جوع وقتل ونزوح... صحافيو غزة في قلب دائرة الاستهداف

يفضّلون التغطية ونقل معاناة الشعب ولا يغادرون الميدان

TT

جوع وقتل ونزوح... صحافيو غزة في قلب دائرة الاستهداف

تهافت النازحين على الحصول على طعام من تكية خيرية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)
تهافت النازحين على الحصول على طعام من تكية خيرية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)

بكلمات تنزف وجعاً، حاولت زوجة صحافي قتلته رصاصات إسرائيلية بقطاع غزة أن تصف في تدوينة بسيطة هول ما تكابده من عناء وصل حد العجز عن توفير أبسط الطعام لأبنائها، بعد مقتل عائل الأسرة خلال تغطيته الأحداث الميدانية في بداية الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

لم يسقط ذلك الصحافي وحده، بل كان معه زملاء آخرون يعملون لصالح مؤسسات إعلامية محلية ودولية بنظام العمل الحر.

وما إن غردت الزوجة المكلومة بكلماتها الموجعة، حتى أطلق زملاء المهنة حملة تبرعوا بها بآلاف الشواقل، لكن تلك الحملة كشفت اللثام عن حالات كثيرة مشابهة.

فالعديد من عوائل الصحافيين لا يجدون معاشاً يخفف من قسوة ظروف الحياة التي يواجهها سكان القطاع، خاصةً من يعملون بعقود عمل يومية لا تُلزم مؤسساتهم بأي حقوق حال مقتلهم، أو وفاتهم، أو تعرضهم لأي طارئ آخر.

ودخل الصحافيون منذ اليوم الأول للحرب في دائرة الاستهداف التي تسحق آلاف الغزيين... قتلاً، وتشريداً، وتجويعاً.

«نعيش مع الموت لحظة بلحظة»

إبراهيم قنن، أحد أوجه الصحافة بغزة منذ عقود، يصف الحرب الحالية بأنها الأصعب التي تمر عليه منذ 30 عاماً؛ ويتحدث عن شدة المعاناة التي يتكبدها الصحافيون، سواء لاستهدافهم بشكل مباشر، أو استهداف مقرات عملهم، أو سيارات البث، أو المركبات والمكاتب الخاصة بهم، أو حتى خيام النزوح، أو المنازل والشقق السكنية التي يقيمون بها، ناهيك من المخاطر أثناء تغطيتهم للأحداث.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الصحافي بغزة يواجه قائمة طويلة من الصعوبات البالغة، مع عدم توفر الكهرباء والماء، وانقطاع الإنترنت.

الصحافي إبراهيم قنن (عدسة الشرق الأوسط)

وفي الأشهر الأربعة الأخيرة، تضاعفت الأزمات على الصحافيين، إذ لا يستطيعون توفير الغذاء لأنفسهم وعوائلهم وزملائهم، وتمر عليهم الساعات الطوال لا يأكلون فيها شيئاً، ولا يجدون حتى النذر اليسير من الطعام، مع اختفاء الخبز والبيض والدواجن، وأي طعام يمنح الإنسان قدراً من الطاقة، فإن توافر كان السعر باهظاً.

الأصعب من هذا كله، كما يقول قنن، هو أن الصحافي بغزة لا يشعر بأي نوع من الأمان، فلا تكاد تمر بضعة أيام إلا ويُقتل صحافي هنا، أو يصاب آخر هناك. ويضيف: «نشعر كأننا مستهدفون على مدار الساعة، ونتحرك بخوف شديد، ونعيش حالة من الرعب والقلق. فرغم أننا نرفع شارات الصحافة، ونرتدي الخوذة والسترة المخصصتين لعملنا، فإننا لا نشعر بالأمان».

ووفقاً لآخر الإحصائيات الصادرة عن نقابة الصحافيين الفلسطينيين، قُتل 232 صحافياً في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023.

وكان قنن أول صحافي يصاب في غزة بعد ساعات من بدء الهجوم الإسرائيلي على القطاع صبيحة هجوم «حماس» في ذلك اليوم. كان يستعد وقتها لتغطية مباشرة على الهواء عقب استهداف مركبة إسعاف في ساحة مجمع ناصر الطبي في خان يونس، لكنه أصيب وعدد من زملائه الذين كانوا على بعد بضعة أمتار من المركبة.

وعن تلك اللحظة يقول: «لثوانٍ معدودة، شعرت بأن الموت يقترب مني. وبعدما استعدت وعيي، تفقدت أطرافي ووجدت أنني مصاب ببعض الشظايا في أماكن مختلفة إحداها قرب القلب. ورغم ذلك وبعد 4 ساعات فقط، ظهرت في تغطية مباشرة على الهواء وأنا مصاب».

ويضيف: «اخترت مواصلة التغطية ونقل معاناة شعبنا، ولم نغادر ميدان التغطية، لأن الصحافة رسالة إنسانية وسامية للشعوب، ونؤمن بهذه الرسالة»، مشيراً إلى أنه تعرض لاحقاً لعدة عمليات قصف برفقة زملاء، وكادوا يفقدون حياتهم فيها.

فلسطينيون يحملون مساعدات غذائية قرب مركز توزيع في نتساريم بوسط قطاع غزة يوم الاثنين (أ.ب)

ويواصل حديثه قائلاً: «هذا جزء من معاناتنا، الرعب والخوف يلاحقنا، ولذلك نحن نعمل تحت ضغط شديد. نحن نعيش مع الموت لحظة بلحظة، ونشاهده يومياً، وكأننا رفاق درب، وهذا يزيد من الضغط علينا... ولا يتوفر لدينا الحد الأدنى من الإمكانيات».

ومع نزوح الصحافيين المتكرر، مثلهم مثل باقي مواطني غزة، يؤكد قنن أنه لا توجد منطقة آمنة في القطاع.

يقول: «رغم كل هذا الألم، نحن مضطرون لمواصلة العمل، ولا نستطيع التراجع، أو أن نخذل المواطنين، نحن ننقل معاناتهم التي تعطينا حافزاً لاستمرار التغطية. مرهقون وجوعى وعطشى، ونواجه ونكابد الأمرّين، إلا أننا ننوب عن كل مواطن وعن كل صحافي في العالم حُرم من دخول القطاع، لننقل حقيقة معاناة شعبنا».

الموت جوعاً

الصحافية مادلين شقليه، التي كانت قبل الحرب تعمل في إذاعة محلية، وتقدّم برنامجاً صباحياً شهيراً يستمع إليه الآلاف، وباتت حالياً تعمل في إحدى قنوات التلفزة العربية مراسلة لتغطية الأحداث بالقطاع، ذاقت هي الأخرى مرارة النزوح المتكرر، وفقدان العديد من الأهل.

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «حياتنا تغيرت وتبدلت، وفقدنا أعز الناس علينا»، مشيرةً إلى أن شقيقتها وأطفالها قُتلوا في قصف إسرائيلي، ولم تستطع حتى توديعهم، إذ كانوا في شمال القطاع بينما هي نازحة في جنوبه.

لم تكن شقليه تتوقع أن تطول الحرب كل هذه المدة، وتقول إن الصحافيين عانوا، مثل الجميع في غزة، من النزوح المتكرر بعد ضياع البيوت، وتدمير المنازل. وتشير إلى أن منزلها دُمّر بالكامل، لكنها رغم كل ذلك لم تتوقف عن التغطية.

وتضيف: «كل شيء مؤلم ويوجعنا، لكن رسالتنا لا بد أن تصل، وهذا واجب».

نازحون يحملون أجولة طحين عند مركز توزيع في نتساريم بوسط قطاع غزة يوم الأحد وسط مجاعة متفشية (أ.ف.ب)

تتحدث عن المجاعة فتقول إنها عانت فيها كثيراً، لكن ألمها الأكبر كان للوضع المأساوي الذي يعيشه المسنون والأطفال. وكان الوجع يعتصر قلبها وهي ترى حال زملائها الصحافيين الذين كانوا ينهارون ويقعون نتيجة التغطية المتواصلة في ظل التجويع والاستهداف المتكرر.

وأعربت مادلين شقليه عن أملها في أن يُسدل الستار على الحرب، وأن تنتهي المجاعة التي أكدت أن إسرائيل تستخدمها سلاحاً ضد الفلسطينيين، وقالت: «لما حدا بيقول ما أكلناش... صدقوه، هذا حقيقي. ما يحصل في غزة أكبر من إن أي حدا يتحمله»؛ مشيرةً إلى أن اهتمامات السكان باتت تتركز على توفير الطحين والأرز دون خوف من الموت الذي بات أهل غزة يتمنون لقاءه وهم شبعى على الموت جياعاً.

وخلال الشهر الماضي، سُجّل دخول أربعة صحافيين إلى المستشفيات لتلقي العلاج، خاصةً في مجمع ناصر الطبي بخان يونس، بعد انهيارهم في أعقاب شعورهم بالإعياء نتيجة عدم تناولهم أي طعام لعدة أيام سوى القليل من الأرز الذي استطاعوا توفيره بصعوبة بالغة لهم ولعوائلهم.

هزال وضعف

من كان يتابع الصحافيون والمراسلون والمصورون في غزة قبل الحرب يستطيع أن يرى بسهولة ما طرأ عليهم من هزال ووهن، ونقص شديد في الوزن بعد شهور طوال من الحياة القاسية.

ويقول المراسل الصحافي عبد الله مقداد إن الصحافيين، مثلهم مثل أي مواطن بغزة، يعانون الهزال والصداع، وتراجعاً في الوزن والصحة نتيجة المجاعة والظروف الصعبة، وهو ما يجعل بعضهم غير قادر على البقاء طويلاً في تغطية مستمرة على الهواء.

المراسل الصحافي عبد الله مقداد (عدسة الشرق الأوسط)

نزح مقداد مرات عديدة، والتقى بعائلته أول مرة بعد قرابة شهرين من اندلاع الحرب، نظراً لأنه كان يقوم بتغطية مباشرة.

وبسبب الحرب وقسوة الحياة، اتخذ قراراً صعباً بسفر عائلته، مفضَّلاً قسوة البُعد على مخاطر القُرب. وبنبرة غلبها الحزن والقهر قال: «كثير باشتاق لعائلتي».

ووصف الحرب الحالية بأنها «من أقسى ما مر على الصحافيين في القطاع»، خاصةً أن عوائلهم كانت جزءاً من الاستهداف المباشر من قِبل قوات الجيش الإسرائيلي التي لا تُفرّق بين مدني وعسكري. وأكد هو الآخر أن الصحافيين، مثل باقي المواطنين، يعجزون عن توفير لقمة العيش والاحتياجات الأساسية.

الصحافي عامر السلطان تحدث أيضاً عما تكبده من ظروف قاسية أثناء نزوحه من شمال القطاع إلى جنوبه، قبل أن تقتل طائرة إسرائيلية عدداً من أفراد عائلته، من بينهم أشقاء لم يستطع توديعهم.

يقول: «في قلبي حرقة كبيرة».

الصحافي عامر السلطان (عدسة الشرق الأوسط)

ويؤكد السلطان أنه رغم الظروف التي يمر بها الصحافي من استهداف ومجاعة وغيرهما، فإنه يصر على تصوير القصص الإنسانية، ونقل معاناة السكان إلى العالم، قائلاً: «نحن مثل أي مواطن، نتناول ربع وجبة في اليوم مما نستطيع أن نتحصل عليه».

وتابع: «أحزن على حال الناس الجعانة، ولما أصوَّر باتوجّع لألمهم؛ لكن أنا بعد ما أخلص أكون مثلهم... ما بالاقي الأكل».

 

 


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تنجح في إيصال مساعدات إنسانية إلى كردفان

شمال افريقيا شاحنات برنامج الأغذية العالمي تنقل إمدادات غذائية من تشاد إلى مخيم زمزم في دارفور بالسودان 9 نوفمبر 2024 (رويترز)

الأمم المتحدة تنجح في إيصال مساعدات إنسانية إلى كردفان

وصلت قافلة مساعدات نظمتها عدّة وكالات تابعة للأمم المتحدة إلى مدينتين منعزلتين في كردفان حيث تشتدّ وطأة الحرب التي تمزّق السودان منذ ثلاث سنوات.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا لاجئون سودانيون فروا من العنف في بلادهم يتجمعون لتناول طعام يقدمه برنامج الأغذية العالمي بالقرب من الحدود بين السودان وتشاد، في كوفرون تشاد 28 أبريل 2023 (رويترز)

مقتل طفلَين بقصف مسيّرة لمسجد بوسط السودان

أفادت مجموعة من الأطباء المحليين بأن غارة جوية بطائرة مسيّرة استهدفت مسجداً في منطقة كردفان بوسط السودان، أسفرت عن مقتل طفلين وإصابة 13 آخرين.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون الحصول على غذاء في خان يونس جنوب قطاع غزة 23 يناير الحالي (أ.ب)

الجيش الإسرائيلي يوصي بوقف إدخال المساعدات لغزة... ويحذّر من «تعافي حماس»

كشفت مصادر مطلعة في تل أبيب عن مساعٍ لدى القيادة العسكرية لعرقلة إدخال شاحنات الإمدادات إلى قطاع غزة، بزعم أن الوضع القائم «يخدم حركة حماس».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص فلسطيني يحمل جثمان رضيعته البالغة 3 أشهر يوم الثلاثاء بعد وفاتها جراء البرد في مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

خاص فيروس تنفسي يحصد وفيات يومية في غزة... ولا مقومات لتحديده

يؤكد مسؤولون طبيون في غزة أنه منذ أقل من شهر وبشكل شبه يومي، تسجل حالات وفاة جديدة بسبب انتشار فيروس «خطير وفتاك» بين سكان القطاع، بينما لا توجد مقومات لكشفه.

«الشرق الأوسط» (غزة)
آسيا لوحة إعلانية تحمل صور مرشحين من حزب الشعب في رانغون (أ.ف.ب)

ميانمار إلى صناديق الاقتراع وسط حرب أهلية وأزمة إنسانية حادة

يتوجه الناخبون في ميانمار (بورما) إلى صناديق الاقتراع غداً لاختيار برلمانهم في خضم حرب أهلية دمرت أجزاء من البلاد وسببت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في آسيا.

«الشرق الأوسط» (رانغون)

إسرائيل تتحدث عن «خطط كبيرة» لمعركة جنوب لبنان

رئيس الأركان الإسرائيلي وقائد المنطقة الشمالية خلال تفقدهما الجنود في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
رئيس الأركان الإسرائيلي وقائد المنطقة الشمالية خلال تفقدهما الجنود في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تتحدث عن «خطط كبيرة» لمعركة جنوب لبنان

رئيس الأركان الإسرائيلي وقائد المنطقة الشمالية خلال تفقدهما الجنود في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
رئيس الأركان الإسرائيلي وقائد المنطقة الشمالية خلال تفقدهما الجنود في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

توعّد رئيس الأركان الإسرائيليّ إيال زامير، أمس، بـ«خطط كبيرة» لمعركة جيشه في جنوب لبنان، قائلاً خلال زيارته إلى جنوده هناك: «لا تزال لدينا خطط كبيرة لاستمرار المعركة، وبلداتنا الشمالية معتمدة عليكم. واصلوا العمل الهجومي والمهني بهدف إزالة التهديدات عن البلدات» الشمالية.

وتأتي هذه الزيارة في ظل توغل إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، لامس الـ10 كيلومترات على الشريط الساحلي في الناقورة، وذلك في محاولة للالتفاف من الشاطئ باتجاه العمق شرقاً، والسيطرة على مرتفعات تطل على مدينة صور.

وبالتزامن، تعمّقت القوات الإسرائيلية في الداخل باتجاه وادي الحجير الاستراتيجي، في محاولة لقطع خطوط إمداد «حزب الله» إلى المنطقة الحدودية.

إلى ذلك، أعلن «حزب الله» عن إطلاق صاروخ أرض - جو باتجاه مقاتلة إسرائيلية في سماء بيروت، في حادثة هي الأولى من نوعها منذ بدء الحرب.


العراق يلاحق مطلقي الصواريخ

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)
أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)
TT

العراق يلاحق مطلقي الصواريخ

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)
أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

كشفت مصادر أمنية عراقية، أمس، عن مسار تحقيقات مرتبطة بهجمات الصواريخ والمسيّرات التي استهدفت مواقع دبلوماسية وأمنية، مؤكدة توافر معلومات عن المنفذين بعد اعتقال عناصر من فصائل مسلحة صدرت بحقهم مذكرات توقيف.

وأشارت المصادر إلى توقيف مجموعة يُشتبه بتورطها في استهداف قاعدة أميركية في سوريا والسفارة الأميركية في بغداد.

ورجحت المصادر «صدور المزيد من مذكرات القبض بحق آخرين توافرت معلومات بشأن خرقهم للقوانين على خلفية شن هجمات باستخدام الصواريخ والمسيّرات». وجاءت هذه المعلومات في أعقاب تحذير أطلقه رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان من «تداعيات خطيرة» بسبب انفراد بعض الفصائل وجهات غير رسمية بقرارات ذات طابع عسكري، عادّاً ذلك يمثل خرقاً صريحاً للدستور ويعرّض البلاد لمخاطر العزلة الدولية والعقوبات.

وحذر مسؤولون من تداعيات استمرار هذه الهجمات على علاقات العراق الخارجية، وإمكانية تعرضه لضغوط دولية إضافية.

كما جدد رئيس الجمهورية عبد اللطيف جمال رشيد، موقف البلاد الرافض للحرب، معرباً عن بالغ القلق من اتساع دائرة الصراع في المنطقة. وشدّد في اتصال هاتفي أجراه مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، على أن استمرار الحرب لا يخدم مصالح أي من دول المنطقة، بل يهدد الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.


المفوضية الأممية للاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب الحرب

نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
TT

المفوضية الأممية للاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب الحرب

نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)

حذرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، الجمعة، من أن لبنان يواجه أزمة إنسانية متفاقمة تنذر بالتحول إلى كارثة، وذلك بعد نحو شهر من اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

وأفادت المفوضية بأن أكثر من مليون شخص في هذا البلد أُجبروا على الفرار من منازلهم، أي واحد من كلّ خمسة سكان، منذ الثاني من مارس (آذار)، حين اندلعت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» الموالي لإيران.

وقالت كارولينا ليندهولم بيلينغ، ممثلة المفوضية في لبنان، للصحافيين في جنيف متحدثة من بيروت: «لا يزال الوضع مقلقاً للغاية، وهناك خطر فعلي لوقوع كارثة إنسانية». وأشارت: «نلحظ هنا في لبنان أزمة اقتصادية تتفاقم على نحو مقلق».

واستطردت: «أكثر من 136 ألف نازح يعيشون في 660 ملجأ جماعياً، أغلبيتها مدارس مكتظّة. وحتّى لو نزحوا، هم لا يشعرون بالأمان»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وصرّحت كارولينا ليندهولم بيلينغ: «تعيش عائلات في خوف دائم ولا شكّ في أن التداعيات النفسية، لا سيّما على الأطفال، ستستمرّ إلى ما بعد النزاع الراهن».

اندلعت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» في لبنان في 2 مارس حين هاجم الحزب الدولة العبرية بصواريخ رداً على مقتل المرشد الإيراني في ضربات إسرائيلية أميركية.

وترد إسرائيل بغارات كثيفة في أنحاء لبنان وتوغل بري في الجنوب، ما أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص.

وفي جنوب لبنان، تسبّب تدمير إسرائيل لجسور استراتيجية في عزل أكثر من 150 ألف شخص، معطلاً بشدّة وصول المساعدات الإنسانية، حسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

«مفجع»

ووجّهت المفوّضية نداء لجمع أكثر من 60 مليون دولار بغية توسيع استجابتها، محذّرة من أن الحاجات تتزايد بوتيرة أسرع من الموارد.

وقالت كارولينا ليندهولم بيلينغ: «كان لبنان يواجه أصلاً أزمات متعدّدة، وهذا النزوح الكبير يحدث ضغوطات شديدة على الأسر والخدمات». وصرّحت: «يقول لي الناس مراراً إن جلّ ما يريدونه هو العودة إلى منازلهم».

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، التي يواجه مركزها اللوجيستي للمساعدات الطارئة في دبي صعوبات على مستوى النقل البحري والجوّي، عن إرسال أوّل دفعة من المساعدات الإنسانية برّاً إلى لبنان.

وأفاد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من جانبه بأن الصليب الأحمر اللبناني يوزّع المساعدات، وخصوصاً البطانيات والفرش والوجبات الغذائية والخبز ومياه الشرب.

وأشار الناطق باسم الاتحاد تومازو ديلا لونغا إلى أن الصليب الأحمر اللبناني هو أكبر مزوّد لخدمات الإسعاف في البلد، ووضع خطّة طارئة لنقل الدم بغية تزويد المستشفيات به بلا انقطاع.

وقال: «بين 2 و23 مارس، نفّذت فرق الصليب الأحمر اللبناني 2754 مهمّة إسعاف و11 عملية بحث وإنقاذ في مواقع حضرية»، مشيراً إلى مقتل متطوّع وإصابة عدّة متعاونين آخرين خلال أداء مهامهم.

وأضاف: «يعمل المتعاونون والمتطوّعون تحت ضغوطات هائلة لضمان سلامتهم وسلامة المصابين الذين يقومون بإجلائهم على السواء».

وأشارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة من جانبها إلى أن النساء الحوامل يواجهن الولادة في ملاجئ مؤقتة لا نفاذ فيها لخدمات الرعاية مثل قاعات المدارس.

وقالت ممثّلة الهيئة في لبنان جيلان المسيري: «تواجه النساء خوفاً دائماً وليالي بلا نوم وإنهاكاً كاملاً، فيما يضطررن لطمأنة أطفال مرعوبين».

وبين النازحين أكثر من 370 ألف طفل «لا مكان آمناً لهم»، حسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).

وقال ممثّل «اليونيسف» في لبنان، ماركولويجي كورسي: «هو نزوح كبير ومباغت وفوضوي يمزّق العائلات ويفرغ بلدات بكاملها مع تداعيات ستبقى بعد توقّف العنف»، مشيراً إلى أن «إنهاك الأطفال اللبنانيين النفسي والمعنوي مفجع».