تصعيد عسكري في جنوب لبنان يختبر تمديد الهدنة 3 أسابيع

تسليم دبلوماسي بـ«الخروق»... و«حزب الله» يطالب الدولة بالانسحاب من المفاوضات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن ومسؤولين في الخارجية الأميركية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الخميس (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن ومسؤولين في الخارجية الأميركية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الخميس (أ.ب)
TT

تصعيد عسكري في جنوب لبنان يختبر تمديد الهدنة 3 أسابيع

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن ومسؤولين في الخارجية الأميركية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الخميس (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن ومسؤولين في الخارجية الأميركية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الخميس (أ.ب)

يختبر التصعيد الميداني في جنوب لبنان صمود الهدنة الممدّة لثلاثة أسابيع؛ إذ أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراً بإخلاء قرية كاملة تقع على مسافة 11 كيلومتراً من الحدود، بعد إسقاط طائرة مسيرة إسرائيلية في أجواء مدينة صور، على وقع تهديد صريح من «حزب الله» بالردّ على أي هدف يُقصف في لبنان، ومطالبته للدولة بالانسحاب من المفاوضات.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «حزب الله» بأنه «يحاول تخريب عملية سلام تاريخية مع لبنان»، وقال: «إننا نعمل بتعاون كامل مع ترمب لممارسة الضغوط على إيران». وتابع: «نحتفظ بحرية العمل الكاملة ضد أي تهديد من (حزب الله)»، مضيفاً: «هاجمنا أمس واليوم لبنان، وعازمون على إعادة الأمن إلى سكان الشمال».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قال فجر الجمعة، إن وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل تم تمديده لثلاثة أسابيع عقب اجتماع رفيع المستوى في البيت الأبيض.

واستقبل ترمب سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل ليتر والسفيرة اللبنانية لدى الولايات ​المتحدة ندى معوض في المكتب البيضاوي؛ لإجراء جولة ثانية من المحادثات بوساطة أميركية، بعد يوم من مقتل خمسة أشخاص على الأقل بينهم صحافية، في غارات إسرائيلية. وكتب ترمب على موقع «تروث سوشيال»: «سار الاجتماع بشكل جيد للغاية! ستعمل الولايات المتحدة مع لبنان لمساعدته على حماية نفسه من (حزب الله)».

آلية عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)

تصعيد ميداني

ولم تمضِ ساعات على إعلان ترمب، حتى جاء التسخين في ميدان جنوب لبنان؛ إذ قصف الجيش الإسرائيلي منزلين في بلدتي تولين وخربة سلم خارج الخط الأصفر، فضلاً عن عمليتي نسف للمنازل في مدينة بنت جبيل وبلدة حانين، وتفجيرين في بلدة الخيام، داخل الخط الأصفر، إلى جانب تحليق للمسيرات في أجواء العاصمة بيروت. وبعد الظهر، أصدر إنذار إخلاء شامل لبلدة ديرعامص التي تبعد 6 كيلومترات عن الخط الأصفر.

ويعد هذا الإنذار، الأول منذ دخول الهدنة حيّز التنفيذ في الأسبوع الماضي، وقالت مصادر أمنية في جنوب لبنان إن هذا الإنذار «يمثل تصعيداً كبيراً يهدد الهدنة بشكل كامل»، مشيرة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذا الإنذار الذي ترافق مع قصف شمال الليطاني «يمثل اختباراً للهدنة الهشة التي لم تدفع سكان الجنوب للعودة، ولم تعد الحياة إلى سابقها في الضاحية الجنوبية».

خروق متواصلة

وجاء تمديد الهدنة نتيجة جولة مفاوضات بين لبنان وإسرائيل، لكنه اقترن بشروط معقدة، أبرزها منح إسرائيل هامش حركة عسكرية تحت عنوان «الدفاع عن النفس»، إلى جانب إلى طرح دعم أميركي للبنان تحت عنوان «حمايته من (حزب الله)».

والواضح أن المعنيين بالملف اللبناني باتوا يسلّمون بأن الخروق للهدنة متواصلة، في ظل دفع إسرائيلي لتنفيذ منطقة عازلة داخل جنوب الليطاني، وتسعى لجعل المنطقة خالية من السكان عبر عمليات التجريف ومسح الأحياء بالمتفجرات.

السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى يرفع قبعة تحمل شعار «أميركي تعود» خلال لقاء بين سفيري لبنان وإسرائيل في البيت الأبيض (أ.ب)

ورأى سفير الولايات المتحدة لدى لبنان ميشال عيسى أنه «تم الاتفاق على وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لكن فيما خص الخروق من الصعب وقفها». وقال في حديث تلفزيوني: «الرئيس الأميركي دونالد ترمب طلب من إسرائيل عدم التعرض للمدنيين والصحافيين».

رفض «حزب الله»

في المقابل، يرفض «حزب الله» هذا الواقع، ويتعامل معه بالرد العسكري والسياسي؛ إذ أعلن عن إسقاط مسيرة إسرائيلية، كما أعلن عن استهداف جنود إسرائيليين في بلدة القنطرة (داخل الخط الأصفر)، رداً على غارة تولين.

وقال رئيس كتلة «حزب الله» البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب محمد رعد، إن «كلّ هدنةٍ مفترضة، تمنح العدو المحتل في لبنان استثناءً خاصاً لإطلاقه النار أو القيام بأي تحرك أو إجراء ميداني في مناطق المواجهة وضمن الأراضي اللبنانية؛ سواء كان ذلك لتثبيت موقع أو زرع لغم أو تنفيذ اغتيالٍ أو تفجير منزلٍ أو منشأة أو تجريف أرضٍ أو ما شابه ذلك، فهي ليست هدنة على الإطلاق، وإنما هي خداع ماكر واستغباء للآخرين ينطوي على تغطية العدوانية الإسرائيلية، وغضّ الطرف عن مواصلة العدو خروقاته وانتهاكاته».

وأضاف في تصريح: «على السلطة أن تخجل من شعبها وتنسحب مما سُمِّي مفاوضات مباشرة مع العدو الصهيوني، وأخشى ما نخشاه من الإصرار على هذه الخطيئة أن تقع البلاد في أسوأ مما أوقِعت به في 17 أيار المشؤوم مطلع الثمانينات».

وأضاف: «أيّ تواصل رسمي أو لقاء يجمع بين طرف لبناني وإسرائيلي في حال الحرب القائمة بين لبنان وكيان الاحتلال الصهيوني لن يحظى بتوافق وطني لبناني على الإطلاق، وسيشكّل مخالفة دستورية موصوفة لن تغفرها ذريعةٌ ولا مصلحةٌ مُدَّعاة».

الدخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)

وفي السياق نفسه، رأى عضو كتلة الحزب البرلمانية النائب علي فياض، أن الهدنة «من الناحية العملية تدفع باتجاه الالتزام بوقف إطلاق النار من الطرف اللبناني، في حين أنه لا يرتب أي التزامات، ولو في الحدود الدنيا، على الطرف الإسرائيلي، وهو ما لا يمكن للمقاومة أن توافق عليه، بل تؤكد رفضها له ومواجهته». وقال: «كل اعتداء إسرائيلي ضد أي هدف لبناني، مهما تكن طبيعته، يعطي الحق للمقاومة بالرد المتناسب وفقاً للسياق الميداني».

السفيرة اللبنانية

وكانت سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض أعلنت أن الوفد اللبناني شدّد خلال الجولة الثانية من المحادثات في البيت الأبيض على ضرورة وقف الخروقات الإسرائيلية وإنهاء الدمار في الجنوب.

السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى حمادة معوض تتوسط السفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو (أ.ب)

وقالت معوض إن «الرئيس ترمب وعدنا بجعل لبنان عظيماً من جديد»، معربة عن أملها في تحقيق هذه الرؤية، ومؤكدة أنّ لبنان يضع استعادة سيادته الكاملة على أراضيه في صلب أولوياته.

وأضافت أن الوفد اللبناني شكر الإدارة الأميركية على جهودها، مشيدة بالدور الشخصي لترمب في دعم لبنان، ومواكبة مساعيه نحو الاستقرار وإعادة الإعمار.

وأوضحت أن المحادثات ركّزت على آليات تنفيذ وقف إطلاق النار، وضمان عدم تكرار الخروقات، لا سيما تلك التي طالت مناطق مدنية في الجنوب، مشددة على التزام لبنان بالمسار الدبلوماسي بوصفه خياراً أساسياً، بالتوازي مع تمسكه بحق الدفاع عن سيادته.


مقالات ذات صلة

من بقي من حلفاء «حزب الله» في الداخل اللبناني؟

تحليل إخباري مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)

من بقي من حلفاء «حزب الله» في الداخل اللبناني؟

كشفت الذكرى الثانية لاغتيال الأمينين العامين السابقين لـ«حزب الله» حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، عن واقع مرير يعانيه «حزب الله» في الداخل اللبناني.

بولا أسطيح (بيروت)
تحليل إخباري وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في وزارة الخارجية في واشنطن الأسبوع الماضي (رويترز)

تحليل إخباري اجتماع فلوريدا... ومخاوف لبنانية من تمرير الوقت بانتظار الانتخابات الإسرائيلية

يخشى لبنان أن يشكّل الاجتماع العسكري اللبناني - الإسرائيلي، برعاية أميركية في فلوريدا في 20 أكتوبر الحالي، محطة لتمرير الوقت ريثما تجرى الانتخابات الإسرائيلية.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي القصر الرئاسي في لبنان (الوكالة الوطنية)

«بين سطور الدستور»... مئوية لبنان على طاولة التشريح

تضع وزارة الثقافة اللبنانية دستور البلاد في مئويته الأولى على طاولة التشريح، في محاولة لجعل اللبنانيين لا سيما الجيل الجديد يقرأون بين سطوره «حقوقهم الدستورية».

ثائر عباس (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام متحدثاً من مقر بلدية النبطية يوم الجمعة (رئاسة الحكومة)

سلام في جنوب لبنان: رسائل إلى الداخل والخارج

جاءت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى النبطية -وهي الثالثة له إلى الجنوب منذ توليه رئاسة الحكومة- في توقيت يحمل دلالات سياسية واضحة.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن 3 يونيو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

«اتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل أمام امتحان التنفيذ

ينتقل النقاش اللبناني حول «اتفاق الإطار» مع إسرائيل من المبادئ التي قام عليها إلى امتحان التنفيذ، وسط تركّز الخلاف على ترتيب الخطوات وجدولها الزمني.

صبحي أمهز (بيروت)

من بقي من حلفاء «حزب الله» في الداخل اللبناني؟

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)
TT

من بقي من حلفاء «حزب الله» في الداخل اللبناني؟

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)

كشفت الذكرى الثانية لاغتيال الأمينين العامين السابقين لـ«حزب الله» حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، عن واقع مرير يعانيه «حزب الله» في الداخل اللبناني؛ إذ أظهرت أن الحزب خسر شبكة حلفائه في الداخل، بدليل غياب شخصيات كانت قبل حرب عام 2024 حليفة للحزب، للمرة الأولى منذ عقدين.

فبعد عامين على عملية الاغتيال، يرى مواكبون عن كثب لوضعية الحزب أنه لا يواجه فقط تحدي إعادة بناء قدراته وتنظيم صفوفه، وإنما أيضاً تآكل شبكة التحالفات التي راكمها على مدى سنوات؛ إذ بدا أن عدداً من القوى السياسية أعادت النظر في جدوى استمرار الارتباط به، في ظل تبدل موازين القوة داخلياً وإقليمياً.

نجل حسن نصر الله محمد مهدي يتوسط اثنين من المدعوين إلى الذكرى السنوية الثانية لاغتيال والده في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)

ولم يظهر من أبرز حلفائه السابقين في إحياء ذكرى نصر الله، إلا رئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية، الذي كان مرشح الحزب للرئاسة قبل انتخاب الرئيس جوزيف عون، إلى جانب قيادات تمثل «حركة أمل»، شريكه في «الثنائي الشيعي».

تفكك الغطاء السياسي

كان الحزب نجح في بناء شبكة واسعة من التحالفات السياسية امتدت إلى معظم الطوائف والمذاهب اللبنانية، منذ توقيعه ورقة التفاهم مع «التيار الوطني الحر» عام 2006، ما أتاح له، حسب معارضيه، توفير «غطاء سياسي» لاحتفاظه بسلاحه وتعزيز نفوذه، وصولاً إلى تكريس واقعٍ موازٍ لمؤسسات الدولة.

لكن هذه الشبكة بدأت، بعد حرب «إسناد غزة»، بالتفكك تدريجياً، بالتوازي مع التراجع العسكري الكبير الذي أصاب «حزب الله» وتبدّل موقعه في المعادلة اللبنانية. وكان من أبرز مظاهر هذا التفكك ابتعاد حلفاء أساسيين عنه، وفي مقدّمهم «التيار الوطني الحر» على الساحة المسيحية، إلى جانب تراجع حضور حلفائه من القوى السنية والدرزية.

ولا يرتبط ابتعاد حلفاء الحزب عنه فقط بتبدّل موازين القوة بعد الحرب، بل أيضاً بالمخاطر السياسية والمالية التي باتت تترتب على القرب من «حزب الله»، في ظل العقوبات الأميركية التي طالت بالفعل شخصيات وكيانات مرتبطة به أو متهمة بتقديم الدعم له، إلى جانب التهديد بتوسيع دائرة العقوبات لتشمل حلفاء وشخصيات سياسية أخرى. وقد دفع ذلك بعض حلفاء الحزب إلى إعادة حساباتهم، خشية أن تتحول العلاقة معه من مصدر نفوذ سياسي إلى مصدر كلفة وعقوبات.

تحالفات نفعية

يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور هلال خشان أن «الشبكة العابرة للطوائف» التي حاول الحزب بناءها منذ دخوله العمل السياسي كانت، في الأساس، «هامشية»، مشيراً إلى أن «الحزب استفاد طويلاً من قوته العسكرية في بناء نفوذ سياسي واسع، ومن تقديم نفسه باعتباره قوة قادرة على فرض توازن مع إسرائيل».

مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)

وحسب خشان، عمل الحزب طوال سنوات على «تكريس سردية تقوم على نقل المعركة إلى الجليل وإظهار وجود توازن عسكري مع إسرائيل»، وهي سردية «صدقها جزء كبير من البيئة الشيعية». لكن القوة العسكرية التي بلغها الحزب، والتي كانت تُعد من أبرز مصادر نفوذه في المنطقة، «تعرضت لضربة غير مسبوقة خلال الحرب، ما انعكس حكماً على موقعه السياسي».

ويقول خشان لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب، طوال الفترة الماضية، «وفّر غطاءً سياسياً لأحزاب وقوى في مقابل حصوله على غطاء لسياساته وسلاحه، ما جعل كثيراً من التحالفات أقرب إلى تحالفات نفعية وتبادل مصالح منها إلى شراكات سياسية أو عقائدية راسخة».

ويعتقد خشان أن «انهيار موازين القوى التي كانت تسمح للحزب بإدارة هذه العلاقة سيجعل إعادة بناء شبكة التحالفات السابقة أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً أن القوى السياسية التي كانت ترى في أن التحالف معه يحمل مكاسب وحماية سياسية، باتت أمام واقع مختلف»، مرجحاً أن تتسلم «حركة أمل» من خلال وجوه جديدة قيادة الطائفة الشيعية في المرحلة المقبلة.

النفور مرشح للازدياد

من جهته، يرى الكاتب السياسي ورئيس تحرير موقع «جنوبية»، علي الأمين، أن حزب الله الذي كان «محور استقطاب جاذب للحلفاء والزبائنية السياسية خلال سنوات طويلة، لم يعد كذلك اليوم بعد مرور ثلاث سنوات على بدء حرب الإسناد، فهو يفتقد راهناً الحلفاء ويعاني من حصار داخلي وخارجي، وهذا واقع يمكن تلمسه بشكل تلقائي»، وأضاف الأمين: «برز ذلك جلياً في ذكرى اغتيال أمينيه العامين السابقين؛ إذ غاب عن المشهد أكثرية الذين كانوا يتزاحمون على الجلوس في الصف الأول».

مصاب في تفجيرات البيجر يحمل هاتفاً عليه صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أ.ف.ب)

ويعتبر الأمين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا النفور منه مرشح للازدياد»، لافتاً إلى أن «ملف السلاح شأن آخر يرتبط بدور (حزب الله) وموقعه، الذي لا يبدو أنه قرأ ما أصابه وما أصاب الشيعة ولبنان من نكبة كبرى، فهو لا يزال متمسكاً بوظيفته كأداة إيرانية تخضع للحسابات التي يرسمها الولي الفقيه من داخل إيران».

ويختم الأمين: «في ظل المعطيات السياسية والأمنية الحالية، وفي ظل استمرار الحزب في خطاب يجافي الواقع وحقائقه الجديدة، لن يجد له صدى خارج محازبيه... والزيارات التي يقوم بها إلى بعض الجهات السياسية، لم ينتج عنها ما يمكن وصفه بأنه استعادة لتحالفاته أو صداقاته، وبالتالي هو عملياً يحاول الخروج من الحفرة التي سقط بها بالوقوع في مزيد من الحفر، ما سيعمق مأزقه ويكشف عجزه عن أن يعيد صياغة وجوده على قواعد الدولة». ويضيف: «إزاء ذلك كله لا يمكن توقع أن يرمم الحزب تحالفاته المتصدعة بل أن يزيد من انهيارها وتلاشيها».


الزيدي يُحقق في تجاوزات على العلم الأميركي خلال احتفالات «يوم السيادة»

من صور الإساءة للعلم الأميركي في «ساحة التحرير» وسط بغداد (مواقع التواصل)
من صور الإساءة للعلم الأميركي في «ساحة التحرير» وسط بغداد (مواقع التواصل)
TT

الزيدي يُحقق في تجاوزات على العلم الأميركي خلال احتفالات «يوم السيادة»

من صور الإساءة للعلم الأميركي في «ساحة التحرير» وسط بغداد (مواقع التواصل)
من صور الإساءة للعلم الأميركي في «ساحة التحرير» وسط بغداد (مواقع التواصل)

أمر رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، الأحد، بتشكيل لجنة تحقيقية لكشف ملابسات التجاوز على علم الولايات المتحدة الأميركية من قِبل فصائل في «الحشد الشعبي»، خلال استعراض عسكري في «ساحة التحرير» وسط بغداد، ضمن فعاليات واحتفالات «يوم السيادة» الذي أطلقته الحكومة على يوم 30 سبتمبر (أيلول) الماضي، بمناسبة انسحاب قوات «التحالف الدولي».

وأثارت الحادثة غضب شخصيات أميركية بارزة من دون صدور موقف رسمي من واشنطن.

وقال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، في بيان، إن «القائد العام للقوات المسلحة أدان هذا الفعل، مؤكداً ضرورة الالتزام بالقوانين والأعراف الدبلوماسية، ووجّه باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتجاوزين، وإنجاز التحقيق، ورفع نتائجه في أسرع وقت ممكن».

ولم يصدر عن هيئة «الحشد الشعبي» أي تفسير بشأن ما حدث، فيما قالت مصادر مقربة من الحكومة لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما حدث يتسبب في إحراج شديد للحكومة، وهو تصرف غير مقبول أو مسؤول، ويعرض البلاد بشكل عام، لمشكلات كبيرة».

آليات تعود لـ«الحشد الشعبي» خلال الإساءة للعلم الأميركي (مواقع التواصل)

وأضاف المصدر، الذي فضل عدم الإشارة إلى اسمه، أن «هناك معرفة مؤكدة باختراق (الحرس الثوري) لقيادات كثيرة في (الحشد الشعبي)، وهي من وقفت وراء هذا السلوك المستهجن».

ويرى المصدر أن «بعض الاتجاهات الحكومية تفكر جدياً في إبعاد تلك القيادات والاستغناء عنها بضباط من الجيش النظامي، لكن هذه الرغبة تواجَه بضغوط فصائلية وإيرانية شديدة».

غضب أميركي

وفيما لم يصدر أي تعليق رسمي عن واشنطن بشأن ما حدث، عبّرت فكتوريا تايلور، المسؤولة السياسية والأمنية السابقة، والتي تشغل حالياً منصب مديرة «مبادرة العراق ومشروع سوريا» في «برنامج الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي»، عن امتعاض شديد من الإساءة للعلم الأميركي.

وقالت تايلور في تدوينة عبر منصة «إكس»، إنه «عندما أعلن العراق (أيام السيادة) احتفالاً برحيل القوات الأميركية وانتهاء عملية العزم الصلب، شعرتُ بالضيق. كانت مهمة عملية العزم الصلب موجودة في العراق بناءً على طلب الحكومة العراقية لمحاربة (داعش)».

وأضافت: «كنت أعلمُ مسبقاً أنه سيحدث أمر ما يظهر الناس وهم يسيرون أو يقودون سياراتهم فوق العلم، وها هو ذا، وهذه المرة من قبل (قوات الحشد الشعبي)، وليس فقط الميليشيات».

وتابعت: «أعلمُ أن هذا لا يُمثل جميع العراقيين، ولكن كان ينبغي على الحكومة العراقية أن تحسن التصرف وتتجنب هذا النوع من العداء الصريح لأميركا من قبل القوات الرسمية».

وطالب النائب الأميركي جو ويلسن بـ«تحرير العراق من إيران» على خلفية الإساءة لعلم بلاده. وقال في تدوينة مماثلة إن «(الصور) تظهر (قوات الحشد الشعبي)، وهو تشكيل رسمي ضمن الأجهزة الأمنية للحكومة العراقية، وهي تدنس العلم الأميركي تعبيراً عن عدم الاحترام، وتشيد بالنظام الإيراني القاتل».

وأضاف: «إذا كنت بحاجة إلى مزيد من الأدلة على أن العراق بات مقاطعة إيرانية، يا زيدي، هل هذا هو رأيك في أميركا؟».


اجتماع فلوريدا... ومخاوف لبنانية من تمرير الوقت بانتظار الانتخابات الإسرائيلية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في وزارة الخارجية في واشنطن الأسبوع الماضي (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في وزارة الخارجية في واشنطن الأسبوع الماضي (رويترز)
TT

اجتماع فلوريدا... ومخاوف لبنانية من تمرير الوقت بانتظار الانتخابات الإسرائيلية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في وزارة الخارجية في واشنطن الأسبوع الماضي (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في وزارة الخارجية في واشنطن الأسبوع الماضي (رويترز)

يخشى لبنان أن يشكّل الاجتماع العسكري اللبناني - الإسرائيلي، برعاية أميركية في فلوريدا في 20 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، محطة لتمرير الوقت ريثما تجرى انتخابات الكنيست في إسرائيل في 27 منه، و«النصفية الأميركية» في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، معوّلاً على التدخّل الأميركي لتفعيل تطبيق «اتفاق الإطار».

فلبنان يتخوّف من إقحامه بإدارة الأزمة لملء الفراغ، ويسعى من خلال وفده العسكري إلى مفاوضات فلوريدا لإحداث خرق يفتح الباب أمام المضي في تطبيق «اتفاق الإطار»، الذي هو نقطة تقاطع بين رئيس الحكومة نواف سلام، ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو في اجتماعهما في واشنطن، بدلاً من أن يشكّل الاجتماع محطة تتطلع إليها واشنطن لتمرير رسالة بأنها ماضية في رعايتها للمفاوضات بصرف النظر عن النتائج التي يمكن أن يتوصل إليها المتفاوضون.

ملء الفراغ بأقل الأضرار

في هذا السياق، قال مصدر لبناني معني بالمفاوضات إن ملء الفراغ بالوقت الضائع بأقل الأضرار يتطلب خفض منسوب التوتر الداخلي، ومنع إسرائيل من توسعة المنطقة الأمنية ليكون في وسع لبنان الصمود حيال إبقاء المفاوضات معلّقة على نتائج الانتخابات في إسرائيل. وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن الاتصالات جارية بين بيروت وواشنطن لتثبيت الموعد النهائي لعقد الاجتماع العسكري الذي يرأسه من الجانب اللبناني رئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم، بحضور السفيرة ندى حمادة معوض، ومدير العمليات في قيادة الجيش العميد الركن جورج رزق الله، الذي يرأس الفريق العسكري.

ولفت المصدر إلى أن وفد لبنان إلى فلوريدا يراهن على التدخّل الأميركي لإخراج المفاوضات في جولتها الثامنة من المراوحة، وهو يقترح إدراج إطلاق الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل، وحسم الجدل الدائر حول تشكيل «آلية التحقق» من انتشار الجيش اللبناني في «المنطقة التجريبية»، بعد توسيعها والتأكد من خلوها من سلاح «حزب الله» ومقاتليه، وتثبيت وقف النار، على جدول أعمال الاجتماع.

الدخان يتصاعد جراء تفجيرات إسرائيلية تستهدف منازل ومنشآت مدنية في بلدة المنصوري بجنوب لبنان (رويترز)

ورأى أن إخراج «آلية التحقق» من التجاذبات يستدعي التوافق على دورها وعلى مَنْ يرأسها، بالإضافة إلى توفير الضمانات بعدم التعرض لفريق المراقبين المنبثق عنها. وهذا هو المطلوب من إسرائيل و«حزب الله»، الذي يواصل حملته على المفاوضات المباشرة ويصر على الاحتفاظ بسلاحه ويطالب بإسقاط «اتفاق الإطار» وربط المسار اللبناني بإيران برهانه على «مذكرة التفاهم» الإيرانية - الأميركية باعتبارها بديلاً عن الاتفاق رغم رفض واشنطن ذلك.

مخاوف توسعة الحرب

أكد المصدر أن لبنان يتخوّف من لجوء رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو لتوسيع المنطقة الأمنية باستهدافه المرتفعات الواقعة بين إقليم التفاح وجبل الريحان، ويأمل من واشنطن التدخل لضبط أداء الجيش الإسرائيلي، مع أن سحب تل أبيب للوحدات المقاتلة، والمقصود بها تلك التابعة للواء «غولاني»، يعني من وجهة النظر العسكرية أن لا نية لديها للهجوم بهدف التوسُّع بمقدار ما أنها تواصل إطباقها على المنطقة الأمنية بتجريفها للبلدات وتدميرها لما تبقى فيها من منازل، وهي الآن في موقع دفاعي لمنع مقاتلي «حزب الله» من التسلّل إليها، في مقابل سيطرتها على البلدات الواقعة على الحافة الأمامية شمال نهر الليطاني المطلة على جنوبه وتحويلها إلى أرض محروقة، أسوة بما حل بالبلدات الواقعة ضمن الخط الأصفر.

لكن المصدر لا يطمئن لعدم جنوح نتنياهو في حال اضطر لرفع منسوب التأييد له في الانتخابات لضمان عودته لرئاسة الحكومة.

مناصرون لـ«حزب الله» يحملون صور أمينه العام السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله في الضاحية الجنوبية لبيروت (د.ب.أ)

نتنياهو يرفض التجاوب

إلى ذلك، كشف مصدر دبلوماسي غربي في بيروت، مواكب لأجواء التحضيرات للقاء العسكري، أن نتنياهو ليس في وارد تقديم التسهيلات، فعلاً لا قولاً، للبدء بتطبيق «اتفاق الإطار» قبل اجتيازه الاستحقاق الانتخابي، وبالتالي يرفض التجاوب مع طلب لبنان بتوسعة «المنطقة التجريبية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن نتنياهو يوافق على توسعتها بشرط أن تقتصر على البلدات الواقعة على الحافة الأمامية لشمال نهر الليطاني التي يسيطر جيشه بالنار على بعضها ويحتل بعضها الآخر.

وأكد المصدر أن تطبيق التلازم بالخطوات، كما يطالب لبنان، يعني من وجهة نظر المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، التوافق على جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي، في مقابل وضع خطة لنزع سلاح «حزب الله» على دفعات. وقال إنه لا يؤيد الحملة على الجيش اللبناني واتهامه بالتقصير وتحميله المسؤولية بذريعة تردد قيادته بتطبيق حصرية السلاح بيد الدولة، مضيفاً أن «القرار في هذا الخصوص هو بعهدة مجلس الوزراء مجتمعاً وأن المؤسسة العسكرية تنفّذ ما يتخذه من قرارات، خصوصاً أن لا عودة عن حصرية السلاح بيد الدولة، وهذا ما يؤكده عون في لقاءاته ما بين لبنان والخارج، وهو يحظى بتقدير أممي لموقفه ودعمٍ من غالبية اللبنانيين».

تحذيرات من إدارة الأزمة

وعليه؛ فإن الأنظار تبقى مشدودة لاجتماع فلوريدا في ضوء استكشاف مدى استعداد واشنطن للتدخل بإحداث خرق يفتح الباب أمام المضي بتطبيق «اتفاق الإطار» لئلا يقتصر على ملء الفراغ، مع أن تحقيق تقدم ملموس سيؤدي حكماً إلى تقوية موقف الدولة في رهانها على «اتفاق الإطار» وإضعاف موقف «حزب الله» الذي لن يكف عن تهديده لرئيسي الجهورية العماد جوزيف عون والحكومة نواف سلام. لكن الحزب يحاذر أيضاً اللجوء إلى الشارع للضغط على الحكومة، لأن حليفه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، يقف بشدة ضد استخدام الشارع لتصفية الحسابات، ولا يرى من مبرر لإسقاط الحكومة، واضعاً خطوطاً حمراء لـ«تحصين السلم الأهلي».