إغلاق آخر ممر من جنوب القطاع إلى شماله… كيف يفاقم المجاعة؟

التجار كانوا يستخدمون شارع الرشيد لنقل بضائعهم في أنحاء غزة

نازحون بأمتعتهم على طريق ساحلي باتجاه الجنوب من وادي غزة بعد إعلان الجيش الإسرائيلي إغلاق طريق الرشيد باتجاه الشمال يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
نازحون بأمتعتهم على طريق ساحلي باتجاه الجنوب من وادي غزة بعد إعلان الجيش الإسرائيلي إغلاق طريق الرشيد باتجاه الشمال يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

إغلاق آخر ممر من جنوب القطاع إلى شماله… كيف يفاقم المجاعة؟

نازحون بأمتعتهم على طريق ساحلي باتجاه الجنوب من وادي غزة بعد إعلان الجيش الإسرائيلي إغلاق طريق الرشيد باتجاه الشمال يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
نازحون بأمتعتهم على طريق ساحلي باتجاه الجنوب من وادي غزة بعد إعلان الجيش الإسرائيلي إغلاق طريق الرشيد باتجاه الشمال يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، عن إغلاق شارع الرشيد الساحلي أمام الحركة من جنوب قطاع غزة إلى شماله، بينما أبقاه مفتوحاً باتجاه الجنوب أمام من تبقوا داخل مدينة غزة، بهدف الضغط عليهم للنزوح إلى المناطق الوسطى والجنوبية.

وكان الجيش الإسرائيلي قد خصص، قبل عدة أسابيع، شارع الرشيد مساراً مفتوحاً أمام سكان مدينة غزة للنزوح إلى وسط وجنوب القطاع، ما تسبب بحالة ازدحام شديد أبقى السكان على الطريق لساعات طويلة، وصلت إلى سبع ساعات وأكثر، لقطع مسافة كانوا يقطعونها من قبل في ساعة أو أقل.

ويشدد هذا التحرك من حصار متصاعد على من تبقوا داخل مدينة غزة، والمقدر عددهم بنحو 270 ألف فلسطيني لا يزالون في مناطق غرب المدينة وجنوبها، وأجزاء بسيطة من أطرافها الشرقية بالقرب من حيي الشجاعية، والزيتون.

فلسطينية تجلس وسط الحطام في مدرسة تابعة للأمم المتحدة تؤوي نازحين بعد قصفها في حي الزيتون بمدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)

وفور إغلاق الطريق من جانب واحد، هو الجهة الجنوبية نحو الجهة الشمالية، الساعة 12 ظهراً بالتوقيت المحلي، أطلقت طائرات مروحية ومُسيرة النار تجاه غزيين كانوا يقتربون من جهة الجنوب نحو الشمال من شارع الرشيد، وتحديداً وادي غزة، والشارع الجديد المقابل لمحور نتساريم.

ارتفاع «جنوني» في الأسعار

وعقب إعلان الجيش، شهدت مدينة غزة ارتفاعاً حاداً في أسعار المواد الغذائية، وخاصةً الدقيق (الطحين)، بسبب إغلاق الطريق، ومنع تدفقها إلى المدينة، الأمر الذي سيوقع عليهم ضغطاً أكبر للخروج منها، وهو ما تنشده القوات الإسرائيلية للعمل براً بأريحية.

وكانت الأمم المتحدة وخبراء دوليون قد أعلنوا رسمياً، في أغسطس (آب) الماضي، عن تفشي المجاعة على نطاق واسع في غزة. وأفاد منسق الأمم المتحدة للإغاثة في حالات الطوارئ، توم فليتشر، حينها أنه كان من الممكن منع هذه المجاعة «إذا سُمح لنا بذلك... الأغذية تتكدس على الحدود بسبب العرقلة الممنهجة من إسرائيل».

فلسطينية تأكل حفنة أرز من وعاء معدني بعدما حصلت على القليل منه من تكية خيرية في النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

ولاحظت جهات دولية أن «التجويع» في غزة لم يكن عشوائياً، وفق ما أظهرت الأنماط التي لجأت إليها إسرائيل في إدخال المساعدات إلى القطاع طوال فترة الحرب، والتي بدت ممنهجة للموازنة بين ادعاء حكومة بنيامين نتنياهو استمرار إدخالها للمساعدات، والضغط بسلاح «التجويع» لتهجير سكان القطاع.

وقال أحمد بكر، وهو من مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، لـ«الشرق الأوسط» إن السكان فوجئوا فور إعلان الجيش إغلاق الطريق باتجاه الشمال باختفاء سلع تموينية أساسية من الأسواق، في حين ارتفعت أسعار ما بقي مطروحاً في الأسواق «بشكل جنوني».

ولفت إلى أن سكان مدينة غزة كانوا يعتمدون على ما يأتي من بضائع من وسط وجنوب القطاع عبر التجار الذين كانوا ينقلونها حتى قبيل إعلان الجيش صباح الأربعاء.

وينفي المواطنون وجود أي بضائع مخزنة في مدينة غزة، مؤكدين أن المدينة تواجه ظروفاً صعبة في ظل العمليات الإسرائيلية البرية المستمرة التي تتوسع من حين إلى آخر.

تهافت على الحصول على طعام من تكية خيرية في النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

ولوحظ فور صدور البيانات الإسرائيلية بدء موجة نزوح جديدة.

العمليات العسكرية

وتتركز عمليات القوات الإسرائيلية في الأجزاء الشمالية، والشمالية الغربية من مدينة غزة، بالإضافة إلى أجزاء من جنوبها، وبعض أطرافها الشرقية، مثل الشيخ رضوان والنصر والشاطئ والنفق والصبرة وتل الهوا، بينما تتقدم أحياناً إلى وسط المدينة، وأطراف حي الرمال، ومحيط مجمع الشفاء ومستشفى الحلو، وسط قصف جوي ومدفعي، وإطلاق نيران من الطائرات المسيرة والمروحية، وغيرها.

وتناور القوات الإسرائيلية في مناطق وسط المدينة، وغيرها، بالتقدم تارة والتراجع تارة أخرى، لتكثيف الضغط على السكان بهدف ترويع من تبقوا لإجبارهم على النزوح، وهو الأمر الذي نجحت فيه نسبياً.

ويبدو أن فشل القوات الإسرائيلية في إرغام بعض السكان على النزوح دفعها إلى إغلاق الطريق باتجاه الشمال، لمنع تدفق الخضراوات، والمواد الغذائية، وغيرها من احتياجات السكان، بهدف حصارهم وتجويعهم بعدما أغلقت نقطة حاجز زيكيم الذي كان ممراً لدخول المساعدات لنحو شهرين قبل أن يتقرر إغلاقه. وفي تلك الفترة قُتل المئات وهم ينتظرون دخول تلك المساعدات.

طائرة تحلق فوق مدينة غزة خلال نزوح فلسطيني جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية يوم الأربعاء (رويترز)

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن قواته تكمل حالياً السيطرة على الجزء الغربي من محور نتساريم، مؤكداً أنه سيتم تشديد الحصار على سكان المدينة، وأن كل من سيخرج منها سيغادرها عبر حواجز أمنية.

واعتبر أن هذه فرصة أخيرة لسكان غزة الراغبين في الانتقال جنوباً، وترك عناصر «حماس» معزولين في مدينة غزة نفسها في مواجهة عمليات الجيش المستمرة بكثافة، وعدَّ كل من سيبقى في المدينة «إرهابيين»، وداعمين لهم.

وأضاف: «جيش الدفاع الإسرائيلي مستعد لجميع الاحتمالات، وهو مصمم على مواصلة أنشطته حتى عودة جميع الرهائن ونزع سلاح (حماس)، في طريق إنهاء الحرب».

الصليب الأحمر

وأعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن تعليق عملها مؤقتاً بمدينة غزة، ونقل موظفيها إلى مكاتبها في جنوب القطاع، لضمان سلامتهم، واستمرار عملهم؛ مشيرةً إلى أن ما أجبرها على ذلك هو تصعيد العمليات العسكرية في مدينة غزة.

وبينت اللجنة أن هذا يأتي في وقت يواجه فيه عشرات الآلاف من سكان المدينة «ظروفاً إنسانية مروعة، وهم في أمس الحاجة إلى مزيد من المساعدة، في ظل تدهور الوضع»، مؤكدة أن المدنيين يتعرضون للقتل، والنزوح القسري، كما يجبرون على تحمل ظروفٍ قاسية.

فلسطينيون ينزحون بأمتعتهم باتجاه الجنوب من وادي غزة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

وقالت: «عملت فرق الاستجابة الأولية، بمن فيهم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني والدفاع المدني، بلا كلل لتقديم الإغاثة، إلا أن قدرتهم على الحركة والوصول الآمن إلى السكان المدنيين مقيّدة بشدة».

وأكدت اللجنة أنها ستواصل جهودها لتقديم الدعم للمدنيين في مدينة غزة، كلما سمحت الظروف، من خلال مكاتبها في دير البلح، ورفح، والتي لا تزال تعمل بكامل طاقتها، ويشمل ذلك تقديم الشحنات الطبية للمرافق الصحية القليلة المتبقية في مدينة غزة، وبذل قصارى جهدها لتسهيل حركة المسعفين، والمستجيبين الأوائل.

وفي رفح «سيظل مستشفى الصليب الأحمر الميداني شريان حياة للجرحى الذين يتدفقون باستمرار»، وفق بيانها.

ولفتت إلى أنه عقب التصعيد الأخير، بقيت فرقها في مدينة غزة لأطول فترة ممكنة لحماية الفئات الأكثر عرضةً للخطر، ودعمها، مؤكدةً التزامها بالعودة عندما تسمح الظروف بذلك.

وقالت: «لا يزال إنقاذ الأرواح ممكناً. وقف الأعمال العدائية أمر حتمي وعاجل. وبموجب القانون الدولي الإنساني، يجب حماية المدنيين، سواءً بقوا في مدينة غزة، أو غادروها. وإسرائيل، بصفتها القوة المحتلة، ملزمة بضمان تلبية احتياجاتهم الأساسية. ويجب احترام وحماية الطواقم والمرافق والمركبات الطبية، كما يجب احترام أفراد الدفاع المدني وحمايتهم، ويجب السماح بإدخال المساعدات الإنسانية بسرعة ودون عوائق، وتسهيل وصول تلك المساعدات في جميع أرجاء قطاع غزة».


مقالات ذات صلة

«الجامعة العربية» تطالب بتدخل دولي يلزم إسرائيل بإلغاء «قانون إعدام الأسرى»

شؤون إقليمية جانب من اجتماع جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين رداً على «قانون إعدام الأسرى» (الجامعة العربية)

«الجامعة العربية» تطالب بتدخل دولي يلزم إسرائيل بإلغاء «قانون إعدام الأسرى»

أكدت جامعة الدول العربية، الخميس، «إدانتها الشديدة ورفضها القاطع» لإقرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي قانوناً صادق عليه «الكنيست» يمكّن من إعدام الأسرى الفلسطينيين

فتحية الدخاخني (القاهرة )
المشرق العربي امرأة تبكي خلال جنازة 6 فلسطينيين قُتلوا في غارات إسرائيلية في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز) p-circle

طواقم طبية: الغارات الإسرائيلية تقتل ستة في غزة

كشف مسؤولون في قطاع الصحة أن غارات إسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 6 أشخاص في ​قطاع غزة، الثلاثاء، في أحدث موجة من العنف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)

السيسي وبوتين يشددان على ضرورة احتواء التصعيد الراهن

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «روسيا بما لها من وزن وقدرات على المستوى الدولي قادرة على التأثير في اتجاه وقف الحرب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

خاص مصادر من «حماس» تُقر بـ«تباين» مع الوسطاء حول خطة نزع السلاح

كشفت مصادر فلسطينية أن مصر وقطر وتركيا شاركت في صياغة خطة «مجلس السلام» لنزع السلاح من غزة، بينما أقرت مصادر من «حماس» بوجود «تباين» مع الوسطاء بشأنها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فيليب لازاريني (رويترز) p-circle

«الأونروا» تطالب بالتحقيق في مقتل 390 من موظفيها خلال حرب غزة

أكد فيليب لازاريني، مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، أن مناقشات تدور حالياً لإجراء تحقيق أممي في مقتل عدد من موظفيها خلال حرب غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

فنان لبناني يقاضي إسرائيل بفرنسا بتهمة ارتكاب «جرائم حرب» في بيروت

مبانٍ مهدمة جراء الغارات الإسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت (أ.ف.ب)
مبانٍ مهدمة جراء الغارات الإسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت (أ.ف.ب)
TT

فنان لبناني يقاضي إسرائيل بفرنسا بتهمة ارتكاب «جرائم حرب» في بيروت

مبانٍ مهدمة جراء الغارات الإسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت (أ.ف.ب)
مبانٍ مهدمة جراء الغارات الإسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت (أ.ف.ب)

لجأ الفنان الفرنسي اللبناني علي شرّي، الذي فقد والديه في غارة إسرائيلية على مبنى سكني في بيروت، أواخر عام 2024، إلى النظام القضائي الفرنسي، على أمل فتح تحقيق في «جرائم حرب».

وقدّم شرّي، الخميس، شكوى بدعوى مدنية أمام وحدة الجرائم ضد الإنسانية التابعة للمحكمة القضائية في باريس، إلى جانب الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان (FIDH)، حسبما أفادت به محاميته كليمانس بيكتارت لوكالة الصحافة الفرنسية.

وأشارت بيكتارت إلى أنّ سبعة مدنيين، بينهم والد شرّي ووالدته البالغان من العمر 87 و77 عاماً، قُتلوا في الغارة التي استهدفت مبنى مؤلّفاً من 12 طابقاً في شارع النويري وسط العاصمة اللبنانية، في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

وأضافت أنّ عملية القصف هذه «وقعت قبل ساعات فقط من دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و(حزب الله) حيّز التنفيذ».

سابقة

وقالت بيكتارت إنّ هذا التحقيق سيشكّل سابقة، مضيفةً: «حتى الآن، لم يتم اتخاذ أي إجراءات قانونية، سواء في لبنان أو الخارج» فيما يتعلق بالهجمات التي نفذتها إسرائيل في لبنان بين أكتوبر (تشرين الأول) 2023 ونوفمبر 2024.

ودخل «حزب الله» الحرب مع إسرائيل بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 الذي شنته «حماس» ضد الدولة العبرية، في ما قال إنه «إسناد» للحركة الفلسطينية.

الفنان الفرنسي اللبناني علي شري (موقع علي شري - بوريس كامكا)

وتصاعدت الأعمال العدائية على الحدود مع إسرائيل إلى نزاع مفتوح.

ورغم سريان وقف لإطلاق النار منذ نوفمبر 2024 أنهى حرباً استمرت لأكثر من عام، واصلت إسرائيل شنّ ضربات خصوصاً على جنوب لبنان.

وقالت بيكتارت لوكالة الصحافة الفرنسية، إنّ «هذه الهجمات تشكّل انتهاكاً واضحاً ومتكرراً للقانون الإنساني الدولي، الذي يتطلّب احترام مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والممتلكات المدنية والسكان».

وأشارت إلى أنّ «النظام القضائي الفرنسي يجب أن يضمن عدم إفلات هذه الجرائم من العقاب وأن يضمن مقاضاة مرتكبيها، لا سيما عندما يكون مواطنوه من الضحايا».

«أمل في تحقيق العدالة»

من جانبه، أكد علي شري لوكالة الصحافة الفرنسية، أنّ «القضاء لن يعيد لي والدَيّ، ولكن آمل أن يكسر حلقة الإفلات من العقاب».

وهذا الفنان التشكيلي المولود في بيروت نشأ في المبنى المستهدف ويقيم الآن في باريس. وكان قد عرض أعماله في متاحف كبرى، مثل المعرض الوطني في لندن ومتحف جو دو بوم (Jeu de Paume) في باريس ومتحف الفن الحديث (MoMa) في نيويورك.

وأضاف: «سيكون الأمر طويلاً وشاقاً للغاية، وقد يبدو ضرباً من العبث في سياق ما يجري اليوم»، مضيفاً: «ولكن إذا كان من شأنه أن يساعد في منع فقدان مزيد من الأرواح في هذا الجنون... فأنا متمسّك بالأمل في تحقيق العدالة».

لا يمكن اللجوء إلى القضاء الفرنسي للتحقيق في وفاة والدَي علي شري اللذين لا يحملان الجنسية الفرنسية. لذلك، رفع شرّي دعوى قضائية بتهمة ارتكاب جريمة حرب تتمثّل في «اعتداء متعمّد على ممتلكات مدنية»، وذلك فيما كان يملك الشقة التي قُتل فيها والداه والتي دُمّرت لاحقاً.

وتستند الشكوى إلى بحث أجرته منظمة العفو الدولية ومنظمة الهندسة الجنائية، اللتان حققتا في الغارة.

وأشارت منظمة العفو الدولية في تقرير نُشر في فبراير (شباط) 2026، إلى أنّ الغارة نُفّذت من دون إنذار مسبق، موضحةً أنّها «تستطيع أن تستنتج بشكل معقول أنّها انتهكت القانون الإنساني الدولي».

وأشارت المنظمة إلى أنّ تحقيقاتها «لم تكشف عن أي دليل على وجود أهداف عسكرية في وقت الهجوم». وأوضحت أنّه حتى لو كان الأمر كذلك، فإنّ «الوسائل المستخدمة وطريقة تنفيذ الهجوم على مبنى سكني، يسكنه مدنيون، من المرجّح أن تجعله هجوماً عشوائياً». وذكرت منظمة العفو أنّها استفسرت من السلطات الإسرائيلية عن الموضوع، ولكنها لم تتلقَّ رداً.


«حماس» في القاهرة بعد أنقرة بحثاً عن تفاهمات «نزع السلاح»

امرأة فلسطينية تشد دعائم خيمتها وسط يوم عاصف في خان يونس جنوب غزة الخميس (رويترز)
امرأة فلسطينية تشد دعائم خيمتها وسط يوم عاصف في خان يونس جنوب غزة الخميس (رويترز)
TT

«حماس» في القاهرة بعد أنقرة بحثاً عن تفاهمات «نزع السلاح»

امرأة فلسطينية تشد دعائم خيمتها وسط يوم عاصف في خان يونس جنوب غزة الخميس (رويترز)
امرأة فلسطينية تشد دعائم خيمتها وسط يوم عاصف في خان يونس جنوب غزة الخميس (رويترز)

بدأ وفد من حركة «حماس» محادثات في القاهرة، الخميس، قادماً من جولة أخرى في أنقرة، لمناقشة تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل في غزة، مع تركيز خاص على التوصل إلى تفاهمات في ملف «نزع السلاح» من القطاع.

تأتي اجتماعات «حماس» غداة زيارة أجراها الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، إلى القاهرة وأنقرة، بشأن خطته لتنفيذ اتفاق غزة وفق مقترح «مجلس السلام» الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويُعد نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وأفادت «حماس» في بيان الخميس، بأن وفد الحركة وصل إلى القاهرة برئاسة خليل الحية، لمتابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وعقد لقاءات مع مسؤولين مصريين.

ويُجري وفد «حماس» عدداً من اللقاءات مع قادة ومسؤولي الفصائل الفلسطينية لتحقيق «مواقف وطنية مشتركة» من مختلف القضايا، وذلك بعد «لقاءات أجراها خلال اليومين الماضيين في تركيا بشكل منفصل مع وزير المخابرات إبراهيم قالن، ووزير الخارجية هاكان فيدان».

وشدد وفد «حماس» في تركيا على «أهمية الالتزام بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، خصوصاً إلزام الاحتلال بتنفيذ كل ما هو مطلوب في المرحلة الأولى».

ويتوقع خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن تشمل مطالبات «حماس» تأكيد تطبيق كل الاتفاق من جانب إسرائيل، ووقف الخروق، وتعزيز دخول المساعدات، وتنفيذ المرحلة الأولى كاملة، وبحث تفاهمات أزمة نزع السلاح، خصوصاً في ضوء مساعي ملادينوف لتطبيقها.

ويرى المحلل السياسي المختص بالشؤون الإسرائيلية في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، سعيد عكاشة، أن «زيارة (حماس) تُبقى على الحد الأدنى من الاهتمام بملف اتفاق غزة في ظل الانشغالات الأميركية والدولية بحرب إيران».

ويضع المحلل المتخصص في شؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، «اللقاء والتنسيق مع الفصائل الفلسطينية» في مقدمة أهداف اجتماعات الحركة بالقاهرة، مستشهداً بمشاركة رئيس مكتب العلاقات الوطنية في «حماس» حسام بدران ضمن الوفد، فضلاً عن قيادة الحية الوفد في اجتماعات القاهرة، حيث تُجرى مناقشات مع المسؤولين المصريين.

والتقى ملادينوف في القاهرة مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الأربعاء، وناقشا وفق بيان مصري، «الجهود الجارية لدعم تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة ترمب».

وزير الخارجية المصري يلتقي نيكولاي ملادينوف (الخارجية المصرية)

وأكد الوزير المصري «أهمية التزام كل الأطراف بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية بكامل بنودها، بما في ذلك الانسحاب الإسرائيلي، وضرورة الإسراع بنشر قوة الاستقرار الدولية لضمان مراقبة وقف إطلاق النار».

وفي تقدير المدهون فإنه «من المبكر الحديث عن استجابة أو انخراط فعلي في خطة ملادينوف؛ إذ لا تزال في طور الدراسة لدى مستويات (حماس) المختلفة بما فيها (كتائب القسام)، وتخضع لتقييم الفصائل الفلسطينية»، مذكّراً بـ«تمسك وتوافق المجموعات الفلسطينية المختلفة على ربط أي تقدم نحو المرحلة الثانية بمدى التزام الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى بشكل كامل وواضح».

لكن عكاشة يعتقد أن «المحادثات المتواصلة في القاهرة وأنقرة، تقول إن ثمة تفاهمات قد تكون في الكواليس ونقاشات من أجل الوصول إلى مقاربة تحقق دفعة للاتفاق بعد وقف الحرب في غزة». منبهاً إلى أنه «إذا دخل ملف السلاح في حلقة مفرغة، فإنه يمكن أن تستغل إسرائيل الأمر، ونكون أمام عرقلة جديدة للاتفاق من إسرائيل لتتهرب من الانسحاب الكامل من القطاع».


الجيش الإسرائيلي يحسم خلافه مع الحكومة: خط أصفر شبيه بغزة في لبنان

جنود إسرائيليون في دبابات على الحدود مع جنوب لبنان في الجليل الأعلى (إ.ب.أ)
جنود إسرائيليون في دبابات على الحدود مع جنوب لبنان في الجليل الأعلى (إ.ب.أ)
TT

الجيش الإسرائيلي يحسم خلافه مع الحكومة: خط أصفر شبيه بغزة في لبنان

جنود إسرائيليون في دبابات على الحدود مع جنوب لبنان في الجليل الأعلى (إ.ب.أ)
جنود إسرائيليون في دبابات على الحدود مع جنوب لبنان في الجليل الأعلى (إ.ب.أ)

في الوقت الذي تقدم فيه الجيش الإسرائيلي بقواته إلى منطقة راس البياضة، وهي التلال والجبال الواقعة على مسافة 14 كيلومتراً من الحدود مع الجليل وتتميز بأنها تطل على مشارف نهر الليطاني، وإعلان الجيش أنه سيبقى هناك طويلاً، ولكن بشكل مؤقت، توجه أهالي عدد من الجنود في لواء «ناحل» للمشاة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، وقادة الجيش، برسالة يطالبون فيها بإعادة النظر في استمرار نشر أبنائهم في جنوب لبنان، معتبرين أن «المخاطر غير مبررة بسبب نقص الدعم الجوي»، ومحذرين من زيادة الإصابات، وداعين لبدائل وتقييم عاجل. وقالوا إن «البقاء في لبنان عمليةُ تعريض الجنود للخطر تبدو في ظل الظروف الحالية غير معقولة بصورة متطرفة».

شخصان من المكون الدرزي يعاينان موقع سقوط صاروخ أطلقه «حزب الله» في مدينة شفا عامر بشمال إسرائيل (أ.ف.ب)

وكانت الحكومة قد طلبت احتلال الجنوب اللبناني بالكامل، وجعل نهر الليطاني حدوداً جديدة لإسرائيل. لكن الجيش رفض ذلك وقال إنه يكتفي بجعل الليطاني «حدود نار» يراقبها مما سمّاه «الخط الأصفر»، وهو الاسم الذي أطلق على خط الحدود في قطاع غزة، والذي يعتبر مؤقتاً إلى حين تقرر الحكومة الانسحاب. ولهذا الغرض تم إدخال عشرات آلاف الجنود إلى لبنان.

وأوضح الأهالي أنهم قلقون من كثرة الإصابات بين أبنائهم، حيث قتل حتى الآن 13 شخصاً (10 جنود و3 مدنيين) وأصيب 20 جندياً آخر. وقالوا إنه «بما أن معظم موارد سلاح الجو تُكرّس حالياً لإيران، فإن الجنود في لبنان لا يحصلون على إسناد جوي كافٍ». وكتبوا: «يمكن الافتراض أن هذا أحد الأسباب المركزية وراء العدد الكبير من الإصابات، إلى جانب أسباب أخرى».

بدائل لحماية سكان الشمال

وأشار الأهالي إلى أنه وفقاً لما نُشر عن مصادر عسكرية، فإن أحد أهداف الاجتياح البري في لبنان هو دفع «حزب الله» إلى توجيه نيرانه نحو قوات الجيش الإسرائيلي بدلاً من سكان الشمال. وكتب الأهالي: «من دون التقليل من الأهمية الكبيرة للدفاع عن سكان بلدات الشمال، فإننا نرى أنه ليس من الشرعي تعريف جذب النيران نحو المقاتلين كهدف من أهداف الحرب، مع تعريضهم لخطر مباشر على حياتهم، ومن دون استخدام كل الأدوات التي يمتلكها الجيش لضمان سلامتهم». وقالوا إن «هناك بدائل أخرى لحماية سكان الشمال، ولو بصورة مؤقتة حتى انتهاء الحرب في إيران، مثل الإجلاء المؤقت أو إضافة مئات الملاجئ والغرف المحصنة في البلدات الواقعة تحت التهديد».

كما كتب الأهالي: «استغلال أبنائنا، وهم شبان يقاتلون منذ ثلاث سنوات في حرب شديدة على جميع الجبهات، ظلم فادح لا يمكن قبوله». وختم الأهالي رسالتهم بالقول: «ندعوكم إلى تقديم حساب بشأن فحص الأحداث، واستمرار أساليب القتال، والقرارات في المدى الفوري».

لبنانيون يشيعون مناصراً لـ«حركة أمل» قتل جراء هجوم إسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وكان الجيش قد أكد أن احتلاله رأس البياضة، جاء ليكون بمثابة نقطة انطلاق لهجوم بري نحو الشمال من جهة، وليكون من جهة ثانية سداً يمنع عودة مئات آلاف المهجّرين إلى بيوتهم في الجنوب، والتي تتوقع إسرائيل أن يستغلها «حزب الله» لإعادة قوات الرضوان لتنفيذ عمليات مسلحة ضد جيشها.

200 قذيفة يومياً يطلقها «حزب الله»

واعتبر تقرير إسرائيلي، الأربعاء، أن «حزب الله» ليس قادراً حالياً على إطلاق مئات القذائف الصاروخية يومياً على وسط إسرائيل، وصواريخه الأخيرة لم تصب غالبية أهدافها، «لكنه قادر على خوض حرب عصابات واستهداف قوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، حيث تتوغل أربع فرق عسكرية. إلا أن (حزب الله) يطلق يومياً قرابة 200 قذيفة صاروخية وطائرة مسيرة باتجاه شمال إسرائيل والقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وهذا على ما يبدو أكثر مما توقع المواطن العادي في إسرائيل، عندما بدأت الحرب على (حزب الله) الذي تم الادعاء أنه هُزم فيها»، حسب تقرير المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل.

وأضاف أن «صورة الوضع حالياً أكثر تعقيداً، وانضمام (حزب الله) إلى الحرب بعد أن اغتالت إسرائيل الزعيم الأعلى الإيراني، علي خامنئي، كشف الثغرات في السردية التي سوّقتها الحكومة والجيش الإسرائيلي للجمهور. فرغم القصف اليومي الذي تعرض له (منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024)، استغل (حزب الله) هذه الفترة من أجل إعادة تنظيم نفسه وترميم قدراته العسكرية».

وأشار إلى أن القوات التي تعمل في جنوب لبنان تشمل معظم الألوية النظامية في الجيش الإسرائيلي، باستثناء الألوية التي بقيت في قطاع غزة، بينما عدد ألوية قوات الاحتياط التي تتوغل في لبنان قليل، ومعظم قوات الاحتياط التي تشمل 120 ألف جندي في الاحتياط حلت مكان القوات النظامية في الضفة الغربية وغزة والمناطق الحدودية الأخرى.

الحشود محدودة قياساً بالمهمة

ونقل تقرير في صحيفة «معاريف» عن ضابط إسرائيلي كبير شارك في الحرب على لبنان، في عام 2006، قوله إن «حجم القوات التي أدخلها الجيش الإسرائيلي إلى لبنان الآن، محدود قياساً بحجم المهمة التي يتحدث عنها السياسيون. والوعود بانتصار حاسم على (حزب الله)، لا تتلاءم مع طبيعة العمليات الميدانية». وأضاف الضابط أنه يخشى «تكرار ما حدث في الماضي، بأن يستقر الجيش الإسرائيلي عند قمم الجبال ويتعرض للاستهداف بقذائف مضادة للمدرعات مرة أخرى على آلياته المدرعة وقواته في البيوت في القرى، أو أن ينشأ ضغط يطالب بتوغل أكبر، وفي نهايته يكون تبادل الضربات أشد. وحسم الحرب على لبنان يتطلب جهوداً أكبر وقوات كثيرة، فيما الحرب على إيران لا تزال دائرة والضفة الغربية تواصل جذب قوات كثيرة».