تفاقم أزمة الخبز في غزة... واتهامات لإسرائيل بـ«هندسة التجويع»

وكيل وزارة الاقتصاد في حكومة «حماس»: تراجع بأكثر من 60 % في دعم المؤسسات الدولية للخبز

طفلة فلسطينية تحمل خبزاً في دير البلح وسط قطاع غزة ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
طفلة فلسطينية تحمل خبزاً في دير البلح وسط قطاع غزة ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

تفاقم أزمة الخبز في غزة... واتهامات لإسرائيل بـ«هندسة التجويع»

طفلة فلسطينية تحمل خبزاً في دير البلح وسط قطاع غزة ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
طفلة فلسطينية تحمل خبزاً في دير البلح وسط قطاع غزة ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

تفاقمت أزمة توافر الخبز في غزة مع استمرار العرقلة الإسرائيلية لدخول الإمدادات لصالح مخابز القطاع التي أعيد فتحها عقب الاتفاق على وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وتراجع على نحو إضافي معدل دخول المساعدات والإمدادات الغذائية بما فيها التابعة لـ«برنامج الأغذية العالمي» إلى غزة خلال الشهر الماضي على خلفية إجراءات إسرائيلية تواكبت مع بدء الحرب على إيران. واتهم مسؤولون تابعون لحركة «حماس» إسرائيل بتعمد تقليص المساعدات ضمن ما أسموه بسياسة «هندسة التجويع».

وأظهرت طوابير طويلة على نقاط بيع في مناطق متفرقة من قطاع غزة مدى صعوبة الحصول على الخبز، كما شوهدت اشتباكات بين سكان القطاع أثناء التصارع للحصول على ربطة خبز واحدة يومياً.

فلسطيني يسير حاملاً أكياساً من الطعام والخبز بين أنقاض مبنى منهار في مخيم البريج وسط غزة يوم 4 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

ويقول سائد اللحام (41 عاماً)، وهو من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، إنه يقف يومياً أكثر من 3 ساعات في طابور طويل للحصول على ربطة خبز واحدة لا تكفي أفراد عائلته المكونة من 6 أشخاص لوجبة طعام واحدة، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في كثير من المرات أعود إلى خيمتي حيث أعيش مع عائلتي بعد تدمير منزلنا من دون الحصول على الخبز بسبب نفاد الكميات التي تتراجع من يوم إلى آخر».

وحسب اللحام، فإن الدقيق أيضاً لم يعد متوافراً في الأسواق بكميات مناسبة «وبعدما كان سعر كيس الدقيق (20 كيلوغراماً) يباع قبل شهر تقريباً بنحو 20 شيقل (الدولار يساوي 3.03 شيقل) وصل خلال الأيام الماضية إلى 140 شيقل».

«200 طن تراجعاً يومياً في الإنتاج»

يعاني قطاع غزة من أزمات عديدة ترافق أزمة الخبز، ومنها تراجع كميات الغاز المقننة بالأساس بشكل كبير، ما أدى لتراجع عملية توزيعه على السكان ليصل مرة كل 3 أشهر بدلاً من مرة كل شهر ونصف الشهر، إلى جانب عدم توفر الحطب أو أي وسائل لإعداد الوجبات والخبز وغيرها.

ولا تختلف معاناة اللحام، عن مواطنته ريهام سالم (52 عاماً) التي تسكن في حي النصر بمدينة غزة، والتي تقول لـ«الشرق الأوسط» إنها تضطر مع غيرها من النساء إلى مزاحمة الرجال في الطوابير للحصول على ربطة خبز واحدة يومياً لتوفير الغذاء لعائلتها المكونة من 9 أشخاص. لافتةً إلى أن لديها «كيس دقيق» واحداً، ولكنها لا تستخدمه بسبب ارتفاع أسعار الحطب وعدم توفر الغاز والكهرباء لإعداد الخبز ذاتياً بنفسها.

امرأة فلسطينية نازحة تخبز الخبز داخل مبنى في جامعة الأقصى الذي تحول إلى ملجأ في خان يونس جنوب غزة يوم 5 أبريل الحالي (رويترز)

وقال وكيل وزارة الاقتصاد في حكومة «حماس» في غزة، حسن أبو ريالة، في إحاطة للصحافيين مساء السبت، إن «هناك تراجعاً واضحاً في دعم المؤسسات الدولية للخبز في القطاع، بأكثر من 60 في المائة، الأمر الذي أدى لتراجع الإنتاج اليومي».

وأفاد أبو ريالة بأن «القطاع يستهلك يومياً 450 طناً من الدقيق، في حين أن (برنامج الأغذية العالمي) كان يوفر 350 طناً، وفي الأشهر الأخيرة وخاصةً مع بدء العام الجديد تراجع إلى 200 طن»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن «الاحتلال الإسرائيلي يتحكم في عمليات إيراد البضائع والمساعدات ويدخلها بكميات شحيحة ومنها الدقيق التجاري، ما أدى لتراجع حاد في دخول جميع أنواع احتياجات القطاع».

فلسطينيون يتزاحمون لشراء الخبز من أحد المخابز في غزة أكتوبر 2024 (رويترز)

وكان «برنامج الأغذية العالمي» يوفر الدقيق وكميات من السولار لتشغيل المخابز المتعاقد معها وتزيد على 33 مخبزاً في أنحاء القطاع، يعمل منها فعلياً نحو 28 مخبزاً؛ غير أن تراجع الإمدادات بات ينذر بـ«مجاعة» جديدة تلوح بالأفق فيما يتعلق بتوفر الخبز في ظل توقف شبه كلي لعمليات توزيع الدقيق على السكان من قبل المؤسسات الدولية والعربية المختلفة بسبب القيود الإسرائيلية على المعابر.

«لا يمكن توفير السولار»

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر حكومية تابعة لـ«حماس» وأخرى من مؤسسات المجتمع المدني في غزة أن ممثلي «برنامج الغذاء العالمي» أبلغوا أصحاب مخابز في غزة أن «البرنامج لا يستطيع توفير السولار لاستكمال عمل المخابز، كما يُمكن للمخابز استيراد الدقيق عبر التجار»، غير أن ذلك يواجه أيضاً بعرقلة إسرائيلية لإجراءات السماح بإدخال الدقيق.

واتهم المكتب الإعلامي الحكومي التابع لـ«حماس» في غزة، إسرائيل بأنها «تتعمد فرض حصار مطبق على القطاع، ضمن سياسة (هندسة تجويع) متعمدة ومتصاعدة، من خلال التحكم الكامل في تدفق السلع الأساسية وعلى رأسها الخبز، بما يشكل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي لأكثر من 2.4 مليون إنسان».

وأفاد المكتب، في بيان أصدره الأحد، بأن «المطبخ المركزي العالمي، أوقف دعمه للدقيق بشكل كامل، بعد أن كان يوفر يومياً ما بين 20 إلى 30 طناً من الخبز، فيما قلص (برنامج الغذاء العالمي) كميات الدقيق من 300 إلى 200 طن يومياً، وأوقفت مؤسسات أخرى متعددة برامج دعم الخبز والدقيق؛ الأمر الذي فاقم من حدة الأزمة بالقطاع».

وأشار إلى أن نحو 30 مخبزاً تنتج ما يقارب 133 ألف ربطة خبز يومياً منها 48 ألف توزع مجاناً، و85 ألف أخرى تباع بسعر مدعوم عبر 142 نقطة بيع معتمدة؛ إلا أن «هذه الكميات لا تغطي الاحتياج الفعلي للسكان».

واعتبر حازم قاسم الناطق باسم حركة «حماس»، الأحد، أن التضييق المستمر في إدخال المساعدات بما فيها الدقيق «انتهاك فاضح لاتفاق وقف إطلاق النار الذي ينص على إدخال المساعدات بكميات محددة لم يلتزم الاحتلال (الإسرائيلي) إلا بثلثها».

إرجاء رحلة أسطول «الصمود»

أرجأ أسطول «الصمود العالمي» الذي يحمل ناشطين مؤيدين للفلسطينيين وكان مقرراً أن ينطلق الأحد من برشلونة نحو غزة، إبحاره بسبب سوء الأحوال الجوية، وفق ما أعلن المنظمون، مشيرين إلى أنه سينتقل مؤقتاً إلى ميناء قريب بانتظار تحسن الظروف. وكان من المقرّر أن تغادر نحو 40 سفينة برشلونة، الأحد، في إطار مهمة جديدة لأسطول «الصمود العالمي» الذي حاول الوصول إلى القطاع الفلسطيني المدمّر العام الماضي. ولكن تدهور الأحوال الجوية في شمال شرق إسبانيا حيث يُتوقع هطول أمطار في الساعات المقبلة، أجبر المنظمين على تغيير خططهم. وستتجه القوارب إلى ميناء قريب بانتظار تحسّن الأحوال الجوية.

سفن ضمن «أسطول الصمود العالمي» تعتزم التوجه إلى غزة تقف في ميناء برشلونة الإسباني يوم الأحد (إ.ب.أ)

رغم ذلك، أقيمت الفعاليات التي تم تنظيمها في ميناء برشلونة، خصوصاً الحفلات الموسيقية والأنشطة الثقافية، إضافة إلى جميع الاستعدادات لهذه المهمة التي من المتوقع أن تجمع نحو 70 قارباً وألف مشارك دولي، وفقاً للمنظمين. وانطلق نحو 20 قارباً الأسبوع الماضي من ميناء مارسيليا في جنوب فرنسا. وقالت سوزان عبد الله، العضوة في اللجنة المنظمة، في مؤتمر صحافي: «بوجودنا هنا الآن... نظهر للعالم، نظهر لغزة أنّنا نهتم، أنّنا لن نبقى صامتين». وكانت البحرية الإسرائيلية اعترضت مطلع أكتوبر الماضي الرحلة الأولى للأسطول الذي ضم نحو 50 سفينة، وكان يقلّ شخصيات سياسية وناشطين من بينهم الناشطة السويدية غريتا ثونبرغ، في خطوة غير قانونية حسب المنظمين ومنظمة العفو الدولية.


مقالات ذات صلة

«رد مشروط» من «حماس» يضع محادثات القاهرة أمام «اختبار صعب»

شمال افريقيا فتاة فلسطينية تحمل وعاء ماء في مخيم للنازحين بخان يونس جنوب غزة (أ.ف.ب)

«رد مشروط» من «حماس» يضع محادثات القاهرة أمام «اختبار صعب»

تقف محادثات القاهرة بشأن استكمال تنفيذ وقف إطلاق النار في غزة، على أعتاب نقاشات محورية بشأن مستقبل سلاح حركة «حماس» والفصائل الأخرى.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي يتجمع مشيعون حول جثامين فلسطينيين قُتلوا بحسب مسعفين في غارة إسرائيلية ليلية... في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وفد «حماس» يبحث مع مسؤولين مصريين «الخروقات» الإسرائيلية في غزة

أفاد مصدران مطلعان في «حماس» بأن وفد الحركة المفاوض برئاسة خليل الحية سيلتقي اليوم بالقاهرة مسؤولين مصريين لبحث «الخروقات» الإسرائيلية لوقف إطلاق النار في غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي أعضاء اللجنة التوجيهية لأسطول الصمود العالمي ومنظمة «أوبن آرمز»  يحضرون مؤتمراً صحافياً بينما يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة (رويترز)

أسطول مساعدات جديد يسعى لكسر الحصار الإسرائيلي على غزة

من المقرَّر أن ينطلق أسطول ثانٍ يحمل مساعدات إنسانية إلى الفلسطينيين في قطاع غزة، اليوم (الأحد)، من ميناء برشلونة الإسباني.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
أوروبا اعتفال متظاهر  خلال احتجاج على حظر حركة «فلسطين أكشن» (أ.ف.ب)

اعتقال 523 شخصاً خلال احتجاج على حظر حركة «فلسطين أكشن» في لندن

قالت الشرطة البريطانية اليوم إنها ألقت القبض على 523 شخصاً خلال مظاهرة نظمت في ميدان الطرف الأغر بلندن، احتجاجاً على قرار بريطانيا حظر حركة «فلسطين أكشن».

«الشرق الأوسط» (لندن )
تحليل إخباري فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

تشهد مصر جولة محادثات جديدة بين «حماس» التي وصلت إلى القاهرة، السبت، والممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام» والوسطاء.

محمد محمود (القاهرة )

سلام: لبنان يعمل من أجل تأمين انسحاب إسرائيل من كامل أراضيه

رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (د.ب.أ)
رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (د.ب.أ)
TT

سلام: لبنان يعمل من أجل تأمين انسحاب إسرائيل من كامل أراضيه

رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (د.ب.أ)
رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (د.ب.أ)

أعلن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، اليوم (الأحد)، أن لبنان يعمل من أجل وقف الحرب، وتأمين انسحاب إسرائيل الكامل من أراضيه عبر التفاوض، وذلك قبل اجتماع مرتقب لممثلين عن البلدين، الثلاثاء، في واشنطن.

وقال سلام في كلمة بثها التلفزيون عشية ذكرى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية: «سنستمر في العمل من أجل وقف هذه الحرب، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي من كامل أراضينا»، مضيفاً أن الجهود متواصلة «وفي مقدِّمتها المبادرة التي قدَّمها فخامة الرئيس للتفاوض لوقف الحرب»، وذلك في وقت زار فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قواته المتوغلة في جنوب البلاد.


سوريا والأردن توقعان 20 اتفاقية ثنائية ومذكرة تعاون

الملك عبد الله الثاني يستقبل الوفد الوزاري السوري المشارك في أعمال مجلس التنسيق الأعلى بين الأردن وسوريا بحضور الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ولي العهد (الديوان الملكي)
الملك عبد الله الثاني يستقبل الوفد الوزاري السوري المشارك في أعمال مجلس التنسيق الأعلى بين الأردن وسوريا بحضور الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ولي العهد (الديوان الملكي)
TT

سوريا والأردن توقعان 20 اتفاقية ثنائية ومذكرة تعاون

الملك عبد الله الثاني يستقبل الوفد الوزاري السوري المشارك في أعمال مجلس التنسيق الأعلى بين الأردن وسوريا بحضور الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ولي العهد (الديوان الملكي)
الملك عبد الله الثاني يستقبل الوفد الوزاري السوري المشارك في أعمال مجلس التنسيق الأعلى بين الأردن وسوريا بحضور الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ولي العهد (الديوان الملكي)

بواقعية شديدة، تتعامل الدبلوماسية الأردنية حيال ملف عودة العلاقات الاستراتيجية مع سوريا بعد تجميدها بفعل أزمة الحرب التي انطلقت ربيع عام 2011، واستمرت حتى سقوط النظام السوري السابق وهروب بشار الأسد إلى موسكو نهاية عام 2024.

وعكست اجتماعات الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى بين الأردن وسوريا، الأحد، مستوى متقدماً من استعادة مختلف أوجه التعاون بين البلدين في الملفات الثنائية المشتركة، والرغبة المتبادلة في تحقيق مصالح تنعكس نفعاً على اقتصادات البلدين؟

مصدر حكومي أردني، أكّد لـ«الشرق الأوسط» أن الاجتماعات التي عُقدت في عمان، الأحد، برئاسة وزيري خارجية البلدين، شهدت توقيع أكثر من 20 اتفاقية ثنائية ومذكرة تعاون في مختلف النشاطات الاقتصادية والمشاريع الاستراتيجية الحيوية للبلدين، ما يعكس «جدية الجانب السوري في الشراكة الحقيقية مع الأردن»، بحسب نفس المصدر.

الاجتماع الوزاري لمجلس التنسيق الأعلى السوري الأردني في عمّان الأحد برئاسة وزيري خارجية الطرفين (بترا)

وتكتسب الاجتماعات المشتركة أهمية مضاعفة، في ظل ما تشهده المنطقة من تداعيات أمنية وعسكرية واقتصادية بسبب الحرب المشتعلة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، في وقت بدأت الدول البحث عن بدائل لطرق تجارية تساعد في تأمين سلاسل توريد البضائع والطاقة. ويهتم الأردن بالحدود مع سوريا كبوابة لبضائعه نحو تركيا وأوروبا، في حين أن دمشق مهتمة بالأردن كممر آمن لبضائعها نحو دول الخليج العربي.

استراتيجياً، والحديث للمصادر، فإن أهمية التعاون الأردني السوري سيصبّ في مصلحة المشاريع الكبرى مثل مشروع الربط الكهربائي، والربط البري عبر السكك الحديد الذي تقترب الحكومة الأردنية من تدشينه خلال الفترة المقبلة. وعودة الحقوق المائية للمملكة. وهي الحقوق التي صادرها النظام السابق بذرائع وحجج استمرت نحو 40 عاماً.

الملف الأمني همّ مشترك

يعدّ الهاجس الأمني قلقاً مشتركاً للبلدين، وقد عانى الأردن طويلاً خلال سنوات الحرب في سوريا من حماية حدوده المشتركة على طول 375 كيلومتراً من جانب واحد، بعد سقوط الجنوب السوري أمنياً بفعل نشاط الميليشيات والفصائل المسلحة متعددة الانتماءات.

ولن تستطيع الشراكات الحيوية استكمال مساراتها في ظل أي قلق أو توتر أمني قد يعود إلى الجنوب السوري. وتساهم عمان أمنياً في دعم استقرار الجنوب السوري، في ظل متابعات دقيقة لحركة المهربين على الحدود، وكفاءة القدرات العسكرية في ردّ أي محاولات تستهدف الأمن الأردني.

ولعل أهم ما جاء في وقائع المؤتمر الصحافي المشترك، الذي جمع وزير الخارجية أيمن الصفدي مع نظيره السوري أسعد الشيباني، الأحد، ما كشف عن أن هناك «تنسيقاً دفاعياً وأمنياً بين الأردن وسوريا قطع خطوات مهمة، وواجه تحديات مشتركة، من بينها تهريب المخدرات والسلاح ومحاولات العبث بالأمن والاستقرار». مضيفاً أنه «تم إنجاز خريطة طريق مشتركة مع سوريا بهدف تثبيت الاستقرار في السويداء وجنوب سوريا».

الملك يستقبل الوفد السوري

من جهته، جدّد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني التأكيد على دعم بلاده لجهود سوريا في الحفاظ على أمنها واستقرارها وسيادتها ووحدة أراضيها. جاء ذلك خلال استقباله، الأحد، الوفد الوزاري السوري المشارك في أعمال الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى بين الأردن وسوريا، بحضور الأمير الحسين بن عبد ﷲ الثاني ولي العهد.

وأكّد العاهل الأردني ضرورة استمرار العمل على تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية وتعزيز التعاون الأمني بين البلدين بما يحقق المصالح المشتركة.

ولفت العاهل الأردني إلى أن انعقاد الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى المشترك خطوة مهمة لدفع العلاقات للأمام، مؤكداً على ضرورة أن تسهم الاجتماعات في تنفيذ اتفاقيات العمل المشترك.

ويمثل المجلس 20 قطاعاً حيوياً، ويهدف إلى النهوض بالعلاقات الأردنية السورية نحو الشراكة الاستراتيجية الشاملة في مختلف المجالات.

وجرى بحث فرص التعاون في عدة قطاعات كالمياه والنقل والطاقة، إذ أشار العاهل الأردني إلى أهمية التكامل بين الدول العربية والعمل على مشاريع مشتركة، بما يعزز التعاون الإقليمي.

مؤتمر صحافي لوزيري الخارجية أيمن الصفدي وأسعد الشيباني في العاصمة الأردنية الأحد (بترا)

وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي قال إن اجتماعات أعمال الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى بين المملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية العربية السورية، في عمّان، عكست الإرادة السياسية للملك عبد الله الثاني والرئيس أحمد الشرع، في دعم العلاقات بين البلدين وبناء علاقات استراتيجية متكاملة.

وفيما وصف الصفدي الاجتماع بـ«الأكبر أردنياً وسورياً عبر التاريخ»، أوضح الوزير أن الاجتماع ضمّ أكثر من 30 وزيراً، ويمثّل خطوة عملية لترجمة العلاقات السياسية بشكل فاعل. مشيراً خلال مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى أنه تم توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكّرات التفاهم، وبحث التعاون في أكثر من 21 قطاعاً حيوياً.

صورة جماعية في ختام أعمال الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى السوري والأردني على المستوى الوزاري (الخارجية السورية)

وأكّد الصفدي أن الأردن يقف مع سوريا في عملية إعادة بناء الوطن السوري الحرّ الآمن المستقر، وفي سيادة سوريا على كامل أراضيها، لبناء المستقبل بعد عقود من الدمار والمعاناة، لافتاً إلى أن سوريا تمرّ بلحظة تاريخية، وأنّ الأردن يقف معها في كل خطوة على طريق إعادة البناء.

وشدّد على أن مصلحة البلدين مشتركة وأمنهما واحد، مع وجود تنسيق أمني واسع لمواجهة التحديات المشتركة، بما في ذلك تهريب المخدّرات والسلاح.

كما أدان الصفدي العبث الإسرائيلي بأمن سوريا، مؤكداً استمرار العمل المشترك لمواجهة التحديات والتهديدات التي تتعرّض لها.

وقال الصفدي إن عودة سوريا فتحت أبواباً كانت مغلقة لعقود، ليست للتعاون الثنائي فقط، بل للتعاون الإقليمي والدولي أيضاً، مشيراً إلى أنه منذ عودة سوريا إلى مكانتها الطبيعية التي تستحقها في المنطقة والعالم، فُتحت هذه الأبواب.

وأضاف أن الحديث عمّا هو كبير قادم، في أن تكون الأردن وسوريا في كل ما يجمعهما، وفي جغرافيتهما، منطلقاً لمشاريع كثيرة. مشيراً إلى أنه يجري الحديث عن تفعيل ميناءي اللاذقية وطرطوس بوابةً على البحر الأبيض المتوسط، ومنها عبر الأردن إلى دول الخليج، وأن يكون ميناء العقبة بوابةً على البحر الأحمر.

من جهته، أكّد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أنّ بلاده ترى في الأردن «شريكاً استراتيجياً لسوريا»، مؤكداً أن «استقرار سوريا مناعة للأردن، وازدهار الأردن سند لسوريا». مضيفاً أنّ ما يربط البلدين أكثر من المنطقة الجغرافية، ومشيراً إلى أن الأمر يعتمد على التنسيق بين البلدين وعودة العلاقات لمسارها الصحيح، لافتاً إلى أن الأردن «أول من شرع أبوابه لسوريا الجديدة».

توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين سوريا والأردن بالعاصمة عمّان الأحد (الخارجية السورية)

وأوضح أنّ الاتفاقيات العديدة التي وقعت اليوم ستكوّن شراكة قوية، مبيناً أن الدورة الحالية، وهي الثانية لمجلس التنسيق الأعلى الأردني - السوري، تمثل «ورشة عمل حقيقية في خطوة غير مسبوقة». مؤكداً أن طموح بلاده «يتجاوز ملفات محددة»، وأنها تسعى إلى «تحويل العلاقة الأردنية السورية لنموذج يحتذى به»، مضيفاً أن التقارب الأردني السوري امتداد للعلاقة التاريخية بين البلدين والشعبين الشقيقين.

ولفت الشيباني إلى وجود مشاورات للاستفادة من الموقع الاستراتيجي للأردن وسوريا، مضيفاً أن سوريا والأردن بوابة هامة، وأنهما يقعان في موقع استراتيجي.

وفيما كشف الشيباني أن ملف إعادة الإعمار يحتاج من 250 إلى 400 مليار دولار، جدّد الوزير التأكيد على أن سوريا بحاجة للأردن ودول الإقليم في ملف إعادة الإعمار.


نتنياهو يوبّخ «المحكمة العليا» بسبب بن غفير

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (أرشيفية - إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

نتنياهو يوبّخ «المحكمة العليا» بسبب بن غفير

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (أرشيفية - إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (أرشيفية - إ.ب.أ)

وبّخ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، «المحكمة العليا» بشدة، وأبلغها في ردٍّ رسمي، الأحد، بأنها «لا تملك أي صلاحيات للنظر في إقالة وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير».

وعدّ نتنياهو أن نظر المحكمة لأمر يتعلق بمصير بن غفير «محاولة غير دستورية للتدخل في تشكيل الحكومة». ووجه نتنياهو رداً إلى المحكمة قدمه عبر محاميه قبل جلسة استماع مطوّلة سيعقدها قضاة «المحكمة العليا» يوم الأربعاء للنظر في إقالة بن غفير.

ووصف نتنياهو تدخل المحكمة بأنه «متطرف»، ورأى أنه «يجب على المحكمة رفض الالتماسات (التي تُطالب بإقالة الوزير) رفضاً قاطعاً، لا يوجد أي أساس قانوني لهذا التدخل غير المألوف والمتطرف في عمل دستوري بالغ الأهمية، متعلق بتشكيل الحكومة».

وأضاف: «قبول الالتماسات سيؤدي إلى تجاوز السلطة، ويعني أن المحكمة تمنح نفسها دوراً حاسماً في الساحة السياسية، دون أي سند قانوني». وتابع: «ووافق الكنيست على تعيين الوزير بن غفير. وليس للمحكمة أي سلطة على ذلك. سلطة إقالة أي وزير هي من اختصاص رئيس الوزراء وحده، وهو يتحمل المسؤولية أمام الكنيست والشعب».

كما رفض نتنياهو الادعاءات الموجهة أصلاً ضد بن غفير، وقال إن «تصريحات الوزير ليست مبرراً لإقالته»، بل قدّم له الدعم، وأكد أن «له الحق في وضع سياسات الشرطة».

واستعاد نتنياهو في رده موقفاً سابقاً، وجّه فيه انتقادات حادة للمستشارة القضائية للحكومة غالي بهراف ميارا، على خلفية دعمها إقالة بن غفير، واعتبر أن تدخلها يمس بالنظام الديمقراطي ومبدأ فصل السلطات.

وتقول المستشارة القضائية الداعمة لإقالة بن غفير إنه يُسيء استخدام صلاحياته بشكل منهجي، عبر التدخل غير المناسب في عمليات الشرطة من خلال نظام متواصل (وأحياناً معقد) للضغط على ضباط الشرطة في مسائل تشمل معاملة المتظاهرين المناهضين للحكومة، والوضع القائم في الحرم القدسي، وحماية شاحنات المساعدات المتجهة إلى غزة، والتعيينات داخل صفوف الشرطة.

وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (أرشيفية - رويترز)

وفيما يتعلق بقضية المسجد الأقصى، قال نتنياهو إن «قرارات الوزير بن غفير اتُّخذت بالتنسيق مع رئيس الوزراء»، وانتقد عدم ذكر ذلك صراحةً. وهاجم بن غفير كذلك المحكمة والمستشارة على خطى نتنياهو، وقال ساخراً منها إنها تتصرف مثل «مافيا»، وتتهمه بأنه تصرف دون تنسيق، ووضع السياسة بمفرده بشأن الأقصى.

وفيما بدا تأكيداً على سياسته، اقتحم بن غفير المسجد الأقصى برفقة مجموعة من المستوطنين، يوم الأحد، وشوهد وهو ينشد ويؤدي رقصات احتفالية، فيما أدى المستوطنون طقوساً تلمودية داخل باحات المسجد.

وقال بن غفير مبتهجاً لأحد المستوطنين «تشعر بأنك صاحب البيت الآن، كل شيء تغير... كنت في عمر 15 سنة عندما آتيت إلى هنا (كانوا) يحيطونا بهتافات الله أكبر، وإذا همس اليهودي يتم اعتقاله... الآن انظر، تغيير كبير من النقيض للنقيض، المكان لنا فعلاً».

بن غفير خلال اقتحامه المسجد الأقصى (وكالة الأنباء الفلسطينية)

ويعتبر بن غفير أول وزير في حكومة إسرائيلية يؤدي طقوساً ذات طابع ديني في الأقصى، منذ اتفقت إسرائيل والأردن على إبقاء الوضع الراهن كما هو في المسجد بعد احتلال الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، والذي كان يُسمح فيه لليهود وغيرهم من غير المسلمين بالتجول في الأقصى خلال ساعات معينة، شريطة أن يكون العدد محدداً ودون أي طقوس دينية أو صلوات.

وكان بن غفير قد تعهد منذ توليه منصبه في الحكومة عام 2022 بتغيير هذا الوضع وصولاً لـ«الصلاة في المكان»، واقتحم الأقصى 16 مرة منذ توليه منصبه.