كيف غيّرت الاغتيالات آلية صنع القرار في «حماس»؟

محمد السنوار جزء من منظومة اتخاذ القرارات المصيرية داخل الحركة

TT

كيف غيّرت الاغتيالات آلية صنع القرار في «حماس»؟

يحيى السنوار مع خليل الحية في صورة تعود لعام 2017 (أ.ف.ب)
يحيى السنوار مع خليل الحية في صورة تعود لعام 2017 (أ.ف.ب)

تواجه حركة «حماس» عقبات كبيرة أمام محاولة إعادة تهيئة أوضاعها منذ اغتيال إسرائيل قيادات بارزة بمكتبها السياسي داخل وخارج غزة، فضلاً عن استهداف مسؤولين عن الشقين السياسي، والعسكري، والعمل الحكومي.

وخلال فترة وقف إطلاق النار التي استمرت فعلياً لنحو 58 يوماً (انهارت في مارس «آذار» الماضي)، كانت «حماس» داخل قطاع غزة تسعى لإعادة تركيب هيكلها التنظيمي بتكليف قيادات جديدة لإدارة بعض المفاصل.

وساد اتجاه للدفع نحو إجراء انتخابات داخلية سريعة لتثبيت قيادة خليل الحية لرئاسة المكتب السياسي في قطاع غزة، الأمر الذي جرى بالتوافق باعتباره أنه كان نائباً لرئيس المكتب السابق يحيى السنوار الذي قتل في معارك مع قوة إسرائيلية في رفح بشهر أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

«فراغ إداري»

وحاول الحية الموجود في قطر، ويتنقل كذلك بين مصر وتركيا ودول أخرى في إطار قيادته لوفد «حماس» لمفاوضات وقف إطلاق النار، التعاون مع قيادات في غزة، ومنهم أعضاء بالمكتب السياسي مثل: محمد الجماصي، وياسر حرب، وإسماعيل برهوم، وعصام الدعاليس، وإعادة هيكلة عمل التنظيم داخل القطاع. لكن الأسماء السابقة تعرضت لسلسلة اغتيالات بعد استئناف إسرائيل لحربها.

فلسطينيون يحملون نعش إسماعيل برهوم عضو المكتب السياسي لـ«حماس» بقطاع غزة في 24 مارس 2025 (أ.ب)

وعادت «حماس» لتواجه واقعاً صعباً على المستوى القيادي الإداري على الأقل في المرحلة التي تواصل فيها إسرائيل ملاحقتها للقيادات والنشطاء الفاعلين على الأرض.

ودفعت الملاحقات والفراغ الإداري الذي تعيشه «حماس» داخل غزة إلى تأخير صرف رواتب عناصرها الحكوميين، فيما صُرفت رواتب عناصر التنظيم من المستويين السياسي والعسكري في ثاني أيام عيد الفطر بنسبة وصلت إلى 60 في المائة كحد أقصى.

وتقول مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» إن تأخير صرف الرواتب أحد أسبابه الفراغ الإداري، وصعوبة اتخاذ القرار بفعل الملاحقة الإسرائيلية لقيادات من الحركة تشرف على عملية صرف الرواتب، وإدارة الأوضاع بغزة.

وتؤكد المصادر أن سلسلة الاغتيالات الأخيرة منذ استئناف الحرب أثرت بشكل كبير على إدارة ملفات الحركة خصوصاً داخل قطاع غزة.

كيف تُدار «حماس»؟

وتتولى قيادة «حماس» في غزة مفاصل أهم الملفات القيادية والمركزية داخل المكتب السياسي للحركة، ما يعني أن الاغتيالات التي طالت قياداتها في القطاع كان لها الأثر على المكتب العام.

وحالياً يتولى كيان «المجلس القيادي» إدارة الحركة؛ إذ تشكّل بعد الفراغ الذي سببه اغتيال رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية في طهران في يوليو (تموز) الماضي، ثم مقتل خليفته يحيى السنوار بعد نحو 3 أشهر في غزة.

يحيى السنوار (يمين) وإسماعيل هنية (يسار) بقطاع غزة في 26 يونيو 2019 (أ.ب)

وبسبب تعذر فرصة إجراء انتخابات داخلية لتحديد شخصية جديدة لرئيس المكتب ونائبه، لجأت «حماس» إلى صيغة «المجلس القيادي».

كان القرار داخل «حماس» يُتخذ سابقاً (قبل الاغتيالات والحرب) عبر إجماع المكتب السياسي مع أفضلية لرئيسه ونائبه، ورئيس مكتبي: الضفة، والخارج.

وحالياً يُعد «المجلس القيادي» المُشكّل بالأساس من عدة أعضاء بينهم رؤساء الأقاليم، صاحب القرارات داخل الحركة بالإجماع فيما بينهم، والتي يتم التشاور فيها مع باقي أعضاء المكتب السياسي عندما تكون هناك ضرورة ملحة.

ويضم «المجلس القيادي» المكتب السياسي عن أقاليم: (قطاع غزة، والضفة الغربية، والخارج)، ويتم اتخاذ أي قرارات في نطاق إدارته للحركة بالتوافق مع جميع أعضاء المكتب السياسي ممن يتاح التواصل معهم في ظل صعوبات التواصل مع الجميع ممن هم داخل القطاع.

ويتزعم «المجلس القيادي» فعلياً، محمد درويش رئيس مجلس شورى «حماس» بعد اغتيال أسامة المزيني الذي قتلته إسرائيل في ضربة جوية بشقة سكنية في حي تل الهوا جنوب مدينة غزة بشهر أكتوبر 2023.

من اليمين أعضاء المجلس القيادي لـ«حماس»: محمد درويش وخليل الحية ونزار عوض الله في طهران فبراير الماضي (أ.ف.ب)

ولا يُعرف حالياً بدقة عدد أعضاء «المجلس القيادي»، لكن مصادر ترجح أنه يضم بين 5: 7 أشخاص، بينما يتضمن تشكيل المكتب السياسي أكثر من 20 موقعاً.

واغتالت إسرائيل نحو 15 قيادياً من أعضاء المكتب السياسي لـ«حماس»، في غزة، باستثناء هنية وصالح العاروري (قُتل في لبنان)، وكلاهما تمت تصفيته في الخارج.

صُنع القرار

تقول مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» إنه «لأسباب أمنية بفعل الظروف والملاحقة الإسرائيلية المستمرة، عادت قيادة الحركة إلى اتخاذ القرارات عبر (المجلس القيادي) دون الرجوع إلى قيادة الحركة في غزة إلا في حالات طارئة».

وتوضح أن «الاعتماد على المجلس القيادي كان مُتبعاً لفترة قصيرة خلال الحرب قبيل وقف إطلاق النار الأخير (أواخر يناير الماضي) وعقب التهدئة عادت الأوضاع لطبيعتها، لكن الاغتيالات الأخيرة واستئناف الحرب أعادا الأوضاع إلى ما كانت عليه».

ووفقاً للمصادر، فإن «هناك خطوطاً حمراء واضحة لا يستطيع (المجلس القيادي) أو من يقود المفاوضات اتخاذها دون العودة إلى كافة أعضاء المكتب السياسي، خاصةً ممن بقوا داخل القطاع، بما في ذلك موقف المجلس العسكري لـ(كتائب القسام) الجناح العسكري للحركة».

وتُفيد المصادر بأن من بين القضايا المصيرية مسألة «مفاوضات وقف إطلاق النار، والتي تتم فيها العودة فيها إلى قيادة قطاع غزة، وخاصةً من القيادة العسكرية لـ(القسام)، وعلى رأسهم محمد السنوار (شقيق القائد السابق للحركة يحيى السنوار)، والذي يقود فعلياً الكتائب في هذه المرحلة بعد أن نجحت إسرائيل في اغتيال محمد الضيف، ونائبه مروان عيسى».

صورة وزعها الجيش الإسرائيلي في 17 ديسمبر الماضي لمحمد السنوار شقيق يحيى في سيارة داخل أحد أنفاق «حماس» قرب معبر إيرز شمال قطاع غزة (الجيش الإسرائيلي - رويترز)

وتؤكد المصادر أن «محمد السنوار جزء من منظومة اتخاذ القرارات المصيرية داخل (حماس)، خاصةً فيما يتعلق بعمل (كتائب القسام)، وملف الأسرى الإسرائيليين».

المصادر أشارت كذلك إلى أن «السنوار أو الحية أو حتى درويش لا يمكن لأي منهم أن يتخذ قراراً منفرداً في قضايا مصيرية؛ إذ يتم ضمن إجماع (المجلس القيادي)، وأعضاء المكتب السياسي، وبالتنسيق مع المجلس العسكري لـ(القسام)».

وتُقر المصادر بأن «صعوبة الاتصالات في بعض الأحيان ما بين داخل وخارج قطاع غزة، والظروف الأمنية والملاحقات المستمرة لقيادات القطاع تؤخر وصول الرسائل إليهم». وتفيد بأنه جراء تلك الصعوبات «في بعض الأحيان يتأثر مسار المفاوضات بسبب تأخير تقديم الإجابات للوسطاء».

وتستدرك: «تلك العقبة لم يكن لها تأثير كبير أخيراً في ظل إصرار إسرائيل على رفض التعاطي بإيجابية مع المقترحات المقدمة من الوسطاء».


مقالات ذات صلة

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

المشرق العربي فلسطينية تعد وجبة في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

تحركات جديدة بشأن مسار اتفاق وقف إطلاق في قطاع غزة، الذي زاد تعثره منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
خاص فلسطينيون يلوحون بأعلام «حماس» خلال استقبال أسرى فلسطينيين في رام الله بالضفة الغربية نوفمبر 2023 (أ.ف.ب) p-circle

خاص «الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

بعدما كانت «حماس» بصدد انتخاب رئيس لمكتبها السياسي، تحدثت مصادر كبيرة في داخل وخارج غزة إلى «الشرق الأوسط» عن اتجاه «شبه نهائي» لتجميد المسار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص يمنيون يتابعون كلمة لـ«أبو عبيدة» المتحدث باسم «كتائب القسام» الذي أعلنت إسرائيل اغتياله في أغسطس 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

خاص محور دون أصوات... «المقاومة» تخسر مهندسي الحرب النفسية

لم تقتصر المواجهة في الشرق الأوسط على الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل اتسعت لتشمل جبهة موازية لا تقل خطورة: مهندسو السرديات والحرب النفسية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي سيارات تحمل أول مجموعة من الجرحى يغادرون مقر الصليب الأحمر الفلسطيني في خان يونس متجهين إلى معبر رفح الحدودي مع مصر (إ.ب.أ) p-circle

مقتل 4 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على غزة

قُتل 4 فلسطينيين في غارات إسرائيلية استهدفت مدينة غزة، بحسب ما أفادت هيئة الدفاع المدني ومستشفيان في القطاع الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (غزة)

العراق: واشنطن تهاجم «الحشد»... وطهران تقصف «البيشمركة»

عناصر من الحشد الشعبي في العراق يحملون نعشاً خلال تشييع لقائد عمليات الأنبار في بغداد في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
عناصر من الحشد الشعبي في العراق يحملون نعشاً خلال تشييع لقائد عمليات الأنبار في بغداد في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

العراق: واشنطن تهاجم «الحشد»... وطهران تقصف «البيشمركة»

عناصر من الحشد الشعبي في العراق يحملون نعشاً خلال تشييع لقائد عمليات الأنبار في بغداد في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
عناصر من الحشد الشعبي في العراق يحملون نعشاً خلال تشييع لقائد عمليات الأنبار في بغداد في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

رغم تأكيدات متواصلة تطلقها الحكومة العراقية بشأن النأي بالبلاد عن دوامة الحرب الإقليمية الناجمة عن الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، فإن البلاد تشهد دخولاً فعلياً، لكنه «غير معلن» على المستوى الرسمي، في مقابل الإعلان الصريح بالدخول من قبل الفصائل المسلحة الموالية لإيران.

يوماً بعد آخر، يتكرس الدخول الفعلي في الحرب من خلال الهجمات المكثفة التي تشنها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على مواقع ومقار لـ«الحشد الشعبي»، في مقابل هجمات تشنها إيران وفصائلها على السفارة الأميركية بمواقع عديدة في بقية المحافظات وإقليم كردستان الشمالي، آخرها استهداف قاعدتين عسكريتين تابعتين لقوات «البيشمركة» الكردية.

وشهد فجر الثلاثاء ونهاره، أقوى موجة تصعيد وهجمات نفذتها القوى المتصارعة على الأراضي العراقية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي.

مصرع قائد «حشد» الأنبار

في سياق أقوى الضربات التي تلقاها «الحشد الشعبي» خلال الأسبوعين الماضي، أدى هجوم جوي، يعتقد أنه أميركي، إلى مصرع قائد عمليات محافظة الأنبار في هيئة الحشد الشعبي سعد دواي، وهو أرفع شخصية فصائلية قتلت حتى الآن، بحسب بعض المصادر.

وأعلنت هيئة «الحشد الشعبي»، في بيان، مصرعه إلى جانب مقتل عدد آخر من المنتسبين والجنود.

وقالت في بيان، إن «قائد عمليات الأنبار في هيئة الحشد الشعبي سعد دواي البعيجي قتل مع ثلّةٍ من رفاقه الأبطال، إثر ضربةٍ جويةٍ أميركيةٍ «غادرة» استهدفت مقرّ القيادة في أثناء تأديتهم واجبهم».

وأعلنت خلية الإعلام الأمني التابعة لقيادة العمليات المشتركة، مقتل 15 منتسباً في هجوم الأنبار وضمنهم قائد العمليات، إلى جانب إصابات لحقت بآخرين، وذكرت أن الهجوم نفذه «قصف جوي أميركي إسرائيلي». وقالت الخلية إن «الجريمة تستهدف تقويض أمن العراق واستقراره».

وعلى وقع التطورات الأمنية، وجه القائد العام للقوات المسلحة محمد شياع السوداني، الثلاثاء، بعقد اجتماع طارئ للمجلس الوزاري للأمن الوطني على أثر هجوم الأنبار.

وتشير أوساط مقربة من دوائر قوى «الإطار التنسيقي» إلى اجتماع مرتقب يعقد على خلفية التصعيد الأمني الأخير، يتم خلاله اختيار ممثلين عن هيئة الحشد الشعبي والسلطة القضائية لـ«بحث التطورات الأمنية الخطيرة وانعكاساتها على العراق».

عناصر من الحشد الشعبي في العراق خلال تشييع قتلى الهجوم الأميركي على مقرهم في الأنبار (إعلام الهيئة)

استهداف رئيس «الحشد»

في تطور لاحق من ظهر الثلاثاء، أعلنت مصادر أمنية عن تعرض موقعين تابعين لقيادات في الحشد الشعبي إلى قصف جوي شمال مدينة الموصل. وأظهر «فيديو» متداول تصاعداً كثيفاً لألسنة الدخان من المنزل المستهدف.

وتقول المصادر إن المنزل المستهدف بمثابة دار ضيافة تعود إلى رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض في حي الملايين شمال الموصل. وسرت أنباء غير مؤكدة عن مقتل الفياض، الأمر الذي لم تنفه أو تؤكده أي جهة رسمية.

وبالتزامن، تعرض مقر آخر تابع لزعيم كتائب «بابليون» في الحشد ريان الكلداني في منطقة القوسيات، إلى هجوم مماثل من دون معرفة القتلى والخسائر التي لحقت بالموقعين.

لكن بياناً لهيئة الحشد، أكد أن الهجوم طال «مكتب هيئة الحشد الشعبي في مدينة الموصل» وأدى إلى إصابة أحد المقاتلين وتدمير المقر.

قوات من «البيشمركة» خلال احتفال في أربيل عاصمة إقليم كردستان عام 2023 (أ.ف.ب)

هجوم ضد «البيشمركة»

شمال البلاد تعرضت قوات البيشمركة (حرس الإقليم) الكردية إلى هجمات بصواريخ باليستية إيرانية أسفرت عن مقتل وإصابة 36 عنصراً من البيشمركة.

وأعلنت وزارة شؤون البيشمركة في كردستان، الثلاثاء، سقوط 36 ضحية من عناصرها من جراء قصف بالصواريخ الباليستية استهدف مقار عسكرية شمال محافظة أربيل.

وقالت الوزارة في بيان، إن «القصف طال مقر الفرقة السابعة مشاة التابعة للمنطقة الأولى، بالإضافة إلى وحدات من الفرقة الخامسة مشاة ضمن حدود إدارة منطقة (سوران) المستقلة». واصفة إياه بـ«هجومٍ غادرٍ ينضح بالخيانة نُفذ بـ6 صواريخ باليستية إيرانية».

وأضافت أن «هذا العمل العدواني، الذي يفتقر لأدنى القيم الإنسانية ومبادئ حُسن الجوار، أسفر عن استشهاد 6 من أبطال البيشمركة، وإصابة 30 آخرين بجروح».

وتابع البيان: «لم نكن نتوقع، بأي حال من الأحوال، أن تُقابل المواقف السلمية لإقليم كردستان بمثل هذا الرد الجبان، ولكننا نُدرك تماماً أن عمر الظلم والطغيان قصير، وأن إرادة السلام هي التي ستنتصر في المطاف الأخير».

وأدان رئيس إقليم كردستان، نيجرفان برزاني، الهجوم، وعدّه «اعتداءً عدوانياً مباشراً على سيادة البلاد، ولا يحمل أي مبرر، ويتنافى تماماً مع مبادئ حسن الجوار».

وطالب الحكومة الاتحادية العراقية والمجتمع الدولي بـ«تكثيف الجهود لمنع تكرار هذه الاعتداءات وحماية سيادة الأراضي العراقية وإقليم كردستان».

من جهته، وصف رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني، الهجوم على مواقع قوات البيشمركة بأنه عمل عدائي لا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال.

وقال بارزاني في بيان الثلاثاء، إنها «ليست المرة الأولى التي تُنفَّذ فيها مثل هذه الاعتداءات المتكررة ضد إقليم كردستان دون مراعاة مبادئ حسن الجوار والقانون الدولي».


«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)
قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)
TT

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)
قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)

كان لبنان حاضراً، الاثنين، بقوة في باريس. واللبنانيون، أكانوا رسميين أو غير رسميين، تواعدوا في معهد العالم العربي. والمناسبة: افتتاح معرض «بيبلوس (جبيل) مدينة لبنانية عريقة منذ آلاف السنوات». وزاد من الضغوط البروتوكولية والأمنية حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمشاركة في تدشين المعرض، مع وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة، ورئيسة المعهد الجديدة آن كلير لو جاندر، ووزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، الذي زار لبنان الأسبوع الماضي، ووزيرة الثقافة الفرنسية كاترين بيغارد، وسفير لبنان في فرنسا ربيع الشاعر، ومندوبة لبنان لدى «اليونيسكو» هند درويش، وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، ورئيسي بلدية جبيل الحالي والسابق جوزيف الشامي وزياد حواط، ومدير عام «اليونيسكو» خالد العناني، ومندوب الجامعة العربية في باريس ناجي أبي عاصي، إلى جانب غالبية السفراء العرب لدى فرنسا، والمندوبين لدى «اليونيسكو»، وممثلي المتاحف والمعاهد الثقافية، فضلاً عن حضور إعلامي استثنائي وكثير من المدعوات والمدعوين الذين ضاقت بهم قاعة المجلس الأعلى في المعهد وشرفه وساحاته... وتُعدّ إقامة المعرض، في هذا الوقت تحديداً، فعل تضامن فرنسي مع لبنان، وهو ما أشار إليه ماكرون وأكّده في كلمته. وبعد انتهائها، أمضى وقتاً طويلاً في مصافحة العشرات من المسؤولين والشخصيات اللبنانية التي يعرفها ولا يعرفها.

ماكرون يصافح لو جاندر بحضور غسان سلامة (أ.ب)

وإذا كان هذا الجمع الغفير قد تجمهر في المعهد، فليس فقط لأن معرضاً مخصّصاً لإحدى أقدم مدن العالم رأى أخيراً النور وسط تحديات لا تُقارن، بل خصوصاً لأنه يُشكّل نقطة ضوء في نفق مظلم يجتازه لبنان. وكم كانت المفارقة لافتة بين حالة وطن هُجِّر أكثر من مليون شخص من أبنائه من منازلهم، وهُدم عدد منها، وأعداد ضحاياه بالآلاف، وبين هذه الجمهرة الثقافية - الفنية التي تعيد إلى الذاكرة أنّ للبنان فضلاً على الحضارة البشرية، وأنه قدَّم لها الحرف والكتابة، وأنّ مدناً مثل بيبلوس وصور وصيدا (صيدون)، والشاطئ الفينيقي بشكل عام، أسهمت في دفع هذه البشرية إلى الأمام، بفضل تاريخها الذي يعود إلى نحو 7000 عام قبل الميلاد، وكانت على تواصل مع العالم المتوسّطي والأفريقي والآسيوي، وأنّ بواخرها لم تكن فقط للتجارة، وإنما لنشر الحرف ودفع التقدُّم والمعرفة إلى الأمام.

لافتة «أعمال فنية حُجبت بسبب الحرب» ضمن المعرض (رويترز)

في هذا السياق، لخَّصت رئيسة المعهد آن كلير لو جاندر أهمية المعرض بقولها إنه «يحمل شحنة رمزية عميقة»، وهو «صرخة مقاومة في وجه الدمار، وكذلك في وجه النسيان، إذ يذكّر بأنّ لبنان لا يُختزل في صراعاته، بل هو وريث أحد أقدم تواريخ البشرية وأغناها».

بدورها، تقول المديرة المسؤولة عن موقع بيبلوس (جبيل) الأثري، تانيا زافن، خلال سردها تاريخية المعرض وأهميته، إنّ لبنان لا يستحق ما يحدث له: «هناك محاولة لاقتلاعنا وتدمير تراثنا الثقافي والطبيعي. نخشى أن نصبح مثل غزة. الصمت الذي يحيط بلبنان قاسٍ ومدوٍّ». وإزاء المعروض في الطابقين الأول والثاني من معهد العالم العربي، من الجرار والتعاويذ والفؤوس المزخرفة بزخارف حيوانية والحُليّ الذهبية المعروضة، فإن ذلك كلّه، وفق المسؤولة الثقافية اللبنانية، «لم يعد مجرّد بقايا أثرية. إنها تروي الماضي والحاضر معاً، وتحمل رسالة بلد صغير بعظمة تاريخه، يرزح تحت القصف، لكنه يتمسَّك بعناد بذاكرته وهويته». وتؤكد تانيا زافن: «بالنسبة إلينا، هذا المعرض مقاومة ثقافية».

الرئيس ماكرون يصافح عدداً كبيراً من الحاضرين بينهم لبنانيون (أ.ف.ب)

ويضمّ المعرض المستمرّ حتى 23 أغسطس (آب) المقبل، نحو 400 قطعة أثرية، غالبيتها جاءت من المتحف الوطني اللبناني، وبعضها يخرج من لبنان للمرة الأولى، تُضاف إليها مجموعة من القطع المعارة من متحف اللوفر في باريس. وقال المدير العام للآثار في وزارة الثقافة اللبنانية، سركيس الخوري، الذي أشرف على نقل شحنتين من الأعمال الفنية من بيروت إلى باريس في شباط (فبراير) الماضي، إنّ «الاستعدادات كانت مليئة بالتحدّيات». وقد أُلغيت شحنة ثالثة في أوائل آذار (مارس)، بسبب الأوضاع الأمنية التي تسبَّبت بتأجيل المعرض من عام 2024 إلى الشهر الحالي. كذلك، فإن نحو 20 مرساة حجرية ولوحة فسيفساء كبيرة وصلت بسلام قبل أيام من افتتاحه. وأشادت آن كلير لو جاندر، التي خلفت جاك لانغ في هذا المنصب الشهر الماضي، بالمعرض المُقام «بشجاعة كبيرة رغم القصف»

ووفق سركيس الخوري، فإنّ وضع ثروة الآثار في لبنان مقلق جداً، إذ إنّ مواقع عدّة مُدرَجة على قائمة «اليونيسكو» باتت اليوم في خطر، خصوصاً في جنوب لبنان حيث دُمِّرت قرى بأكملها حاملة معها ليس فقط المباني، وإنما أيضاً المشاهد الثقافية التي تشكّلت عبر آلاف السنوات. ويُنبّه الخوري إلى أنّ المواقع الأثرية التي لا يزال بعضها مدفوناً قد تختفي قبل حتى أن تُدرس، ممّا يجعل الحفاظ على هذا التراث مهمّة عاجلة تكاد تكون يائسة. ورغم أنّ معظم القطع وصلت، فضَّل لبنان الاحتفاظ بسبع قطع شديدة القيمة، من بينها مسلّة منقوشة تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد. وقد جرى التعبير عن هذا الغياب بطريقة رمزية، فتُركت المنصة المخصَّصة لها فارغة، مع عرض صورة فوتوغرافية قديمة لها بدلاً منها. بالمقابل، وصلت القطعة الكبرى، وهي فسيفساء رومانية يزيد طولها على مترين تمثّل «اختطاف أوروبا»، إذ شُحنت بحراً ووصلت إلى لوهافر قبل أن تُنقل إلى المعهد.

ماكرون يلقي كلمته في افتتاح معرض «بيبلوس» بمعهد العالم العربي (أ.ف.ب)

ومنذ بدء التنقيبات فيها عام 1860، لم تتوقَّف بيبلوس، المُشتقّ اسمها من اليونانية «بيب لوس» التي تعني ورق البردي (بابيروس)، الواقعة على مسافة 38 كيلومتراً شمال بيروت، عن إدهاش العالم بفضل اكتشافات كبرى، كان آخرها عام 2019، حين عُثر على مقبرة واسعة تعود إلى 4 آلاف عام. وكان لبيبلوس، تاريخياً، إلى جانب دورها الثقافي، دور محوري في تاريخ البحر المتوسّط. فمنذ العصور القديمة، ربطت سواحل المشرق بمصر وبلاد الرافدين بالعالم الإيجي، وأسهمت بشكل حاسم في انتشار الأبجدية الفينيقية. وتوضح مسؤولة المعارض في المعهد إلودي بوفار: «كانت بيبلوس أقوى مدينة ساحلية في العصر البرونزي. ومن هناك انطلقت تجارة خشب الأرز، الضروري للسفن الجنائزية كما للقصور والمعابد». كما كانت أيضاً على تواصل وثيق مع مصر الفرعونية، ويضمّ المعرض مجموعة من المراسلات المنحوتة على الحجر التي تُبيّن قوة هذه العلاقة.

وفي الكلمة التي ألقاها، قال ماكرون إنّ المعرض «يروي كثيراً عن مصير لبنان ومقاومته للإمبراطوريات»، إذ إنه «ضدّ الحرب» التي عقَّدت وصول عدد كبير من الأعمال المعروضة في باريس. وأضاف أنه «في زمن الشقاق الديني، وفيما يسعى البعض لدفعنا نحو حروب متصاعدة، وفي وقت يحاول آخرون إقناعنا بأنّ الأمن لا يتحقق إلا بغزو الجار الذي نخشاه، يذكّرنا لبنان بأمر واحد: قوة العالمية. أي قوة القانون الدولي».


مذكرات توقيف لعناصر من «حزب الله» نقلوا صواريخ وأسلحة حربية

صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي بمنطقة حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت التي استُهدفت مساء الاثنين بغارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي بمنطقة حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت التي استُهدفت مساء الاثنين بغارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

مذكرات توقيف لعناصر من «حزب الله» نقلوا صواريخ وأسلحة حربية

صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي بمنطقة حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت التي استُهدفت مساء الاثنين بغارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي بمنطقة حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت التي استُهدفت مساء الاثنين بغارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل القضاء العسكري في لبنان مساراً مختلفاً عن السابق في مقاربة الملفات الأمنية العائدة لعناصر من «حزب الله»، إذ شهدت أروقة المحكمة العسكرية في لبنان جلسات استجواب لأربعة منهم في قضية حيازة صواريخ وأسلحة حربية، حيث مثل، يوم الثلاثاء، عنصران من «الحزب» أمام قاضية التحقيق العسكري الأول غادة أبو علوان، التي استجوبتهما وأصدرت مذكرتين وجاهيتين بتوقيفهما، وذلك بعد أكثر من أسبوعين من القبض عليهما في بلدة كفرحونا (جبل لبنان)؛ على خلفية نقلهما 21 صاروخاً من منطقة البقاع إلى الجنوب اللبناني، في مخالفة صريحة لقرار الحكومة اللبناني الذي حظر نشاطات «حزب الله» العسكرية والأمنية.

مناصرون لـ«حزب الله» يشيّعون عنصراً قتل في غارات إسرائيلية على بلدة النبي شيت بالبقاع شرق لبنان (أ.ب)

وأوضح مصدر قضائي أن جلسة استجواب العنصرين عُقدت بحضور وكيل الدفاع عنهما المحامي معن الأسعد، واستغرقت ثلاث ساعات.

وأكد، لـ«الشرق الأوسط»، أن الموقوفين «اعترفا صراحةً بنقل الصواريخ وأنهما يقومان بواجبهما في مواجهة الجيش الإسرائيلي الذي يحتل أرضاً لبنانية ويمارس اعتداءاته المتكررة على البلد». ووفق المصدر، فإن عنصري «الحزب» عدّا أنهما «يقومان بواجبهما المقاوم الذي ترعاه القوانين الدولية».

وفي ختام الجلسة، قررت القاضية أبو علوان إصدار مذكرتيْ توقيف وجاهيتين بحق المستجوَبين. ووفق المصدر القضائي فإن التوقيف جاء سنداً للادعاء الصادر عن مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، ومنسجماً مع المادة 72 من قانون الأسلحة والمادة 288 من قانون العقوبات، واستند الادعاء إلى المادة 72 من قانون الأسلحة، التي تُجرّم حيازة أو نقل الأسلحة الحربية دون ترخيص، إضافة إلى المادة 288 من قانون العقوبات وهي مادة جنائية تُعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية».

عَلَم لـ«حزب الله» إلى جانب منزل مدمَّر في بلدة النبي شيت جنوب لبنان (رويترز)

رفض طلب إخلاء السبيل

تنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على أن «يعاقَب بالاعتقال المؤقت كل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقْدم على أعمال أو كتابات أو خُطب غير مُجازة من الحكومة مِن شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن وكيل الموقوفين تَقدّم بطلب لإخلاء سبيلهما بحقّ أو لقاءَ كفالة مالية، إلّا أن المصدر القضائي رجّح أن ترفض قاضية التحقيق هذا الطلب في ضوء الأفعال المنسوبة إليهما، وأن تصدر، خلال الأيام المقبلة، قرارها الاتهامي في الملفّ وتحيلهما على المحكمة العسكرية الدائمة لمحاكمتهما»، مشيراً، في الوقت نفسه، إلى أن القضاء «أمر بمصادرة الأسلحة المضبوطة لصالح الجيش اللبناني».

في سياق متصل، استجوب قاضي التحقيق العسكري جورج مزهر أحد عناصر «حزب الله»، الموقوف في قضية نقل أسلحة حربية، بعدما ضُبط بحوزته 6 رشاشات و4 مسدسات حربية، وقرر توقيفه وجاهياً سنداً لمواد الادعاء، كما سبق لقاضي التحقيق ريّان المصري توقيف عنصر آخر بالجرم نفسه وأصدر بحقّه مذكرة توقيف بجرم نقل أسلحة حربية غير مرخصة ومخالِفة قرار الحكومة اللبنانية بحظر نشاطات «حزب الله» على كل الأراضي اللبنانية.

بالتوازي، نفّذ عدد من المحامين والناشطين اعتصاماً أمام قصر العدل تضامناً مع الموقوفين، مطالبين بإطلاق سراحهم، إلا أن القضاء العسكري لم يستجب لهذه المطالب.