إسرائيل تواصل محاولة إسكات صوت صحافيِّي غزة... وتعترف بقتلهم

إدانات من منظمات دولية لمقتل أنس الشريف ورفاقه

أنس الشريف 28 عاماً خلال عمله مراسلاً لشبكة «الجزيرة» في قطاع غزة (أ.ب)
أنس الشريف 28 عاماً خلال عمله مراسلاً لشبكة «الجزيرة» في قطاع غزة (أ.ب)
TT

إسرائيل تواصل محاولة إسكات صوت صحافيِّي غزة... وتعترف بقتلهم

أنس الشريف 28 عاماً خلال عمله مراسلاً لشبكة «الجزيرة» في قطاع غزة (أ.ب)
أنس الشريف 28 عاماً خلال عمله مراسلاً لشبكة «الجزيرة» في قطاع غزة (أ.ب)

يدفع الصحافيون ثمناً باهظاً لتغطية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ قُتل 230 صحافياً منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر (تشرين الثاني) 2023.

واستهدف الجيش الإسرائيلي، الأحد، مراسل قناة «الجزيرة» أنس الشريف بغارة جوية، مما أسفر عن مقتله وصحافي آخر من الشبكة وستة أشخاص آخرين على الأقل، جميعهم كانوا يحتمون خارج مجمع مستشفى مدينة غزة.

وقال مسؤولون في مستشفى الشفاء إن من بين القتلى مراسلي «الجزيرة» الشريف ومحمد قريقع. وقتلت الغارة ستة أشخاص بينهم أربعة صحافيين، وفقاً لما ذكره المدير الإداري للمستشفى رامي مهنا لوكالة «أسوشييتد برس».

كما ألحقت الغارة أضراراً بمدخل مبنى الطوارئ في مجمع المستشفى. وأكدت إسرائيل ومسؤولو المستشفى في مدينة غزة الوفيات، التي وصفها المدافعون عن الصحافة بأنها انتقام من أولئك الذين يوثِّقون الحرب في غزة.

جانب من خيمة الصحافيين التي تعرضت لغارة إسرائيلية أمس في مدينة غزة بالقرب من مستشفى الشفاء بالقطاع (أ.ف.ب)

ووصف الجيش الإسرائيلي في وقت لاحق من (الأحد) الشريف بأنه «زعيم خلية تابعة لحماس». وهو ادعاء سبق أن نفته «الجزيرة» والشريف، ووصفه بأنه لا أساس له من الصحة.

أول اعتراف من الجيش الإسرائيلي بقتل صحافيين

ووصف مراقبون ما يحدث في غزة بأنه أعنف صراع للصحافيين في العصر الحديث. وكانت هذه الحادثة هي المرة الأولى خلال الحرب التي يعلن فيها الجيش الإسرائيلي مسؤوليته بسرعة بعد مقتل صحافي في غارة جوية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

صورة مجمعة لصحافيي «الجزيرة» الذين قُتلوا الأحد في غارة إسرائيلية على خيمة قرب مستشفى الشفاء (إكس)

جاء ذلك بعد أقل من عام على توجيه مسؤولين في الجيش الإسرائيلي اتهاماتٍ جديدة إلى الشريف وصحافيين آخرين في قناة «الجزيرة» بالانتماء إلى حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي». وفي مقطع فيديو نُشر في 24 يوليو (تموز)، هاجم المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، قناة «الجزيرة» واتهم الشريف بالانتماء إلى الجناح العسكري لـ«حماس».

ووصفت «الجزيرة» الغارة بأنها «اغتيال مستهدف» واتهمت المسؤولين الإسرائيليين بالتحريض، وربطت وفاة الشريف بالادعاءات التي نفتها كل من الشبكة ومراسلها.

صحافيون خلال تشييع جثمان فلسطيني قُتل بغارة إسرائيلية ليلية قبل جنازة جماعية خارج مستشفى الشفاء في مدينة غزة 11 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

وقالت «الجزيرة» إن الشريف ترك رسالة على مواقع التواصل الاجتماعي لنشرها عند وفاته جاء فيها: «... لم أتوانَ يوماً عن نقل الحقيقة كما هي بلا تزوير أو تحريف، عسى أن يكون الله شاهداً على من سكتوا ومن قبلوا بقتلنا».

ووفق نقابة الصحافيين الفلسطينيين، قُتل 238 صحافياً وصحافية وعاملاً في المؤسسات الإعلامية، منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

إدانة فلسطينية ودولية

وأدانت نقابة الصحافيين الفلسطينيين «بشدة الجريمة البشعة باغتيال الزميلين الصحافيين أنس الشريف ومحمد قريقع، مراسلي قناة (الجزيرة) في مدينة غزة، عقب استهداف خيمة للصحافيين في مستشفى الشفاء».

وأدان رئيس المجلس الوطني روحي فتوح، جريمة استهداف الصحافيين التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي وأدت إلى استشهاد عدد منهم وإصابة آخرين بجروح خطيرة.

وأكد فتوح في بيان له، اليوم (الاثنين)، نقلته وكالة «وفا» الفلسطينية، أن هذه الجريمة تأتي في إطار سياسة ممنهجة لإسكات الحقيقة ومنع نقل جرائمه إلى العالم، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف وقرارات الأمم المتحدة الخاصة بحماية الصحافيين.

تأتي وفاة الشريف بعد أسابيع من إعلان لجنة حماية الصحافيين، ومقرها نيويورك، أن إسرائيل استهدفته بحملة تشويه. وقالت سارة القضاة، المديرة الإقليمية للجنة، في بيان: «إن نمط إسرائيل في وصف الصحافيين بالإرهابيين دون تقديم أدلة موثوقة يثير تساؤلات جدية حول نيتها واحترامها لحرية الصحافة».

ونشر الحساب الرسمي للأمم المتحدة عبر موقع «إكس» اليوم (الاثنين)، بياناً بأن «الصحافيين ليسوا هدفاً».

بدورها، نددت منظمة «مراسلون بلا حدود» اليوم (الاثنين)، «بشدة وغضب بالاغتيال المُقرّ به» لمراسل «الجزيرة» أنس الشريف، وقالت المنظمة المدافعة عن الصحافة في بيان: «كان أنس الشريف، أحد أشهر الصحافيين في قطاع غزة، صوت المعاناة التي فرضتها إسرائيل على الفلسطينيين في غزة»، داعيةً إلى «تحرك شديد من الأسرة الدولية لوقف الجيش الإسرائيلي».

دعوات للتحقيق في مقتله

وأدان نادي الصحافة الوطني الأميركي مقتل الصحافيين في غزة أمس، ونشر في بيان: «نعرب عن الحزن والانزعاج إزاء التقارير الواردة من قناة (الجزيرة) التي تُفيد بمقتل مراسلها، أنس الشريف، اليوم في غزة. وتُشير الشبكة إلى أن الشريف، البالغ من العمر 28 عاماً، قد توفي بعد قصف خيمة للصحافيين خارج البوابة الرئيسية لمستشفى الشفاء في مدينة غزة. وكان الشريف، وهو مراسل مرموق باللغة العربية، قد غطّى شمال غزة على نطاق واسع طوال الصراع الحالي. ويُعدّ مقتله من بين أكثر من 200 صحافي أُفيد بمقتلهم منذ بدء الحرب».

فلسطينيون يتفقدون موقع خيمة الصحافيين الذي تعرضت لضربة إسرائيلية أمس (رويترز)

وقال مايك بالسامو، رئيس نادي الصحافة الوطني الأميركي: «إن مقتل صحافي في أثناء عمله لإعلام الجمهور خسارةٌ لا تُقاس بغرفة أخبار واحدة». وأضاف: «يجب أن يكون الصحافيون قادرين على العمل دون أن يُستهدفوا أو يُقتلوا. ويجب على جميع أطراف مناطق النزاع الوفاء بالتزاماتهم بموجب القانون الدولي بحماية الصحافيين وضمان قدرتهم على أداء عملهم بأمان». ودعا نادي الصحافة الأميركي إلى إجراء تحقيق شامل وشفاف في ملابسات مقتل الشريف، ويؤكد التزامه الدفاع عن سلامة الصحافيين واستقلاليتهم في جميع أنحاء العالم.

أبرز قتلى الصحافيين في غزة منذ بدء الحرب:

وفقاً للبيانات الموثقة، قتلت قوات الجيش الإسرائيلي أكثر من 230 صحافياً فلسطينياً منذ بدء الحرب الإسرائيلية، بينهم من استُهدفوا مع عائلاتهم، ودُمرت عشرات المكاتب الصحافية. في غضون ذلك، تواصل سلطات الجيش الإسرائيلي منع الصحافيين الأجانب من دخول غزة.

وهذه قائمة بأبرز الصحافيين الذين قُتلوا منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة:

  • 7 أكتوبر 2023: مقتل الصحافي يوسف أبو دقة، مراسل قناة «الرأي» خلال تغطيته في خان يونس، مع بدء القصف المكثف.
  • 10 أكتوبر 2023: مقتل الصحافي محمد صبحي، مصور وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) جراء قصف على شمال غزة.
  • 13 أكتوبر 2023: مقتل المصور الصحافي عصام عبد الله (لبناني يعمل مع وكالة «رويترز») بقصف إسرائيلي في أثناء تغطية على الحدود اللبنانية - الفلسطينية، فيما أصيب عدد من الصحافيين الأجانب والعرب.
  • 21 أكتوبر 2023: مقتل الصحافي حمدي دبش مراسل قناة (الأقصى) في قصف استهدف منزله بمدينة غزة.
  • 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023: مقتل مصور لقناة «القاهرة الإخبارية» المصرية.
  • 7 ديسمبر (كانون الأول) 2023: اغتيال الصحافي سمير أبو دقة (الجزيرة) بعد استهدافه بطائرة مسيَّرة في خان يونس خلال تصوير دمار المدارس.
  • 7 يناير (كانون الثاني) 2024: مقتل الصحافي حسني مرتجى (مراسل «إذاعة الأقصى») مع أفراد أسرته في قصف منزله.
  • 15 يناير 2024: مقتل الصحافي محمد جرغون (المصور الميداني لقناة «الجزيرة») برصاص قناص إسرائيلي خلال تغطية في رفح.
  • 18 يناير 2024: مقتل الصحافي مصطفى ثوابتة (مراسل «إذاعة صوت الشعب») في قصف وسط القطاع.
  • 25 أبريل (نيسان) 2024: مقتل الصحافية هدى أبو عيشة في أثناء محاولة إخلاء عائلتها في رفح.

وحذرت أكثر من 100 منظمة إغاثة دولية وجماعة حقوق إنسان من مجاعة جماعية في غزة، وأنه بالنسبة إلى الصحافيين الذين لا يزالون في غزة، الوضع مُزرٍ؛ فإلى جانب الغارات الجوية، يُواجهون خطر المجاعة.


مقالات ذات صلة

«حماس» تترقب رداً إيجابياً من «مجلس السلام» لإنقاذ اتفاق غزة

المشرق العربي السيسي وترمب يوقِّعان اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بشرم الشيخ في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

«حماس» تترقب رداً إيجابياً من «مجلس السلام» لإنقاذ اتفاق غزة

علمت «الشرق الأوسط» من مسؤول في «حماس» بقطاع غزة، أن الحركة تترقب رداً من الوسطاء الذين يتواصلون بشكل مباشر مع المسؤولين في «مجلس السلام».

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ المغنيان ماكلمور (يسار) وتونز آند آي يشاركان بعرض مشترك في مدينة نيويورك عام 2022 (رويترز)

مغني الراب ماكلمور: قاعات الحفلات الأميركية رفضت استضافة جولة «فلسطين حرة»

كشف مغني الراب الأميركي ماكلمور أن قاعات الحفلات الموسيقية ​الكبرى في الولايات المتحدة -بما في ذلك ماديسون سكوير غاردن في نيويورك- رفضت حجز جولته «فلسطين حرة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي أطفال فلسطينيون يلعبون في مخيم البريج للاجئين بوسط قطاع غزة (أرشيفية - أ.ب)

شتاء قاسٍ ينتظر سكان قطاع غزة وسط تدهور الأوضاع الإنسانية والميدانية

وفقاً لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية فإن أكثر من 1000 موقع ومخيم لإيواء النازحين قد تتعرض للغرق خلال فصل الشتاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتلقون الطعام المقدم من برنامج الغذاء العالمي في غزة يوم الأربعاء (أ.ب)

غزة... ترحيب لا يخلو من تحفظ على نتائج الانتخابات الأميركية

كما تابعت القوى السياسية في قطاع غزة والمنصات التابعة لها نتائج الانتخابات الإسرائيلية، اهتمت أيضاً بالانتخابات الأميركية؛ وتنوعت ردود فعلها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى في العلمين أغسطس الماضي (الرئاسة المصرية)

مصر والبحرين تؤكدان دعم جهود حل الأزمة الإيرانية سلمياً

أكدت مصر والبحرين «ضرورة خفض التوتر الإقليمي الراهن»، وكذا «دعم الجهود الرامية لإيجاد حل سلمي للأزمة الإيرانية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

الخارجية الأميركية «تطرد» قنصل لبنان في ديترويت

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
TT

الخارجية الأميركية «تطرد» قنصل لبنان في ديترويت

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)

أكدت مصادر في وزارة الخارجية اللبنانية لـ«الشرق الأوسط»، أن السفارة اللبنانية في واشنطن تبلغت رسمياً من وزارة الخارجية الأميركية بقرار اعتبار القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة شخصاً غير مرغوب فيه، وإلزامه بمغادرة الأراضي الأميركية خلال مهلة أقصاها 48 ساعة.

وكانت معلومات قد أشارت إلى أن القرار جاء على خلفية الجدل الذي أثارته تقارير إعلامية أميركية، بعد نشرها منشورات قديمة منسوبة إلى شرارة على مواقع التواصل الاجتماعي، تناولت تفجير مقر مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في بيروت عام 1983، ووصفته بـ«المقاومة البطولية».

مواقفه السياسية

وفي التفاصيل، أورد موقع «واشنطن فري بيكون» الأميركي، في تقرير نشره في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، أن شرارة كتب في منشور يعود إلى عام 2021، في إشارة إلى ذكرى تفجير ثكنة المارينز، أن «المقاومة البطولية» أنهت «الاحتلال العسكري الأميركي» للبنان بـ«ضربة واحدة». كما نقل عنه منشوراً آخر جاء فيه: «من ثكنة المارينز في بيروت إلى قاعدة التنف... سنرفض المحتل ونهزمه»، في إشارة إلى الوجود العسكري الأميركي في سوريا.

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة (حسابه على فيسبوك)

ولفت التقرير إلى مواقف أخرى منسوبة إلى شرارة، بينها إشادته بعملية هروب ستة أسرى فلسطينيين من سجن جلبوع الإسرائيلي عام 2021، فضلاً عن صورة غلاف حسابه على منصة «إكس» التي تظهر علماً إسرائيلياً يحترق، واقتباس في تعريفه الشخصي للكاتب والقيادي الفلسطيني غسان كنفاني.

منشور للقنصل إبراهيم شرارة يقول فيه «من ثكنة المارينز في بيروت إلى قاعدة التنف... سنرفض المحتل ونهزمه» (إكس)

غير أن توقيت القضية يرتبط بعودة هذه المنشورات إلى التداول عشية انتخابات التجديد النصفي. فقد ركز تقرير «فري بيكون» على حضور شرارة مناسبة للجنة العمل السياسي العربية الأميركية في ديربورن، شارك فيها المرشح عبد الرحمن السيد قبل فوزه بمقعد مجلس الشيوخ عن ميشيغان، ومرشحون ديمقراطيون آخرون. ونُشر التقرير قبل اقتراع 3 نوفمبر بيوم، فيما ظهرت أنباء الإجراء بعد الانتخابات بأيام. وعدّ هذا التسلسل السياق السياسي والإعلامي بمثابة محاولة للتأثير على ناخبي الولاية قبل التصويت، لكنه لا يثبت أن القرار عقاب على حضور المناسبة أو مرتبط بنتائج الانتخابات.

يذكر أنه من الناحية القانونية، تجيز المادة 23 من اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية للدولة المضيفة إعلان مسؤول قنصلي شخصاً غير مرغوب فيه، بما يستدعي استدعاءه أو إنهاء مهامه. وإذا لم تستجب الدولة الموفدة خلال مهلة معقولة، يمكن سحب الإذن بممارسة مهامه أو التوقف عن الاعتراف بصفته القنصلية، علماً بأن هذا الإجراء لا يعد حكماً جنائياً بحد ذاته.

منشور للقنصل إبراهيم شرارة يقول فيه إن «المقاومة البطولية أنهت الاحتلال العسكري الأميركي للبنان بضربة واحدة» (إكس)

ومع ذلك، يمكن أن يتسبب القرار بتداعيات تتمثل في المباشرة المتوقعة في اضطرار بيروت لترتيب إدارة القنصلية وضمان استمرار خدمات الجالية، فضلاً عن احتواء الحرج الدبلوماسي. ولا يعني استهداف القنصل وحده قطع العلاقات أو إغلاق البعثة، لكن مدى اتساع القضية سيبقى مرتبطاً بالتوضيحات الأميركية والرد اللبناني.


آيزنكوت أمام سيناريوهات معقدة تُبقي حظوظ نتنياهو قائمة

زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)
زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

آيزنكوت أمام سيناريوهات معقدة تُبقي حظوظ نتنياهو قائمة

زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)
زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)

على الرغم من أن الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ يتجه، الأحد، إلى تكليف رئيس حزب «يشار»، غادي آيزنكوت، رسمياً بتشكيل الحكومة، بعد حصوله على توصية 67 نائباً خلال المشاورات التي أجراها في ديوان الرئاسة، مقابل 46 نائباً أوصوا بتكليف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فإن الطريق الذي قد يسلكه آيزنكوت لتشكيل حكومته لا يزال غير واضح، في ظل التعقيدات المرتبطة بتحالفه مع الأحزاب العربية من جهة، والأحزاب «الحريدية» من جهة أخرى.

وقالت «هيئة البث الإسرائيلية (كان)» إن قادة كتلة التغيير يواجهون خياراً صعباً، إذ سيتعين عليهم التراجع عن وعد انتخابي واحد على الأقل من أجل تشكيل الحكومة.

غادي آيزنكوت زعيم حزب «يشار» الإسرائيلي خلال لقاء مع أنصاره عقب إعلان نتائج أولية للانتخابات في 28 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

وأمام آيزنكوت طريقان لا ثالث لهما لتشكيل الحكومة: الأول، تشكيل حكومة بدعم من الأحزاب العربية لتكون حكومة أقلية، والثاني، التحالف مع الأحزاب الحريدية، التي طالما هاجمها، للوصول إلى 61 مقعداً. أما البديل فهو تشكيل حكومة وحدة برئاسة نتنياهو أو الذهاب إلى انتخابات جديدة.

ويملك معسكر التغيير 48 مقعداً فقط مقابل 53 مقعداً لمعسكر نتنياهو، الذي يضم الأحزاب الحريدية، فيما يملك العرب 19 مقعداً.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إنه مع مرور الوقت، تتضح الأمور على أرض الواقع، وتتضاءل فرص آيزنكوت. وأضافت أن نصف تحالف التغيير على الأقل، بقيادة رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان، أبلغ آيزنكوت فعلياً بأن خطته الطارئة لتشكيل حكومة من 48 مقعداً غير مقبولة ولن تُنفذ.

وإذا كان آيزنكوت قد قرر استبعاد العرب فعلاً، فلا يكفيه تعاون حزب «يهدوت هتوراة» الحريدي، الذي يمتلك 7 مقاعد في الكنيست الجديد، بل هو بحاجة إلى المقاعد الستة للحزب الديني الآخر «شاس».

ويعمل ليبرمان، شريك آيزنكوت الرئيسي، على تشكيل حكومة مع الحريديم، ويرى أن 61 مقعداً كافية لبدء العمل.

الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ يشدد مراراً على عدم الاضطرار لإجراء انتخابات جديدة مبكرة (أ.ف.ب)

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن الإحاطة التي عقدها ليبرمان هذا الأسبوع ترسم اتجاهاً واضحاً: «فيتو» مطلق على تشكيل حكومة من 48 مقعداً تعتمد على امتناع الأحزاب العربية عن التصويت، وحصر الخيارات في إمكانية واحدة فقط، هي تشكيل حكومة من 61 مقعداً بمشاركة الأحزاب الحريدية كتلةً واحدة.

وقال ليبرمان إنه لا مفر من «المرونة وتقديم التنازلات» في سلسلة من القضايا من أجل تشكيل الحكومة، بما في ذلك قضية قانون التجنيد.

وعلى الرغم من أن ليبرمان يخلف بذلك أحد وعوده الانتخابية، فإنه قد يُهيئ الرأي العام لتقبّل هذه الخطوة، وربما ينجح حيث سيفشل آيزنكوت.

ورغم أن مسؤولين في معسكر التغيير وصفوا هذه المهمة بالصعبة والمستحيلة، فإن آخرين يشعرون بالتفاؤل إزاء حقيقة أن حزب «يهدوت هتوراة»، رغم الضغوط الشديدة التي تعرّض لها، لم يوصِ أمام رئيس الدولة بأي مرشح لتشكيل الحكومة، وهو ما يرون فيه مؤشراً مشجعاً.

وإضافة إلى ليبرمان، يقف لاعب آخر هو نفتالي بينيت، الذي لم يُعلن بعد مواقفه علناً من القضايا المطروحة. والتقديرات تشير إلى أنه، مثل ليبرمان، لن يوافق على المشاركة في حكومة تعتمد بأي شكل من الأشكال على الأحزاب العربية.

نشطاء يمينيون إسرائيليون مؤيدون لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتظاهرون للمطالبة بانتخابات جديدة في مدينة حيفا بإسرائيل مساء 1 نوفمبر 2026 (إ.ب.أ)

وترى «يديعوت أحرونوت» أنه في ظل هذا الوضع، تراجعت في الأيام الأخيرة فرص كتلة التغيير، بل تضاءلت فرص آيزنكوت في تشكيل الحكومة، فأصبح الخيار إما تشكيل كتلة واحدة تضم جميع الحريديم، وإما الذهاب إلى انتخابات جديدة.

وفي محادثات مغلقة عقدها آيزنكوت مؤخراً، وعد بعدم إضاعة الوقت خلال فترة ولايته. وقال لمحاوريه: «إذا نجحنا فسننجح، وإذا لم ننجح فسنُعيد التكليف». وفي المقابل، يتربص نتنياهو وحلفاؤه بآيزنكوت، ويتمسكون بكل ورقة قد تمكنهم من عرقلته والإطاحة به.

وتثير السيناريوهات والتطورات المتعلقة بليبرمان والأحزاب الحريدية حالة من التوتر الشديد في مكتب نتنياهو. ويسود اعتقاد في محيط رئيس الحكومة بأنه، رغم أن الطريق لا يزال طويلاً، فإن الأحزاب الحريدية وصلت إلى مرحلة النضج التي تسمح لها باتخاذ خطوة سياسية استثنائية.

ويرى مكتب نتنياهو أن حزب «يهدوت هتوراة» أكثر استعداداً من حزب «شاس» لاتخاذ هذه الخطوة، لكن موقف أرييه درعي لا يزال موضع تساؤل.

ونقل مكتب نتنياهو، حسب «هيئة البث الإسرائيلية»، رسائل تهديد إلى الأحزاب الحريدية، مفادها أنها لن تتمكن من العودة إلى معسكر اليمين في حال انضمامها إلى كتلة التغيير مقابل وعود تتعلق بقانون التجنيد قد لا يجري الوفاء بها. وقد يفتح هذا الوضع المعقد أمام آيزنكوت الباب في النهاية أمام نتنياهو.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن نتنياهو يُعيد طرح إمكانية تشكيل حكومة وحدة مع آيزنكوت، ومن المتوقع أن يدفع بقوة نحو هذا السيناريو في نهاية المطاف، مستنداً إلى إدراك جميع الأطراف في معسكر التغيير أن إجراء انتخابات جديدة خيار سيئ، خصوصاً بالنسبة إلى المعسكر الذي استنفد إلى حد كبير القدرة التصويتية المتاحة له.

وفي الغرف المغلقة، يُطرح أيضاً قلق حقيقي من أن محاولة حزب «الليكود» تقويض نتائج الانتخابات ليست سوى البداية، وأن إجراء انتخابات أخرى سيؤدي إلى تصعيد التشكيك في نتائج الانتخابات وزعزعة ثقة الجمهور بها، وهو سيناريو يحاول معسكر التغيير تجنبه.

وأكدت صحيفة «معاريف» أن كبار المسؤولين الأمنيين يخشون محاولة عناصر يمينية متطرفة منع أداء أعضاء الكنيست اليمين الدستورية، والإطاحة برئيس الكنيست أمير أوحانا، على غرار سيناريو «الكابيتول» عام 2021، حين خسر دونالد ترمب الانتخابات.

وقالت «يديعوت» إن الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك) أعدّا، بالتعاون مع حرس الكنيست، خطة استنفار خاصة لمواجهة هذا السيناريو. وفي حال تحركت الشرطة و«الشاباك» على مستوى الدولة، فمن المفترض نشر آلاف من عناصر الشرطة ومقاتلي وحدة الأمن التابعة لـ«الشاباك» في محيط الكنيست وعلى الطرق المؤدية إليه.


البطريرك الراعي قلق من توسع المواجهات الإقليمية نحو لبنان

البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

البطريرك الراعي قلق من توسع المواجهات الإقليمية نحو لبنان

البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)

تتصاعد التحذيرات اللبنانية من مخاطر جرّ البلاد مجدداً إلى مواجهة عسكرية، في ظل المخاوف من تجدد الحرب. وفي وقت لا تزال فيه الجهود الدبلوماسية تواجه تحديات كبيرة في تثبيت الهدوء ومنع التصعيد، تتلاقى مواقف سياسية وروحية وشعبية على ضرورة تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، ووضع قرار الحرب والسلم في يد الدولة ومؤسساتها الدستورية.

الراعي: الحروب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر

وفي هذا السياق، أعرب البطريرك الماروني بشارة الراعي عن قلقه من احتمال توسُّع المواجهات العسكرية في المنطقة وانعكاساتها على لبنان، خلال استقباله السفير الفرنسي باتريك دوريل في بكركي، حيث تناول البحث الأوضاع اللبنانية والإقليمية والجهود الدبلوماسية المبذولة للمحافظة على الاستقرار. وشدد الراعي على أن «الحروب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، وأن الحوار والحلول الدبلوماسية يبقيان السبيل الأفضل لمعالجة الأزمات».

البطريرك الراعي مستقبلاً السفير الفرنسي والوفد المرافق (الوكالة الوطنية للإعلام)

من جهته، أكد السفير الفرنسي ضرورة تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية واحترام القانون وحصر قرار الحرب والسلم بالسلطات الدستورية، واعتماد الحوار الوطني لمعالجة القضايا الخلافية، بما يحفظ سيادة لبنان ووحدته واستقراره. كما تناول اللقاء الأوضاع في الجنوب ومستقبل قوات «اليونيفيل»، والجهود الفرنسية بالتنسيق مع الدول المعنية واللجنة الخماسية لتجنب أي فراغ أمني.

دخان يتصاعد من المنصوري جنوب لبنان بعد تفجيرات إسرائيلية يوم 28 سبتمبر الماضي (رويترز)

نداء من النخب الشيعية الجنوبية: الجنوب ليس جغرافياً للآخرين

أما على المستوى الشعبي، فجاء «نداء جبل عامل والجنوب»، الذي أطلقته مجموعة تضم نحو 250 شخصية من النخب والفعاليات الشيعية الجنوبية. ووجه الموقعون رسالة إلى الرؤساء الثلاثة واللبنانيين، محذرين من أن يتحول النزوح المتكرر إلى اقتلاع دائم لأبناء القرى الحدودية، ورافضين أن يكون الجنوب «احتياطاً جغرافياً لإخفاقات إيران أو ورقة في حسابات الصراع الإقليمي».

جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)

ودعا النداء إلى تحرُّك وطني عاجل لحماية الجنوب من خلال الدولة ومؤسساتها، ووضع حد لازدواجية القرار في القضايا المصيرية، وفي مقدمها قرار الحرب والسلم. وحدد الموقعون ثلاثة مطالب أساسية: الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف الاعتداءات، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة وانتشار الجيش اللبناني، وإطلاق خطة وطنية لإعادة الإعمار تضمن عودة المهجرين إلى بلداتهم.