إسرائيل تلاحق قيادات «الحرس الثوري» إلى فنادق بيروت

5 جثث و10 جرحى في أحد مستشفيات «حزب الله»

لبنانيتان تقفان أمام مدخل فندق «رامادا» في منطقة الروشة غداة استهداف إسرائيلي لغرفتين في الفندق أسفر عن مقتل 4 أشخاص وإصابة 10 آخرين (إ.ب.أ)
لبنانيتان تقفان أمام مدخل فندق «رامادا» في منطقة الروشة غداة استهداف إسرائيلي لغرفتين في الفندق أسفر عن مقتل 4 أشخاص وإصابة 10 آخرين (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تلاحق قيادات «الحرس الثوري» إلى فنادق بيروت

لبنانيتان تقفان أمام مدخل فندق «رامادا» في منطقة الروشة غداة استهداف إسرائيلي لغرفتين في الفندق أسفر عن مقتل 4 أشخاص وإصابة 10 آخرين (إ.ب.أ)
لبنانيتان تقفان أمام مدخل فندق «رامادا» في منطقة الروشة غداة استهداف إسرائيلي لغرفتين في الفندق أسفر عن مقتل 4 أشخاص وإصابة 10 آخرين (إ.ب.أ)

تصاعدت المخاوف في بيروت من استخدام «الحرس الثوري» الإيراني فنادق العاصمة اللبنانية للاحتماء فيها، في حين تلاحقه إسرائيل إليها، ما يهدد أمن المدنيين والنازحين اللاجئين إلى تلك المواقع السياحية.

وجاءت المخاوف إثر استهداف غارة إسرائيلية قرابة الواحدة والنصف من فجر الأحد غرفة في فندق «رامادا» في منطقة الروشة، في ضربة نُفذت بصاروخ موجّه أُطلق من البحر وأصاب غرفة محددة داخل الفندق، وذلك بعد ثلاثة أيام على ضربة مشابهة في فندق «كومفورت» في منطقة الحازمية.

وأعلن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة، الأحد، أن حصيلة الغارة ارتفعت إلى أربعة قتلى بعد وفاة أحد الجرحى متأثراً بإصاباته البالغة، في حين بلغ عدد الجرحى عشرة أشخاص بعد تسجيل إصابات إضافية.

الرواية الإسرائيلية

أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أنه تمت مهاجمة «قادة مركزيين في (فيلق لبنان) التابع لـ(فيلق القدس) في (الحرس الثوري) الإيراني كانوا يعملون في بيروت».

وفي السياق، ذكرت «هيئة البث الإسرائيلية» أن الغارة «استهدفت غرفة في الفندق كان يقيم فيها خمسة مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى من (فيلق القدس) التابع لـ(الحرس الثوري)، بينهم عناصر استخبارات ومسؤولون ماليون».

ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي قوله إن الغارة التي استهدفت فندق «رامادا» في بيروت خلال الليلة الماضية، أسفرت عن مقتل أربعة مسؤولين في «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني. وذكر أن القتلى هم: رئيس فرع المالية في «قوة لبنان» التابعة لـ«فيلق القدس» مجيد حسيني، ورئيس فرع الاستخبارات في «فيلق لبنان» علي بي أزار، ورئيس قسم الاستخبارات في «فيلق فلسطين» أحمد رسولي، إضافة إلى المسؤول عما وصفه بـ«الملف الصهيوني» في «فيلق لبنان» حسين أحمدلو.

أضرار ناتجة عن استهداف إسرائيلي لفندق «رامادا» على واجهة بيروت البحرية (إ.ب.أ)

غموض... ورفض تعاون

أفادت مصادر أمنية لبنانية «الشرق الأوسط» بأن 5 جثث و10 جرحى نُقلوا إلى مستشفى تابع لـ«حزب الله» رفض التعاون مع الأجهزة الأمنية بتزويدها بالأسماء. وكشفت المصادر أن الغرفتين المستهدفتين في بيروت حُجزتا باسمَي شخصين لبنانيين، وقد حاولت الأجهزة الأمنية التواصل معهما هاتفياً من دون أن تتلقى رداً.

وكشفت المصادر أيضاً أن 5 جثث أخرى لإيرانيين (رجل وزوجته و3 أولاد) كانوا ضمن رحلة إجلاء لإيرانيين جرت يوم السبت عبر طائرة روسية مستأجرة نقلتهم إلى تركيا، وكان على متنها 117 إيرانياً يُعتقد أنهم من عناصر «الحرس الثوري» الإيراني العاملين في لبنان. وقالت المصادر إن ثمة رحلة جديدة سوف تنظم خلال ساعات، من دون معرفة الموعد المحدد.

النازحون والمدنيون في دائرة الاستهداف

انتقال الاستهدافات إلى مواقع مدنية داخل العاصمة يعني اتساعاً لنطاق هذه المواجهة، بحيث لم تعد تقتصر على مواقع عسكرية أو مناطق حدودية، بل باتت تمتد إلى أماكن إقامة أو تحرك يُعتقد أن شخصيات مستهدفة تستخدمها داخل لبنان.

وقال العميد المتقاعد سعيد قزح إن هذه التطورات تعكس اتساع دائرة الأهداف الإسرائيلية في لبنان. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الاستهدافين اللذين وقعا في فندق (كومفورت) في الحازمية قبل أيام، يشيران إلى فرضية أن هؤلاء الضباط يعملون عادة بصفة مستشارين ويشاركون في إدارة العمليات إلى جانب (حزب الله)».

وأضاف: «بعض هؤلاء ربما غادروا أماكن إقامتهم المعتادة في الضاحية الجنوبية وانتقلوا إلى فنادق في بيروت، وربما دخلوا إليها بجوازات سفر غير إيرانية لتجنب التدقيق»، لافتاً إلى أن «التهديدات الإسرائيلية التي صدرت قبل أيام باستهداف عناصر وقيادات من (الحرس الثوري) في لبنان دفعت كثيراً من المؤسسات الفندقية إلى اتخاذ إجراءات تدقيق مشددة».

وأشار إلى أن «الفنادق تتخوف بطبيعة الحال من استقبال أشخاص قد يشكل وجودهم سبباً لاستهداف مباشر؛ لأن أي ضربة من هذا النوع قد تلحق أضراراً كبيرة بالمؤسسة نفسها وبسمعتها وبقطاع السياحة ككل». وأضاف أن هذا الواقع «يؤدي أيضاً إلى تشديد التدقيق في استقبال النازحين أو المقيمين الجدد في الفنادق أو الشقق السكنية، خصوصاً في المناطق التي تُعد أكثر أماناً نسبياً».

ورأى قزح أن البلديات وبعض الجهات المحلية بدأت أيضاً «التدقيق في هوية الأشخاص الذين يستأجرون شققاً في المناطق البعيدة عن الضاحية أو عن مواقع نفوذ الحزب»، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات «تعكس حالة القلق من انتقال شخصيات أو عناصر مستهدفة إلى تلك المناطق».

وأكد قزح أن إسرائيل «لن تتردد في استهداف أي مكان داخل لبنان إذا اعتبرت أن فيه عناصر تشكل خطراً عليها، سواء كانوا من (حزب الله) أو من ضباط (الحرس الثوري) الإيراني».

واعتبر أن «الواقع الميداني يظهر أنه لا يمكن الحديث عن مناطق آمنة بالكامل في لبنان في حال وجود شخصيات أو عناصر تعتبرها إسرائيل أهدافاً عسكرية»، لافتاً إلى أن ما يجري «يأتي في سياق التصعيد الذي بدأ منذ وقف الأعمال العدائية والاتفاقات التي أعقبته». وأضاف: «الجديد في المرحلة الحالية هو انتقال الاستهداف بشكل أوضح إلى الضباط الإيرانيين أنفسهم»، متوقعاً أن «تستمر إسرائيل في تنفيذ تهديداتها في هذا الإطار، وأن نشهد استهدافات إضافية في الفترة المقبلة».

مسعفون أمام فندق «رامادا» ينقلون الجرحى بعد استهداف عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني فيه (أ.ف.ب)

نشاط استخباري مكثف

يشير تكرار الاستهدافات الدقيقة في أماكن مدنية داخل بيروت، وفق قراءات أمنية وعسكرية، إلى مستوى مرتفع من العمل الاستخباري المرتبط بتتبع تحركات شخصيات محددة. فاستهداف موقعين مختلفين خلال فترة زمنية قصيرة، وفي أماكن غير تقليدية مثل الفنادق، يُعدّ في العادة مؤشراً إلى توفر معلومات ميدانية دقيقة عن أماكن وجود الأشخاص المستهدفين وتحركاتهم.

ويرى متابعون للشأن العسكري أنّ «ما جرى يسلط الضوء على طبيعة المواجهة الاستخبارية المستمرة بين إسرائيل وإيران على الساحة اللبنانية، والتي تتخذ في كثير من الأحيان شكل عمليات استهداف دقيقة لشخصيات تعتبرها إسرائيل جزءاً من الشبكات المرتبطة بـ(الحرس الثوري) الإيراني، أو بالبنية العملياتية للفصائل الحليفة له».


مقالات ذات صلة

القصف الإسرائيلي يعبر الليطاني... ويلغي «الخط الفاصل»

المشرق العربي تصاعد الدخان في جنوب لبنان إثر غارة إسرائيلية كما بدا من زوطر الغربية (رويترز)

القصف الإسرائيلي يعبر الليطاني... ويلغي «الخط الفاصل»

توسّع إسرائيل عملياتها في جنوب لبنان على جانبي نهر الليطاني، ما يعني أنه لم يعد حداً فاصلاً بين منطقتين مختلفتين للعمليات العسكرية.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الحكومة حاضرة في قاعة مجلس النواب خلال جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

مساءلة الحكومة اللبنانية... مبارزة متوقعة بين مؤيدي «اتفاق الإطار» و«مذكرة التفاهم»

تستعد حكومة الرئيس نواف سلام للمثول أمام البرلمان في جلسة صباحية تُعقَد يومي الثلاثاء والأربعاء في 15 و16 سبتمبر (أيلول) الحالي، هي الثانية منذ تشكيلها

محمد شقير (بيروت)
خاص سجن رومية

خاص تعليق العفو العام يشعل غضب نزلاء سجن رومية في لبنان

بدأ السجناء الإسلاميون في سجن رومية إضراباً مفتوحاً عن الطعام والشراب، والامتناع التام عن تناول الأدوية داخل السجن، بما في ذلك أصحاب الأمراض المزمنة.

يوسف دياب (بيروت)
عالم الاعمال الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» تؤسسان معهداً للذكاء الاصطناعي

الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» تؤسسان معهداً للذكاء الاصطناعي

وقّعت الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» (CMA CGM) شراكة لتأسيس معهد متخصص في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.

المشرق العربي طوافة لبنانية تشارك في إخماد الحريق في مرفأ بيروت بعد انفجار 4 أغسطس 2020 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ملف انفجار مرفأ بيروت قيد الحسم... والنيابة العامة تصدر مطالعتها

دخلت قضية انفجار مرفأ بيروت مرحلة حاسمة، مع إنجاز المحامي العام التمييزي، القاضي محمد صعب، مطالعته بالأساس في الملف، تمهيداً لتسليمها الثلاثاء

يوسف دياب (بيروت)

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
TT

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)

مع اقتراب موعد اكتمال الانسحاب الأميركي من العراق والمحدد بنهاية سبتمبر (أيلول) الجاري، ما زالت قضية حصر السلاح الموجود خارج إطار الدولة تواجه تعقيدات، وسط معلومات عن أن ترسانة الفصائل باقية حتى 2028.

ووفق مصادر عدة تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، يبدو أن الفصائل نجحت بمساعدة إيرانية في «إفراغ خطة حصر السلاح بعدما حاصرت رئيس الحكومة علي الزيدي سياسياً وانتزعت منه أدوات الضغط والتنفيذ».

وخلال الأسابيع الماضية، قضى أعضاء لجنة التفاوض على حصر السلاح، وهم نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، ومحمد شياع السوداني، رئيس الوزراء السابق، وهادي العامري، مسؤول «منظمة بدر»، ساعات في أربعة اجتماعات على الأقل، للتفاوض على تسوية أساسها «عدم استخدام السلاح» لكن بشرط «عدم التفريط فيه»، وفق المصادر.

ورغم هذه الصيغة «الصورية»، زرع ممثلو الفصائل «قنبلة موقوتة» في التسوية، تعتبر «أي اتفاق على عدم استخدام السلاح ملغى في ظروف محددة»، بينما توصل الجانبان إلى جدول زمني يستمر حتى مطلع 2028 حتى توافق الفصائل في النهاية على حصر سلاحها.

والحال أن اليأس يطبق على مسؤولين في سلطات مختلفة ببغداد. فخلال اجتماع مع مسؤول أميركي زار العراق أخيراً، خاطبه مسؤول كردي كبير قائلاً: «النظام السياسي الآن يشبه حافلة قديمة تنطلق بسرعة على منحدر من دون مكابح».


اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
TT

اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)

اتسعت المظاهرات الرافضة لقرار رفع أسعار الوقود في سوريا، أمس الاثنين، لليوم الثاني على التوالي، إذ شهدت مدينة الشحيل في ريف دير الزور (شرق) تجدد الاحتجاجات التي جرى خلالها إشعال إطارات، كما قطع محتجون الطريق الدولي بين العراق وسوريا في ريف البوكمال شرق المحافظة، وكذلك طريق حقل العمر النفطي.

وأغلق الأهالي في مدينة تل تمر الطريق الدولي «إم 4»، ما أدى إلى توقف حركة مئات صهاريج نقل النفط. وشهد معبر باب السلامة مع تركيا في محافظة حلب، إغلاق محتجين للمعبر أمام شاحنات البضائع ومنعوا حركة خروج السيارات بشكل كامل.

وشمل تجدد الاحتجاجات أيضاً مدينة الرقة، إذ أقدم مدنيون على قطع الطريق أمام مقر صوامع الحبوب. وتجمع الأهالي في مناطق بمحافظة الحسكة (شمال) بينها الشدادي وتل براك، مشعلين الإطارات وقطعوا الطرقات، وسط مطالب بالتراجع عن القرار الذي أصدره وزير الطاقة الذي طلب منه مجلس الشعب جلسة استماع الخميس المقبل.

ويعتقد مراقبون أن الاحتجاجات جاءت نتيجة عدم تحسن الوضع المعيشي للسوريين وما كانوا يأملونه أن يتحقق على يد السلطات الجديدة عقب إسقاط نظام الأسد، خاصة أن غالبية المحتجين يعدون من الحاضنة الاجتماعية لحكومة الرئيس أحمد الشرع.


توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
TT

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)

زيارة قصيرة ولكنها حافلة قام بها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، يرافقه وفد رسمي كبير، إلى باريس، محطته الأوروبية الأولى منذ تسلمه رئاسة الوزراء، في حين ستكون برلين محطته الثانية قبل عودته إلى بغداد. وعكس البيان المشترك الذي وزّعه قصر الإليزيه، عصر الاثنين، المروحة الواسعة من الملفات التي تناولها الطرفان، على مستوى الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء علي الزيدي، ولكن أيضاً على المستوى الوزاري بين الجانبين ومع الشركات الفرنسية، ومنها شركة «توتال إنرجيز» الساعية لتوسيع حضورها في العراق.

وقال رئيس الوزراء العراقي، في مقالة له نشرتها صحيفة «لو فيغارو» ظهر الاثنين، إن بلاده تمثل رابع احتياطي نفطي مؤكد في العالم بما يقدّر بـ145 مليار برميل. وفي المقالة ذاتها، عرض الزيدي رؤيته للعلاقات الجديدة التي يريد لبلاده أن تبنيها مع فرنسا بحيث «يكون فيها العراق شريكاً فاعلاً، لا دولة تأتي محمّلة بقائمة من المطالب أو تبحث عن مظلة سياسية». وفي نظره، فإن زيارته «تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى توقيتها»، ولكن أيضاً لأنها تحل «في مرحلة يسود فيها قدر كبير من عدم اليقين في الشرق الأوسط، حيث باتت فيه الحاجة ملحّة إلى جهود إقليمية وأوروبية ودولية لاحتواء التوترات وإعادة الهدوء إلى المنطقة».

وفي نظر الزيدي، فإن أهمية الزيارة «تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين العراق وفرنسا؛ فهي تتيح للعراق توسيع دائرة شراكاته وانخراطه في أوروبا، وتعزيز دوره في الجهود الجماعية الرامية إلى ترسيخ الاستقرار في المنطقة».

وبحسب البيان المشترك، فإن الغرض الأسمى للزيارة يكمن في «تعزيز الشراكة الاستراتيجية وعلاقات الصداقة بين فرنسا والعراق».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يشرفان على توقيع عدد من المذكرات والتفاهمات في قصر الإليزيه بعد ظهر الاثنين (أ.ف.ب)

يتكون البيان من عشرين فقرة تتناول كل ما حصل خلال الزيارة، بما في ذلك الاتفاقات وإعلانات النوايا والتفاهمات التي فصّلها بيان منفصل صادر عن الرئاسة الفرنسية، ومنها ستة اتفاقات وُقّعت بحضور ماكرون والزيدي. وكانت لافتة الإشارة إلى «الرؤية المشتركة» للطرفين حول كيفية التعامل مع أزمات الشرق الأوسط وكيفية تعزيز الأمن والاستقرار فيه «على أساس احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل، وحسن الجوار، وسلامة الأراضي، واحترام القانون الدولي، واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية للتعامل مع الأزمات والتهديدات المشتركة التي تواجهها المنطقة». وفي الفقرة تلميح للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، ورؤية الطرفين أن الانتهاء منها يجب أن يمر عبر الحلول الدبلوماسية.

وإذ تضمن البيان المشترك إشادة ماكرون بـ«السياسة الخارجية المتوازنة التي ينتهجها العراق»، و«الدور الذي يضطلع به هذا البلد في إقامة الروابط وتعزيز الحوار وتشجيع التعاون الإقليمي»، فإن الزيدي حرص في مقالته على طرح العراق «منصة للحوار»، مضيفاً أنه «لن يسمح بأن تتحول أراضيه إلى قاعدة لشن تهديدات ضد الدول المجاورة، أو إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية». ووفق ما قاله، فإن العراق «مستعد لاستضافة حوارات مباشرة بين أطراف النزاع متى توافرت الإرادة السياسية اللازمة».

ويشكل الملف الأمني أحد أهم الملفات التي تمت مناقشتها في اجتماع الإليزيه. وجاء في البيان المشترك أنه «نظراً إلى الدور الإيجابي الذي تؤديه فرنسا ضمن (التحالف الدولي)، اتفق رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس الوزراء العراقي على مواصلة وتعميق التعاون العسكري، ولا سيما تعزيز القدرات العراقية بهدف حماية الحدود ودعم سيادة العراق على أراضيه، وذلك في إطار ثنائي يحترم سيادة البلدين، وسيتم الاتفاق عليه لاحقاً، بعد انتهاء مهمة (التحالف الدولي)».

الرئيس ماكرون في استقبال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في قصر الإليزيه (أ.ب)

ويندرج هذا التفاهم في إطار رغبة البلدين في تعزيز علاقاتهما بالاستناد إلى «معاهدة الشراكة الاستراتيجية الثنائية الموقعة عام 2023»، والتي صادقت عليها فرنسا بالفعل، في حين أن العراق «عازم على المصادقة عليها قريباً». وتبرز أهمية الجانب الأمني في توصل الطرفين إلى «خريطة طريق استراتيجية خاصة باستحواذ العراق على تجهيزات عسكرية فرنسية في إطار سعيه لإعادة بناء وتحديث قدراته العسكرية». كذلك وقّع الطرفان «رسالة نوايا» بشأن «أنظمة الدفاع الجوي الذاتية» بين وزارة الدفاع العراقية والشركة الفرنسية «هارماتان AI». وترى باريس في هذين العنصرين «تأكيداً لرغبة الطرفين في مواصلة تعاونهما في مجال تعزيز القدرات العسكرية ودعم العراق من أجل مهماته السيادية». وجاء في إحدى فقرات البيان المشترك أن الزيدي أعرب عن عزمه على «تشجيع المناقشات بين الشركات الفرنسية ووزارة الدفاع العراقية في مجالات الحركة الجوية، وأنظمة المدفعية، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة (C-UAS)، وأنظمة الدفاع والمراقبة الجوية».

ما سبق يعكس ميلاً عراقياً لتنويع مصادر تسلحه، وباريس تعد مدخلاً ملائماً لهذا الغرض. وإذا كان صحيحاً أنها تسعى إلى تعزيز حضور متعدد الأشكال (سياسياً ودبلوماسياً وثقافياً وصحياً) في العراق، فإنها تولي اهتماماً خاصاً لقطاعين رئيسيين هما الدفاع من جهة، والطاقة من جهة أخرى.

وكما في القطاع الدفاعي، فقد تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الكهرباء العراقية ومجموعة «توتال إنرجيز» من أجل تزويد العراق بالغاز الطبيعي المسال. وفي هذا السياق، استقبل علي الزيدي رئيسَ الشركة النفطية الفرنسية باتريك بويانيه. كذلك وقّع الطرفان مذكرة تفاهم خاصة ببرنامج تأهيل وتعزيز القدرات العراقية في قطاع الطاقة. بيد أن طموحات فرنسا النفطية والغازية في العراق تذهب أبعد من ذلك؛ فقد ورد في البيان المشترك أن العراق اتفق مع شركة «توتال إنرجيز» على الدخول في مناقشات بشأن عدد من مشاريع الطاقة «تقوم على استثمارات واسعة النطاق، وتهدف إلى تعزيز إنتاج النفط العراقي، والمساهمة في زيادة كفاءة الطاقة، وتعزيز السيادة في مجال الطاقة، ودعم التحول في مجال الطاقة» في العراق. وفي زمن يعاني فيه العالم من أزمة طاقة حادة، فإن اتفاقاً مع بلد يمتلك احتياطياً نفطياً كبيراً يعد لفرنسا إنجازاً بالغ الأهمية.