أميركا توزع مشروعاً أممياً لنشر «قوة سلام» لسنتين في غزة

استمرار المشاورات حول طبيعتها… ومجلس الأمن للتصويت الأسبوع المقبل

TT

أميركا توزع مشروعاً أممياً لنشر «قوة سلام» لسنتين في غزة

مجلس الأمن (د.ب.أ)
مجلس الأمن (د.ب.أ)

في سياق الاستعدادات لبدء المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإحلال الاستقرار في غزة، وزّعت الولايات المتحدة مشروع قرار على أعضاء مجلس الأمن، هدفه تشريع نشر «قوة سلام» دولية لمدة سنتين في القطاع.

وتزامنت هذه الخطوة مع المحادثات الجارية عبر العواصم، بما فيها القاهرة والدوحة وأنقرة، بمشاركة عدد آخر من الدول العربية والمسلمة، من أجل تحديد طبيعة هذه القوة، وما إذا كانت متعددة الجنسيات أو تحت قيادة الأمم المتحدة، وحجمها، والمهمات التي ستتولاها، ومنها صلاحية لنزع أسلحة «حماس» وغيرها من الفصائل الفلسطينية، بالإضافة إلى تأمين المناطق الحدودية وتدمير البنى التحتية للجماعات المصنفة إرهابية وضمان نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية بشكل دائم.

ولا تزال المشاورات جارية خصوصاً لتحديد تركيبة القوة الدولية، التي لا ترغب إسرائيل في وضعها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولكنها تسمح في الوقت ذاته للقوات الإسرائيلية بـ«فرض نزع السلاح»، علماً أن دولاً عربية، مثل مصر والأردن، تدعو إلى مهمة لـ«حفظ السلام» قد تكون بموجب الفصل السادس من الميثاق.

نازحون فلسطينيون في خيام وسط وقف النار بين إسرائيل و«حماس» في مدينة غزة (رويترز)

وكشف دبلوماسيون عن أن مفاوضات مكثفة أجريت في نيويورك لضمان موافقة عدد من الدول العربية والدولية على نشر القوة، التي ستعمل تحت قيادة موحدة بالتشاور والتعاون الوثيق مع إسرائيل ومصر، لأنهما تحدان القطاع، وجنباً إلى جنب مع قوة شرطة فلسطينية مدربة ومعتمدة حديثاً للمساعدة في تأمين المناطق الحدودية وتحقيق الاستقرار الأمني ​​في غزة.

وقال مصدر دبلوماسي غربي في مجلس الأمن لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نواصل التزامنا ببذل كل ما في وسعنا لضمان تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترمب بوتيرة سريعة»، مضيفاً: «نواصل العمل مع مجموعة من الشركاء، بما في ذلك الولايات المتحدة والأوروبيون ودول المنطقة، لتحقيق ذلك». وأكّد أن «المشاورات لا تزال جارية حول هذا الموضوع»، رافضاً تقديم أي تعليقات مُفصلة حول المحادثات الجارية، لأنها غير نهائية.

لا فصل سابعاً

وعلى أمل حصول التصويت خلال الأسبوع المقبل في مجلس الأمن، وزعت البعثة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة نص المشروع الذي يشير إلى أن القوة ستعمل في غزة حتى نهاية عام 2027 «تحت قيادة موحدة وبالتشاور والتنسيق مع مصر وإسرائيل»، إلى جانب قوة شرطة فلسطينية جديدة. وستعمل القوة على حماية سكان غزة وضمان أمن العمليات الإنسانية هناك.

ولا يشير القرار إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يخوّل أي قوات أممية القيام بإجراءات قهرية، يمكن أن تتضمن استخدام القوة العسكرية، لتطبيق مندرجات قرارات مجلس الأمن، ما يعني أن القوة ستتشكل بموجب الفصل السادس، على غرار العديد من البعثات الأممية، ومنها على سبيل المثال القوة الموقتة للأمم المتحدة في لبنان «اليونيفيل».

قائد الوحدات البحرية الألمانية العاملة لدى القوة الموقتة للأمم المتحدة في لبنان «اليونيفيل» الأدميرال ستيفان بلاث في بيروت (د.ب.أ)

ونسب موقع «أكسيوس» لمسؤول أميركي أن إدارة الرئيس ترمب تتطلع إلى نشر أولى القوات في غزة بحلول يناير (كانون الثاني) المقبل، مضيفاً أن القوة الدولية ستكون «قوة إنفاذ وليست قوة حفظ سلام».

وأشار إلى أن المسودة تنص على أن القوة الدولية «ستُرسخ البيئة الأمنية في غزة من خلال ضمان عملية نزع السلاح من قطاع غزة، بما في ذلك تدمير ومنع إعادة بناء البنية التحتية العسكرية والإرهابية والهجومية، بالإضافة إلى نزع الأسلحة بشكل دائم من الجماعات المسلحة غير الحكومية».

التوضيحات المطلوبة

ونقلت صحيفة «الواشنطن بوست»، عن مصدر لم تسمه، أن «الولايات المتحدة أرادت التحرك بسرعة وتشكيل القوة قبل نهاية العام»، مؤكداً أن إدارة الرئيس ترمب تعدّ قوات الأمن الداخلي «خطوة حاسمة في ضمان الاستقرار» بعد حرب السنتين في غزة.

وأفاد دبلوماسيون بأن الصيغة المقترحة لا تزال تحتاج إلى بعض التوضيحات، ولا سيما فيما يتعلق بقواعد الاشتباك لقوة الاستقرار، أو المناطق المحددة التي سيتم نشرها فيها، علماً أن النص يُشير إلى دورٍ لقوات الأمن الإسرائيلية في نزع السلاح من غزة، من دون أن يحدد جدولاً زمنياً، أو معايير محددة لذلك.

وتماشياً مع رغبة إسرائيل، لا تُعرّف المسودة المقترحة القوة الدولية بوصفها عملية تابعة للأمم المتحدة؛ بل تمنحها دعماً أممياً فحسب، على غرار النموذج المستخدم للقوة الدولية المتمركزة في هايتي.

وفي ضوء المشاورات المتواصلة حول النص، يمكن إدخال تعديلات على مشروع القرار، الذي تسعى الولايات المتحدة إلى إقراره في وقت قريب.

وأفاد مصدر مطلع بأن مشروع القرار الأميركي أُعد بالتنسيق مع إسرائيل، وهو يلبي عدداً من مطالبها. ولكن عمل القوة الدولية المقترحة سيستمر مبدئياً حتى نهاية عام 2027، علماً أن أي تجديد أو تعديل لتفويضها يتطلب التشاور مع إسرائيل ومصر ومجلس الأمن. وأفاد «أكسيوس» بأن دولاً مثل إندونيسيا وأذربيجان ومصر وتركيا أبدت استعدادها للمساهمة بقوات.

حل الدولتين

وقال رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني عبر شبكة «سي إن إن» الأميركية، إنه «يجب أن يكون هناك تفويض واضح ومحدد بشأن أي وجود دولي في غزة»، مضيفاً أن «العمل جار مع الولايات المتحدة حالياً على تحديد هذا التفويض».

وأكد أنه «لا يمكن استبعاد حل الدولتين من أي تسوية مستقبلية»، مشيراً إلى أن «جهة التواصل بين الغزيين والقوة الدولية يجب أن تكون فلسطينية».

وشدد على أنه لا أحد يتوقع من قوة عربية أو إسلامية أن تذهب إلى غزة لتطلق النار على الفلسطينيين، مضيفاً: «نريد أن تكون السلطة الفلسطينية الجهة الوحيدة المسؤولة عن الفلسطينيين، لتتولى إدارة شؤونها في غزة والضفة الغربية معاً».

وعقب اجتماع في إسطنبول ضم وزراء من دول ذات غالبية مسلمة، ومنها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والأردن وباكستان وإندونيسيا وتركيا، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن العمل لا يزال جارياً على قرار من الأمم المتحدة لإرسال قوة لتحقيق الاستقرار في غزة.

صورة جماعية للوزراء المشاركين في الاجتماع الوزاري حول غزة في إسطنبول أمس (الاثنين) (الخارجية السعودية)

ويشير مشروع القرار الأميركي أيضاً إلى إنشاء «مجلس سلام»، برئاسة الرئيس ترمب، للإشراف على القطاع حتى تُكمل السلطة الفلسطينية الإصلاحات التي تمكنها من تولي الأمور، في وقت يُحدده مجلس السلام بالتوافق مع إسرائيل. ويتضمن أيضاً اعترافاً بخطة ترمب للسلام، التي تتضمن 20 بنداً، ويدعو كل الأطراف إلى قبولها وتنفيذها من دون إبطاء، ويعبر عن دعمه جهود مجلس السلام لتوصيل المساعدات الإنسانية إلى غزة بالتعاون مع الأمم المتحدة و«الصليب الأحمر الدولي» و«الهلال الأحمر»، ويحض على الحيلولة دون وصول هذه المساعدات إلى الجماعات المسلحة في القطاع.

إعادة الإعمار

ويطلب المشروع من البنك الدولي تخصيص أموال لدعم إعادة إعمار غزة، ومن الأمم المتحدة وضع الإطار القانوني الدولي لعمليات مختلف الهيئات والدول في غزة تحت إشراف مجلس السلام، على أن يجري تمويل هذه الكيانات من الدول الأعضاء والدول الداعمة لنشاطات مجلس السلام، كما يسمح لقوات الأمن الداخلي بالاضطلاع «بمهمات إضافية قد تقتضيها الضرورة» لدعم خطة شاملة أوسع نطاقاً لإنعاش غزة.

ووفقاً للمشروع، سيتولى مجلس السلام «الإشراف على لجنة فلسطينية تكنوقراطية غير سياسية، تضم فلسطينيين أكفاء من القطاع، ودعمها... وستكون مسؤولة عن العمليات اليومية للخدمة المدنية والإدارة في غزة».


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

أظهر استطلاع بحثي، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييماً إيجابياً للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص «تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي يجلس فاضل الناجي البالغ 14 عاماً الذي فقد ساقيه بجانب شقيقه أمير صاحب الـ11 عاماً الذي فقد إحدى عينيه بعد إصابتهما خلال غارة إسرائيلية في منزلهما بمدينة غزة (رويترز)

القيود الإسرائيلية تزيد من معاناة مبتوري الأطراف في غزة

كان الطفل الفلسطيني فضل الناجي، البالغ من العمر 14 عاماً، يعشق لعب كرة القدم، لكنه الآن بات حبيس منزله في مدينة غزة معظم الأوقات.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
TT

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

أعلن «حزب الله» أن أيدي عناصره «ستبقى على الزناد»، وذلك بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، جازماً بأنه لن يسكت عن أي خروق إسرائيلية للاتفاق، ولن يكرر التجربة الماضية حين التزم هو باتفاق أكتوبر (تشرين الأول) 2024، في حين واصلت إسرائيل بوقتها اعتداءاتها واغتيالاتها لعناصره وقيادييه.

وانشغل «الحزب»، في الساعات الماضية، بتأمين عودة عدد كبير من النازحين إلى قُراهم، وبمراقبة التطورات على الأرض، لجهة التحركات الإسرائيلية في المناطق المحتلة والاستعداد لمواجهة جديدة في أي لحظة.

إحصاء القتلى

ووفق مواكبين من كثب لوضع الحزب، فإنه لا يزال يعمل على إحصاء عدد قتلاه، دون التوصل حتى الآن إلى حصيلة نهائية؛ نظراً إلى أن عدداً كبيراً من عناصره ما زالوا تحت الأنقاض في القرى والبلدات التي شهدت مؤخراً مواجهات عنيفة كالخيام وبنت جبيل وهي مناطق توجد فيها القوات الإسرائيلية، ما يصعّب عملية البحث عنهم، كما أنه يصعب التعرّف على هويات بعضهم الآخر مع تحولهم إلى أشلاء، إضافة إلى وقوع عدد آخر في الأَسْر.

وتؤكد المصادر أن «(الحزب) لن يُقْدم، في الوقت الراهن ولا في الفترة المقبلة، على إعلان أي أرقام لقتلاه، كما فعل في الحرب السابقة، إذ توقّف عن نعي قتلاه رسمياً بعد أن تجاوز العدد عتبة الخمسمائة. وهو يواصل اعتماد هذا النهج، اليوم، مع ترجيحات بأن تكون الحصيلة مرتفعة، وقد تتجاوز الألف، ولا سيما بعد المعارك العنيفة في الخيام، وخصوصاً في بنت جبيل».

مواقف «الحزب»

وفي بيانٍ أصدره بعد وقف النار، أعلن «الحزب» أنه وخلال معركة «العصف المأكول» التي استمرت خمسة وأربعين يوماً (من الثاني من مارس «آذار» إلى السادس عشر من أبريل «نيسان» 2026)، نفذ «2184 عمليّة عسكريّة مختلفة، كما استهدفت عمليات المقاومة بالمُسيّرات الانقضاضيّة والنيران الصاروخيّة المتنوّعة المستوطنات والمدن الإسرائيليّة، بدءاً من الحدود اللبنانيّة الفلسطينيّة، حتّى ما بعد مدينة تلّ أبيب بعمق 160 كيلومتراً».

وأشار إلى أن عناصره نفّذوا «نحو 49 عمليّة يوميّاً»، وقال: «وستبقى يد هؤلاء المجاهدين على الزناد، يتحسّبون لغدر العدوّ ونكثه».

مُلصق لعنصر من «حزب الله» بضاحية بيروت الجنوبية في اليوم الأول لوقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

وواكب نواب «الحزب»، يوم الجمعة، النازحين، خلال عودتهم إلى بلداتهم وقُراهم، سواء في الجنوب أم البقاع، أم الضاحية الجنوبية لبيروت.

وأكد عضو كتلة «حزب الله»، النائب حسن فضل الله، خلال جولته في مناطق الضاحية، أن «حزبه» لن يقبل أي استسلام، «ولن نقبل أي خضوع؛ فهذا موضوع محسوم لدينا، وإذا أراد الأميركان أن يعطوا العدو الإسرائيلي، كما يقولون، حرية حركة، وأن بعض المسؤولين في لبنان يخضعون ويتنازلون، فهذا لن يكون له تطبيق على أرض الواقع»، مشدداً على أن «وقف إطلاق النار يجب ألا يكون لابتزاز السلطة من قِبل العدو». وأضاف: «على السلطة اللبنانية الخروج من المفاوضات المباشرة التي لن تؤدي إلا إلى الخضوع للإملاءات الإسرائيلية، وهذا يهدد مستقبل لبنان ومصيره».

هزيمة كبرى

وفي حين يصر «حزب الله» وجمهوره على اعتبار ما خلصت إليه هذه الجولة من الحرب انتصاراً، قال الدكتور رياض قهوجي، الباحث والكاتب في شؤون الأمن والدفاع، لـ«الشرق الأوسط»: «اعتدنا من (حزب الله) دوماً إعلان الانتصار، لكن إذا أردنا مقاربة الموضوع عسكرياً، فعندما بدأت الحرب كان الإسرائيلي يوجد في 5 نقاط بينما كان عناصر (الحزب) ينشطون في محاور كالناقورة وكفركلا وعيناتا، أما اليوم فباتوا في مكان آخر داخل الأراضي اللبنانية، في وقت وصلت السيطرة الإسرائيلية لعمق 10 كلم، بعدما كانت بحدود 2 أو 3 كلم، وبناءً عليه فإن (الحزب) خسر أراضي، وأُجبر على التراجع، وعدد قتلاه بالمئات، بينما عدد أسراه ارتفع، وحجم الدمار في الجنوب والضاحية والبقاع أضعاف ما كان عليه قبل الجولة الأخيرة من الحرب، أضف إلى ذلك أن عدد النازحين الذين دُمّرت منازلهم بعشرات الآلاف، وبالتالي ما هو فيه هزيمة، بكل معنى الكلمة».

وأشار قهوجي إلى أنه «وإن صح أن هناك قتلى بصفوف الجنود الإسرائيليين، لكن عددهم لا يقارَن؛ لا من قريب أو من بعيد، بعدد قتلى الطرف الآخر. تماماً كما أن مقارنة بين حجم الأضرار في لبنان وإسرائيل يؤكد حجم الهزيمة الكبرى». وأضاف: «يعدّ الحزب أنه ما دام موجوداً وقادراً على إطلاق الصواريخ فهذا يُعد انتصاراً، علماً بأنه أثبت مجدداً أنه ليس لبنانياً ولا يقوم بشيء لمصلحة لبنان، وأنه مجرد أداة إيرانية ودخل بالحرب لإسناد إيران».

«الحزب» مستعدّ لمواجهة جديدة

في المقابل، يمتلك الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المُطّلع من كثب على موقف «حزب الله»، قراءة مختلفة تماماً للواقع الراهن، إذ يَعدّ أن «(الحزب) خرج أقوى مما كان عليه، مقارنة بوضعه بعد حرب 2024. وإذا لم نُرد أن نقول إنه انتصر فالمؤكد أن الإسرائيلي لم يتمكن من تحقيق أهدافه العسكرية والأمنية، فتل أبيب لم تستطع أن تستهدف قيادة (حزب الله)، وإن كان قد سقط عدد من القياديين لكنه بقي قليلاً جداً، مقارنة بالحرب الماضية».

ويرى قصير أن «الحزب» «أدار المعركة العسكرية بدقة ونجاح، وهو مستعدّ لسيناريو تجدُّد الحرب ويعيد ترتيب أموره استعداداً لمواجهة جديدة، إلا إذا جرى التوصل لحلول جذرية تؤدي للانسحاب الكلي للجيش الإسرائيلي وإعادة الأسرى ووقف العدوان وإعادة الإعمار».


ترمب: طفح الكيل وسأمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب: طفح الكيل وسأمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أي ربط بين وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل وإعلان إيران في شأن إعادة فتح مضيق هرمز، خلافاً لما أعلنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشأن وضع هذا الممر الملاحي الدولي.

وفي موقف لافت في «يوم عظيم ومشرق للعالم»، أكد الرئيس ترمب أن بلاده «ستتعامل مع (حزب الله) بالطريقة المناسبة» و«ستمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً» لأن «الكيل قد طفح». ووعد «بجعل لبنان عظيماً مرة أخرى»

وشهدت أزمة المضيق انفراجة لافتة بعدما نشر عراقجي في حسابه على منصة «إكس» أنه «تمشياً مع وقف إطلاق النار في لبنان، أُعلن فتح ممر جميع السفن التجارية عبر مضيق هرمز بالكامل خلال الفترة المتبقية من وقف إطلاق النار، عبر الطريق المنسق كما أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والشؤون البحرية» الإيرانية.

وعلى الفور، أطلق الرئيس ترمب سيلاً من المنشورات عبر منصته «تروث سوشيال». وقال في أحد هذه المنشورات: «أعلنت إيران للتو أن مضيق هرمز مفتوح بالكامل وجاهز للمرور الكامل». وأتبعه بآخر قال فيه إن «مضيق هرمز مفتوح بالكامل وجاهز للأعمال والمرور الكامل، لكن الحصار البحري سيظل سارياً ونافذاً فيما يتعلق بإيران فقط، إلى حين إتمام معاملاتنا معها بنسبة 100 في المائة».

وتوقع أن «تتم هذه العملية بسرعة كبيرة نظراً لأن معظم النقاط جرى التفاوض عليها بالفعل». وقال أيضاً إن «إيران، بمساعدة الولايات المتحدة، أزالت، أو هي بصدد إزالة، جميع الألغام البحرية!».

نازحون عائدون إلى جنوب لبنان بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (رويترز)

لبنان وهرمز

وكذلك أفاد في منشور منفصل: «ستحصل الولايات المتحدة على كل (الغبار) النووي الناتج عن قاذفاتنا (بي 2) العظيمة، ولن يجري تبادل أي أموال بأي شكل من الأشكال». وأضاف أن «هذه الصفقة غير مرتبطة بلبنان بأي حال من الأحوال، لكن الولايات المتحدة ستعمل بشكل منفصل مع لبنان، وستتعامل مع وضع (حزب الله) بالطريقة المناسبة». وأكد أن «إسرائيل لن تقصف لبنان بعد الآن. الولايات المتحدة تمنعها من ذلك. طفح الكيل!».

وكرر في منشور منفصل أنه «مرة أخرى! هذا الاتفاق (على فتح هرمز) لا يرتبط بأي شكل من الأشكال بلبنان، لكننا سنجعل لبنان عظيماً مرة أخرى!».

وأطلق الرئيس ترمب العنان لتغريدات أخرى حمل فيها على شركاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، لأنهم «كانوا عديمي الفائدة عند الحاجة، مجرد نمر من ورق!». وفي المقابل، شكر للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر «شجاعتكم ومساعدتكم العظيمة!». وكذلك شكر لـ«باكستان ورئيس وزرائها العظيم (شهباز شريف) وقائدها العسكري (عاصم منير)، إنهما شخصان رائعان!».

دور فانس لبنانياً

وكان الرئيس ترمب قد أعلن وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام بعد مكالمتين هاتفيتين منفصلتين مع كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، داعياً إياهما إلى البيت الأبيض لإجراء محادثات سلام مباشرة. ووجه نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية دان كاين للعمل على التوصل إلى تسوية دائمة.

واضطلع فانس بدور بعيد عن الأضواء، إذ إنه «ضغط على الإسرائيليين لأيام، لتوخي المزيد من الحذر في لبنان»، مضيفاً أن «إنهاء القتال هناك من شأنه أن يهدئ التوترات الإقليمية الأوسع»، طبقاً لما أوردته شبكة «سي إن إن».

تزايد هذا الزخم بعدما عقد روبيو اجتماعاً ثلاثياً مع السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، في أول تواصل مباشر من نوعه بين البلدين منذ عقود. وقال مسؤول في البيت الأبيض: «أقرّ لبنان بأن (حزب الله) يمثل مشكلة مشتركة» خلال ذلك الاجتماع.

نازحون عائدون إلى جنوب لبنان (إ.ب.أ)

مشرعون

وبدا رد فعل الكونغرس على وقف إطلاق النار في لبنان خافتاً أمام تركيز النقاش حول مسار الولايات المتحدة وإيران.

وعبَّر السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام عن تحفظه على وقف إطلاق النار، واصفاً إياه بأنه قد يكون «اتفاق سلام زائف» أو قد «يمنح (حزب الله) شريان حياة»، مشدداً على أنه لن يدعم أي اتفاق بشأن لبنان لا يؤدي إلى نزع سلاح «حزب الله» وحلّه بوصفه منظمة مصنفة إرهابية داخل الولايات المتحدة، ويشكل تهديداً للولايات المتحدة وإسرائيل والمنطقة.

وفي المقابل، انتقد عدد من النواب الديمقراطيين، وبينهم النائب جيم ماكغفرن، الضربات الإسرائيلية المستمرة في لبنان، محذرين من أنها قد تُقوض وقف إطلاق النار مع إيران وتشعل حرباً أوسع، وطالبوا ترمب بالضغط على نتنياهو لوقف القصف. ودعا النائب دون باير إلى وقف فعال لإطلاق النار في لبنان لتجنب الفوضى، مؤكداً أن «القصف ليس سبيلاً للسلام».


حملات إسرائيلية على نتنياهو بعد وقف النار في لبنان

عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)
عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)
TT

حملات إسرائيلية على نتنياهو بعد وقف النار في لبنان

عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)
عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)

من السابق لأوانه تلخيص الحرب على إيران وغيرها من الجبهات، لكن الإسرائيليين بدأوا في التلخيص. والأكثر نشاطاً بينهم، هم أولئك الذين يقفون في المعسكر المعارض لرئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو؛ فهؤلاء يلعبون على وتر مشاعر الناس، الذين ظلوا يتعرضون للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، حتى آخر لحظة؛ فالجمهور الإسرائيلي بغالبية مقتنع بأن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وكذلك على «حزب الله» قد فشلت. ويريدون أن يدفع نتنياهو الثمن، فوراً.

عائدون إلى كريات شمونة بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ مع لبنان (أ.ف.ب)

لهذا، فإن معظم ما يقال في تلخيص الحرب يتحدث عن فشل أميركي إسرائيلي. وفي صحيفة «معاريف»، كتب المحرر العسكري، آفي أشكنازي، الجمعة، أن الحرب التي سميت «زئير الأسد»، تنتهي بقدر أكبر كـ «مواء القط». وراح بعيداً أكثر، وكتب: «يمكن القول إن المنتصرة الكبرى هنا هي واحدة: إيران». ويقول أشكنازي: «إن إحباط قادة وجنود الجيش من المستوى السياسي عظيم. سيكون من الخطأ التوقف هنا. توجد فرصة لتنفيذ المهمة، ولإزالة التهديد عن بلدات الشمال».

إسرائيليون يتلون صلوات يهودية وسط الشارع في مدينة كريات شمونة قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

ويقتبس الكاتب رأي ضابط شاب، يقول: «إذا ما خرجنا من هنا الآن فستكون مسألة أشهر، ربما سنة، إلى أن يتطلب منا الأمر مرة أخرى القيام بمعركة لنعود إلى القتال».

إسرائيلية تضع علم بلادها على سيارة في أثناء العودة إلى كريات شمونة في الشمال قرب الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)

ويتحدث عاموس هرئيل، محرر الشؤون العسكرية في «هآرتس»، عن الموضوع بنفس الروح، لكن من الزاوية اللبنانية فيقول: «انتهت تلك الحرب، كما نعرف، بتعادل مخيب للآمال ومن دون خطابات انتصار، ولكن الأفكار السيئة لا تندثر دائماً في غياهب النسيان، بل تنتظر الحرب المقبلة». واقترح الكاتب غادي عزرا في مقال نشره في «يديعوت أحرونوت» الاحتفال بانتصار إسرائيل على «حزب الله» (الذي لم يتحقق بعد) بخطاب يلقيه رئيس الأركان إيال زمير في بنت جبيل. وهو يعتقد أن هذا سيمثل إغلاق دائرة دراماتيكية، التي ستشير إلى بداية عهد جديد.