تقرير: «قتل يومي»... كيف تجتاح الجريمة العنيفة المجتمع العربي في إسرائيل

مواطنون عرب محتجون على انتشار الجريمة بالبلدات العربية خلال مظاهرة في سخنين شمال إسرائيل الخميس الماضي (رويترز)
مواطنون عرب محتجون على انتشار الجريمة بالبلدات العربية خلال مظاهرة في سخنين شمال إسرائيل الخميس الماضي (رويترز)
TT

تقرير: «قتل يومي»... كيف تجتاح الجريمة العنيفة المجتمع العربي في إسرائيل

مواطنون عرب محتجون على انتشار الجريمة بالبلدات العربية خلال مظاهرة في سخنين شمال إسرائيل الخميس الماضي (رويترز)
مواطنون عرب محتجون على انتشار الجريمة بالبلدات العربية خلال مظاهرة في سخنين شمال إسرائيل الخميس الماضي (رويترز)

لم تعد الجرائم المروعة بين الفلسطينيين في إسرائيل استثناء، بل أصبحت جائحة عنيفة؛ فمن أُم تُقتل بالرصاص أمام محل بقالة إلى رجل يُقتل بعد خروجه من المسجد، أو طبيب يُطلق عليه النار أثناء علاجه للمرضى. الضحايا جميعهم فلسطينيون في إسرائيل.

ارتفعت جرائم القتل في مجتمع الفلسطينيين داخل إسرائيل بشكل كبير لدرجة أن شخصاً واحداً يُقتل في المتوسط كل يوم هذا العام.

يشكّل المواطنون الفلسطينيون 20 في المائة من سكان إسرائيل، ويقول الكثيرون إن الحكومة الإسرائيلية لم تفشل فقط في كبح موجة الجريمة، بل إن تقاعسها ساعد في تحفيز دائرة من العنف ترتكبها إلى حد كبير عصابات الجريمة المنظمة العربية، وفقاً لموقع «سي إن إن».

تظهر البيانات تفاوتاً صارخاً؛ شرطة إسرائيل لم تحل سوى 15 في المائة من جرائم القتل في المجتمعات العربية في إسرائيل مقابل 65 في المائة بين الإسرائيليين اليهود، وفقاً لبيانات من الكنيست، ومركز «إيلاف - لتعزيز الأمان في المجتمع العربي».

مواطنون عرب محتجون على انتشار الجريمة بالبلدات العربية خلال مظاهرة في سخنين شمال إسرائيل يوم الخميس الماضي (رويترز)

المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل هم أحفاد الفلسطينيين ممن لم يُطردوا أو يُجبروا على الفرار من منازلهم عند قيام إسرائيل عام 1948. مُنحوا الجنسية لكنهم عاشوا تحت الحكم العسكري حتى عام 1966، ويقول كثيرون إنهم ما زالوا يواجهون التمييز في المجتمع الإسرائيلي.

كان العام الماضي الأكثر دموية على الإطلاق بالنسبة للمجتمع العربي في إسرائيل، حيث قُتل 252 شخصاً، الغالبية العظمى منهم بالرصاص، وفقاً لتقرير نشرته «مبادرات إبراهيم»، وهي مجموعة تعمل على تعزيز الإدماج الاجتماعي والمساواة في الحقوق للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

وبدأ عام 2026 بداية دامية، حيث قُتل 46 شخصاً حتى الآن، وفقاً للمجموعة.

ودق الواقع المميت أجراس الإنذار، حيث خرج عشرات الآلاف من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل إلى الشوارع في الأسابيع الأخيرة، وانضم إليهم بعض الإسرائيليين اليهود، للمطالبة باتخاذ إجراءات حكومية.

هتف المتظاهرون باللغة العربية «لا للقتل، لا للموت، نريد أن نعيش في عدالة»، في احتجاج في يناير (كانون الثاني) في بلدة سخنين، وهي مدينة ذات أغلبية فلسطينية في شمال إسرائيل، استقطبت عشرات الآلاف من الأشخاص.

مواطنون عرب محتجون على انتشار الجريمة بالبلدات العربية خلال مظاهرة في سخنين شمال إسرائيل يوم الخميس الماضي (رويترز)

وأخبر الحضور شبكة «سي إن إن» أنها كانت أكبر مظاهرة شهدها المجتمع العربي منذ سنوات، وبلغت ذروتها بإضراب عام استمر عدة أيام لأصحاب المتاجر.

ما بدأ هناك نما منذ ذلك الحين ليصبح حركة احتجاجية واسعة، حيث تُنفذ إضرابات ومظاهرات يومياً تقريباً في جميع أنحاء إسرائيل. امتلأت شوارع إسرائيل ببحر من الأعلام السوداء، وصُبغت نوافير المياه باللون الأحمر، وأعلن المواطنون «يوماً للاحتجاج».

بعد أسبوع من إضراب سخنين، أجرى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ زيارة نادرة إلى المدينة، حيث التقى بالسلطات العربية المحلية ومنظمي الاحتجاج.

وقال إن الحرب على الجريمة والعنف في المجتمع العربي «يجب أن تكون على رأس الأولويات، وأن يتم التعامل معها بأقصى درجات العزم»، واصفاً إياها بأنها «واجب أخلاقي».

عناصر من الشرطة الإسرائيلية (رويترز - أرشيفية)

ويوم الخميس، أعلن المفوّض العام للشرطة الإسرائيلية داني ليفي أن الجريمة في المجتمع العربي تشكل «حالة طوارئ» و«وضعاً لا يطاق ويجب أن يتوقف».

ودعا وكالات حكومية أخرى إلى الانضمام للشرطة في المساعدة على معالجة القضية.

«دعوهم يقتل بعضهم بعضاً»

بالنسبة للعديد من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، تبدو هذه التصريحات جوفاء. قاسم عوض انتظر أكثر من عام حتى يقدم قاتل ابنه إلى العدالة.

كان ابنه، عبد الله، طبيباً من المزرعة في الجليل الغربي، يعالج أماً وطفليها بعيادة في فبراير (شباط) من العام الماضي عندما دخل مسلح ملثم وأطلق النار عليه من مسافة قريبة مما أدى إلى مقتله. كان عمره 30 عاماً آنذاك. كان عبد الله قد حل محل طبيب آخر في ذلك اليوم. يعتقد والده أنه جرى الخلط بينه وبين شخص آخر.

قال قاسم: «إذا نظرت إلى المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل، فكم عدد الذين يُقتلون يومياً ومن دون سبب؟ هؤلاء الناس لا علاقة لهم بعالم الجريمة. إنهم أضرار جانبية، وابني واحد منهم».

الشرطة الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

في الأيام التي تلت وفاة عبد الله، يقول والداه إن شرطة إسرائيل زارتهم وأكدت لهم أنها ستحقق في وفاته وتتعرف على الجاني. بعد أكثر من عام، لا يزال التعهد غير محقق، وتقول العائلة إنها لم تتلقَّ أي أخبار من سلطات إنفاذ القانون.

يعتقد عوض أنه لو كان ابنه يهودياً، لكان القاتل قد ألقي القبض عليه «خلال ساعة».

مثل كثيرين آخرين في المجتمع العربي في إسرائيل، يعتقد عوض أن الحكومة الإسرائيلية تهمل عمداً الجريمة المرتكبة ضد المواطنين الفلسطينيين. وقال: «إنها جزء من سياسة فرِّق تسد. (دعوهم يقتل بعضهم بعضاً بينما نجلس نحن ونسترخي)».

يشير عوض إلى السرعة التي يُقدم بها الجناة الفلسطينيون إلى العدالة في الجرائم المرتكبة ضد الإسرائيليين، وتابع: «الأدوات التكنولوجية والخبرة متاحة لهم للقبض على القتلة. ولكن عندما يتعلق الأمر بالتركيبة السكانية العربية، فجأة لم تعد لديهم الأدوات أو الخبرة؟».

وفقاً لتقرير «إيلاف»، يواجه المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل «تنفيذاً انتقائياً» للقانون.

وقال التقرير: «من ناحية، نهج متشدد تجاه النشاط السياسي وحرية التعبير، ومن ناحية أخرى، نهج متساهل تجاه المجرمين والجريمة».

ورداً على استفسار من شبكة «سي إن إن»، قالت شرطة إسرائيل، في بيان، إنه «تم إطلاق تحقيق شامل ومعقد» بعد مقتل الدكتور عوض، حيث استجوبت السلطات «عشرات الأطراف المعنية، بهدف تحديد مكان المشتبه بهم وكشف الحقيقة».

معدلات القتل تتضاعف في وجود بن غفير

تظهر البيانات التي جمعتها «مبادرات إبراهيم» أن حالات القتل بين المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل تضاعفت بأكثر من الضعف في عام 2023.

كان ذلك أول عام كامل لوزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير الذي يشرف على الشرطة.

وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (رويترز)

بن غفير، الذي أدين بتهمة دعم الإرهاب والتحريض على العنصرية ضد العرب، رفض تحمل المسؤولية، ملقياً باللوم بدلاً من ذلك على القادة العرب المحليين لإغلاقهم «أعينهم» عن النشاط الإجرامي. في الشهر الماضي، قال إنه «خصص موارد هائلة لمحاربة الجريمة والمنظمات الإجرامية».

ويقول المنتقدون إن أفعاله أبلغ من أقواله. ففي غضون أشهر من توليه المنصب، قطع بن غفير التمويل الرئيسي لمبادرة لمكافحة الجريمة في المجتمع العربي تسمى «وقف النزيف»، كانت قد أطلقتها الحكومة السابقة. وفي العام التالي، أقال المسؤول في الشرطة الذي كان يتولى مكافحة الجريمة في المجتمع العربي، ووضع مسؤولاً أقل رتبة مكانه.

ويوم الأحد، دافع بن غفير عن الأداء الذي قدمه، قائلاً لإذاعة «كان ريشيت بيت» إنه قد تحققت «نجاحات كبيرة» خلال فترة ولايته. وقال: «أنا لا أعمل لصالح العرب، وليس فقط لصالح العرب، أنا أعمل من أجل الجميع».

وأضاف: «هناك انخفاض بنسبة 20 في المائة في جرائم القتل بين اليهود، دعونا نطرح هذا على الطاولة... وانخفاض بنسبة 60 في المائة في جرائم قتل النساء اليهوديات، وانخفاض بنسبة 20 في المائة في سرقات السيارات». وقال بن غفير إن الجريمة في القطاع العربي هي «ظاهرة خطيرة» ويعتزم «مكافحتها». لكنه ألقى باللوم على النائب العام، الذي لديه خلاف مستمر معه، و«40 عاماً من الإهمال» من قبل السلطات في هذا الارتفاع، على الرغم من تسجيل جرائم قتل قياسية خلال فترة ولايته.

وفقاً لتقرير «إيلاف»، فإن 3 من كل 4 جرائم قتل وقعت في العام الماضي حدثت في الأماكن العامة، مما يشير إلى «تطبيع خطير للجريمة المكشوفة... دون أي خوف حقيقي من تدخل فوري أو رادع فعال».

وقالت راوية حندقلو، رئيسة مركز «إيلاف»: «في ظل ضعف الحوكمة، ومحدودية التواجد الشرطي، وتآكل الثقة في المؤسسات، وجدت الجريمة المنظمة في البلدات العربية أرضاً خصبة للتوسع، وبنت نفوذها الاقتصادي والاجتماعي تدريجياً من خلال استغلال الفراغ الذي خلفته الدولة».

وتقول راوية إن العنف يعكس «تهميش وإقصاء» المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، بحجة أن الدولة كثيراً ما أرجعت الجريمة والعنف إلى كونهما مجرد نتاج للمجتمع العربي، وهو ما «يجعل المجتمع مسؤولاً عن واقع فُرض عليه».

عايدة توما سليمان العضو العربي في الكنيست الإسرائيلي (صفحتها عبر فيسبوك)

وتثير عايدة توما سليمان، عضوة الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) الفلسطينية، قضية الجريمة بنشاط في البرلمان، وتعتقد أن الخطوة الأولى للقضاء على الجريمة في المجتمع العربي هي إسقاط الحكومة اليمينية، التي تصفها بأنها «عنصرية وفاشية وإجرامية».

وقالت لشبكة «سي إن إن» خلال احتجاج سخنين: «عندما لا تتصرف الحكومة... ولا تحمّل المجرمين المسؤولية ولا تحاكمهم، فكأنها ترعاهم. نريد منهم أن يقوموا بالعمل الذي يُفترض بهم القيام به، ونريد أن نمنح شبابنا الأمن للتطور والشعور بأنهم يعيشون».

في ديسمبر (كانون الأول)، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي عن خطط لإعادة توجيه 70 مليون دولار من برنامج مصمم لتعزيز التنمية الاقتصادية العربية إلى الشرطة لمعالجة «الجريمة القومية الخطيرة» في المجتمع العربي.

وصف مركز «مساواة»، وهي مجموعة تدافع عن الحقوق المتساوية للمواطنين الفلسطينيين، بأنه «خطوة سياسية خطيرة» لن تفعل شيئاً لمكافحة الجريمة.

وجاء في بيان للمركز: «بينما تفشل الوزارة في استخدام الميزانيات الموجودة تحت تصرفها بالفعل، فهي تدفع لخفض الميزانيات المخصصة لمجالات أخرى مثل التعليم والإسكان وتحويلها إلى خزائنها الخاصة. لا يمكن تفسير هذا إلا على أنه سياسة متعمدة لإفقار المجتمع العربي بشكل أكبر وإغراقه في أزمات أعمق، بما في ذلك آفة الجريمة».

ولا يزال قاسم عوض ينتظر العدالة لمقتل ابنه، ولا يجد عزاء إلا في صور ابنه الراحل في منزله بالمزرعة.

وعندما سُئل عما إذا كان لديه أي أمل في أن تكون هناك عدالة لمقتله، تنهد وأشار إلى السماء، وقال: «العدالة موجودة فقط في الأعلى، عند الله».


مقالات ذات صلة

لكمات متبادلة وثقيلة قبل أسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية

شؤون إقليمية ملصق انتخابي يظهر فيه غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) ومنافسه رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

لكمات متبادلة وثقيلة قبل أسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية

لجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومنافسه على رئاسة الحكومة غادي آيزنكوت، إلى تبادل اللكمات الثقيلة خلال الأسبوعين المتبقيين من المعركة الانتخابية.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

نتنياهو: اتصلت بالشرع خلال أزمة السويداء

كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنه تحدث مع الرئيس السوري أحمد الشرع بعد وقت قصير من قصف إسرائيلي استهدف وزارة الدفاع السورية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية عمال يجهزون أوراق الاقتراع للانتخابات الإسرائيلية بالقرب من تل أبيب الخميس (د.ب.أ) p-circle

الحكومة الإسرائيلية نحو تمديد حالة الطوارئ إلى ما بعد الانتخابات

تتجه الحكومة الإسرائيلية إلى تمديد حالة الطوارئ الداخلية التي تنتهي في 20 أكتوبر الحالي، لتكون حتى 3 نوفمبر المقبل؛ أي إلى ما بعد انتخابات الكنيست.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شمال افريقيا  السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2017 (الرئاسة المصرية)

هل تخفف تطمينات السيسي بشأن «السلام» التوتر مع إسرائيل؟

قال السيسي إن مصر «خاضت حرباً دفاعاً عن أرضها واستعادت كامل أراضيها».

هشام المياني (القاهرة )
شؤون إقليمية أفراد من الشرطة الألمانية (د.ب.أ)

محكمة ألمانية تسجن رجلين لإدانتهما بالتجسس على أهداف يهودية لصالح إيران

قضت محكمة ألمانية، اليوم الخميس، بالسجن عدة سنوات بحقّ رجلين؛ لإدانتهما بالتجسس لصالح إيران.

«الشرق الأوسط» (هامبورغ (ألمانيا))

عون يطلب من روبيو الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها في الجنوب

الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)
TT

عون يطلب من روبيو الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها في الجنوب

الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)

تلقى الرئيس اللبناني جوزيف عون، الخميس، اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بحثا خلاله في الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة، في ضوء التطورات الأخيرة.

وتناول الاتصال الوضع في جنوب لبنان، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على القرى والبلدات الجنوبية. وطلب عون من روبيو الضغط على إسرائيل لوقف هذه الاعتداءات، والالتزام بمندرجات اتفاق الإطار، ووقف أعمال التجريف، فضلاً عن تمكين المزارعين من الوصول إلى حقولهم من دون التعرض لهم.

وفي سياق متصل، أكد عون أن الجيش اللبناني والقوى الأمنية يقومان بواجباتهما كاملة في تنفيذ القرارات المتعلقة بمنع المظاهر المسلحة، ومصادرة الأسلحة والذخائر، ومكافحة التهريب، مشيراً إلى أن الإجراءات التي اتُّخذت خلال الأيام القليلة الماضية تندرج في هذا الإطار.

وشدد رئيس الجمهورية على أن الأجهزة القضائية تتابع جميع الملفات المحالة إليها، مؤكداً عدم التساهل مع المرتكبين وتطبيق القوانين من دون محاباة.

وفي واشنطن، كشف مسؤول أميركي أن روبيو أبلغ الرئيس اللبناني أن إعادة المتفجرات التي صودرت قبل أيام إلى «حزب الله» أمر «يجب ألا يكون مطروحاً للنقاش على الإطلاق».

وأضاف أن روبيو ⁠حضّ عون ‌على ‌ضرورة ​محاسبة ‌المسؤولين عن شحن ‌المتفجرات وتحمل تكلفتها وتوجيهها.وتابع أن روبيو دعا الرئيس اللبناني إلى التواصل العسكري المباشر بين الجيشين اللبناني ​والإسرائيلي «لفض ​النزاع».


لبنان يلغي الترخيص المحلي لبنك «صادرات إيران»

مبنى «مصرف لبنان المركزي» في بيروت (المصرف)
مبنى «مصرف لبنان المركزي» في بيروت (المصرف)
TT

لبنان يلغي الترخيص المحلي لبنك «صادرات إيران»

مبنى «مصرف لبنان المركزي» في بيروت (المصرف)
مبنى «مصرف لبنان المركزي» في بيروت (المصرف)

ألغى «مصرف لبنان» هذا الأسبوع الترخيص المحلي لبنك «صادرات»؛ أحد أكبر البنوك الإيرانية، في وقت تكثف فيه الولايات المتحدة ضغوطها على الدول لقطع العلاقات التجارية مع طهران.

وقال حاكم «مصرف لبنان»، كريم سعيد، في مقابلة مع «بلومبرغ»، إن الخطوة تهدف إلى «إرسال إشارة واضحة للعالم الخارجي بأننا عازمون على حماية قطاعنا المصرفي من أي جهة قد تعرضه لخطر التلوث».

وتأتي خطوة لبنان في أعقاب تشديد بنوك مركزية إقليمية أخرى القيودَ على النظام المالي الإيراني، وتتزامن مع ضغوط أميركية متصاعدة على المستوى العالمي، وفق الحاكم.

رئيس الجمهورية ملتقياً حاكم «مصرف لبنان» في 2 أكتوبر (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ويُعدّ بنك «صادرات» من أقدم البنوك التجارية في إيران، وله فروع عدة في الخارج. ولم يكن البنك يعمل بنكاً تجارياً واسع النطاق يخدم عموم الجمهور في لبنان أو يقدم خدمات مصرفية جماعية بالشكل المعتاد للمصارف الكبرى في لبنان. فقد اقتصرت عملياته على نطاق ضيق ومحدد للغاية، وتحديداً في تسهيل بعض الحوالات والأنشطة المالية المرتبطة بشبكات أو جهات معينة.

ونظراً إلى العقوبات المرتبطة بالمؤسسات الإيرانية، فقد كان البنك معزولاً فعلياً عن شبكات المراسلة المصرفية الدولية الكبرى (مثل «سويفت») ونظم الدفع العالمية.

وتشن واشنطن حملة لعزل إيران اقتصادياً في محاولة لإجبارها على الموافقة على الشروط الأميركية لإنهاء الحرب. والشهر الماضي، أعلنت بريطانيا أنها سترفض طلبات الترخيص الجديدة المقدمة من أي بنوك إيرانية خاضعة لعقوبات أميركية، من بينها بنك «صادرات»، الذي يدير فرعاً قرب «بنك إنجلترا» في الحي المالي بلندن.

تجنب المخاطر

وقال حاكم «مصرف لبنان»، على هامش الاجتماعات السنوية لـ«صندوق النقد الدولي» في تايلاند: «رأينا أن جميع الاقتصادات الأخرى الأكبر والأقوى، مثل الإمارات وتركيا، امتثلت لمثل هذه الطلبات من أجل الحفاظ على علاقة بنوكها بالنظام المالي الدولي. لبنان لا يستطيع تحمل مثل هذا الخطر».

وأضاف: «علينا أحياناً اتخاذ قرارات حساسة سياسياً؛ لأننا نريد حماية قطاعنا المصرفي من أي عقوبات أو ضغوط خارجية».

وقال سعيد إن على لبنان الخروج ممّا تُعرف بـ«القائمة الرمادية» لـ«مجموعة العمل المالي (فاتف)»؛ بسبب أوجه القصور في مكافحة التدفقات المالية غير المشروعة، وأن «ينظف اقتصاده من جميع الأموال غير المشروعة وغير القانونية و(أموال غسل الأموال)». وأضاف أن «المصرف المركزي» استعان بشركة أميركية مختصة لرسم خريطة لاقتصاد النقد في البلاد وتتبع أي نشاط مشبوه.

رجل يتجه إلى «مصرف لبنان المركزي» (أ.ب)

ولسنوات طويلة، كان البنك وهيكليته محل شبهات ومتابعة دقيقة من قبل الدوائر المالية الدولية، وتحديداً وزارة الخزانة الأميركية، التي كانت تعدّه من الأدوات المالية المحتملة لجهات إقليمية (مثل «حزب الله»). وعلى الرغم من هذه الضغوط، فإن الفرع في لبنان ظل يحافظ على وجوده القانوني تحت مظلة ترخيص قديم صادر عن «مصرف لبنان»، وسط مطالبات أميركية متكررة بضرورة إغلاقه وقطع أذرعه المالية تماماً.

«صندوق النقد»

ويسعى لبنان إلى إنعاش اقتصاده بعد انهيار مالي أدى إلى التخلف عن سداد سندات دولية بقيمة نحو 30 مليار دولار في عام 2020.

وتُجري البلاد محادثات مع «صندوق النقد الدولي» للحصول على قرض محتمل، في خطوة أساسية نحو التعافي.

وقال سعيد: «ستكون هذه مسألة مهمة». وأضاف أنه رغم أن ذلك ليس جزءاً من شروط «صندوق النقد الدولي» لحزمة دعم محتملة، فإن «هناك قاعدة غير مكتوبة مفادها بأن المقرض والمانحين الذين سينضمون إلى البرنامج سيصرون على وجود قطاع مالي نظيف».


مناصب جديدة لاستكمال حكومة العراق

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)
TT

مناصب جديدة لاستكمال حكومة العراق

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)

يستكمل العراق حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي عبر تفاهمات تشمل ملء الحقائب الوزارية الشاغرة واستحداث وزارات جديدة، إلى جانب تسمية أربعة نواب لرئيس الوزراء، في ترتيبات تعكس استمرار تقاسم المناصب بين القوى السياسية، من دون رواتب أو مخصصات مالية للنواب الجدد.

وأدرج مجلس النواب على جدول أعمال جلسته المقررة مساء الخميس التصويت على المرشحين للوزارات الشاغرة والمستحدثة ومناصب نواب رئيس الوزراء. وجاء ذلك بعد اتفاقات بين الكتل السياسية على عدد من الأسماء، فيما ظلت حقائب موضع خلاف حتى الساعات التي سبقت الجلسة.

وضمت قائمة المرشحين لمناصب نواب رئيس الوزراء ليث الخزعلي عن «حركة عصائب أهل الحق»، ومحسن المندلاوي عن «تحالف الأساس»، ومحمد تميم عن «حزب تقدم»، وفارس بريفكاني عن «الحزب الديمقراطي الكردستاني».

كان الزيدي قد أبلغ البرلمان أن نواب رئيس الوزراء لن يتقاضوا رواتب أو تخصيصات مالية، وأنه لن تُستحدث تعيينات جديدة لمكاتبهم.

ولم تتضمن المعطيات المعلنة تفاصيل عن الصلاحيات التنفيذية التي ستُمنح لهم أو طبيعة المسؤوليات التي ستُسند إليهم في إدارة العمل الحكومي.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

مناصب جديدة

كما تشمل التفاهمات المطروحة استحداث وزارة للاقتصاد الرقمي والحوكمة، وأخرى للدولة لشؤون الأقليات، فضلاً عن وزارة السياحة والآثار. ورُشح محمد صاحب الدراجي، عن «تحالف خدمات» الذي يتزعمه شبل الزيدي، لوزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة، ومحمد سمعان عن الجبهة التركمانية لوزارة الدولة لشؤون الأقليات، وعلي الدخيلي لوزارة السياحة.

ولم يتضح بعد نطاق الصلاحيات التنفيذية للوزارات المستحدثة، أو كيفية توزيع مسؤولياتها مع الوزارات والمؤسسات القائمة. كما لم تقدم التفاهمات المعلنة تفاصيل عن هياكلها الإدارية والمالية، بما يسمح بتقدير أثرها على عمل الحكومة.

ويثير الجمع بين استحداث وزارات وتسمية نواب لرئيس الوزراء تساؤلات بشأن الوظيفة العملية لهذه المواقع، في وقت تركز فيه المفاوضات السياسية على توزيع المناصب بين الكتل.

ولا تتعلق المسألة بهوية المرشحين وحدها، بل أيضاً بمدى ارتباط المناصب الجديدة بمسؤوليات تنفيذية محددة، وما إذا كانت ستضيف وظائف حكومية واضحة أم ستوسع الهيكل الإداري للدولة.

حسم الداخلية والدفاع

وفيما يتعلق بالحقائب الشاغرة، شملت قائمة المرشحين ياسر المالكي لوزارة الداخلية، وحيدر بهاء الحسيني لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ونايف الشمري لوزارة الدفاع، وريباز حملان لوزارة الإعمار والإسكان، وصفاء الكناني لوزارة الشباب والرياضة.

ظلت وزارتا التخطيط والهجرة والمهجرين موضع خلاف في التفاهمات التي سبقت الجلسة، بحسب تصريحات نواب. ويعكس استمرار الخلاف على بعض الحقائب، بالتزامن مع الاتفاق على استحداث وزارات ومناصب جديدة، صعوبة فصل استكمال التشكيلة الحكومية عن المساومات بين الكتل السياسية.

ولا تقتصر أهمية هذه الترتيبات على استكمال التشكيلة الحكومية، بل تمتد إلى طبيعة الأدوار التي ستؤديها المؤسسات والمناصب الجديدة، ومدى وضوح مسؤولياتها وآليات مساءلتها داخل الحكومة.