منح زعيم «التيار الوطني الشيعي» مقتدى الصدر ما يشبه «العفو» لمجموعة من أتباعه الذين كانوا قد فضّلوا الانشقاق عن تياره والتحقوا بفصائل مسلحة لا يتمتع أغلبها بعلاقات جيدة معه. ومعروف أن معظم قادة وعناصر الفصائل الشيعية المسلحة تعود جذورها إلى مرجعية الراحل محمد صادق الصدر، والد مقتدى الصدر.
وكان أمين عام «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي، أحد مساعدي الصدر قبل انشقاقه منتصف يونيو (حزيران) 2006، وكذلك الحال مع بقية قادة الفصائل. وقد أسهمت التدخلات المحلية والإقليمية؛ خصوصاً الإيرانية منها، بدور مهم في تلك الانشقاقات، في إطار مسعى لإضعاف الصدر وتياره.
وقال الصدر، رداً على سؤال تقدمت به «مجموعة من بغداد» من أتباعه السابقين طالبوه بـ«فتح باب العودة» إلى تياره: «أنا على اطلاع على معاناتكم وأعلم احتياجاتكم، بل وأعلم علم اليقين أن انتماءكم لهم انتماء جسدي ليس إلا». وأضاف: «أعلم أن قلوبكم معنا، بل وعقولكم معنا، تحبّون الوطن كما نحبّه، وتبغضون التبعية كما نبغضها. وكما أن قلوبكم معنا فقلبي معكم، وما نسيتكم من الدعاء بالتوفيق والهداية والسداد، فأهلاً بكم متى شئتم. ومن لم يشأ فليكن فيهم ولا يكن منهم، فذلك ظني بكم... نعم، ظني بكم أنكم ما زلتم على العهد، عهد أبينا الصدر. مرحباً بكم في أي زمان وأي مكان، فباب آل الصدر مفتوح دوماً كما عهدتموه».
وجاء باب الصدر المفتوح لـ«التائبين» بعد أيام قليلة من اغتيال القيادي في تيار الصدر و«سرايا السلام» حسين العلاق في مدينة العمارة الجنوبية، وسط اتهامات لـ«عصائب أهل الحق» بالضلوع في عملية الاغتيال؛ وهو ما نفاه أمين عام العصائب قيس الخزعلي في بيان الأسبوع الماضي.
وتشهد المحافظات الجنوبية منذ أيام حالة من التوتر بين التيار الصدري وبعض الفصائل المسلحة، ولا سيما بعد اغتيال القيادي الصدري، الأمر الذي دفع مقتدى الصدر إلى رفع قرار «تجميد» سرايا السلام، الجناح العسكري لتياره، في محافظتي البصرة وواسط الجنوبيتين. ودعا الصدر، الجمعة، إلى صلاة جمعة موحدة في مدينة العمارة شارك فيها الآلاف من أتباعه، فيما بدا أنه رد مباشر على حادث الاغتيال. ومعروف أن محافظة ميسان، ومركزها مدينة العمارة، تُعد من أبرز معاقل التيار الصدري في الجنوب، إذ هيمن التيار على حكومتها المحلية لأكثر من 15 عاماً، قبل أن يقرر الصدر سحب تياره من البرلمان ورفض المشاركة في الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية، الأمر الذي أتاح لقوى من «الإطار التنسيقي» وفي مقدمتها «عصائب أهل الحق» بسط نفوذها على المحافظة.
ويقول قيادي في التيار الصدري لـ«الشرق الأوسط» إن «تحركات الصدر الأخيرة تبعث رسائل تحذير واضحة لخصومه من جماعات الفصائل المسلحة التي يطلق الصدر على بعضها توصيف (الميليشيات الوقحة)». ويضيف أن «رفع تجميد السرايا وإقامة الصلاة لا يخلوان من سعي لاستعراض القوة أمام بعض الفصائل التي لا تتورع عن ارتكاب جرائمها ضد أتباع التيار الصدري».
ورغم استبعاد القيادي الصدري «وقوع صدامات مسلحة» بين التيار وخصومه في هذه المرحلة، فإنه لا يستبعد احتمال حدوث ذلك لاحقاً «إذا ما استمرت تلك الجماعات في عمليات استهدافها للقيادات الصدرية». ويرى أن «السلوكيات العدوانية التي ترتكبها بعض الفصائل لا يمكن عزلها عن سياق المخاوف التي تحيط بها، خاصة المتعلقة بإمكانية تَصدّر جبهة الراعي الإيراني. إنهم يسعون إلى تقويض قوة التيار الصدري لمنعه لاحقاً من شغل الفراغ الذي قد تخلفه التطورات الإقليمية».



