الحكومة اللبنانية تقرّ مشروع قانون «استرداد الودائع» رغم الاعتراضات

سلام: ليس مثالياً لكنه خطوة واقعيّة ومنصفة

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام (رويترز)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام (رويترز)
TT

الحكومة اللبنانية تقرّ مشروع قانون «استرداد الودائع» رغم الاعتراضات

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام (رويترز)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام (رويترز)

أقرت الحكومة اللبنانية، الجمعة، مشروع قانون استرداد الودائع المالية المجمدة في المصارف منذ عام 2019، وسط انقسام بالتصويت داخل مجلس الوزراء، ما يقدم صورة مسبقة عن الصعوبات التي تحيط بإقرار القانون في البرلمان، حيث صوتت كتل سياسية أساسية تمتلك نفوذاً واسعاً في مجلس النواب، ضدّ المشروع الذي مرره تأييد وزراء «الحزب التقدمي الاشتراكي» والمحسوبون على رئيس الحكومة نواف سلام.

وبدا أن الحكومة رمت بكرة اللهب إلى ملعب البرلمان، حيث سيخضع مشروع القانون لدراسة معمقة في لجنة المال والموازنة واللجان المشتركة، قبل إحالته إلى الهيئة العامة لمجلس النواب. ومهّدت الاعتراضات السياسية بعد الإعلان عن إقراره، لشكل الاعتراض عليه قانونياً في البرلمان، مما يهدد بإطالة البحث فيه، أو إخضاعه لتعديلات جوهرية قبل إقراره.

وبعد أربع جلسات حكومية، عُقدت على مدى ثلاثة أيام، وناقشت مشروع القانون المعروف باسم «قانون الفجوة المالية»، أقرت الحكومة مشروع القانون بأكثرية 13 صوتاً، مقابل اعتراض 9 وزراء. وكانت النقاشات بدأت في جلسة، الاثنين، في القصر الرئاسي، ثم استُكملت النقاشات، الثلاثاء والجمعة، في السراي الحكومي، وغاب عن الجلسة الأخيرة حاكم مصرف لبنان كريم سعيد الذي كان قدم كل الملاحظات للحكومة في الجلستين الماضيتين، وانتقد المشروع في بيان، الثلاثاء الماضي. كما غاب وزير الثقافة غسان سلامة.

مساءلة ومحاسبة

وقال سلام بعد الجلسة: «للمرة الأولى، يتضمن قانون الفجوة مساءلة ومحاسبة»، نافياً ما يُقال إنه يتضمن «إعفاء عما مضى»، وقال: «أدخلنا عليه ضرورة استكمال التدقيق الجنائي والمحاسبة». ولفت سلام إلى أن «الكلام الذي يقال يهدف للتشويش على المودعين، لا سيما صغار المودعين». وطمأن إلى أن الانتقادات «تأتي في سياق ذرّ الرماد في العيون»، ودعا لعدم مزايدة أحد عليه.

وأعلن سلام أن «قانون الفجوة الماليّة ليس مثالياً، وفيه نواقص، ولا يحقق تطلعات الجميع، لكنه خطوة واقعيّة ومنصفة على طريق استعادة الحقوق ووقف الانهيار الذي يعاني منه البلد وإعادة العافية للقطاع المصرفي».

وأكد سلام «أن 85 في المائة من المودعين سيحصلون على أموالهم كاملة»، في إشارة إلى صغار المودعين الذين لا تتخطى قيمة ودائعهم المائة ألف دولار، معلناً أن «السندات ليست وعوداً على ورق، بل هي مدعومة بـ50 ملياراً من موجودات المصرف المركزي»، في إشارة إلى السندات السيادية التي سيحملها المودعون الذين تتخطى قيمة ودائعهم المائة ألف دولار، وتستحق على فترات تمتد إلى 15 عاماً.

وأكد سلام «أننا لا نبيع الذهب ولا نرهنه، ومنعاً لأي استغلال، حصنّا بمشروع القانون حماية الذهب». وقال: «سنستكمل التدقيق الجنائي والمحاسبة».

وأوضح سلام «أن إقرار مشروع قانون الفجوة الماليّة يفترض أن يفتح لنا باب التفاهم مع صندوق النقد ومع دول مانحة، ويساعد على جلب الاستثمارات، مع التحسن الاقتصادي الذي أراهن عليه».

رئيس الحكومة يتحدث مع وزير المال ياسين جابر ووزير الصناعة جو عيسى الخوري في جلسة الثلاثاء الماضي (رويترز)

توازنات البرلمان

وعكس التصويت في مجلس الوزراء، صورة متوقعة عن صعوبات إقرار المشروع في البرلمان، بالنظر إلى أن توازنات مجلس النواب مختلفة عن التوازنات داخل الحكومة. فقد عارض مشروع القانون معظم الوزراء المحسوبين على «حركة أمل» (ما عدا وزير المال ياسين جابر الذي أيّد المشروع)، و«حزب الله»، و«القوات اللبنانية»، والوزير المحسوب على «الكتائب اللبنانية»، والوزيرة المحسوبة على حزب «الطاشناق».

وسينضم هؤلاء إلى لائحة أحزاب أخرى تعترض على مشروع القانون في البرلمان، وهي قوى غير ممثلة في الحكومة، بينهم «التيار الوطني الحر» ومستقلّون... ويمتلك هؤلاء المعترضون أغلبية في البرلمان، مما يعني أن القانون لن يمرّ كما هو، وسيخضع لتعديلات كبيرة في اللجان النيابية قبل إحالته إلى الهيئة العامة لمجلس النواب.

اعتراضات سياسية واقتصادية

ومهدت قوى سياسية للنقاشات المقبلة؛ إذ قال وزير العدل عادل نصار إنه صوّت ضد مشروع قانون الفجوة المالية «بسبب غياب وضوح في الأرقام، وفي القدرة على الإيفاء بالالتزامات».

وأعرب وزير الإعلام بول مرقص عن «تحفظه على مشروع قانون الفجوة المالية»، مشدداً على «ضرورة تحصيل مزيد من حقوق المودعين، والعمل على النهوض بالقطاع المصرفي، وإعادة تشغيله من جديد»، مشيراً إلى «غياب الأرقام الواضحة والكافية في المشروع».

كما أشار النائب غسان حاصباني إلى أن وزراء «‫القوات اللبنانية»، «صوتوا ضد قانون (تعميق الفجوة) الذي لا يعيد الودائع ولا يرضي صندوق النقد، ويعفي من طيّر أموال الناس عما مضى».

وإلى جانب القوى السياسية، قال الأمين العام للهيئات الاقتصاديّة نقولا شمّاس: «قانون الفجوة المالية سيّئ وسيأخذنا إلى الفوضى المالية، ولم أفهم كيف يمكن خلال 20 ساعة البتّ بأخطر قانون شهد عليه لبنان».


مقالات ذات صلة

العودة المؤجلة... لماذا عاد اللبنانيون نهاراً إلى الجنوب وغادروه ليلاً؟

خاص طوابير من السيارات على أوتوستراد الرميلة جنوب بيروت مع بدء عودة نازحين لبنانيين إلى قراهم في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

العودة المؤجلة... لماذا عاد اللبنانيون نهاراً إلى الجنوب وغادروه ليلاً؟

عاد اللبنانيون نهاراً وغادروا ليلاً هكذا اختصر كثير من أبناء الجنوب مشهد الأيام الأولى بعد الإعلان عن وقف العمليات العسكرية

صبحي أمهز (بيروت)
خاص أحد مباني «القرض الحسن» بالضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لغارة إسرائيلية خلال الحرب في 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

خاص الذراع المالية لـ«حزب الله» أمام القضاء اللبناني

في خطوة تحمل أبعاداً قضائية ومالية وسياسية، أحال وزير العدل اللبناني عادل مؤسسة «القرض الحسن»، الذراع المالية لـ«حزب الله»، على النيابة العامة التمييزية

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان... 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

في مدينة النبطية… لبنانيون يتحسرون على منازلهم وأرزاقهم

بعدما علم بتوصّل طهران وواشنطن إلى اتفاق ينهي الحرب في الشرق الأوسط ويشمل لبنان، عاد كمال كمال إلى مدينته النبطية، ليفاجأ بأن تعب العمر استحال ركاماً.

«الشرق الأوسط» (النبطية)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يبكون أمس زميلاً لهم قُتل بمسيّرة في جنوب لبنان (أ.ب)

أمهات جنود إسرائيليين في رسالة للرئيس اللبناني: نرفض سياسة نتنياهو

توجهت مجموعة كبيرة من الناشطات الإسرائيليات تضم 1250 أمّاً لجنود برسالة مفتوحة للرئيس اللبناني جوزيف عون بقبول دعوته للسلام، ونبذ خيار بنيامين نتنياهو بالحرب.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان عبر مدينة صيدا (رويترز)

خاص نازحو الجنوب والضاحية... بين حماسة العودة والخوف من المجهول

أعاد الاتفاق الأميركي - الإيراني فتح باب العودة أمام آلاف اللبنانيين الذين أمضوا الأشهر الماضية بين النزوح والترقب.

صبحي أمهز (بيروت)

العودة المؤجلة... لماذا عاد اللبنانيون نهاراً إلى الجنوب وغادروه ليلاً؟

طوابير من السيارات على أوتوستراد الرميلة جنوب بيروت مع بدء عودة نازحين لبنانيين إلى قراهم في جنوب لبنان (إ.ب.أ)
طوابير من السيارات على أوتوستراد الرميلة جنوب بيروت مع بدء عودة نازحين لبنانيين إلى قراهم في جنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

العودة المؤجلة... لماذا عاد اللبنانيون نهاراً إلى الجنوب وغادروه ليلاً؟

طوابير من السيارات على أوتوستراد الرميلة جنوب بيروت مع بدء عودة نازحين لبنانيين إلى قراهم في جنوب لبنان (إ.ب.أ)
طوابير من السيارات على أوتوستراد الرميلة جنوب بيروت مع بدء عودة نازحين لبنانيين إلى قراهم في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

«عاد اللبنانيون نهاراً» إلى جنوب لبنان في اليوم الأول لدخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، و«غادروا ليلاً». هكذا اختصر كثير من أبناء الجنوب مشهد اليوم الأول بعد الإعلان عن وقف العمليات العسكرية. فبدلاً من العودة النهائية التي انتظروها لأشهر، تحولت الرحلة إلى زيارة مؤقتة لتفقد المنازل وجمع بعض الأغراض والاطمئنان إلى ما تبقى من الممتلكات. وبين دمار واسع، وخدمات شبه معدومة، وخوف لم يتبدد بالكامل، وجد كثيرون أنفسهم مضطرين إلى مغادرة قراهم مجدداً مع حلول المساء.

وكشفت شهادات من مدينة النبطية وقرى كفررمان ورومين والبازورية في جنوب لبنان أن العائق أمام العودة لم يعد أمنياً فقط، بل أصبح أيضاً معيشياً ونفسياً.

النبطية... الناس يأتون ثم يغادرون

يقول داهج إسماعيل لـ«الشرق الأوسط» إن «الحركة التي شهدتها النبطية بقيت محدودة رغم رغبة كثير من الأهالي في العودة». ويضيف: «كان الناس يفكرون بالعودة لكنهم صدموا بالواقع، حيث إن حركة الناس يوم الاثنين كانت أفضل من الثلاثاء، بسبب استمرار الغارات والمسيّرات والقصف طوال الليل، ما جعل كثيرين يتراجعون عن قرار العودة».

ويؤكد أن العامل الأمني كان السبب الأول لتراجع موجة العودة، مشيراً إلى أن «القصف الذي استمر على النبطية الفوقا وكفررمان وكفرتبنيت ومحيط زوطر وميفدون دفع كثيرين إلى تأجيل قرار البقاء والاكتفاء بزيارة قصيرة للمنازل قبل المغادرة مجدداً».

ويرى إسماعيل أن المشكلة لا تتوقف عند الجانب الأمني، قائلاً: «النبطية اليوم فيها دمار كبير. لا كهرباء ولا مياه ولا حياة. المحال التجارية متضررة، والناس لا يعرفون إذا كان من المنطقي أن تدفع أموالاً لإعادة الترميم ثم تضطر إلى المغادرة مجدداً إذا تدهور الوضع».

وخلال جولة أجراها في المدينة، يصف المشهد بأنه «محزن جداً»، مضيفاً: «في السوق والأحياء السكنية آثار الدمار في كل مكان. من يستطيع البقاء هم الذين يملكون بدائل خاصة، أما الغالبية فتأتي لتتفقد منازلها ثم تغادر. لا توجد مقومات فعلية للحياة».

رجل يتفقد موقع غارة إسرائيلية في بلدة كفرصير جنوب لبنان (رويترز)

كفررمان... صدمة العودة إلى مكان لا يشبه الذاكرة

أما رنا غنوي، وهي من سكان بلدة كفررمان، فتقول إن الصدمة بدأت منذ الطريق المؤدية إلى البلدة. وتروي لـ«الشرق الأوسط»: «منذ اللحظة التي دخلنا فيها من جهة الزهراني كان الدمار هائلاً. لم أتوقع في حياتي أن أرى المنطقة بهذا الشكل. صرنا نحاول أن نتذكر أين كانت الصيدلية وأين كان المركز التجاري. كثير من المعالم اختفى بالكامل».

وتضيف: «شعرت بأننا نسير في مكان لا نعرفه. هناك أحياء كاملة تبدلت، وأعمدة كهرباء مرمية على الأرض، وكل شيء ما زال يحمل آثار الحرب».

لكن الزيارة لم تستمر طويلاً. وتقول: «ما إن وصلت حتى بدأ القصف المدفعي مجدداً. خفت كثيراً وقلت لزوجي إنني أريد المغادرة فوراً». وتتابع: «وضعت بسرعة بعض الملابس الصيفية لي وللأولاد، وحملت بعض حاجياتهم الضرورية وغادرنا. فخرجنا على وقع القذائف».

وترى غنوي أن المشكلة لا تتعلق بالقصف فقط، موضحة: «حتى لو توقف القصف بالكامل، فلا توجد كهرباء ولا مياه ولا خدمات. ماذا يفيد أن يكون البيت قائماً إذا كانت الحياة نفسها غير موجودة؟». وتضيف: «إحدى جاراتي أمضت الليل في كفررمان، واتصلت بي صباحاً لتخبرني أن أولادها لم يناموا من شدة الخوف بسبب الأصوات».

رومين... الحرب أصابت الذاكرة

في بلدة رومين بإقليم التفاح، يروي عبد مكي جانباً مختلفاً من تجربة العودة، يتمثل في الصدمة النفسية الناتجة عن تبدل المكان الذي عاش فيه سنوات طويلة.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «المشكلة ليست أمنية فقط. المكان بالنسبة للإنسان ليس حجارة، بل هو ذاكرة وأمان وراحة نفسية. عندما تعود إليه وتراه محطماً تشعر بأن شيئاً في داخلك تحطم أيضاً».

زار مكي منزله في رومين صباحاً لتفقده ثم غادر بعد ساعات قليلة. ويقول إن «قراره بمغادرة رومين بعد ساعات من الوصول لم يكن مرتبطاً بالدمار فقط، بل أيضاً باستمرار حالة عدم اليقين الأمني». كما يقول: «قد يكون الوضع أفضل من السابق، لكن لا أحد يستطيع أن يقول إن الأمور استقرت نهائياً. ما زال هناك قصف في مناطق قريبة، من حبل الرفيع إلى جبل صافي ومحيط الريحان، وهذا يجعل الناس يترددون في اتخاذ قرار العودة الدائمة».

ويرى مكي أن كثيراً من الأهالي يتعاملون اليوم بالعقلية نفسها، موضحاً: «الناس لا ينظرون فقط إلى الوضع الحالي، بل إلى ما قد يحدث بعد يوم أو أسبوع. لذلك تجد كثيرين يزورون منازلهم ويتفقدونها ثم يغادرون مجدداً بانتظار أن يقتنعوا بأن الاستقرار أصبح فعلياً وليس مؤقتاً».

نازحة تحمل صورة الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بينما تجلس فوق شاحنة صغيرة مع أقاربها خلال عودتهم إلى منازلهم في جنوب لبنان (رويترز)

أستطيع البقاء لأن لدي طاقة شمسية وبئر مياه

في البازورية بقضاء صور، تبدو صورة العودة مختلفة بعض الشيء. قرر إياد سرور البقاء في منزله رغم الأضرار التي لحقت به، لكنه يؤكد أن ذلك لم يكن ممكناً لولا اعتماده على موارده الخاصة.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «أتمكن من البقاء حالياً لأن لدي طاقة شمسية وبئر مياه، لكن غالبية الأهالي لا يملكون هذه البدائل، ولذلك لا يستطيعون العودة أو الاستقرار في منازلهم». ويضيف: «يمكن القول إن الناس عادوا ولم يعودوا في الوقت نفسه. كثيرون قصدوا منازلهم لتفقدها ثم غادروها مجدداً، إما بسبب استمرار حالة الترقب الأمني، وإما بسبب غياب مقومات الحياة الأساسية».

ويوضح أن الخدمات لا تزال بعيدة عن مستواها الطبيعي، قائلاً: «حتى الآن لم تعد الخدمات إلى طبيعتها. لا تزال هناك مشكلات في الكهرباء والمياه، كما أن الوضع يختلف من حي إلى آخر».

ويلفت إلى أن منزله تضرر جزئياً جراء الحرب، فيما تعرض منزل العائلة لأضرار أكبر، مضيفاً: «رغم ذلك قررت العودة والإقامة في منزلي. لم أكتفِ بزيارة قصيرة ثم المغادرة، بل أحاول التأقلم مع الظروف الحالية ومواصلة حياتي قدر الإمكان».

وعن الواقع الأمني، يقول سرور إن الأهالي لا يزالون يعيشون حالة من الترقب، موضحاً: «لا يمكن القول إن الصورة أصبحت واضحة بالكامل. الناس ما زالوا ينتظرون مزيداً من الوقت حتى يطمئنوا إلى استقرار الأوضاع بصورة نهائية».

ويرى أن إعادة الحياة الطبيعية إلى القرى الجنوبية تتطلب جهداً جماعياً، قائلاً: «الأمر يحتاج إلى تعاون بين الدولة والوزارات المعنية والبلديات والأهالي. وأعتقد أن إعادة الخدمات إلى مستواها الطبيعي لن تكون مسألة أيام أو أسابيع، بل قد تحتاج إلى أشهر».


توتر في سامراء يختبر خطة «حصر السلاح»

أعضاء من «سرايا السلام» التابعة لمقتدى الصدر خلال استعراض عسكري في سامراء (أ.ف.ب)
أعضاء من «سرايا السلام» التابعة لمقتدى الصدر خلال استعراض عسكري في سامراء (أ.ف.ب)
TT

توتر في سامراء يختبر خطة «حصر السلاح»

أعضاء من «سرايا السلام» التابعة لمقتدى الصدر خلال استعراض عسكري في سامراء (أ.ف.ب)
أعضاء من «سرايا السلام» التابعة لمقتدى الصدر خلال استعراض عسكري في سامراء (أ.ف.ب)

أعلن فصيل «سرايا السلام» التابع لمقتدى الصدر في العراق، الثلاثاء، رفضه التام العمل تحت قيادة «الحشد الشعبي»، في توتر قد يشكل اختباراً مبكراً لخطة «حصر السلاح» التي باشرت حكومة علي الزيدي تنفيذها مطلع يونيو (حزيران) 2026.

وجاء رفض «سرايا السلام» بعد أنباء عن تعيين قائد أمني جديد يشاع أنه مقرب من حركة «عصائب أهل الحق» في مدينة سامراء، التي يتمركز فيها جناح الصدر.

ولا تتمتع «عصائب أهل الحق» التي يقودها قيس الخزعلي، أحد قادة «الإطار التنسيقي» بعلاقات ودية مع «التيار الصدري» وزعيمه مقتدي الصدر؛ لأسباب يصفها مراقبون بـ«السياسية والعقائدية».

وحذّر مسؤول في «التيار الصدري»، خلال حديث مع «الشرق الأوسط»، من «حالة توتر شديدة» في سامراء؛ جراء «حالات الاحتكاك المتعمدة» التي يقوم بها بعض القيادات والجهات في «هيئة الحشد الشعبي» مع المقاتلين في «السرايا»؛ وفق تعبيره.

وأكد المسؤول أن الخلاف بين «السرايا» و«الحشد الشعبي» جاء على خلفية إعفاء رئيس «الهيئة»، فالح الفياض، قائدَ عمليات «الحشد» في سامراء، علي العقيلي، وهو أحد عناصر «التيار الصدري»، واستبدال آخر مقرب أو تابع لـ«عصائب أهل الحق» به؛ مما أثار حفيظة المقاتلين في «السرايا».

عراقي بأحد شوارع بغداد يمر أمام صورة لمقتدى الصدر مرتدياً الزي الخاص بـ«سرايا السلام» (أ.ف.ب)

ودعا المسؤولُ في «التيار» رئيسَ الوزراء القائدَ العام للقوات المسلحة إلى «التدخل الفوري لحسم هذه المسألة، باعتبار أن (السرايا) باتت تحت قيادته الآن».

وأصدر رئيس الوزراء، علي الزيدي، مطلع الشهر الحالي «أمراً ديوانياً» بتشكيل لجنة عليا للإشراف على دمج «سرايا السلام» في القوات الأمنية الحكومية وربطها مباشرة بالقائد العام، بعد ذلك أعلنت «قيادة العمليات المشتركة» عن «تسلم القوائم والبيانات الكاملة الخاصة بتشكيلات (سرايا السلام)، التي تضمنت بيانات الأفراد والأسلحة والمعدات؛ لاستكمال توجيهات الانضمام واندماج تشكيلات (سرايا السلام) كافة ضمن القوات الأمنية المرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة».

و«سرايا السلام» منضوية في هيئة «الحشد الشعبي» عبر الألوية «313» و«314» و«315»، وتتولى مهام أمنية في مناطق عدة، أبرزها سامراء، التي تتمركز فيها منذ يونيو (حزيران) 2007، في أعقاب تفجير مرقد الإمام العسكري بالمدينة.

وكان الصدر قد أعلن في 27 مايو (أيار) الماضي دمج جناحه العسكري «سرايا السلام» في الدولة، داعياً فصائل «الحشد الشعبي» إلى تسليم سلاحها.

ورغم انتماء «سرايا السلام» إلى «الحشد الشعبي»، فإنها كانت على الدوام شبه منفصلة ولا تتلقى أوامرها من قيادات «الهيئة» ولا ترتبط بعلاقات جيدة بكثير من الفصائل.

اختبار «حصر السلاح»

لم تعلق «هيئة الحشد الشعبي» على التوتر مع «سرايا السلام»، إلا إن الأخيرة أطلقت نداءً إلى الصدر ورئيس الوزراء، علي الزيدي، شددت فيه على رفضها البقاء تحت قيادة «الحشد الشعبي».

وذكرت «السرايا» في بيان، الثلاثاء، بالإجراءات التي ترتبت بناء على الأمر الديواني واندماجها الطوعي في المؤسسات الأمنية الأخرى، ورأت في هذه الخطوة «نموذجاً عملياً لقضية حصر السلاح بيد الدولة».

وقالت «السرايا» إن الإجراءات الأخيرة المتعلقة بإعفاء بعض القيادات من قبل «هيئة الحشد»؛ «تتعارض مع روح عملية الاندماج وحصر السلاح من خلال تبديل القيادات وتغيير القواطع والمسؤوليات».

أعضاء من «سرايا السلام» يهتفون خلال مراسم بدء اندماجهم بالدولة العراقية في سامراء شمال بغداد يوم 4 يونيو 2026 (أ.ب)

وذكر بيان الفصيل المسلح أن قرار تعيين القائد الأمني الجديد «يتقاطع مع بنود وإجراءات لجنة الأمر الديواني المتعلقة بالدمج»، عادّاً أنه «استهداف غير مبرر لمنسوبي (السرايا)»، مشدداً على رفض «السرايا» القاطع «العمل تحت قيادة (الحشد الشعبي)».

وكان شيوخ عشائر ورجال دين في سامراء حذروا، السبت الماضي، من الاستبدال بـ«سرايا السلام» فصائل أخرى، وطالبوا بحضور رئيس الوزراء، علي فالح الزيدي، شخصياً إلى المدينة والوقوف على واقعها، كما طالبوا بتسليم الملف الأمني لوزارة الداخلية؛ إذا كانت هناك نية للاستبدال بـ«السرايا» فصائل أخرى.​

ويميل مراقبون إلى الاعتقاد بأن التوتر بين «سرايا السلام» و«الحشد الشعبي» يمثل تحدياً لخطة «الحصر السلاح»، وما إذا كانت بالفعل «جادة وغير شكلية»، كما أنه اختبار لرئيس الحكومة لاستخدام صلاحياته لحسم خلاف بين مسلحين سبق أن أعلنوا اندماجهم في المؤسسات الحكومية.


وسط الأنقاض... سكان غزة النازحون يشاهدون كأس العالم (صور)

مشجعو كرة القدم الفلسطينيون يتابعون مباريات كأس العالم 2026 في مقهى بمدينة غزة (رويترز)
مشجعو كرة القدم الفلسطينيون يتابعون مباريات كأس العالم 2026 في مقهى بمدينة غزة (رويترز)
TT

وسط الأنقاض... سكان غزة النازحون يشاهدون كأس العالم (صور)

مشجعو كرة القدم الفلسطينيون يتابعون مباريات كأس العالم 2026 في مقهى بمدينة غزة (رويترز)
مشجعو كرة القدم الفلسطينيون يتابعون مباريات كأس العالم 2026 في مقهى بمدينة غزة (رويترز)

لم يتمكن فادي العراوي، لاعب كرة القدم في الدوري الممتاز بغزة، من ممارسة اللعبة منذ تعليق الأنشطة الرياضية بعد اندلاع الحرب قبل أكثر من عامين. ومثل معظم سكان القطاع، لم يعد لديه حتى منزل يمكنه فيه مشاهدة كأس العالم عبر التلفزيون.

وقبل انطلاق مباراة قطر وسويسرا التي أقيمت، يوم السبت، ارتدى اللاعب زيه القديم لنادي غزة الرياضي والميداليات التي حصل عليها في المسابقات الدولية.

وظل يطوف كثيراً في الظلام حاملاً جهاز كمبيوتر شخصياً يومض بشكل متقطع، محاولاً الحصول على إشارة إنترنت جيدة لمشاهدة المباراة مع مجموعة من الأصدقاء في غرفة بمدرسة تحولت إلى ملجأ لسكان غزة النازحين جراء الضربات العسكرية الإسرائيلية.

يشاهد لاعب كرة القدم الفلسطيني السابق فادي العراوي مباراة من مباريات كأس العالم 2026 عبر البث المباشر على جهاز كمبيوتر محمول برفقة آخرين في خان يونس (رويترز)

وقال العراوي (38 عاماً) لوكالة «رويترز» للأنباء في خان يونس، بينما كانت الطائرات المسيرة الإسرائيلية تحوم فوقهم «شايف هاي النت بدأ يقطع ولسه المباراة ما بدأت. تفصل وتيجي، هذا أحد المعاناة». وأضاف: «شايف صوت الزنانات؟ ممكن نعيش، ما نعيش، ننقصف».

ودمر الهجوم العسكري الإسرائيلي على مدى عامين من الحرب أجزاءً واسعة من غزة، وألحق أضراراً جسيمة ببنيتها التحتية.

وعلى الرغم من وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، تواصل إسرائيل شن هجمات على غزة، وترفض «حماس» حتى الآن الدعوات إلى إلقاء السلاح والذي تربطه بانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع.

«راح نشاهد المباراة رغم كل الأشياء»

يعيش جميع سكان غزة تقريباً البالغ عددهم أكثر من مليوني فلسطيني في شريط ضيق من الأراضي التي تسيطر عليها «حماس» على طول الساحل، ويعيشون بشكل رئيسي في خيام ومبانٍ متضررة.

وقام علاء بابلي، الذي يدير مقهى «رويال» في مدينة غزة، بتركيب خطي كهرباء بديلين وبطارية احتياطية لضمان إمكانية عرض المباريات في ساعة متقدمة من الليل، بمجرد توقف المولدات التي تعمل بالوقود بعد منتصف الليل.

وقال هاني أبو رزق، الذي جاء لمشاهدة المباراة تحت أعلام مصر والمغرب التي تزين جدار المقهى، إن سكان غزة يشعرون بالخوف دائمًا عندما يكونون في الأماكن العامة.

مشجعو كرة القدم الفلسطينيون يتابعون مباريات كأس العالم 2026 في مقهى بمدينة غزة (رويترز)

وقال: «ممكن يتم استهداف المقهى ممكن وأنا طالع من المباراة اللي بحضرها حالياً يتم استهداف أي شيء بجانبي وأفارق الحياة لكن بالرغم من كل شغلة إحنا بنعاني منها إحنا مستمرين، وراح نشاهد المباراة بالرغم من كل الأشياء اللي إحنا بنواجهها».

طفل فلسطيني يلعب كرة القدم في أحد شوارع مدينة غزة (رويترز)

وقال الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم إن 1000 رياضي كانوا من بين 73 ألف فلسطيني قتلتهم إسرائيل في الحرب منذ عام 2023، من أطفال وهواة في جميع الألعاب الرياضية إلى حكام ومحترفين.

ودمرت إسرائيل نحو 285 منشأة رياضية، بعضها محته جرافاتها بالكامل، والبعض الآخر قصفته. وحولت القوات الإسرائيلية الملاعب إلى معسكرات احتجاز، اكتسب بعضها سمعة سيئة بسبب اتهامات سوء معاملة المحتجزين فيها، وهو ما تنفيه إسرائيل.

شاهد لاعب كرة القدم الفلسطيني السابق فادي العروي مباراة من مباريات كأس العالم 2026 عبر البث المباشر على جهاز كمبيوتر محمول برفقة آخرين في خان يونس (رويترز)

وأصبح الآن ملعب اليرموك الرئيسي في قطاع غزة، الذي كان العراوي ومحترفون آخرون يلعبون فيه أمام آلاف المتفرجين، مدينة خيام للعائلات النازحة.

وقال مصطفى صيام من الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم: «منذ حرب الإبادة الإسرائيلية في عام 2023 كانت الرياضة الفلسطينية هدفاً أساسياً أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية».