الجيش اللبناني ينسحب من قرى مسيحية حدودية والأهالي يرفضون المغادرة

مع تصاعد العمليات العسكرية وتقدم الإسرائيليين

لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)
لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)
TT

الجيش اللبناني ينسحب من قرى مسيحية حدودية والأهالي يرفضون المغادرة

لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)
لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)

على وقع التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان، ومع تسجيل تقدّم ميداني متسارع في بعض المحاور الحدودية، اتخذ الجيش اللبناني قراراً بـ«إعادة التموضع» وانسحابه من عدد من القرى ذات الغالبية المسيحية في أقصى الجنوب، وتحديداً رميش ودبل وعين إبل، في خطوة يراد منها تجنب الاحتكاك المباشر مع الجيش الإسرائيلي، أو بقاء قواته في الخطوط الخلفية للإسرائيليين.

وفيما تندرج هذه الخطوة في إطار حسابات «أمنية سياسية» مرتبطة بالجيش اللبناني في غياب أي قرار بالتصادم مع الجيش الإسرائيلي، قوبلت برفض من الأهالي الذين تمسكوا بالبقاء في أرضهم، وعدوا أن غياب القوى الأمنية يهدّد وجودهم في هذه المنطقة الحدودية الحساسة. وتقع القرى الثلاث في أقصى جنوب لبنان ضمن بنت جبيل ومرجعيون، بمحاذاة الخط الأزرق الحدودي جنوب نهر الليطاني، أي ضمن نطاق العمليات العسكرية.

رميش: «نريد الدولة... ولن نغادر»

ورفع الأهالي صوتهم رافضين المغادرة، وتجمعوا في ساحات القرى، مطالبين الجيش اللبناني والقوى الأمنية بالبقاء في مراكزهم، وهو ما عبّر عنه كاهن رميش الأب نجيب العميل قائلاً: «نريد البقاء تحت جناح الدولة... هناك مراكز للقوى الأمنية من الجيش وقوى الأمن الداخلي في البلدة واليوم طُلب منهم الإخلاء والتوجه نحو بيروت... هذا نرفضه لأننا سنبقى في كنف الدولة».

وأكد: «حتى لو نُفّذ الانسحاب نحن لن نغادر، سنبقى في مناطقنا، ويجب أن تبقى مراكز الجيش... وجود القوى الأمنية يعطينا حماية... نحن مستعدون أن نتحمّل وأن نبقى في أرضنا».

واستعاد محطات تاريخية قائلاً: «في عام 1976 تركنا هنا وبقينا 25 عاماً رافضين تطويعنا (في إشارة إلى الاحتلال الإسرائيلي)، واتهمونا بأننا عملاء ونحن لسنا كذلك... نحن لبنانيون ونريد المحافظة على لبنان... وفي عام 2000 بعد التحرير رجعنا لكنف الدولة التي نطالب بها دائماً».

مدخل بلدة رميش في جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

عين إبل: الجيش صمام الأمان الأخير

وفي عين إبل أيضاً، حصل تحرّك مماثل، حيث رفض الأهالي مغادرة الجيش مركزه في البلدة، مؤكدين التمسّك بالأرض ورفض أي فراغ أمني.

وفيما قال رئيس بلدية عين إبل أيوب خريش: «نتفهم أسباب الجيش بالإخلاء لكن قرارنا هو البقاء في البلدة»، وصدر عن أهالي البلدة بيان قالوا فيه: «في ظلّ التطورات الأمنية الخطيرة التي تشهدها منطقتنا، نُفاجأ بطلب انسحاب القوى الأمنية اللبنانية من أرضنا، في وقتٍ نحن بأمسّ الحاجة إلى حضور الدولة ومؤسساتها لحماية المدنيين الأبرياء. إنّنا، أهالي عين إبل، نعلن بوضوح لا لبس فيه: نرفض رفضاً قاطعاً أي انسحاب للقوى الأمنية من بلدتنا، ونعد أن ترك المواطنين دون حماية هو أمر غير مقبول، ويشكّل خطراً مباشراً على حياتهم وأرزاقهم ووجودهم في أرضهم».

سكان عين إبل بجنوب لبنان يرحبون بالبطريرك الراعي في زيارة سابقة له إلى المنطقة (البطريركية المارونية)

وأضاف البيان: «لقد كان للجيش اللبناني والقوى الأمنية دور أساسي وحيوي في هذه المرحلة، حيث واكبوا قوافل المؤن والمحروقات، وأسهموا في تأمين وصولها إلى البلدة، كما عملوا على مواكبة الأهالي في تنقّلهم، سواء عند خروجهم من البلدة أو عودتهم إلى منازلهم في الأطراف، ما شكّل عامل أمان في ظل الظروف الراهنة»، مؤكداً أنّ «هذا الدور لا يمكن الاستغناء عنه، بل يجب تعزيزه، لأنّ أي انسحاب اليوم يعني تعريض هذه الجهود للخطر وترك الأهالي في مواجهة واقع أمني بالغ الحساسية دون أي حماية».

وشدّد البيان على أنّ «الجيش اللبناني والقوى الأمنية صمّام الأمان الأخير لأهلنا، ووجودهم إلى جانبنا هو عنصر ثبات وصمود، وغيابهم يفتح الباب أمام المجهول ويزيد منسوب الخطر على المدنيين».

وطالب الأهالي بالتراجع الفوري عن القرار، وتعزيز حضور الدولة بدل تقليصه، مؤكدين أن «تمسّكنا بالدولة اللبنانية هو خيار نهائي لا رجعة عنه، وأنّ صمودنا في أرضنا مرتبط بوجودها إلى جانبنا، لا بانسحابها من بيننا».

ويأتي انسحاب الجيش من هذه القرى مع التقدم الإسرائيلي المتواصل في جنوب الليطاني واستهداف الجيش اللبناني الذي كان أكثر من مرة عُرضة لنيران إسرائيلية في رسالة واضحة له لإبعاد العسكريين، وآخرها كان «تعرّض حاجز للجيش في بلدة العامرية على طريق القليلة - صور لاعتداء إسرائيلي، ما أدى إلى استشهاد أحد العسكريين وإصابة آخرين بجروح»، حسبما أعلنت قيادة الجيش.


مقالات ذات صلة

ما التكاليف التي تكبدها لبنان في أحدث حرب بين إسرائيل و«حزب الله»؟

المشرق العربي سكان عادوا إلى قريتهم يستخدمون حفارة للبحث عن مفقودين تحت أنقاض مبنى مدمر في قرية تولين جنوب لبنان 16 يونيو 2026 (إ.ب.أ) p-circle

ما التكاليف التي تكبدها لبنان في أحدث حرب بين إسرائيل و«حزب الله»؟

شهد لبنان أكبر خسائر في الأرواح جراء حرب الشرق الأوسط، التي أشعلتها الغارات الأميركية الإسرائيلية على إيران منذ أكثر من 3 أشهر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
سفر وسياحة محطة رمزية لإحياء سبعة عقود من الخدمة الجوية بين بيروت ولندن (الشرق الأوسط)

السفارة اللبنانية في لندن تحتفل بالذكرى السبعين لأول رحلة تربط بيروت بالعاصمة البريطانية

على مدى سبعين عاماً، لم يكن الخط الجوي بين بيروت ولندن مجرد وسيلة نقل للمسافرين، بل شكّل جسراً حيوياً للتواصل الثقافي والسياحي والاقتصادي بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تمرّ بمحاذاة مبانٍ مدمّرة في جنوب لبنان (أ.ب)

إسرائيل تحاول فرض وقائع ميدانية في جنوب لبنان خلال الهدنة

عاد الطيران المسيّر الإسرائيلي إلى أجواء بيروت والضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب فيما استمرت الاشتباكات بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي في منطقة معبر كفرتبنيت.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رجل ينظر إلى المباني المدمرة في أعقاب الغارات الإسرائيلية على السوق القديم التاريخي في بلدة النبطية بجنوب لبنان (إ.ب.أ) p-circle

4 قتلى في ضربات إسرائيلية استهدفت 3 سيارات بجنوب لبنان

قتل أربعة أشخاص، اليوم الثلاثاء، جراء ضربات إسرائيلية متلاحقة استهدفت ثلاث سيارات في جنوب لبنان، وفق ما أوردته «الوكالة الوطنية للإعلام».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سكان يتفقدون موقع الآثار الرومانية في مدينة صور بجنوب لبنان بعد استهداف محيطها بغارات إسرائيلية (أ.ب)

تحذيرات من تهديدات تواجه التراث الثقافي في جنوب لبنان نتيجة الحرب

حذّر «مرصد التراث الحديث» في لبنان من أن التراث الثقافي بجنوب لبنان يواجه تهديدات غير مسبوقة نتيجة الحرب المستمرة

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ما التكاليف التي تكبدها لبنان في أحدث حرب بين إسرائيل و«حزب الله»؟

سكان عادوا إلى قريتهم يستخدمون حفارة للبحث عن مفقودين تحت أنقاض مبنى مدمر في قرية تولين جنوب لبنان 16 يونيو 2026 (إ.ب.أ)
سكان عادوا إلى قريتهم يستخدمون حفارة للبحث عن مفقودين تحت أنقاض مبنى مدمر في قرية تولين جنوب لبنان 16 يونيو 2026 (إ.ب.أ)
TT

ما التكاليف التي تكبدها لبنان في أحدث حرب بين إسرائيل و«حزب الله»؟

سكان عادوا إلى قريتهم يستخدمون حفارة للبحث عن مفقودين تحت أنقاض مبنى مدمر في قرية تولين جنوب لبنان 16 يونيو 2026 (إ.ب.أ)
سكان عادوا إلى قريتهم يستخدمون حفارة للبحث عن مفقودين تحت أنقاض مبنى مدمر في قرية تولين جنوب لبنان 16 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

شهد لبنان أكبر خسائر في الأرواح جراء حرب الشرق الأوسط التي أشعلتها الغارات الأميركية الإسرائيلية على إيران منذ أكثر من 3 أشهر، والمنتظر أن تنتهي بتوصل واشنطن وطهران إلى اتفاق.

وامتد الصراع إلى لبنان في الثاني من مارس (آذار) عندما أطلقت جماعة «حزب الله» المدعومة من إيران النار على إسرائيل دعماً لطهران، ما عرّضه لحملة إسرائيلية جوية وبرية.

وفيما يلي بعض التكاليف الرئيسية التي تكبدها لبنان، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

الخسائر البشرية

تشير بيانات وزارة الصحة اللبنانية إلى مقتل 3783 شخصاً على الأقل، وإصابة 11699 آخرين، منذ الثاني من مارس حتى 14 يونيو (حزيران) ليلة الإعلان عن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران. ويشمل عدد القتلى 247 طفلاً و363 امرأة و133 من العاملين في القطاع الصحي. ولا تفرق أرقام الوزارة بين المدنيين والمقاتلين، ولم يذكر «حزب الله» عدد أفراده القتلى.

وتتجاوز هذه الخسائر العدد البالغ 3468 قتيلاً في إيران حتى أواخر أبريل (نيسان) عندما تسنى التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.

وهي أيضاً أعلى من الأرقام التي أعلنتها الوزارة عن الصراع السابق بين إسرائيل و«حزب الله»، الذي استمر من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. وتسبب ذلك الصراع في مقتل 3768 شخصاً، سقطت الغالبية العظمى منهم بعد أن شنّت إسرائيل هجوماً في سبتمبر (أيلول) 2024. وأشار إحصاء أجرته «رويترز» استناداً إلى البيانات الصادرة عن الجيش الإسرائيلي إلى مقتل 28 جندياً إسرائيلياً على الأقل في لبنان خلال الحرب الأحدث، في حين قُتل 4 مدنيين في هجمات «حزب الله». ويأتي ذلك مقارنة مع 73 جندياً إسرائيلياً و45 مدنياً في شمال إسرائيل خلال حرب 2023-2024.

الدمار

ألحقت الغارات الجوية الإسرائيلية أضراراً بمبانٍ في أنحاء لبنان، ودمرت أخرى. وتركزت معظم الأضرار في الجنوب، لكن دمرت أبنية أيضاً في العاصمة وضاحيتها الجنوبية.

ودمرت القوات الإسرائيلية التي تحتل منطقة بجنوب البلاد عشرات القرى هناك أيضاً، قائلة إن هدفها حماية سكان الشمال من هجمات مقاتلي «حزب الله» الموجودين في المناطق المدنية.

وتشمل المباني المتضررة في الجنوب خلال الشهر الأول من الحرب مستشفيات ومحطات توليد كهرباء وأخرى لضخّ المياه. وتشير أحدث البيانات الصادرة عن المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، التي تغطي الفترة من الثاني من مارس حتى 17 مايو (أيار)، إلى أن أكثر من 68 ألف وحدة سكنية في أنحاء البلاد تعرضت لأضرار أو للدمار. ويقع ما يقرب من 30 ألفاً من هذه الوحدات في المناطق الثلاث الواقعة في أقصى جنوب لبنان، بينما يقع أكثر من 8 آلاف في بيروت وضاحيتها الجنوبية.

وأفاد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقرير منشور هذا الشهر، بأن قيمة الأضرار في بيروت وضاحيتها الجنوبية وحدها تبلغ 365 مليون دولار. وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدمير إسرائيل أبنية، وتسببها في سقوط قتلى ومصابين. وقال ترمب للصحافيين، في قمة مجموعة السبع في فرنسا: «ليس من الضروري هدم مبنى سكني في كل مرة تبحثون فيها عن شخص ما، لأن هناك كثيراً من الناس في تلك المباني، وليس جميعهم من (حزب الله)، هذا ما أؤكده لكم».

النزوح

تشير السلطات اللبنانية إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص جراء الغارات الجوية الإسرائيلية وتحذيرات الإجلاء في أنحاء لبنان منذ الثاني من مارس.

وبين هؤلاء مئات الآلاف ممن فروا من الضاحية الجنوبية لبيروت التي أمر الجيش الإسرائيلي بإخلائها بالكامل للمرة الأولى خلال هذه الحرب. وحتى بعد الإعلان عن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، لم يعد كثير من النازحين إلى ديارهم، إما لعدم وجود منازل يعودون إليها، وإما لعدم ثقتهم في استمرار وقف إطلاق النار في لبنان.

الأثر الاقتصادي

لم تقيّم السلطات اللبنانية الحجم الكامل للأثر الاقتصادي للحرب، لكنها قالت إنه أعاق تعافي البلاد من سلسلة أزمات في الآونة الأخيرة، ومنها حرب 2023-2024 وانفجار مرفأ بيروت عام 2020 والانهيار المالي عام 2019.

وقال وزير المالية ياسين جابر لوكالة «رويترز»، في مايو، إن الحرب قد تؤدي إلى انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة لا تقل عن 7 في المائة هذا العام.

ويقول البنك الدولي إن حرب عام 2024 كلّفت لبنان ما لا يقل عن 8.5 مليار دولار من الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية. وأشار البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبنان انكمش 7.1 في المائة في 2024، ما أدى إلى انخفاض تراكمي في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 40 في المائة منذ عام 2019.


دمشق تحتوي الاحتجاجات الشعبية ضد أعوان النظام السابق

 قيادة الأمن الداخلي في حلب عقدت اجتماعاً مفتوحاً مع فعاليات مجتمعية وشعبية الثلاثاء (الإخبارية السورية)
قيادة الأمن الداخلي في حلب عقدت اجتماعاً مفتوحاً مع فعاليات مجتمعية وشعبية الثلاثاء (الإخبارية السورية)
TT

دمشق تحتوي الاحتجاجات الشعبية ضد أعوان النظام السابق

 قيادة الأمن الداخلي في حلب عقدت اجتماعاً مفتوحاً مع فعاليات مجتمعية وشعبية الثلاثاء (الإخبارية السورية)
قيادة الأمن الداخلي في حلب عقدت اجتماعاً مفتوحاً مع فعاليات مجتمعية وشعبية الثلاثاء (الإخبارية السورية)

كشفت وزارة الداخلية إحصائية بأعداد الموقوفين لديها من فلول النظام البائد ومن أصحاب الرتب العسكرية الذين وصل عددهم إلى نحو 3700 عسكري سقطوا في قبضة قوى الأمن. في تأكيد منها على الاستمرار في ملاحقة جميع المشتبه بتورطهم بجرائم النظام السابق.

جاء ذلك بينما أقرت الحكومة السورية بمطالب المحتجين «المشروعة» وأن تحقيق العدالة يتم «بسيادة القانون لا سيادة الغضب والانفعال»، وذلك في مساعٍ لاحتواء الاحتجاجات التي تشهدها مناطق سورية مطالبة بطرد المتهمين المرتبطين مع النظام السابق، وتسريع تطبيق العدالة الانتقالية، وفق المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، في تأكيد على استمرار ملاحقة جميع المتورطين.

وعمت المظاهرات عدداً من المحافظات السورية في الأيام الأخيرة احتجاجاً على عودة المتعاونين مع النظام البائد المعروفين باسم «الشبيحة» والمطالبة بمحاسبتهم، وتطورها إلى «حراك» يومي، دعت وزارة الداخلية السوريين إلى عدم الانجرار إلى أي أعمال انتقامية أو اعتداءات خارج إطار القانون.

وكان «اعتصام الكرامة» في دير الزور شرق سوريا قد أعلن إنهاء اعتصامه في الخيمة، مساء الاثنين، بعد 5 أيام من انطلاقه، وذلك حفاظاً على أمن واستقرار المحافظة، ومنع أي محاولات لاستغلاله أو إثارة الفتن وزعزعة السلم الأهلي، وذلك عقب اجتماع بين ممثلي الاعتصام والجهات المعنية في المحافظة، بعد أن تعهدت الحكومة بتلبية مطالب المحتجين بالكامل، مع الإشارة إلى أن بعضها يحتاج إلى وقت أطول للدراسة.

وبحسب مصادر إعلامية في دير الزور، فإن الجهات الحكومية كلفت شخصاً للتنسيق مع ممثلي المحتجين، وتسجيل البيانات المتعلقة باستكمال الإجراءات اللازمة لتلبية المطالب وفق الأصول المعتمدة.

تركي البوحمد قائد ميليشيا «قوات مقاتلي العشائر» المرتبطة سابقاً بشعبة الاستخبارات العسكرية (الداخلية السورية)

يُذْكر أن بين من نشرت وزارة الداخلية أسماءهم في قائمة أبرز رموز وأركان المنظومة العسكرية والأمنية للنظام البائد الذين تم إلقاء القبض عليهم، تركي مخلف المرعي المعروف باسم تركي البوحمد، قائد ميليشيا «قوات مقاتلي العشائر» المرتبطة سابقاً بشعبة الاستخبارات العسكرية.

كما أعلنت قوى الأمن الداخلي اعتقال عضو مجلس الشعب في عهد النظام، خليفة محمد الحمد المرسومي وهو شقيق فرحان المرسومي من أذرع إيران في سوريا، وذلك خلال مداهمة في مدينة معظمية الشام بمحافظة ريف دمشق.

في سياق التهدئة التي تقوم بها الحكومة، عقدت قيادة الأمن الداخلي في محافظة حلب اجتماعاً مفتوحاً مع عدد من الفعاليات المجتمعية والشعبية، الثلاثاء، بحضور نائب وزير الداخلية اللواء عبد القادر طحان وقائد الأمن الداخلي العقيد محمد عبد الغني، وبمشاركة مسؤولي الكتل بالمحافظة للحديث حول جهود الدولة في تطبيق مسار العدالة الانتقالية. وأكد طحان على الجهود التي تبذلها الدولة ووزارة الداخلية على توفير الظروف والإمكانات للإسراع في ملف العدالة الانتقالية، وفقاً لما أفاد به مراسل «الإخبارية».

بدوره، لفت قائد الأمن الداخلي في حلب إلى أن الدولة بدأت بمحاكمة كبار المجرمين، ولن يفلت أحد من العدالة وفق القانون عن طريق وزارة العدل، مشيراً إلى أن أي محاسبة للمجرمين تتم وفق قوانين الدولة السورية بما يحفظ حقوق الضحايا.

في هذه الأثناء، أصدر مجلس أعيان ووجهاء بلدة كفرعويد في ريف إدلب بياناً تضمن جملة من القرارات والإجراءات المنظمة لدخول البلدة والإقامة فيها. وكانت البلدة ضمن البلدات السورية التي شهدت مؤخراً احتجاجات على من يطلق عليهم «شبيحة» عملوا لصالح النظام السابق.

وجاء في البيان الذي تداولته مواقع التواصل، منع دخول جميع العسكريين الذين كانوا على رأس عملهم ضمن قوات النظام السابق خلال الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2024، وذلك بغض النظر عن مواقع أو طبيعة خدمتهم السابقة.

كما نصّ البيان على إلزام المدنيين المقيمين سابقاً في مناطق سيطرة النظام والراغبين بدخول البلدة بالحصول على موافقة أمنية مسبقة، على أن تُسلَّم إلى وجهاء البلدة لدراستها، واتخاذ القرار المناسب بشأنها.

وأكد مجلس الأعيان والوجهاء في ختام بيانه، رفض أي اعتداء أو تعرض للمدنيين تحت أي ذريعة، مشدداً على ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي واحترام حقوق جميع السكان.

إحصائية بأعداد الموقوفين من أصحاب الرتب العسكرية تقارب 3700 عسكري (الداخلية السورية)

وكان المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا قد صرح، الاثنين، أن الدولة ماضية في مسارات العدالة الانتقالية بشكل احترافي ومؤسساتي، مشدداً على عدم وجود حماية لأي مجرم أو متورط بغض النظر عن وضعه.

وأوضح البابا في تصريح لـ«الإخبارية» أن المعيار في المحاسبة هو التورط بالجرائم، وليس الانتماء الطائفي أو القومي في إطار ترسيخ العدالة وسيادة القانون.

وحذر ناشطون في حي ركن الدين في العاصمة دمشق من القيام بأعمال عنف خشية استغلال الفوضى في إثارة الفتن في الحي، في حين هاجم محتجون في دوما بريف دمشق، ليل الاثنين، منشأة تجارية قالوا إنها تعود لـ«الشبيحة»، وطالبوا بطردهم من مدينتهم، وكذلك هاجم محتجون منطقة عش الورور في حي برزة شمال دمشق، مساء الاثنين، مطالبين بإخراج المدنيين الذين وصفتهم بأنهم كانوا أعواناً لنظام الأسد، وتدخل عناصر الأمن الداخلي لفض الاحتجاج.

ونشرت وزارة الداخلية إحصائية بأعداد الموقوفين لديها من أصحاب الرتب العسكرية، ويقارب عدد 3700 عسكري، منهم 42 ضابطاً برتبة لواء، و172 برتبة عميد، و218 برتبة عقيد.


إسرائيل تحاول فرض وقائع ميدانية في جنوب لبنان خلال الهدنة

آلية عسكرية إسرائيلية تمرّ بمحاذاة مبانٍ مدمّرة في جنوب لبنان (أ.ب)
آلية عسكرية إسرائيلية تمرّ بمحاذاة مبانٍ مدمّرة في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل تحاول فرض وقائع ميدانية في جنوب لبنان خلال الهدنة

آلية عسكرية إسرائيلية تمرّ بمحاذاة مبانٍ مدمّرة في جنوب لبنان (أ.ب)
آلية عسكرية إسرائيلية تمرّ بمحاذاة مبانٍ مدمّرة في جنوب لبنان (أ.ب)

عاد الطيران المسيّر الإسرائيلي ليملأ أجواء بيروت والضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب، فيما استمرت الاشتباكات بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي في منطقة معبر كفرتبنيت، في مؤشر إلى أن إسرائيل تحاول فرض وقائع ميدانية على الأرض، رغم الإعلان عن التفاهم الأميركي - الإيراني الهادف إلى إنهاء الحرب على مختلف الجبهات.

وبينما سجلت الساعات الأخيرة تراجعاً في وتيرة الغارات الجوية، واصلت إسرائيل عمليات القصف والاستهداف والتوغل المحدود جنوباً، مقابل تأكيد «حزب الله» استمرار المواجهة الميدانية ومنع فرض وقائع جديدة على الأرض، ما يعكس استمرار التباعد بين المسار السياسي المعلن، والواقع العسكري القائم على الحدود اللبنانية.

وقائع ميدانية

وتحاول إسرائيل فرض وقائع أمنية بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لجهة التحرك في محيط القرى التي توغلت فيها، وتنفيذ عمليات نسف وتموضع أو استكمال عمليات أمنية، وتعرضت القوات الإسرائيلية في محيط كفرتبنيت وتلة علي الطاهر، يوم الاثنين، لرشقات صاروخية من قبل «حزب الله».

وقالت مصادر مقربة من الحزب لـ«الشرق الأوسط» إن هناك قراراً لديه «بعدم السماح بتكرار تجربة مرحلة الهدنة بعد توقيع اتفاق 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024» حينما واصلت إسرائيل عمليات النسف والتجريف والتوسع وتغيير المعالم الجغرافية. وقالت المصادر: «إسرائيل تحاول خلق واقع أمني، والحزب يتصدى لهذا الواقع، لذلك جرى الرد مباشرة على محاولات التوغل والاقتراب من تلة (علي الطاهر) الأربعاء».

استهدافات جنوبية متفرقة

ميدانياً، استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة «فان» على طريق حداثا - حاريص في قضاء بنت جبيل، فيما تعرضت النبطية الفوقا ومحيط الريحان في قضاء جزين لقصف مدفعي، إلى جانب غارة من مسيرة استهدفت النبطية الفوقا.

وفي بلدة بيت ياحون، ألقت طائرة إسرائيلية مسيّرة قنبلة صوتية قرب عدد من المواطنين من دون تسجيل إصابات، بينما عُثر على صاروخ غير منفجر داخل أحد المنازل في الجنوب.

كما امتد النشاط العسكري الإسرائيلي إلى الحدود الشرقية، حيث استهدفت غارة موقعاً في جرود سرغايا على الحدود اللبنانية - السورية في شرق لبنان.

في المقابل، أعلن «حزب الله» أن مقاتليه استهدفوا تجمعاً للجيش الإسرائيلي في محيط منطقة المعبر برشقة صاروخية وقذائف مدفعية، مؤكداً أن الاشتباكات لا تزال مستمرة، في مؤشر إلى استمرار المواجهة الميدانية رغم الحديث عن تفاهمات إقليمية لوقف الحرب.

وسجل تحليق مكثف للطيران المسيّر الإسرائيلي على علو منخفض فوق بيروت والضاحية الجنوبية، كما حلقت مسيّرات أخرى فوق الزهراني وقرى الجوار، إضافة إلى مدينة بعلبك وبلدات البقاع الشمالي، بعدما غابت عن أجواء المنطقة خلال الساعات السابقة.

الجيش اللبناني ينتشر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

حداثا تحت الرقابة العسكرية

وفي الجنوب أيضاً، أعلنت بلدية حداثا أن الجيش اللبناني بدأ تثبيت نقاط عسكرية داخل البلدة، مشيرة إلى إنشاء نقطة عند مفرق الشاليهات والعمل على استكمال انتشار نقاط أخرى داخل البلدة.

وأكدت البلدية أن الدخول إلى حداثا لا يزال ممنوعاً بسبب المخاطر الأمنية، داعية الأهالي إلى انتظار التعليمات الرسمية قبل العودة، في ظل استمرار العمليات العسكرية في محيط المنطقة.

غموض داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية

وفي موازاة التطورات الميدانية، كشفت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية عن حالة ارتباك داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية بشأن مستقبل العمليات في لبنان. ونقلت الصحيفة عن مصدر عسكري قوله إن «القوات الجوية الإسرائيلية أوقفت منذ الاثنين معظم هجماتها على لبنان، مشيراً إلى وجود غموض حيال الوجهة المقبلة للمعركة». وحسب الصحيفة، فإن الجيش الإسرائيلي يواصل عملياته ضمن ما يعرف بـ«الخط الأصفر»، عبر تنفيذ طلعات استطلاعية وغارات موضعية، لكنه لا يمتلك حتى الآن تصوراً نهائياً للمرحلة المقبلة.

وأضافت أن المؤسسة العسكرية تعد خططاً متعددة تشمل مواصلة القتال وتصعيده، أو تثبيت القوات في مواقعها الحالية، أو الانسحاب من بعض المناطق، بانتظار القرارات السياسية.

عامل في بلدية النبطية يستخدم جرافة صغيرة لإزالة الركام وتنظيف أحد المحال التجارية المدمرة بالسوق (أ.ب)

خرق متواصل للتفاهمات

وكانت الساعات الماضية قد شهدت مؤشرات متناقضة حول مسار التهدئة. فبينما سجل انخفاض نسبي في وتيرة الغارات الجوية مقارنة بالأيام السابقة، استمرت عمليات القصف المدفعي والتفجيرات والتوغلات المحدودة في عدد من المناطق الجنوبية.

وسجل، الاثنين، مقتل مواطن لبناني جراء غارة نفذتها مسيّرة إسرائيلية على طريق كفرتبنيت. كما أصيب المراسل الصحافي هادي عبد المنعم حطيط بشظية في قدمه بعدما استهدفته قذيفة إسرائيلية أطلقت بالقرب منه أثناء وجوده في كفرتبنيت، ونقل على أثرها إلى مستشفى النجدة الشعبية في النبطية حيث خضع لعملية جراحية.