انطلاقة «غير آمنة» لمشروع قانون الفجوة المالية في لبنان

تحاصره اعتراضات سياسية ونقابية وشعبية

مودعون يرفعون لافتات اعتراضية على مشروع قانون استعادة الودائع خلال تحركات شعبية على طريق القصر الجمهورية (الشرق الأوسط)
مودعون يرفعون لافتات اعتراضية على مشروع قانون استعادة الودائع خلال تحركات شعبية على طريق القصر الجمهورية (الشرق الأوسط)
TT

انطلاقة «غير آمنة» لمشروع قانون الفجوة المالية في لبنان

مودعون يرفعون لافتات اعتراضية على مشروع قانون استعادة الودائع خلال تحركات شعبية على طريق القصر الجمهورية (الشرق الأوسط)
مودعون يرفعون لافتات اعتراضية على مشروع قانون استعادة الودائع خلال تحركات شعبية على طريق القصر الجمهورية (الشرق الأوسط)

كشف توسّع موجة الاعتراضات في لبنان على مشروع قانون «الفجوة» المالية، الذي أعدته لجنة وزارية وقانونية برئاسة رئيس الحكومة نوّاف سلام، حجم العقبات التي تعترض الوصول إلى محطة تشريع القانون في البرلمان، وشمولها قوى فاعلة على المستويات السياسية والقطاعية، بما يدعم المواقف الرافضة لجمعيات المودعين وجمعية المصارف.

وعكست الإرباكات المسجلة في مواقف وزارية، قبيل عرض الصيغة النهائية للمشروع في الجلسة الخاصة للحكومة، الاثنين، جانباً من الخلافات والسجالات الحادة التي يرجّح تصاعدها بمواجهة مندرجات محورية واردة في القانون المنشود، لدى إحالته وطلب تشريعه من قبل مجلس النواب، حسب مسؤول مالي معني تواصلت معه «الشرق الأوسط»، لا سيما مع قرب استحقاق الانتخابات النيابية في الربيع المقبل، الذي يفرض تلقائياً على المرشحين تجنب أي صدام مع ناخبين أو فئات مؤثرة.

تحول في المقاربة

ووفق المطالعة الحكومية المرتقبة، فإن مشروع قانون الفجوة المالية هو إعلان لنهاية مرحلة الفوضى، وبداية مسار واضح لاستعادة الحقوق، وحماية الاستقرار الاجتماعي، وإعادة بناء الثقة بالنظام المالي، بعد 6 سنوات من الشلل، والتآكل الصامت للودائع، والتخبّط في إدارة الأزمة المالية. وبالتالي فإن هذا القانون لا يأتي بوصفه إجراء تقنياً معزولاً؛ بل بوصفه تحوّلاً في المقاربة؛ من إنكار الخسائر وتركها تتوزّع عشوائياً، إلى الاعتراف بها وتنظيمها ضمن مسار قانوني قابل للتنفيذ.

أما المسوغات التي تستند إليها الحكومة في دفاعها عن المشروع، فأولها تأمين الحماية لنسبة تناهز 85 في المائة من عدد المودعين، سيجري تمكينهم من التصرف بقيمة الحد المضمون من مدخراتهم، والبالغ مائة ألف دولار خلال 4 سنوات، بينما يتم الحفاظ على القيمة الاسمية لمجمل الودائع عبر سندات يضمنها البنك المركزي تستحق بعد 10 و15 و20 سنة.

نواف سلام متحدثاً عن «مشروع قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع» بحضور وزير المالية ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد (رئاسة الحكومة)

وفي المقابل، لم تتردّد جمعية المصارف في إشهار «تحفظها الجوهري واعتراضها الشديد على مشروع القانون المعروض على مجلس الوزراء والمتعلق بالانتظام المالي ومعالجة الودائع»، بينما تنضم جمعيات ونقابات مهنية إلى تجمعات المودعين المناوئة بشدة للطروحات الواردة في المشروع، التي تضمر تحميلهم الجزء الأكبر من الخسائر عبر اقتطاعات مباشرة، أو من خلال تمديد مهل السداد بين 10 و20 سنة.

لائحة المعترضين

وانضمت نقابة المهندسين في بيروت إلى لائحة المعترضين، بإعلانها أنها تتابع بقلق بالغ ما يسمى المسودة شبه النهائية لمشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، باعتباره لا يشكل في مضمونه تشريعاً إصلاحياً، بقدر ما يؤسس لإدارة الانهيار المالي وتوزيع خسائره بصورة غير عادلة، على حساب المودعين والقطاعات المنتجة، من دون أن يلحظ أي بند صريح يحمي ودائع النقابات المهنية.

كما برزت اعتراضات قانونية موازية، نظير إدراج مواد ذات «مفعول رجعي» لضرائب واقتطاعات وتعديلات في القيم الدفترية للمدخرات المحوّلة بعد انفجار الأزمة المالية والنقدية في خريف عام 2019، والعوائد المحصّلة على الودائع في سنوات سابقة، ما أثار اعتراضاً فورياً من المصارف «لما ينطوي عليه المشروع من أحكام وإجراءات تشكل، في مجملها، مساساً غير مبرر وغير مقبول بحقوق المصارف والمودعين، وتفتقر إلى المعايير القانونية والمالية العلمية، وعلى السوابق المعتمَدة لمعالجة الأزمات المصرفية».

ثغرات قابلة للطعن

ويلاحظ المسؤول المالي أن هذه الثغرة القانونية قابلة للطعن لدى مجلس شورى الدولة، حيث تتنافى مع مبدأ سريان القوانين بعد إقرارها ونشرها في الجريدة الرسمية، وليس لفترة سابقة، مع اقتضاء التنويه بأن معظم العمليات والتحويلات جرت وفق القوانين السارية في حينها، ووفق تعاميم وموافقات السلطة النقدية. في حين عمدت الحكومات السابقة إلى إلزام البنك المركزي بإنفاق أكثر من 11 مليار دولار على قرارات دعم غير منضبط لسلع استهلاكية وأدوية ومحروقات، وسط تهريب مكشوف لجزء كبير من المواد إلى الخارج، خصوصاً إلى الأسواق السورية.

مودعون يرفعون لافتات اعتراضية على مشروع قانون استعادة الودائع خلال تحركات شعبية على طريق القصر الجمهورية (الشرق الأوسط)

وتؤكد المصارف أن أي مقاربة قانونية ومالية سليمة لمعالجة الأزمة، لا سيما ما يتعلق بما يُسمّى «الفجوة المالية»، تقتضي، بوصفها شرطاً مسبقاً، تحديداً دقيقاً وشفافاً لحجم هذه الفجوة لدى مصرف لبنان، استناداً إلى بيانات محاسبية مدققة وموحدة. كما تقتضي إجراء محاكاة مالية واقعية تأخذ بعين الاعتبار الحجم الفعلي للخسائر، والقيمة الحقيقية للأصول غير المنتظمة، بحيث يظهر بشكل واضح أن المشروع يؤدي إلى شطب الأموال الخاصة للمصارف، وما يليها في سلّم تراتبية تحمّل الخسائر المنصوص عنه في قانون 23/2025، ليطال أموال المودعين.

كما يشكل التوجه لتحميل الجزء الأكبر من الخسائر على عاتق المودعين والمصارف، ركيزة لتصاعد الاعتراضات، لا سيما أن التدابير والحلول المقترحة في المشروع، لا تراعي القدرات الفعلية للمصارف على الإيفاء بالتزاماتها تجاه المودعين، وهي لا تقبل، حسب بيان الجمعية، أن توضع في مواجهة معهم، في ظل تهرب الدولة من الوفاء بديونها المستحقة تجاه مصرف لبنان، وامتناعها عن تغطية العجز في ميزانيته.


مقالات ذات صلة

مقتل صحافية لبنانية بغارة إسرائيلية على الجنوب

المشرق العربي مسجد مدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

مقتل صحافية لبنانية بغارة إسرائيلية على الجنوب

قُتلت الصحافية اللبنانية آمال خليل، الأربعاء، جراء غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة الطيري القريبة من الحدود في جنوب لبنان، كما أعلن الدفاع المدني اللبناني

المشرق العربي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)

ضغوط على ترمب لمطالبة إسرائيل بوقف «إبادة» القرى اللبنانية

تشهد واشنطن الخميس جولة محادثات ثانية رفيعة المستوى بين لبنان وإسرائيل، من المقرر أن يشارك فيها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«حزب الله» يعلن استهداف مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

أعلن «حزب الله»، في بيان، اليوم (الأربعاء)، أن عناصره استهدفوا مربض مدفعية مستحدثاً تابعاً للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة، جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

كشفت مصادر سياسية عن محاولات تولاها أصدقاء مشتركون لرأب الصدع بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون و«حزب الله».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي جانب من الدمار الذي لحق بالمباني والمنازل في بلدة كفرصير بقضاء بنت جبيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

جنوب الليطاني ساحة المواجهة: معادلة ردع جديدة مقيدة بالسقف الإسرائيلي

بعد فرض إسرائيل واقعاً ميدانياً جديداً إثر التوصل إلى هدنة، تظهر معادلة ردع جديدة عنوانها حصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني

كارولين عاكوم (بيروت)

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يخوض الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» مناوشات «قواعد الاشتباك»، إذ يُظهر تبادل إطلاق النار في جنوب لبنان محاولات لحصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية مع إسرائيل، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية ضمن المناطق التي تسيطر عليها، في مقابل اقتصار عمليات الحزب على هذه المنطقة مترافقة مع ردود محدودة على خروق الهدنة ضمن نطاق شمال إسرائيل.

وأعلن «حزب الله»، أمس، أنه استهدف بمسيّرة، مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة داخل لبنان، «ردّاً على الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار».

وعشية لقاء سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في لقاء ثانٍ، اليوم (الخميس)، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات، قائلاً إنه يتمثل بتثبيت وقف النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، كما حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة ومنع المظاهر المسلحة.


واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

ذكرت مصادر أن الولايات المتحدة أوقفت «شحنة مالية» تُقدَّر قيمتها بنصف مليار دولار كانت متجهة إلى العراق، وأنها علّقت أجزاء من تعاونها الأمني مع بغداد، في خطوة تهدف إلى الضغط على الحكومة العراقية بشأن تصرفات الميليشيات المدعومة من إيران، وفق «رويترز». وقالت مصادر غربية، لـ«الشرق الأوسط»، إن التنسيق بين واشنطن وبغداد «في أدنى مستوياته خلال الوقت الراهن».

واتهمت حركة «عصائب أهل الحق»، أحدُ أبرز أقطاب التحالف الحاكم، واشنطن بالسعي لعرقلة صرف رواتب الموظفين، مشيرة إلى أن «الأميركيين يتبعون أساليب ضغط مباشرة وغير مباشرة؛ بهدف جعل الحكومة العراقية تابعة لهم».

وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة «هددت في وقت سابق بوقف التعاون مع بغداد في حال لم تُقدِم الحكومة على اعتقال مسلحين ينتمون إلى فصيل موالٍ لإيران، كان قد نفّذ هجوماً قرب مطار بغداد مطلع الشهر الحالي استهدف دبلوماسيين أميركيين».


«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
TT

«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

باتت منطقة الجزيرة السورية بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية، لاختبار قدرات تنظيم «داعش»، في ظل تغيير أولوياته وسباقه غير المعلن مع الحكومة السورية على اكتساب الحواضن الاجتماعية والجغرافيا.

فبعد الانسحاب الأميركي الأخير والتفاهمات الرامية لدمج قوات «قسد»، يراهن التنظيم على «التناقضات» التي قد تنجم عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي، ويستغل المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، ويعمل على التجنيد داخل المخيمات.

وإذا كان التنظيم دخل اليوم في مرحلة «كمون»، فلأنه اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي ثغرات تمهيداً لاستئناف النشاط.

وبذلك يبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود، تبقى قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، قائمة.