضربتين إسرائيليتين في جنوب لبنان

المشرق العربي أحد عناصر الدفاع المدني اللبناني يتفقد سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية في كفر رمان بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

قتيل وجريح في ضربتين إسرائيليتين في جنوب لبنان

قتل شخص وأصيب آخر في ضربتين نفذهما الطيران المسيّر الإٍسرائيلي على جنوب لبنان، بحسب ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يبحث مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل التحضيرات الجارية لتنفيذ ما ورد في صيغة الإطار في المناطق التجريبية (الرئاسة اللبنانية)

عون ينعى محاولات ربط الملف اللبناني بمسار المفاوضات الإيرانية

نعى الرئيس اللبناني جوزيف عون محاولات ربط ملف لبنان بمسار المفاوضات الإيرانية، قائلاً: «أصبحنا الآن منفصلين عن الوضع الإيراني واتفاقية إسلام آباد»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري لبناني ينقل مواد بناء خلال ترميم منزله الذي تضرر جراء غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)

تحليل إخباري التصعيد الأميركي - الإيراني يجدد القلق اللبناني من عودة الحرب

تتجه الأنظار إلى انعكاس أي تطور في العلاقة الأميركية-الإيرانية على الجبهة اللبنانية، التي بقيت خلال الأشهر الماضية ضمن سقف تصعيد مضبوط

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي قوة من الجيش اللبناني تنتشر على مدخل بلدة زوطر الغربية المدرجة ضمن المنطقة التجريبية جنوب لبنان وتنتشر القوات الإسرائيلية على أطرافها (إ.ب.أ)

مفاوضات روما تطلق تشكيل لجان مشتركة للبدء بتنفيذ «اتفاق الإطار»

تبقى الأنظار مشدودة إلى الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية التي تُعقد يومي 14 و15 يوليو (تموز) الحالي.

محمد شقير (بيروت)

قتيل وجريح في ضربتين إسرائيليتين في جنوب لبنان

أحد عناصر الدفاع المدني اللبناني يتفقد سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية في كفر رمان بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
أحد عناصر الدفاع المدني اللبناني يتفقد سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية في كفر رمان بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

قتيل وجريح في ضربتين إسرائيليتين في جنوب لبنان

أحد عناصر الدفاع المدني اللبناني يتفقد سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية في كفر رمان بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
أحد عناصر الدفاع المدني اللبناني يتفقد سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية في كفر رمان بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

قتل شخص وأصيب آخر في ضربتين نفذهما الطيران المسيّر الإٍسرائيلي على جنوب لبنان، الجمعة، بحسب ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية.

وأوردت الوكالة: «استشهد شاب من مدينة النبطية، في غارة لمسيّرة معادية استهدفته عصر اليوم، عندما كان على دراجة نارية على طريق دوحة بلدة كفررمان»، وأصيب آخر «إصابة خطرة في المنطقة نفسها، في غارة أيضاً لمسيّرة معادية استهدفته في سيارته»، مشيرة إلى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج.

من جهته، قال الجيش الإسرائيلي، الجمعة، إنه قتل شخصين في جنوب لبنان، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأشار إلى أنه شنّ ضربة جوية استهدفت «إرهابياً من (حزب الله) كان يعمل قرب مدخل منشأة إرهابية تحت الأرض في تلة علي الطاهر»، وقام بـ«تحييد مشتبه به يتنقل على متن سيارة كان يشكل تهديداً للجنود» الإسرائيليين.

ووقّع لبنان وإسرائيل في واشنطن في 26 يونيو (حزيران) اتفاق إطار، نص خصوصاً على نزع سلاح «حزب الله» وانسحاب إسرائيلي تدريجي من جنوب لبنان، على أن ينتشر فيها الجيش اللبناني بدءاً من منطقتين «تجريبيتين».

ويشترط لبنان على إسرائيل الانسحاب من منطقتين تجريبيتين في جنوب البلاد، للقبول بالمشاركة في جولة التفاوض المحددة الأسبوع المقبل في روما، وفق ما أفاد مصدر دبلوماسي مواكب للمفاوضات «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء.

ومن المقرر أن تُعقد جولة التفاوض المقبلة في روما في 15 و16 الحالي، بطلب من واشنطن التي استضافت الجولات الخمس الأولى. ولم يؤكد لبنان مشاركته رسمياً بعد.

ولا يحدّد الاتفاق جدولاً زمنياً للانسحاب من جنوب لبنان، في حين تكرر إسرائيل على لسان مسؤولين فيها، أن قواتها لن تنسحب من «منطقة أمنية» بعمق عشرة كيلومترات عن حدودها، إلا بعد نزع سلاح «حزب الله»، في خطوة يشكك محللون بقدرة الدولة اللبنانية على إنجازها.

ويرفض «حزب الله» تسليم سلاحه والتفاوض المباشر مع إسرائيل ومخرجاته، ويعوّل على داعمته إيران من أجل وقف الحرب مع الدولة العبرية.


الاتحاد الأوروبي يعتزم مناقشة حظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية

مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)
مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يعتزم مناقشة حظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية

مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)
مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)

سيناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي حظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية، وذلك بعد ضغوط من عدد من الدول الأعضاء على التكتل لاتخاذ إجراءات، حسبما أفاد دبلوماسيون، اليوم (الجمعة).

ورجّح الدبلوماسيون أن النقاش الذي سيجري في اجتماع ببروكسل، يوم الاثنين، لن يُسفر عن أي قرارات ملموسة، ولكنه سيساعد في تبيان مدى الدعم المتوافر للمضي قدماً في إجراءات مثل هذه.

وفرضت دول في الاتحاد الأوروبي، من بينها آيرلندا وهولندا وإسبانيا، قيوداً تجارية خاصة بها على المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تُعدّ غير قانونية بموجب القانون الدولي، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتحت ضغط متزايد على التكتل لاتخاذ إجراءات، طُرحت هذا الأسبوع خيارات للحد من التجارة مع المستوطنات، بما في ذلك فرض حظر. ويدور خلاف في الاتحاد حول ما إذا كان هذا الإجراء يتطلّب إجماع الدول الـ27 أم تكفيه الغالبية.

ويقول الدبلوماسيون إن ألمانيا وإيطاليا لم تحسما أمرهما بعد بشأن هذه الخطوة.

وتحتل إسرائيل الضفة الغربية منذ عام 1967. ويعيش أكثر من 500 ألف إسرائيلي بين نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية، في مستوطنات وبؤر استيطانية غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وأدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، التوسع الاستيطاني «المتواصل» في الضفة الغربية، قائلاً في تقرير، اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية» الشهر الماضي، إن هذه المستوطنات تُسهم في «أكبر أزمة نزوح في الضفة الغربية منذ عام 1967».

ولطالما عاقت الانقسامات قدرة الاتحاد الأوروبي على تبني موقف موحد تجاه إسرائيل؛ إذ تؤيدها بعض الدول الأعضاء، في حين تدعم دول أخرى الفلسطينيين.


هل «داعش» قادر على اختراق الأمن السوري متى شاء؟

عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
TT

هل «داعش» قادر على اختراق الأمن السوري متى شاء؟

عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)

بعد يومين من تفجير عبوتين ناسفتين في دمشق، خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ألقت السلطات الأمنية السورية، الخميس، القبض على الخلية المسؤولة عن التفجيرين، وأظهرت التحقيقات الأولية أنها تتبع لتنظيم «داعش».

وفي ظل الحساسية الكبيرة للحدث، بحكم أن التفجيرين حصلا قرب فندق «فورسيزونز» الراقي وسط دمشق، حيث أمضى ماكرون ليلته، خلال زيارته التي تعد الأولى لرئيس دولة غربية كبرى إلى سوريا منذ تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة أواخر عام 2024، والقلق الشديد الذي لا يزال يعتري الأوساط الشعبية في دمشق من تكرار ما حصل، يطرح السؤال: هل تبعية الخلية المتورطة في التفجيرين لـ«داعش» يعني أن التنظيم لديه إمكانية اختراق الأمن متى يشاء؟

وزير الداخلية السوري أنس خطاب يتفقد منطقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» بعد الانفجارين (أ.ف.ب)

حسب الخبير الأمني والعسكري الاستراتيجي، عصمت العبسي، المقرب من وزارة الدفاع، فإنه «لا يمكن بأي حال اعتبار حصول التفجيرين مؤشراً على ضعف أو عجز، بل هو تأكيد على طبيعة الحرب غير المتكافئة التي تخوضها السلطات الأمنية والعسكرية السورية ضد (داعش) الذي يعتمد على الانتحارية والعشوائية لزرع الرعب».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، عدّ العبسي أن ما حدث «ليس اختراقاً أمنياً بالمعنى التقني، بل محاولة إرهابية فاشلة تم كشفها ومحاكمتها بسرعة قياسية».

ووقع التفجيران على بعد مئات الأمتار من الفندق، بعد دقائق من مغادرة موكب ماكرون باتجاه القصر الرئاسي لعقد اجتماع موسع مع الرئيس الشرع، بحضور وفدين من البلدين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره السوري أحمد الشرع خلال جولة في المسجد الأموي بدمشق (أ.ف.ب)

ونجم التفجيرين عن عبوتين صُنعتا بطريقة بدائية، وأسفرا عن مقتل شخص وإصابة 36 آخرين بجروح، وفق وزارة الصحة.

وأكّدت الرئاسة الفرنسية، حينها، أن ماكرون «بخير ويواصل زيارته إلى سوريا»، وتبع ذلك تأكيد ماكرون، في منشور على «إكس»، أن زيارته إلى سوريا «ستستمر».

وأوضح العبسي، أن زيارة ماكرون «كانت محاطة بإجراءات أمنية مشددة ومعقدة، وحقيقة تفجير العبوات بعيداً عن مسار الضيف الرسمي، ثم القبض الفوري على منفذيها، يثبتان أن الخط الأحمر للأمن القومي لم يُخترق، وأن الدولة قادرة على الفصل بين ضجيج العدو وأداء مهامها السيادية بامتياز».

وجاء التفجيران بعد أيام من انفجار وقع يوم الجمعة الماضي، داخل مقهى قرب القصر العدلي بدمشق، راح ضحيته 10 أشخاص.

و أوضح العبسي «أن التسلل يختلف عن التوطين، والتنظيم لا يمتلك قاعدة شعبية ولا وجوداً مدنياً حقيقياً، بل يعتمد على خلايا نائمة ومتفرقة تحاول استغلال الفراغ الأمني المؤقت بعد سنوات من الحرب».

متفجرات ضبطها الامن السوري في وكر ل«داعش«(سانا)

ويعكس ظهور هذه الخلايا في محيط دمشق محاولات يائسة للتنظيم الإرهابي لإعادة ترسيخ حضوره قبل أن تُنهيه الدولة تماماً، وليس دليلاً على تغلغل واسع النطاق، وفق العبسي، الذي لفت إلى أن الأجهزة الأمنية «تعمل حالياً وفق منهجية الاستباقية والمراقبة الدقيقة، ما سمح لها بتحويل كل حالة تسلل إلى عملية اعتقال وقضاء، بدلاً من تركها تتحول إلى تهديد مستمر».

وعما إذا كان يعتقد أن عدد خلايا «داعش» كبير في دمشق ومحيطها؟ أوضح العبسي «أن الأرقام ليست المعيار الوحيد للخطر، فالخلية الواحدة المنظمة جيداً قد تكون أكثر ضرراً من عشرات العناصر المشتتة».

وأضاف: «نحن نتعامل مع بقايا تنظيم هزم عسكرياً، لكنه لم يقضَ عليه قضائياً وأمنياً بالكامل بعد، فهناك عناصر متبقية تبحث عن أي فرصة للانتقام أو زعزعة الاستقرار السياسي الجديد، لكن قدرتها محدودة جداً مقارنة بما كانت تملكه سابقاً، ومهمتنا الحالية هي تجفيف منابع هذا النشاط عبر التعاون المجتمعي والمراقبة الذكية، ونحن نجني ثمار هذا النهج يومياً كما ظهر في هذه العملية».

القبض على القيادي البارز في «داعش» فراس الداغر وعدد من أبرز المسؤولين عن الاغتيالات والتمويل بالتنظيم جنوب سوريا (سانا)

وجاء التفجيران في وقت تواصل فيه وزارة الداخلية تكثيف جهودها في مجال مكافحة الإرهاب عبر عمليات أمنية مشتركة مع جهاز الاستخبارات العامة وإدارة مكافحة الإرهاب، حيث أعلنت في 9 يونيو (حزيران) الماضي عن تفكيك 7 خلايا لتنظيم «داعش»، وتوقيف 235 شخصاً من عناصره، خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

العبسي، في تصريحه، أكد أن حادثة تفجير العبوتين، «ستسرّع وتيرة الإصلاحات الأمنية الهيكلية التي بدأتها الحكومة بالفعل، وسنشهد تعزيزاً للتعاون بين قوى الأمن الداخلي والمخابرات العامة لإنشاء شبكة معلومات موحدة وسريعة الاستجابة، بالإضافة إلى ذلك، سيتم تكثيف العمليات الميدانية الوقائية في المناطق الريفية والمدن المجاورة للعاصمة لمنع إعادة تشكيل الخلايا»، لافتاً إلى أن الهدف «ليس ردّ الفعل السريع فقط، بل بناء منظومة أمنية متكاملة تجعل البيئة غير صالحة لأي نشاط إرهابي، ما يرسل رسالة واضحة للشركاء الدوليين بأن سوريا آمنة ومستقرة للاستثمار والتفاعل السياسي».

وإضافة إلى الإعلان، أمس (الخميس)، عن إلقاء القبض على المسؤولين عن التفجيرين اللذين استهدفا دمشق في 7 يونيو (تموز) الحالي، أعلنت وزارة الداخلية في اليوم نفسه أنها فككت بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، خلايا عدة تابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي في المنطقة الجنوبية، وألقت القبض على القيادي البارز في التنظيم، المدعو فراس الداغر، وعدد من أبرز المسؤولين عن الاغتيالات والتمويل.

حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)

ومن جانبه، أوضح الباحث السياسي المختص بالشأن الأمني، ضياء قدور، أن «داعش» يقود اليوم حملة تصعيد منخفضة الشدة ضد الدولة السورية، ولا يزال يشكل تهديداً مستمراً مستغلاً الثغرات الأمنية والخواصر الرخوة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «التفجيرين الأخيرين صحيح أنهما كانا مؤلمين وصادمين، لكن العمليات الأمنية الكبيرة لقوات الأمن كشفت عن قدرات متزايدة ومتصاعدة لديها لمكافحة التنظيم».

وعدّ «أن اعتقال هذا العدد من خلايا التنظيم في آن معاً، هو مؤشر على مدى بنك المعلومات المحدد الذي تمتلكه وزارة الداخلية، وتمتعها بقدرات لوجستية فائقة لمتابعة أهداف لوجستية».

وأوضح «أن الهدف الرئيسي للتفجيرين ليس إيقاع ضحايا بقدر ما هو التشويش على زيارة ماكرون وإظهار الدولة السورية بصورة الضعيفة، وكذلك التشويش على المرحلة الحالية»، مشيراً إلى أن الخلية مرتبطة بـ«داعش»، ولكن ربما تقف وراءها أجهزة استخبارات كبرى، لا تريد لسوريا أن تهدأ وأن تستقر.

وبينما يتم الحديث عن قدرات التنظيم المتزايدة، اعتبر قدور أن هذه ليست عودة صريحة للتنظيم الذي لا يستهدف السيطرة على منطقة معينة أو إعادة بناء «الدولة الإسلامية»، بل هو يعرقل جهود من يقوم ببناء الدولة، وهذه استراتيجية «داعش» اليوم القائمة على الاستنزاف ورفع التكلفة.

دخان ونيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)

ومع تزايد القدرات التكنولوجية للقوات الأمنية، ورفع العقوبات، سيصعب على التنظيم تنفيذ عمليات في مراكز المدن، وسيتجه أكثر نحو الضواحي والمناطق المفتوحة، وفق قدور. وأشار إلى «أن التهديد الأمني لا يزال مستمراً، ويجب على الدولة والأجهزة الأمنية أن تجد حلاً شاملاً ومتكاملاً لتهديدات (داعش) المستمرة».

وأضاف: «إحصائيات عام 2026 تقول إن عمليات (داعش) تراجعت مقارنة بالعامين الماضيين، لكن التهديد الأمني مستمر من خلال بعض الثغرات التي يمكن أن يستغلها التنظيم، ويمكن أن يؤدي الأمر إلى أحداث مؤلمة وصادمة في بعض الأوقات، وبالتالي على الدولة السورية أن تضع حدّاً لهذه العمليات من خلال إيجاد معادلة متكاملة للأمن السوري، لا تقوم على تطوير الأدوات الأمنية وقدراتها العسكرية والتكنولوجية فقط، بل على جوانب اقتصادية وملاحقة المظالم الاجتماعية والاقتصادية أيضاً، لأن الأمن بشكل عام معادلة متكاملة، فنحن أمام مرحلة طويلة الأمد، والمعركة صعبة، وقد تواجهنا مطبات وعراقيل، ولكن مع تطوير الخبرات والقدرات التي تضاف والتعاون الاستخباراتي مع دول المنطقة، أعتقد أننا سنصل إلى نتيجة مهمة».