أميركا توزع مشروعاً أممياً لنشر «قوة سلام» لسنتين في غزة

استمرار المشاورات حول طبيعتها… ومجلس الأمن للتصويت الأسبوع المقبل

TT

أميركا توزع مشروعاً أممياً لنشر «قوة سلام» لسنتين في غزة

مجلس الأمن (د.ب.أ)
مجلس الأمن (د.ب.أ)

في سياق الاستعدادات لبدء المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإحلال الاستقرار في غزة، وزّعت الولايات المتحدة مشروع قرار على أعضاء مجلس الأمن، هدفه تشريع نشر «قوة سلام» دولية لمدة سنتين في القطاع.

وتزامنت هذه الخطوة مع المحادثات الجارية عبر العواصم، بما فيها القاهرة والدوحة وأنقرة، بمشاركة عدد آخر من الدول العربية والمسلمة، من أجل تحديد طبيعة هذه القوة، وما إذا كانت متعددة الجنسيات أو تحت قيادة الأمم المتحدة، وحجمها، والمهمات التي ستتولاها، ومنها صلاحية لنزع أسلحة «حماس» وغيرها من الفصائل الفلسطينية، بالإضافة إلى تأمين المناطق الحدودية وتدمير البنى التحتية للجماعات المصنفة إرهابية وضمان نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية بشكل دائم.

ولا تزال المشاورات جارية خصوصاً لتحديد تركيبة القوة الدولية، التي لا ترغب إسرائيل في وضعها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولكنها تسمح في الوقت ذاته للقوات الإسرائيلية بـ«فرض نزع السلاح»، علماً أن دولاً عربية، مثل مصر والأردن، تدعو إلى مهمة لـ«حفظ السلام» قد تكون بموجب الفصل السادس من الميثاق.

نازحون فلسطينيون في خيام وسط وقف النار بين إسرائيل و«حماس» في مدينة غزة (رويترز)

وكشف دبلوماسيون عن أن مفاوضات مكثفة أجريت في نيويورك لضمان موافقة عدد من الدول العربية والدولية على نشر القوة، التي ستعمل تحت قيادة موحدة بالتشاور والتعاون الوثيق مع إسرائيل ومصر، لأنهما تحدان القطاع، وجنباً إلى جنب مع قوة شرطة فلسطينية مدربة ومعتمدة حديثاً للمساعدة في تأمين المناطق الحدودية وتحقيق الاستقرار الأمني ​​في غزة.

وقال مصدر دبلوماسي غربي في مجلس الأمن لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نواصل التزامنا ببذل كل ما في وسعنا لضمان تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترمب بوتيرة سريعة»، مضيفاً: «نواصل العمل مع مجموعة من الشركاء، بما في ذلك الولايات المتحدة والأوروبيون ودول المنطقة، لتحقيق ذلك». وأكّد أن «المشاورات لا تزال جارية حول هذا الموضوع»، رافضاً تقديم أي تعليقات مُفصلة حول المحادثات الجارية، لأنها غير نهائية.

لا فصل سابعاً

وعلى أمل حصول التصويت خلال الأسبوع المقبل في مجلس الأمن، وزعت البعثة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة نص المشروع الذي يشير إلى أن القوة ستعمل في غزة حتى نهاية عام 2027 «تحت قيادة موحدة وبالتشاور والتنسيق مع مصر وإسرائيل»، إلى جانب قوة شرطة فلسطينية جديدة. وستعمل القوة على حماية سكان غزة وضمان أمن العمليات الإنسانية هناك.

ولا يشير القرار إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يخوّل أي قوات أممية القيام بإجراءات قهرية، يمكن أن تتضمن استخدام القوة العسكرية، لتطبيق مندرجات قرارات مجلس الأمن، ما يعني أن القوة ستتشكل بموجب الفصل السادس، على غرار العديد من البعثات الأممية، ومنها على سبيل المثال القوة الموقتة للأمم المتحدة في لبنان «اليونيفيل».

قائد الوحدات البحرية الألمانية العاملة لدى القوة الموقتة للأمم المتحدة في لبنان «اليونيفيل» الأدميرال ستيفان بلاث في بيروت (د.ب.أ)

ونسب موقع «أكسيوس» لمسؤول أميركي أن إدارة الرئيس ترمب تتطلع إلى نشر أولى القوات في غزة بحلول يناير (كانون الثاني) المقبل، مضيفاً أن القوة الدولية ستكون «قوة إنفاذ وليست قوة حفظ سلام».

وأشار إلى أن المسودة تنص على أن القوة الدولية «ستُرسخ البيئة الأمنية في غزة من خلال ضمان عملية نزع السلاح من قطاع غزة، بما في ذلك تدمير ومنع إعادة بناء البنية التحتية العسكرية والإرهابية والهجومية، بالإضافة إلى نزع الأسلحة بشكل دائم من الجماعات المسلحة غير الحكومية».

التوضيحات المطلوبة

ونقلت صحيفة «الواشنطن بوست»، عن مصدر لم تسمه، أن «الولايات المتحدة أرادت التحرك بسرعة وتشكيل القوة قبل نهاية العام»، مؤكداً أن إدارة الرئيس ترمب تعدّ قوات الأمن الداخلي «خطوة حاسمة في ضمان الاستقرار» بعد حرب السنتين في غزة.

وأفاد دبلوماسيون بأن الصيغة المقترحة لا تزال تحتاج إلى بعض التوضيحات، ولا سيما فيما يتعلق بقواعد الاشتباك لقوة الاستقرار، أو المناطق المحددة التي سيتم نشرها فيها، علماً أن النص يُشير إلى دورٍ لقوات الأمن الإسرائيلية في نزع السلاح من غزة، من دون أن يحدد جدولاً زمنياً، أو معايير محددة لذلك.

وتماشياً مع رغبة إسرائيل، لا تُعرّف المسودة المقترحة القوة الدولية بوصفها عملية تابعة للأمم المتحدة؛ بل تمنحها دعماً أممياً فحسب، على غرار النموذج المستخدم للقوة الدولية المتمركزة في هايتي.

وفي ضوء المشاورات المتواصلة حول النص، يمكن إدخال تعديلات على مشروع القرار، الذي تسعى الولايات المتحدة إلى إقراره في وقت قريب.

وأفاد مصدر مطلع بأن مشروع القرار الأميركي أُعد بالتنسيق مع إسرائيل، وهو يلبي عدداً من مطالبها. ولكن عمل القوة الدولية المقترحة سيستمر مبدئياً حتى نهاية عام 2027، علماً أن أي تجديد أو تعديل لتفويضها يتطلب التشاور مع إسرائيل ومصر ومجلس الأمن. وأفاد «أكسيوس» بأن دولاً مثل إندونيسيا وأذربيجان ومصر وتركيا أبدت استعدادها للمساهمة بقوات.

حل الدولتين

وقال رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني عبر شبكة «سي إن إن» الأميركية، إنه «يجب أن يكون هناك تفويض واضح ومحدد بشأن أي وجود دولي في غزة»، مضيفاً أن «العمل جار مع الولايات المتحدة حالياً على تحديد هذا التفويض».

وأكد أنه «لا يمكن استبعاد حل الدولتين من أي تسوية مستقبلية»، مشيراً إلى أن «جهة التواصل بين الغزيين والقوة الدولية يجب أن تكون فلسطينية».

وشدد على أنه لا أحد يتوقع من قوة عربية أو إسلامية أن تذهب إلى غزة لتطلق النار على الفلسطينيين، مضيفاً: «نريد أن تكون السلطة الفلسطينية الجهة الوحيدة المسؤولة عن الفلسطينيين، لتتولى إدارة شؤونها في غزة والضفة الغربية معاً».

وعقب اجتماع في إسطنبول ضم وزراء من دول ذات غالبية مسلمة، ومنها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والأردن وباكستان وإندونيسيا وتركيا، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن العمل لا يزال جارياً على قرار من الأمم المتحدة لإرسال قوة لتحقيق الاستقرار في غزة.

صورة جماعية للوزراء المشاركين في الاجتماع الوزاري حول غزة في إسطنبول أمس (الاثنين) (الخارجية السعودية)

ويشير مشروع القرار الأميركي أيضاً إلى إنشاء «مجلس سلام»، برئاسة الرئيس ترمب، للإشراف على القطاع حتى تُكمل السلطة الفلسطينية الإصلاحات التي تمكنها من تولي الأمور، في وقت يُحدده مجلس السلام بالتوافق مع إسرائيل. ويتضمن أيضاً اعترافاً بخطة ترمب للسلام، التي تتضمن 20 بنداً، ويدعو كل الأطراف إلى قبولها وتنفيذها من دون إبطاء، ويعبر عن دعمه جهود مجلس السلام لتوصيل المساعدات الإنسانية إلى غزة بالتعاون مع الأمم المتحدة و«الصليب الأحمر الدولي» و«الهلال الأحمر»، ويحض على الحيلولة دون وصول هذه المساعدات إلى الجماعات المسلحة في القطاع.

إعادة الإعمار

ويطلب المشروع من البنك الدولي تخصيص أموال لدعم إعادة إعمار غزة، ومن الأمم المتحدة وضع الإطار القانوني الدولي لعمليات مختلف الهيئات والدول في غزة تحت إشراف مجلس السلام، على أن يجري تمويل هذه الكيانات من الدول الأعضاء والدول الداعمة لنشاطات مجلس السلام، كما يسمح لقوات الأمن الداخلي بالاضطلاع «بمهمات إضافية قد تقتضيها الضرورة» لدعم خطة شاملة أوسع نطاقاً لإنعاش غزة.

ووفقاً للمشروع، سيتولى مجلس السلام «الإشراف على لجنة فلسطينية تكنوقراطية غير سياسية، تضم فلسطينيين أكفاء من القطاع، ودعمها... وستكون مسؤولة عن العمليات اليومية للخدمة المدنية والإدارة في غزة».


مقالات ذات صلة

تسريبات «الخطط البديلة»... هل تعقّد مسار المرحلة الثانية من «اتفاق غزة»؟

تحليل إخباري طفلة أمام خيام احترقت جراء إشعال شمع للإضاءة في مخيم للنازحين بمدينة غزة الجمعة (أ.ف.ب)

تسريبات «الخطط البديلة»... هل تعقّد مسار المرحلة الثانية من «اتفاق غزة»؟

تتواصل التسريبات الإسرائيلية، بشأن التحرك في خطط بديلة في قطاع غزة حال لم يتم تنفيذ «تزع سلاح حماس» قريباً.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء مؤتمر صحافي مشترك في بالم بيتش بفلوريدا في اللقاء الخامس بينهما الثلاثاء الماضي (رويترز)

غالبية الإسرائيليين يعارضون طلب ترمب الانتقال إلى «المرحلة الثانية»

أظهر استطلاع رأي أن غالبية (57 في المائة) من الإسرائيليين يعارضون مطلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة.

نظير مجلي (تل أبيب)
يوميات الشرق الممثلة أنجلينا جولي زارت منطقة قريبة من معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة (رويترز)

أنجلينا جولي تزور الجانب المصري من معبر رفح الحدودي مع غزة

زارت نجمة هوليوود أنجلينا جولي الجانب المصري من معبر رفح الحدودي مع غزة، اليوم الجمعة.

«الشرق الأوسط» (رفح)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في احتفال ليلة رأس السنة في ناديه مارالاغو يوم الأربعاء 31 ديسمبر 2025 في بالم بيتش بولاية فلوريد الأميركية (أ.ب) play-circle

2026... عام يرسم مصير ولاية ترمب الثانية ويحدد إرثه السياسي

يتجاوز العام الجديد كونه استحقاقاً انتخابياً، ليصبح اختباراً حاسماً لولاية الرئيس ترمب الثانية، ولمدى سلطة الرئاسة الأميركية، وموازين القوى السياسية.

شادي عبد الساتر (بيروت)
خاص مقاتلون من «حماس» في غزة (أرشيفية - رويترز)

خاص «حماس» لـ«الشرق الأوسط»: أسلحتنا في غزة خفيفة لا تهدد إسرائيل

قالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن ما تمتلكه الحركة في قطاع غزة هي أسلحة خفيفة، ليس لها أي تأثير حقيقي أو يمكن أن تشكل خطراً حقيقياً على الاحتلال الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)

جريح بغارات إسرائيلية على جنوب لبنان

تصاعد الدخان بعد أن استهدفت طائرات حربية إسرائيلية مرتفعات ريحان في منطقة جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان بعد أن استهدفت طائرات حربية إسرائيلية مرتفعات ريحان في منطقة جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

جريح بغارات إسرائيلية على جنوب لبنان

تصاعد الدخان بعد أن استهدفت طائرات حربية إسرائيلية مرتفعات ريحان في منطقة جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان بعد أن استهدفت طائرات حربية إسرائيلية مرتفعات ريحان في منطقة جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)

شن الطيران الحربي الإسرائيلي، الجمعة، سلسلة غارات جوية عنيفة على جنوب لبنان.

واستهدف الطيران الإسرائيلي بغارات سهل عقماتة وأطراف الريحان في منطقة جبل الريحان، واتبعها بعد دقائق بسلسلة غارات عنيفة مستهدفاً المنطقة الواقعة بين بلدتي أنصار والزرارية ملقياً عدداً من الصواريخ من نوع «جو - أرض».

وصدر عن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة العامة بيان أعلن أن «غارة العدو الإسرائيلي اليوم على بلدة أنصار قضاء النبطية أدت إلى إصابة مواطن بجروح».

كما تعرضت الوادي الواقعة بين بلدتي كفروة وعزة في قضاء النبطية لـ3 غارات جوية إسرائيلية.

من جهته، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أن قواته نفذت غارات على مواقع لـ«حزب الله» في عدة مناطق بجنوب لبنان.

وأكد أدرعي عبر منصة «إكس» أن الجيش استهدف «بنى تحتية إرهابية» تابعة لـ«حزب الله» منها مجمع تدريبات لوحدة قوة الرضوان ومبانٍ عسكرية قال إنها كانت تُستخدم لتخزين وسائل قتالية.

وقال المتحدث إن «وجود البنى التحتية التي تم استهدافها إلى جانب إجراء التدريبات العسكرية يُشكّل خرقاً للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان».

وجرى التوصل إلى هدنة بين إسرائيل و«حزب الله» في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي بوساطة أميركية بعد قصف متبادل لأكثر من عام، لكن إسرائيل ما زالت تسيطر على مواقع في جنوب لبنان رغم اتفاق الهدنة وتواصل شن هجمات على شرق البلاد وجنوبها.


«حزب الله» يتمسك بعلاقته مع البطريركية المارونية تجنباً للصدام مع الداخل

البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)
البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)
TT

«حزب الله» يتمسك بعلاقته مع البطريركية المارونية تجنباً للصدام مع الداخل

البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)
البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)

رغم المواقف الحاسمة للبطريركية المارونية المتمسكة بحصرية السلاح، وباتفاق هدنة مع إسرائيل، فإن قيادة «حزب الله» تبدو متمسكة بإبقاء قنوات التواصل فاعلة مع بكركي (مقر البطريركية) بعدما كانت قد شهدت خلال فترة حرب إسناد غزة وما تلاها، نوعاً من البرودة.

وأعطت الزيارة التي قام بها وفد من «حزب الله» إلى بكركي، وضم النائبين علي فياض ورائد برو، وعضوي المكتب السياسي في الحزب أبو سعيد الخنسا وعبد الله زيعور للتهنئة بالأعياد وعرض الأوضاع الراهنة على الساحتين المحلية والإقليمية مع البطريرك الماروني بشارة الراعي، زخماً للعلاقة بين الطرفين، وأظهرت نية واضحة لدى «حزب الله» بإبقاء التواصل قائماً مع البطريركية المارونية، رغم الخلاف بينهما في مقاربة ملفات استراتيجية.

حوار ضمن ثوابت بكركي

وأكد مصدر كنسي فضّل عدم ذكر اسمه أن «العلاقة والتواصل لم يتوقفا بين الحزب وبكركي حتى خلال الحرب الأخيرة، وإن كانت لم تُسجل زيارات لاعتبارات أمنية مرتبطة بـ(حزب الله)»، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «النقاشات الحاصلة بين الطرفين كانت ولا تزال قائمة ضمن ثوابت بكركي التي يشكل اعتمادها طريق خلاص لبنان». وأضاف المصدر: «البطريركية مصرة على أن خلاص لبنان بحياده وبحصرية السلاح، وتطبيق القرارات الدولية وصولاً لإطلاق بحث جدي بموضوع الهدنة».

وأشار المصدر إلى أن «(حزب الله) يُظهر انفتاحاً في مقاربة كل هذه الملفات، ولا يعلن رفضاً قاطعاً لأي طرح... حتى إنه يقول إنه مع حصرية السلاح، ولكن وفق ظروف ومعطيات معينة وأنه مع الهدنة لا الاستسلام»، لافتاً إلى أن ما يسعى الحزب إليه راهناً، «هو إظهار أنه جاهز للحوار والتلاقي مع الداخل، ولا يريد الصدام، وقد يكون ذلك يندرج بإطار سعيه لكسب الوقت معولاً على متغيرات معينة بالمنطقة».

حوار عميق

يصف الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المطلع من كثب على موقف «حزب الله»، الزيارة التي قام بها وفد الحزب إلى بكركي بـ«المهمة جداً»، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» عن «حوار عميق بين الحزب والبطريركية المارونية لم ينقطع منذ سنوات عدة؛ ولذلك هذا اللقاء الهام هو استكمال للحوار وليس مجرد تهنئة بروتوكولية بمناسبة الأعياد».

ويشير قصير إلى أن «(حزب الله) يشارك في حوار فكري وسياسي بإشراف بكركي حول مختلف التحديات التي تواجه لبنان، خصوصاً تطبيق اتفاق الطائف وملف الانتخابات البرلمانية والسلاح ودور لبنان في المنطقة»، موضحاً أن «هناك لقاءات حوارية تُعقد في جامعة القديس يوسف باشراف بكركي ومشاركة مؤسسة ألمانية، ويشارك الحزب فيها دورياً، وهناك جلسة ستُعقد، الأسبوع المقبل، وتشارك فيها 40 شخصية لبنانية».

إدارة الخلاف

من جهته، يرى جاد الأخوي، المعارض الشيعي اللبناني، ورئيس «ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين» أن «حزب الله» يحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع بكركي «لاعتبارات تتجاوز المجاملات البروتوكولية، وتدخل في صلب حساباته الوطنية والاستراتيجية»، موضحاً أن «المواقف العالية النبرة الصادرة عن البطريركية، لا سيما فيما يتصل بالسلاح أو بالسيادة أو بالحياد، تُدرَك في بيئة الحزب على أنها تعبير عن هواجس تاريخية لدى المسيحيين أكثر مما هي اصطفاف كامل في محور سياسي معادٍ؛ لذلك يفضّل بعض الحزبيين إدارة الخلاف عبر الحوار، لا تكريسه عبر القطيعة».

ويرى الأخوي: «بالنسبة للحزب، فإن إبقاء العلاقة مع بكركي يندرج في إطار استراتيجية لتظهير نفسه قوةً لبنانيةً لا طائفيةً، قادرة على التواصل مع جميع المكوّنات، لا كتنظيم مذهبي منغلق. هذا الأمر له أهمية خاصة في مراحل الضغط الداخلي والخارجي، حيث يحتاج الحزب إلى تثبيت صورة (الشريك الوطني) لا (الطرف المعزول)». ويضيف: «يفضّل الحزب علاقة متوترة، ولكن مفتوحة مع بكركي، في بلد تُدار أزماته دائماً على حافة الانقسام الوجودي».

نظرة تاريخية

كانت العلاقة بين الراعي والحزب اهتزت، الصيف الماضي، على خلفية مواقف عالية النبرة أطلقها البطريرك الماروني رأى فيها أن «المقاومة ليست خضوعاً لإملاءات إيران»، ووجَّه حينها رسالة إلى الحزب قائلاً: «رسالتي إلى (حزب الله): أعلِن ولاءك النهائي للبنان». وقال إن حرب إسناد غزة التي بدأها «حزب الله» قد «أتت بالخراب على أبناء لبنان»، معلناً أنه «لا مانع من السلام مع إسرائيل مستقبلاً عندما تكون الظروف مناسبة».

وكثيراً ما تولت لجنة مشتركة تضم ممثلين عن بكركي و«الثنائي الشيعي» تنظيم العلاقة بين الطرفين، والخوض في نقاشات شتى لتقريب وجهات النظر بينهما. وقد فعّلت نشاطها بعد تولي البطريرك الراعي سدة البطريركية على أساس أن علاقة بكركي والحزب ساءت جداً في عهد البطريرك الراحل نصر الله صفير نظراً لمواقفه السلبية الصريحة من «الحزب» وسلاحه والنظام السوري.

كذلك لم تستقر علاقة الطرفين منذ تولي الراعي مهامه؛ إذ ساءت في عام 2014 مع قرار الراعي زيارة القدس لملاقاة البابا فرنسيس. ونبّه «حزب الله» في وقتها الراعي من «مخاطر وتداعيات» الزيارة التي كانت في حينها الأولى من نوعها لبطريرك ماروني إلى القدس منذ إنشاء دولة إسرائيل عام 1948.


انقسام حول تسمية الرئيس العراقي قبل المهلة الدستورية

رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)
رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)
TT

انقسام حول تسمية الرئيس العراقي قبل المهلة الدستورية

رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)
رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)

لا يزال ملف اختيار مرشح كردي لمنصب رئاسة الجمهورية العراقية، المخصص عرفاً للكرد، محاطاً بالغموض والتباينات السياسية بين الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، وسط ترقب لإعلان الاسم النهائي للمرشح عن الاتحاد الوطني.

وقال مصدر مقرب من الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل طالباني، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لم يقدم مرشحه الرسمي حتى الآن، ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن الاسم النهائي يوم الاثنين المقبل، وهو الموعد النهائي لتسليم قائمة المرشحين إلى رئيس البرلمان».

وأضاف المصدر أن «وسائل الإعلام تتداول قائمة أسماء غير رسمية، ولم يجر الاتفاق على مرشح نهائي».

وأكدت مصادر سياسية أن الرئيس الحالي عبد اللطيف رشيد رشح نفسه من جديد للمنصب، في خطوة فاجأت قيادات كردية، فيما يسعى الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى الدفع بمرشح تسوية، حتى لو كان من الاتحاد الوطني أو مقرباً منه، في إطار سعيه لإعادة صياغة التوازنات التقليدية داخل البيت الكردي.

اجتماعات للحسم

من المتوقع أن تعقد قيادتا الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان اجتماعين منفصلين، غداً السبت، في محافظتي أربيل والسليمانية، لمناقشة موقف كل حزب بشأن المنصب.

ووفق وكالة «شفق نيوز»، فإن الاتحاد الوطني سيعرض خلال اجتماعه أسماء مرشحيه، أبرزهم نزار آمدي وخالد شواني، تمهيداً لاتخاذ القرار النهائي بحضور رئيس الحزب بافل طالباني.

في المقابل، سيجتمع الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة زعيمه مسعود بارزاني، وبحضور نائبيه نيجيرفان ومسرور بارزاني، لبحث ترشيح كل من ريبر أحمد وزير داخلية الإقليم الحالي، وفؤاد حسين وزير الخارجية، للمنصب ذاته.

ويتوقع أن يتبع الاجتماعين عقد لقاء موسع يضم قيادات الحزبين، في محاولة للتوصل إلى توافق سياسي يفضي إلى اختيار مرشح واحد يمثل البيت الكردي، وهو ما تطالب به الكتل السياسية الأخرى لضمان تمرير الاستحقاق دون تعقيدات.

الرئيس العراقي الحالي عبد اللطيف رشيد (موقع رئاسة الجمهورية)

خلافات كردية

وتتسع دائرة الخلافات الكردية - الكردية، من دون سجالات علنية، بسبب آلية اختيار الرئيس المقترحة من زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، في وقت تشهد فيه العملية السياسية برمتها توازنات هشة داخل المكونات الرئيسية الثلاثة، وسط مخاوف من أن تنعكس هذه الخلافات على الاستحقاقات الدستورية المقبلة.

ويخصص العرف السياسي في العراق منصب رئيس الجمهورية للكرد منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، بينما تذهب رئاستا الحكومة والبرلمان إلى القوى الشيعية والسنية، ضمن صيغة المحاصصة التقليدية.

وقد ظل المنصب، منذ عام 2005، من حصة الاتحاد الوطني بموجب تفاهمات غير مكتوبة، مقابل احتفاظ الحزب الديمقراطي بالمناصب السيادية داخل الإقليم.

آلية انتخاب

في نهاية 2025، دعا بارزاني إلى تغيير آلية انتخاب رئيس الجمهورية الكردي، مقترحاً ثلاث آليات: أن يسمي برلمان الإقليم شخصية تمثل الكرد، أو أن تتفق جميع الأطراف الكردستانية على مرشح واحد، أو أن تختار الكتل والنواب الكرد في البرلمان العراقي مرشحاً للمنصب. وأكد بارزاني أن الأهم هو تحقيق إجماع كردي، وأن يكون الرئيس «ممثلاً لشعب كردستان في بغداد»، من دون ربطه بحزب محدد.

غير أن هذا المقترح فتح باباً جديداً للنقاش داخل البيت الكردي، خصوصاً بين الحزبين الرئيسيين؛ إذ يرى الاتحاد الوطني في المنصب ركناً أساسياً من نفوذه السياسي، بينما يطمح الحزب الديمقراطي إلى كسر العرف التقليدي لضمان دور أكبر له في توزيع المناصب السيادية.

ويشير مراقبون إلى أن استمرار الخلافات الكردية، حتى وإن بقيت صامتة، قد ينعكس على مسار التفاوض داخل بغداد، خصوصاً مع ترابط استحقاق رئاسة الجمهورية بتوازنات أوسع تشمل اختيار رئيس الوزراء وترتيبات التحالفات داخل البرلمان.