سجن إسرائيل الرهيب... شهادات ناجين من «مقبرة الأحياء»

أسيران سابقان يرويان لـ«الشرق الأوسط» وقائع تعذيب «يُفقِد العقول»

TT

سجن إسرائيل الرهيب... شهادات ناجين من «مقبرة الأحياء»

سجن إسرائيل الرهيب... شهادات ناجين من «مقبرة الأحياء»

على كثرة ما سمع وقرأ عن فظاعات ما يجري في معتقل «سدي تيمان» الإسرائيلي، لم يتخيل الصحافي الفلسطيني شادي أبو سيدو ما رآه في ليلة من ليالي أبريل (نيسان) 2024، عندما شاهد جنوداً إسرائيليين يقودون عملية «اغتصاب كلاب بوليسية لمعتقلين فلسطينيين بينما يضحكون، ويصورون».

أبو سيدو الذي احتجز في المعتقل العسكري الإسرائيلي الواقع في قاعدة عسكرية في صحراء النقب، وخرج في صفقة تبادل أسرى في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه تعرض للاعتقال في مارس (آذار) 2024 بينما كان يمارس عمله لتوثيق ما يجري في مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة.

وبصعوبة يضيف: «عندما اعتُقلت، أمرني الجنود بخلع ملابسي بالكامل ثم قيّدوا يدي من الخلف، وضربوني حتى كسروا أحد أضلاعي»، ليُترك بعدها عارياً تحت المطر والبرد لأكثر من 10 ساعات.

لكن أبو سيدو لم يكن وحده الذي واجه التنكيل في «مقبرة الأحياء»، كما يصف بنفسه السجن الرهيب؛ إذ تكشف إفادتا معتقلين خرجا من «سدي تيمان» لـ«الشرق الأوسط» وقائع مفزعة تضمنت ضرباً وصعقاً وحرماناً من النوم والطعام والعلاج، فضلاً عن «عمليات اغتصاب وحشية».

تعذيب ممنهج

بات «سدي تيمان» تحت الأنظار بعد توقيف المدعية العامة العسكرية السابقة للجيش يفعات تومر يروشالمي. وتتهمها السلطات الإسرائيلية بتسريب مقطع فيديو يُظهر جنوداً إسرائيليين داخل أقسام المعتقل وهم يعذبون أسيراً فلسطينياً جسدياً وجنسياً. واعتبر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن التسريب ربما ألحق «أكبر ضرر على العلاقات العامة» تتعرض له إسرائيل منذ تأسيسها.

فلسطينيون معتقلون في قاعدة «سدي تيمان» العسكرية بجنوب إسرائيل شتاء 2023 (منظمة كسر الصمت - أ.ب)

ومع اندلاع الحرب على غزة، شرعت إسرائيل باحتجاز مئات الأسرى من القطاع تحت ذريعة ما يُسمى بـ«قانون المقاتلين غير الشرعيين»، وألقتهم في سجنها المحاط بالكتمان ونزعت عنهم حقوقهم وحرمتهم من إي إجراءات قانونية ومنعت عنهم وصول محامين ومنظمات حقوقية. ووثقت منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية، بينها «بتسيلم» وغيرها، شكاوى مشابهة حول «تعذيب ممنهج» و«معاملة لا إنسانية» في هذا السجن.

«الديسكو»... التعذيب بأصوات المُعذبين

بعد ساعات طويلة من الانتظار تحت البرد، نُقل أبو سيدو في شاحنة عسكرية إلى سجن «سدي تيمان»، حيث بدأت رحلة جديدة من العذابات بما يسمّيها الجنود «التشريفة» التي يصفها بالقول «هي صفّ من نحو 30 جندياً يقفون على شكل ممر، وينهالون على المعتقلين بالضرب قبل أن يدخلوا السجن. بعض المعتقلين نزف وبعضهم فقد أسنانه أو عينه من شدة الضرب». بعد نحو 70 يوماً من الاعتقال دون توجيه تهمة، نقل شادي للتحقيق. قبل دخول غرفة التحقيق، أُجبر على التعري والتفتيش الدقيق، ثم أُدخل إلى مكان يسمى «الديسكو».

خريطة تظهر موقع سجن «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)

يصف أبو سيدو ما شاهده داخل الغرفة التي تحوي مكبرات صوت ضخمة، فيقول: «في (غرفة الديسكو) يُلقى الأسرى لساعات دون نوم. لا تسمع إلا الضوضاء، والموسيقى الصاخبة، وصراخ أسرى آخرين تحت التعذيب». بعدها، نُقل أبو سيدو إلى غرفة تعذيب أخرى حيث علّقه السجانون من يديه في السقف وانهالوا باللكمات على جسده العاري المنهك.

العودة إلى «البراكسات»: حفلات «إذلال»

بعد انتهاء التحقيق، أُعيد أبو سيدو إلى عنابر الاحتجاز المكتظة والمعروفة باسم «البراكسات»، وهي عنابر من هياكل معدنية لا تقي برداً ولا حرّاً تضم مئات الأسرى الذين يعيشون في ظروف قاسية وسط الصحراء.

يستذكر أبو سيدو: «كنا نحو 140 إلى 160 أسيراً في كل بركس، مكبّلي الأيدي ومعصوبي الأعين. كانت تدخل فرق القمع المكوّنة من 30 إلى 40 جندياً ومعهم كلاب، يأمروننا بالانبطاح على بطوننا. وتترك الكلاب لتمشي فوق ظهورنا، تتبوّل علينا، وتخدشنا وتنطحنا».

في إحدى ليالي شهر أبريل، حدث مشهد يصفه شادي بأنه «انهيار إنساني كامل». حينها أصيب أحد الأسرى بنوبة هستيريا، وبدأ يصرخ: «أنا بدي أروح لأولادي». دفعت سلطات المعتقل بفرقة القمع والكلاب لـ«البركس»، وبعدها «أخرجوه وعرّوه، ثم تركوا الكلب يمارس معه ما لا يوصف».

«كنا ننظر من خلف العصبة على العين، ورأينا الجنود يضحكون ويصوّرون المشهد بهواتفهم على وقع صرخات الأسير. بدأنا بالصراخ. خشينا من أن دورنا آتٍ»، يستذكر أبو سيدو تلك اللحظات الصعبة.

شادي أبو سيدو أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» مع أطفاله في غزة (الشرق الأوسط)

في ختام شهادته، يصف أبو سيدو سجن «سدي تيمان» بأنه «مقبرة للأحياء قبل الأموات»، قائلاً: «كنا نفقد عقولنا من الخوف. لا نعرف الليل من النهار، ولا نرى وجهاً بشرياً إلا ذلك الذي يضربنا أو يهيننا. تمنّيت أن أموت هناك لأرتاح من هذا العذاب».

ويضيف الشاب أن الأسرى يعيشون في عزلة كاملة عن العالم، ويمنحون دقيقتين فقط لقضاء حاجتهم خلال 24 ساعة، بينما العلاج كان «أداة إذلال إضافية».

أبو فول... اعتُقل مبتور القدم وخرج فاقداً للبصر

رواية مفزعة أخرى قدمها محمود أبو فول، من شمال قطاع غزة، الذي اعتقل من «مستشفى كمال عدوان» بينما كان يتلقى العلاج بعد بتر ساقه سابقاً، وانتهت تجربته القاسية في الأسر بفقدانه للبصر. أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2023، كان الشاب الغزّي في المستشفى عندما اقتحمه الجنود، ويقول: «كبّلوني من يديّ وغطّوا عينيّ، ثم بدأوا يضربونني بقسوة حتى سال دمي. كنت مصاباً ومبتور القدم ولا أستطيع المشي إلا بعكاز، لكنهم أخذوه مني وقيدوني من الخلف».

بعد ساعات من الضرب والشتائم، نُقل أبو فول إلى سجن «سدي تيمان»، حيث قضى أشهراً. يستذكر الشاب الأيام الأولى داخل المعتقل: «قضيت 7 أيام مكبّل اليدين من الخلف، معصوب العينين طوال الوقت. كنا نحو 140 أسيراً في كل (بركس)، والطعام شحيح، والضرب والإهانة لا يتوقفان».

في أحد هذه الأيام، تعرض أبو فول للتعذيب وتلقى ضربات على رأسه لنحو ساعتين حتى أُغمي عليه.

يقول الشاب: «أفقت لأكتشف أنني فقدت بصري تماماً. أخبرت من حولي من الشباب أنني لا أرى شيئاً. أصبت بالفزع وسالت دموعي، ومنذ تلك اللحظة لم أعد قادراً حتى على فتح عينيّ».

ويسرد أبو فول تفاصيل نداءاته للسجانين بضرورة تقديم العلاج له دون جواب: «كنت أطلب الدواء، فيصرخون عليّ ويسخرون مني. تُركت أعاني وحيداً في العتمة». بعد فقدان البصر، عاش أبو فول تجربة الأسر بالسمع وحده: «كنت أسمع أصوات الأسرى يُعذَّبون، صراخ، استغاثة، وشتائم من الجنود».

حرية بطعم الفقد

بعد أشهر طويلة من الاعتقال، أُدرج أبو فول في صفقة التبادل الأخيرة، ويصف الرجل مشاعره بعد خروجه بالقول: «عدت إلى غزة لا أرى شيئاً، وكنت أظن أن أهلي ليسوا على قيد الحياة... وبين الجموع أدركت أنهم حولي عندما سمعت صوت أمي... أحمد الله أنني ما زلت بينهم. كنت أتمنى فقط أن أرى وجه أمي، ولو لمرة واحدة».

محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» يجلس بين والديه في خيمة بغزة (الشرق الأوسط)

وفقاً لهيئة شؤون الأسرى الفلسطينيين، بلغ عدد الأسرى في سجون إسرائيل حتى منتصف العام الحالي أكثر من 10 آلاف أسير، بينهم أكثر من 1800 معتقل من غزة ممن تصنفهم إسرائيل بـ«المقاتلين غير الشرعيين». وتشير الأرقام الرسمية الفلسطينية إلى وفاة أكثر من 80 أسيراً داخل المعتقلات الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أكثر من نصفهم من قطاع غزة.

وقال متحدث باسم «نادي الأسير الفلسطيني» لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاحتلال نفذ سلسلة متواصلة من الجرائم المختلفة المكتملة الأركان والتفاصيل، بحق الأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال على مدار عامين متواصلين».

وأضاف أن السلطات الإسرائيلية «مارست وجهاً آخر من الإبادة الجماعية داخل المعتقلات، حيث برزت عمليات التعذيب الممنهج والاغتصاب التي نفذت بحق الأسرى، تحديداً من قطاع غزة في معتقل (سدي تيمان) مستخدمة أدوات مختلفة في عمليات الاغتصاب، كما تم استخدام الكلاب البوليسية».

ويتعرض الأسرى الفلسطينيون في سجون ومعسكرات إسرائيل، لا سيما «سدي تيمان»، لتعذيب وتجويع وإهمال طبي ممنهج، ما أودى بحياة العديد منهم، حسب تقارير حقوقية فلسطينية وإسرائيلية، فيما لا يتوفر تقدير دقيق لعدد الأسرى الذين احتجزوا أو ما زالوا محتجزين في «سدي تيمان».

الجيش الإسرائيلي: الحالات غير معروفة

بعد نشر التحقيق وصلنا تعقيب من الجيش الإسرائيلي هذا نصه:

الحالات المذكورة في التقرير غير معروفة. وفي حال تقديم شكوى، سيتم النظر فيها وفقاً للإجراءات.

يرفض الجيش الإسرائيلي تماماً الادعاءات المتعلقة بسوء معاملة منهجية للمعتقلين. الجيش يتعامل بمنتهى الجدية مع أي خرق من هذا النوع، لأنه يتعارض مع قيمه الأساسية، ويقوم بفحص معمّق لأي ادعاء ملموس يتعلق بإيذاء أو إساءة معاملة معتقلين. مرافق الاحتجاز تخضع لرقابة مستمرة عبر كاميرات الدائرة المغلقة، وإشراف القادة، وزيارات جهات خارجية. وعندما تكون هناك شبهة معقولة لارتكاب مخالفة جنائية، يتم فتح تحقيق جنائي للنظر في كل حادث من هذا النوع. منذ بداية الحرب، فُتح عدد من تحقيقات الشرطة العسكرية بشأن حوادث تتعلق بوفاة معتقلين أو معاملة غير لائقة بحقهم.


مقالات ذات صلة

«اتفاق غزة»: الوسطاء يسعون لتفعيل «لجنة التكنوقراط»

تحليل إخباري أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»: الوسطاء يسعون لتفعيل «لجنة التكنوقراط»

تتجه الأنظار نحو «لجنة إدارة قطاع غزة» بعد 3 أشهر من تأسيسها دون بدء عملها الفعلي من القطاع، وذلك بعد حديث الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» بقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية صورة تذكارية للوزراء والمسؤولين المشاركين في الاجتماع حول غزة على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في جنوب تركيا السبت (الخارجية التركية)

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

أكد وزراء ومسؤولون من تركيا، والسعودية، ومصر، والأردن، وقطر، والإمارات ضرورة وقف انتهاكات إسرائيل في غزة، والانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

خاص ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

تواجه حركة «حماس» أكبر حالة ضغط من الوسطاء وأطراف أخرى للموافقة على وثيقة «مجلس السلام» حتى ولو بشكل مبدئي، قبل التفاوض عليها بشأن خطة نزع سلاح الفصائل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)

«حزب الله» يتوعّد بالرد على «خروقات» إسرائيل لوقف النار

أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ)
أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ)
TT

«حزب الله» يتوعّد بالرد على «خروقات» إسرائيل لوقف النار

أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ)
أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ)

حذّر الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني، نعيم قاسم، السبت، من أن عناصره سيردون على «خروقات» إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، مشدداً على أن التزامه «يجب أن يكون من الطرفين».

وقال قاسم إن الهدنة المقررة لعشرة أيام وتسري منذ منتصف ليل الخميس - الجمعة، تعني «وقفاً كاملاً لكل الأعمال العدائية، ولأننا لا نثق بهذا العدو، فسيبقى المقاومون في الميدان وأيديهم على الزناد، وسيردون على خروقات العدوان بحسبها».

وشدد على أنه «لا يوجد وقف لإطلاق النار من طرف المقاومة فقط، بل يجب أن يكون من الطرفين»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أنه أقام «خطاً أصفر» فاصلاً في جنوب لبنان على غرار الخط الذي يفصل قواته عن المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس» في قطاع غزة، مشيراً إلى قتل عناصر من «حزب الله» على مقربة منه.

وقال الجيش: «خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، رصدت قوات الجيش الإسرائيلي العاملة جنوب الخط الأصفر في جنوب لبنان إرهابيين انتهكوا اتفاق وقف إطلاق النار، واقتربوا من القوات من شمال الخط الأصفر في صورة شكلت تهديداً مباشراً».

وهي المرة الأولى التي يتحدث فيها الجيش عن هذا الخط منذ وقف النار.

وأضاف: «مباشرة بعد الرصد وبهدف القضاء على التهديد، هاجمت القوات الإرهابيين في عدة مناطق بجنوب لبنان»، مذكراً بأن الجيش مخوّلٌ التحرك ضد التهديدات، رغم وقف إطلاق النار.

وفي بيان ثانٍ، السبت، أعلن الجيش الإسرائيلي أن سلاح الجو قتل أفراد «خلية إرهابية» كانت تعمل على مقربة من قواته في الجنوب اللبناني.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن، الخميس، دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان حيّز التنفيذ، حيث كانت إسرائيل تخوض مجدداً حرباً مفتوحة ضد «حزب الله» منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي.

وأكد الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موافقتهما على وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام.


نازحون لبنانيون يتريثون في العودة إلى منازلهم خشية انهيار الهدنة

رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
TT

نازحون لبنانيون يتريثون في العودة إلى منازلهم خشية انهيار الهدنة

رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)

بعد سريان الهدنة بين إسرائيل و«حزب الله»، تفقدت سماح حجول منزلها في ضاحية بيروت الجنوبية، وأحضرت ثياباً صيفية لأطفالها قبل أن تعود إلى خيمة عند الواجهة البحرية للعاصمة، لعدم ثقتها باستمرار وقف إطلاق النار.

أمام الخيمة، تقول حجول، الأم لأربعة أطفال والنازحة من منطقة الليلكي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أخاف من العودة إلى منزلي؛ لأن الوضع لم يستقر بعد».

وتفقدت حجول منزلها في الضاحية التي تعرضت لدمار واسع جراء الغارات الإسرائيلية خلال الحرب التي استمرت أكثر من شهر. ووجدت أنه تعرّض لأضرار طفيفة جراء تحطم زجاج نوافذه، لكنها لم تبقَ فيه.

وتقول: «أذهب من أجل تحميم الأولاد وإحضار ثياب صيفية» مع ارتفاع درجات الحرارة في اليومين الأخيرين، «لكننا لا نشعر بالأمان لنعود».

وتضيف: «أخشى أن يحدث شيء في الليل ولا أتمكن من حمل أولادي والفرار بهم» على غرار ما فعلته بعد اندلاع الحرب في الثاني من مارس (آذار).

رجل يقود سيارته وهو يلوّح بعلامة النصر بعد دخول وقف إطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل حيز التنفيذ (رويترز)

«ليس ثمة حل»

وبينما عاد الكثير من النازحين إلى مناطقهم بعد سريان الهدنة، منتصف ليل الخميس/ الجمعة، ينتظر آخرون يقيمون في خيام وسط بيروت انقضاء مهلة الأيام العشرة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف النار، قبل حسم قرارهم.

وتشرح حجول: «سننتظر لنرى ما سيحصل... إذا تمّ تثبيت وقف إطلاق النار سنعود إلى منازلنا».

وتتوافد عائلات إلى الضاحية الجنوبية لتفقد منازلها وأخذ احتياجاتها. ولا تزال أحياء في عمق المنطقة شبه خالية، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، مع تفضيل سكان كثر التريث قبل العودة نهائياً.

بين هؤلاء حسن (29 عاماً) الذي تفقد السبت منزله، قبل أن يعود إلى مركز إيواء داخل مدرسة.

ويقول هذا الأب لطفل: «جئت لأتفقد المنزل وأحضر أغراضاً منه». ويضيف: «لا أستطيع البقاء؛ لأننا نخاف من أي توتر في ظل خرق الهدنة، ومع إعادة إقفال مضيق هرمز»، السبت، من إيران، التي سبق أن أعلنت أن الهدنة في لبنان كانت «جزءاً» من تفاهمات وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة.

ويتابع حسن الذي طلب عدم كشف هويته كاملة: «لا شيء يؤشر إلى أنه ثمة حل، نخاف إذا عدنا إلى الضاحية أن نخسر مكاننا في المدرسة التي نزحنا إليها».

«عدو غدار»

أسفرت الحرب خلال أكثر من ستة أسابيع عن مقتل نحو 2300 شخص، ونزوح أكثر من مليون، بحسب السلطات، خصوصاً من ضاحية بيروت ومن جنوب البلاد، وهما المنطقتان اللتان تعدان من معاقل «حزب الله».

وضاقت المدارس التي حولتها الحكومة إلى مراكز إيواء بعشرات الآلاف من النازحين، خصوصاً في بيروت ومحيطها.

وتفاقمت المخاوف، السبت، بعد تصريحات للقيادي في «حزب الله» محمود قماطي، دعا فيها النازحين إلى تفقد منازلهم والعودة بعدها إلى أماكن نزوحهم.

وقال خلال مؤتمر صحافي في الضاحية: «أدعو أهلنا ألا تستقروا حيث تذهبون إلى الجنوب أو تعودون إلى الضاحية... كونوا على حذر، الغدر الإسرائيلي متوقع في كل وقت، وهذه هدنة مؤقتة».

رجل نازح يقيم في خيمة بالعاصمة اللبنانية بيروت (أ.ب)

وتابع: «خذوا نفساً، واطمئنوا قليلاً، ولكن لا تتخلوا عن الأماكن التي لجأتم إليها حتى نطمئن تماماً للعودة»، مضيفاً: «سوف ندعوكم للعودة والاستقرار. أما الآن فللاطمئنان ثم المغادرة».

وأفادت «وكالة الصحافة الفرنسية» بزحمة سير صباحاً على الطريق من بيروت إلى الجنوب، مقابل زحمة معاكسة بعد الظهر من الجنوب باتجاه صيدا وبيروت.

ويتبادل «حزب الله» وإسرائيل اتهامات بخرق الهدنة. وتواصل القوات الإسرائيلية، وفق الإعلام المحلي وشهادات سكان، تنفيذ عمليات تدمير وتفجير لمنازل في عدد من القرى الحدودية. وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أنه قتل أفراد «خلية إرهابية» اقتربوا من قواته جنوباً.

نساء نازحات يتفقدن الأضرار التي لحقت بممتلكاتهن في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

«يعودون بحذر»

وتأمل السلطات اللبنانية أن يتيح تثبيت وقف إطلاق النار انطلاق مفاوضات مع إسرائيل بوساطة أميركية، من شأنها أن توفر شروط عودة النازحين إلى بلداتهم، وانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق تقدمت إليها في جنوب لبنان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، إقامة «خط أصفر» في جنوب لبنان، على غرار الخط الذي يفصل قواته عن مناطق سيطرة حركة «حماس» الفلسطينية في قطاع غزة، بعد يومين من تأكيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن قواته ستبقى ضمن «منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات».

وفي جنوب لبنان، منذ الساعات الأولى لسريان الهدنة، عملت وحدات الجيش وبلديات ومنظمات محلية على المساهمة في فتح طرق وجسور أغلقتها الغارات.

وفي بلدة حناوية، يشير نائب رئيس البلدية مصطفى بزُّون إلى أبنية سكنية مدمرة ومحال متضررة جراء الغارات.

ويقول: «أول ما نقوم به هو أن نعيد الحياة مجدداً من خلال تأمين الخدمات كافة من اتصالات وفتح طرقات... حتى تعود الناس بأسرع وقت ممكن إلى حياتها الطبيعية».

ويضيف: «يعود الناس ولكن بحذر، لكننا نبني على أن تكون عودتهم دائمة، ربما ستغادر مؤقتاً، لكنها ستعود» لاحقاً.


إسرائيل تعلن قتل أفراد «خلية إرهابية» بجنوب لبنان رغم وقف النار

عربات تابعة للجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود كما تظهر من الجليل الأعلى (إ.ب.أ)
عربات تابعة للجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود كما تظهر من الجليل الأعلى (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تعلن قتل أفراد «خلية إرهابية» بجنوب لبنان رغم وقف النار

عربات تابعة للجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود كما تظهر من الجليل الأعلى (إ.ب.أ)
عربات تابعة للجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود كما تظهر من الجليل الأعلى (إ.ب.أ)

أعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أن سلاح الجو قتل أفراد «خلية إرهابية» في جنوب لبنان، رغم وقف إطلاق النار الساري مع «حزب الله».

وقال الجيش، في بيان، إن سلاح الجو شنّ غارة أسفرت عن «القضاء على خلية إرهابية كانت تعمل بالقرب من قواته في منطقة خط الدفاع الأمامي؛ وذلك لمنع تهديد مباشر على بلدات الشمال»، من دون أن يحدد عدد هؤلاء، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلن الجيش الإسرائيلي، في وقت سابق اليوم، أنه أقام خطأ أصفر فاصلاً في جنوب لبنان على غرار الخط الذي يفصل قواته عن المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس» في غزة، لافتاً إلى أنه استهدف مسلحين مشبوهين حاولوا الاقتراب من قواته على طول هذا الخط.

وقال الجيش: «خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، رصدت قوات الجيش الإسرائيلي العاملة جنوب الخط الأصفر في جنوب لبنان إرهابيين انتهكوا اتفاق وقف إطلاق النار، واقتربوا من القوات من شمال الخط الأصفر، في صورة شكلت تهديداً مباشراً»، في إشارة أولى إلى هذا الخط منذ بدء تنفيذ وقف النار.

وأضاف: «مباشرة بعد الرصد، وبهدف القضاء على التهديد، هاجمت القوات الإرهابيين في عدة مناطق بجنوب لبنان»، مذكراً بأن الجيش مخوّل بالتحرك ضد التهديدات، رغم وقف إطلاق النار، ومشيراً أيضاً إلى «قصف مدفعي (إسرائيلي) دعماً للقوات البرية العاملة في المنطقة».

أشخاص يمرون وسط المنازل المدمرة جراء الضربات الإسرائيلية مع عودة النازحين إلى قراهم في جنوب لبنان إثر وقف إطلاق النار (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن، الخميس، دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان حيّز التنفيذ، حيث كانت إسرائيل تخوض مجدداً حرباً مفتوحة ضد «حزب الله» المدعوم من إيران منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي.

وأكد الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موافقتهما على وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام.

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيانه، إنه يتحرك وفق توجيهات الحكومة، وإنه «مخوّل باتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس في مواجهة التهديدات (...) كون عمليات الدفاع وتحييد التهديدات غير مقيّدة خلال فترة وقف إطلاق النار».

وكان ترمب كتب، الخميس، على منصته «تروث سوشيال»: «لن تقصف إسرائيل لبنان بعد الآن. تحظر عليها الولايات المتحدة ذلك. لقد طفح الكيل!».

وأسفرت الضربات الإسرائيلية في لبنان عن نحو 2300 قتيل منذ الثاني من مارس، بحسب وزارة الصحة اللبنانية.

وفي الجانب الإسرائيلي، أسفرت الحرب مع «حزب الله» عن ثلاثة قتلى داخل إسرائيل، إضافة إلى مقتل 13 جندياً في المعارك في جنوب لبنان.

وفي قطاع غزة، يُطلق اسم «الخط الأصفر» على خط الفصل بين المنطقة الخاضعة لسيطرة حركة «حماس» وتلك التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، والتي تمثل أكثر من 50 في المائة من مساحة القطاع، وذلك بعد إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في إطار وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.